الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

( مشاهير الكيميائيين العرب في العصر الحديث )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/5/13

 تاريخ العلوم العربية القديمة يمتد لقرون طويلة من نهاية القرن الثاني الهجري وربما حتى نهاية القرن الثامن الهجري (القرن 8 الميلادي وحتى القرن 14) وهي الفترة التي تسمى إجمالا (العصر الذهبي للعلوم العربية) وإذا كان علم الطب الإسلامي امتد لفترة طويلة شملت مشاهير الأطباء العرب من الرازي في مطلع القرن الثالث الهجري وحتى ابن النفيس في القرن السابع الهجري. إلا أنه في المقابل نجد أن علم الكيمياء العربية القديمة ليس من فراغ كانت توصف بأنه (صنعة جابر) وذلك لأنه كما يقول بعض المؤرخين والمفكرين بأن (الكيمياء ابتدأت وانتهت بجابر بن حيان). والمعنى أنه لا يوجد كينونة حقيقة لعلم الكيمياء العربية القديمة خارج كتب جابر بن حيان وبعض كتب الأطباء مثل الرازي أو الصيادلة مثل ابن البيطار بينما أغلب من ينسب لصنعة الخيمياء العربية ليس لهم إسهام (علمي) فيها باستثناء إضافات محدودة للجلدكي والمجريطي بينما الطغرائي كان شاعرا وجعفر الصادق عالم شريعة في حين أن خالد بن يزيد بن معاوية كان فقط رجل سياسة تكفل بتمويل ترجمة كتب الخيمياء العتيقة.

وعليه وبعد سنين طويلة وأجيال متلاحقة من الفخر وتكرار الحديث عن إسهامات جيل الرعيل الأول من العلماء العرب والمسلمين في علوم الكيمياء لعل من الملائم أكثر تسليط بعض الأضواء الكاشفة والفلاشات النيرة على (الجيل المنسي) من رواد الكيمياء في العصر الحديث الذين أصبحوا وكأنهم جيل ضائع بين مشاهير الكيميائيين العرب في القديم (جابر بن حيان) وبين نجوم الكيمياء في الزمن الحديث (أحمد زويل وعمر ياغي). وبحكم أن يوم غد الأحد (25 أكتوبر) يتوافق مع بداية انطلاق فعاليات (أسبوع الكيمياء العربي) الذي يقام سنويا في الأسبوع الرابع من شهر أكتوبر، لذا لعل من الملائم الإشارة والإشادة بجيل الرواد من علماء الكيمياء في العصر الحديث.

ولكن قبل ذلك نحتاج أن نعود بالزمن قليلا إلى المرحلة التي تحولت فيها صنعة (الخيمياء) إلى علم (الكيمياء) الحديث حيث يشير المختصون في تاريخ العلوم بأن العالم الكيميائي البريطاني روبرت بويل ربما هو أول شخص يحمل لقب (كيميائي Chemist) حسب المفهوم الحديث في حين أن العالم الفرنسي أنطوان لافوازية يستحق كذلك لقب أبي علم الكيمياء الحديثة. وما يهمنا هنا أن علم الكيمياء قديما كان يتم تدريسه كجزء من العلوم الطبية والصيدلانية ولكن مع مطلع القرن التاسع عشر بدأ تدريس علم الكيمياء الحديثة بشكل مستقل في فرنسا وذلك عندما تم بعد اندلاع الثورة الفرنسية وبالتحديد في عام 1794م أنشاء ما تسمى مدرسة البوليتكنيك (المدرسة متعددة الفنون والعلوم) ومن الغريب أنها تم افتتاحها في نفس سنة إعدام لافوازية بمقصلة الثورة الفرنسية. على كل حال كانت تلك المدرسة مخصصة في الأصل لتدريس المهندسين الذين سوف يعملون في الجيش، ولكن في السنة الأول في تلك المدرسة كان الطلاب يدرسون العلوم الحديثة كالرياضيات والكيمياء والفيزياء وعليه سوف يتخرج لاحقا أشهر العلماء الفرنسيين في القرن التاسع عشر من هذه المدرسة.

منذ زمن جابر بن حيان المتوفي في عام 200 هجري (815 ميلادي) لم تتغير الكيمياء العربية كثيرا عبر ألف سنة من التاريخ ثم قبل 200 سنة بالضبط حصلت المرحلة الفاصلة في عالمنا العربي بين صنعة الخيمياء القديمة بين علم الكيمياء الحديث وذلك لأنه في صيف عام 1826م بدأ مجموعة من الطلاب العرب في دراسة علم الكيمياء الحديثة. في الواقع بعد ألف سنة من وفاة جابر بن حيان سجل التاريخ أول طلاب العلم العرب الذين درسوا علم الكيمياء الحديث وذلك من خلال البعثة التعليمية التي أرسلها حاكم مصر محمد علي باشا إلى فرنسا في عام 1826 ميلادي. كان عدد طلاب البعثة المصرية الأولى تقريبا 40 طالبا التحقوا بالعديد من المعاهد والمدارس الفرنسية في مدينة باريس لتلقي العلوم الحديثة المختلفة مثل الحقوق والعلوم العسكرية والمدفعية والملاحة والهندسة البحرية والطب والجراحة والزراعة والميكانيكا وعلم المعادن وطبعا (علم الكيمياء). وبهذه المناسبة وبعد مرور قرنين من الزمن تجدر الإشارة إلى أسماء الطلاب المصريين الأربعة الذين كانوا أوّل من درس علم الكيمياء الحديث في باريس هم: عمر الكومي وأحمد يوسف وأحمد شعبان ويوسف العياضي. وللأسف لم أستطيع الحصول على أي معلومات إضافية عنهم بعد عودتهم من البعثة الفرنسية بالرغم من أن بعض أعضاء البعثة الأولى بعد رجوعهم لمصر وصل بعضهم لمناصب رفيعة مثل وزير الخارجية والعديد منهم أصبحوا من طائفة الباشوات والبكوات والأفندية.

وبالاستمرار مع البعثات المصرية إلى فرنسا نحتاج أن نقف وقفة خاصة مع البعثة الخامسة والتي كانت آخر بعثة في زمن محمد على باشا حيث نجد أن الشاب المصري عبدالعزيز الهراوي يلتحق بالبعثة الفرنسية عام 1845م لكي يدرس في كلية الصيدلة بجامعة باريس، ولكن لاحقا وبالتحديد في عام 1862م ربما سيكون هو أول شخص عربي (معروف) يقدم أطروحة علمية ورسالة جامعية في مجال الكيمياء وبالتحديد في تخصص كيمياء الأصباغ حيث كان عنوان رسالته العلمية (البحث في التاريخ الطبيعي والكيميائي والصناعي للحناء). والجدير بالذكر أن الكيميائي عبدالعزيز الهراوي شكر في مقدمة أطروحته العلمية تلك أحد أشهر علماء الكيمياء الفرنسيين في القرن التاسع عشر والذي قام بتدريس الهرواي وهو الكيمياء مارسيلان بيرتيلو الذي له إسهامات في علم الكيمياء الحرارية وكذلك في تشييد المركبات العضوية الحيوية. وبعد عودة الكيميائي عبدالعزيز الهراوي باشا إلى القاهرة تولى منصب مدير دار سك النقود المصرية وكذلك مدير (ناظر) مصنع البارود في القاهرة.

 أوائل دكاترة علم الكيمياء العرب

في الغالب الأطروحة العلمية التي تقدم بها عبدالعزيز الهرواي لجامعة باريس كانت استكمالا لمتطلبات الدراسة الجامعية العليا والتي تنتهي بتنفيذ بحث علمي مطول يتم تقديمة كأطروحة علمية ومع ذلك هذا لا يعني بالضرورة أن تلك الرسالة العلمية التي تقدم بها عبدالعزيز الهراوي هي (أطروحة الدكتوراه) ولذا هو لم يحصل على تلك الشهادة ولم يحمل ذلك اللقب (دكتور).  بالجملة يقال إن طه حسين هو أول شخص عربي يحصل على شهادة الدكتوراه وذلك من الجامعة الأهلية المصرية في القاهرة عام 1914م ونظر لأنه لم يكن قد مرّ بدرجتي الليسانس والماجستير لهذا كان يشعر بأن درجته العلمية ناقصة ولهذا حرص على الحصول على شهادة دكتوراه ثانية من جامعة مونوبلييه الفرنسية عام 1918م وكان عنوان أطروحته للدكتوراه (الفلسفة الاجتماعية عند ابن خلدون). أما في مجال التخصصات العلمية ففي الغالب فإن أول شخص يحصل على الدكتوراه فيها كان العالم المصري المشهور (الدكتور) على مصطفى مشرفة وذلك عام 1923م في مجال الفيزياء من جامعة لندن. أما أول (دكتور) عربي ومسلم في مجال الكيمياء فهو الدكتور أحمد زكي الذي تولى لاحقا منصب مدير جامعة القاهرة والمعروف لجيل الطيبين عندما شغل لسنوات طويل مهام رئيس تحرير مجلة (العربي) الكويتية المشهورة في عالم الثقافة العربية. الجدير بالذكر أن الدكتور أحمد زكي تنقل بين عدد من الجامعات البريطانية العريقة حيث التحق بجامعة نوتنجهام ثم تركها إلى جامعة ليفربول حيث حصل منها على شهادة الدكتوراه في الكيمياء عام 1924م ثم انتقل لجامعة مانشستر لمواصلة البحث العلمي وأخيرا التحق بجامعة لندن لينال منها درجة الدكتوراه في العلوم عام 1928م.

وبالانتقال إلى واقعنا المحلي وتاريخ علم الكيمياء في السعودية نجد أن أول دفعة تخرجت بدرجة البكالوريوس من كلية العلوم بجامعة الملك سعود في 1382 هجري (1962م) كان من ضمنها ثلاث طلاب سعوديين في التخصصات المزدوجة هم الخريج عبدالغني بن حمزة سليمان (تخصص الكيمياء والنبات) والأستاذ يوسف البراهيم التركي (تخصص الكيمياء وعلم الحيوان) والأستاذ صالح الكردي (الكيمياء وعلم الحيوان). ومن غرائب الموافقات أنه في نفس العالم الذي يتخرج فيه أوائل الطلبة السعوديين بشهادة البكالوريوس في الكيمياء وهو عام 1962م نجد أن الدكتور رضا عبيد رحمة الله في نفس تلك السنة سوف يكون أول سعودي يحصل على درجة الدكتوراة ولقب الدكتور في الكيمياء من جامعة برمنجهام البريطانية وذلك في تخصص الكيمياء الفيزيائية (كيمياء البوليمرات). الجدير بالذكر أن الدكتور رضا عبيد المولود بالمدينة المنورة توفي قبل أشهر قليلة ودفن رحمة الله بمقبرة البقيع وهو قد حصل على شهادة البكالوريوس في الكيمياء في عام 1958م من جامعة القاهرة ولاحقا تولى منصب أول عميد لكلية العلوم بجامعة الملك سعود. أما فيما يخص الدكتور عبدالغني حمزة فهو تقريبا ثاني عالم سعودي يحصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء حيث نالها عام 1966م من جامعة شفيلد البريطانية في تخصص الكيمياء التحليلية وبعد أن تولى منصب أول عميد لكلية الصيدلة بجامعة سعود انتقل للعمل في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة تقريبا في نفس الفترة التي تولى فيها الدكتور رضا عبيد منصب مدير جامعة الملك عبدالعزيز.

ونختم هذا التطواف مع جيل الرعيل الأول لعماء الكيمياء العرب بالإشارة إلى أن أول عربي تولى مهام رئاسة أول قسم كيمياء في الجامعات العربية هو الدكتور أحمد رياض تركي الذي تولى رئاسة قسم الكيمياء بجامعة القاهرة عام 1956م أي قبل أن يتخرج من ذلك القسم الدكتور رضا عبيد ووقت ما كان الدكتور أحمد زكي يشغل منصب رئيس جامعة القاهرة. أما في واقعنا المحلي فقد كان أول سعودي يتولى منصب رئيس قسم الكيمياء بجامعة الملك سعود هو الأستاذ الدكتور سالم الشويمان الله يمتعه بالصحة والعافية والذي تولى رئاسة القسم عام 1399 هجري. وفيما يخص الجمعيات الكيمائية العربية سوف نعود للدكتور أحمد زكي سالف الذكر حيث نجده في عام 1938م يقوم بتأسيس ورئاسة الجمعية الكيمائية المصرية وهي أول جمعية كيميائية عربية أما في واقعنا المحلي فقد تولى أستاذ الجميع الأستاذ الدكتور عبدالعزيز السحيباني سلمه الله مهام أول رئيس للجمعية الكيميائية السعودية وذلك في عام 1409هـجري. ثم اجتمع شمل الكيميائيين العرب في بغداد في عام 1976م حيث تم تأسيس اتحاد الكيمائيين العرب وعلية كان عالم الكيمياء العراقي الدكتور جلال محمد صالح هو أوّل من تولى منصب رئيس اتحاد الكيميائيين العرب، في حين كنت أنا العبد الفقير أوّل سعودي وأصغر عالم كيمياء عربي يتولى مهام رئيس اتحاد الكيميائيين العرب وذلك في عام 1428هـ  وهو منصب توليته دون استحقاق أو جدارة مني !!.

 ونختم هذا الملف المتعلق بـ (أوائل الكيميائيين العرب) بالإشارة إلى أنه فيما يتعلق بالزميلات من الكيميائيات العربيات يجدر التنويه بأن امرأة عربية ومسلمة تدرس علم الكيمياء الحديث كانت الكيميائية المصرية عقيلة عبدالحميد مصطفى والتي حصلت في عام 1938م على درجة البكالوريوس في علم الكيمياء من جامعة القاهرة. ثم بعد ذلك بسنتين أي في عام 1940م سوف تحصل الكيميائية المصرية سعاد محمد بدير على درجة البكالوريوس في الكيمياء ومن ثم على درجة الدكتوراه وبهذا ربما تكون هي أول كيميائية عربية تحصل على الدكتوراه في علم الكيمياء. وفي واقعنا المحلي نجد أنه في عام 1979م سوف تحصل السيدة خديجة بادحدح على درجة البكالوريوس في علم الكيمياء من جامعة الملك عبدالعزيز بجدة وبهذا (وعلى حد علمي) هي أول امرأة سعودية تدرس علم الكيمياء كما أنها غالبا سوف تكون أول سيدة سعودية تحصل على شهادة الدكتوراه في مجال علم الكيمياء من جامعة الملك عبدالعزيز علما بأنها تدرجت في العمل الإداري حتى وصلت في عام 2007 لمنصب وكيلة جامعة الملك عبدالعزيز لشطر الطالبات.

 الكيميائيين العرب وجائزة نوبل

من أهم المؤشرات على تميز وشهرة أي عالم أن يكون حاصلا على جوائز علمية مرموقة وبحكم أننا ما زلنا في سياق (أوائل الكيميائيين العرب) سوف نعرج على تاريخ حصول مشاهير الكيميائيين العرب في العصر على الحديث على الجوائز الدولية المشهورة في مجال علم الكيمياء. ولنبدأ بعالم الكيمياء المصري مصطفى السيد الأمريكي الجنسية والذي حصل عام 1990م على جائزة الملك فيصل العالمية فرع العلوم (الكيمياء) علما بأنه لاحقا في عام 2008م سوف يحصل كذلك قلادة العلوم الوطنية وهي أكبر جائزة علمية أمريكية. الغريب في الأمر أن أشهر الكيميائيين العرب على الإطلاق وهو المصري أحمد زويل حصل في عام 1989م على جائزة الملك فيصل العالمية فرع العلوم (الفيزياء) ثم كما هو معلوم حصل على جائزة نوبل في الكيمياء بعد ذلك بعشر سنوات بالضبط أي عام 1999 ميلادي.

وبما أن سيرة جائزة نوبل انفتحت فمن الملائم الإشارة إلى أنه في العام الماضي نال عالم الكيمياء الفلسطيني الأصل والحاصل الجنسية السعودية والأمريكية عمر ياغي على جائزة نوبل في الكيمياء نظير ريادته لمجال أبحاث الأطر المعدنية العضوية (MOFs). بينما في عام 2023م حصل الكيمياء التونسي الأصل والأمريكي الجنسية منجي الباوندي على جائزة نوبل في الكيمياء وذلك لدراساته الطيفية عن النقاط الكمومية. وقبل ذلك تمكن العالم اللبناني الأصل (الأرمني) والأمريكي الجنسية آرديم باتابوتيان من الحصول على جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء والطب لعام 2021م نظير أبحاثه عن القنوات والمستقبلات الأيونية في الخلية. وبالمناسبة عالم الكيمياء الأمريكي (ويليام) إلياس كوري Elias Corey الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1990م هو من أصول لبنانية من أسرة مسيحية هاجرت إلى أمريكا حيث أن أسم والده إلياس خوري (خوري تعني الكاهن أو القسيس) والغريب أن اسم والدته (فاطمة هاشم !!). ومن علماء الكيمياء العرب البارزين يجب أن نذكر عالم الكيمياء المغربي رشيد اليزمي الملقب بأبي بطاريات أيون الليثيوم وكان من المفترض أن يشارك علماء الكيمياء الثلاثة الذين حصلوا على جائزة نوبل للكيمياء عام 2019م الذين شاركوا رشيد اليزمي عبر السنوات في تطوير بطاريات الليثيوم ولكن للأسف تم حرمانه من جائزة نوبل.

 وأخيرا على عجالة نذكر بشكل سريع طائفة إضافية من (مشاهير الكيميائيين العرب) فمن ضمنهم الشاعر والسفير السوري الكبير عمر أبو ريشة حيث أرسله والده عام 1930م وهو في عمر العشرين إلى بريطانيا لكي يدرس الكيمياء الصناعية في جامعة مانشستر. وعلى نفس النسق نجد أن الشاعر والسفير السعودي الدكتور عبدالعزيز خوجة حاصل على درجة الدكتوراه في الكيمياء العضوية من جامعة بيرمنجهام البريطانية عام 1970م وكما هو معلوم شغل كذلك منصب وزير الإعلام. وبالإضافة لذلك نجد أن الشاعر والمفكر السعودي الدكتور راشد المبارك حصل على شهادة الدكتوراه في كيمياء الكم من جامعة جنوب ويلز عام 1974 ميلادي. ومن الشخصيات الكيميائية المميزة الجديرة بالإشادة الدكتور محمد هيازع الأسمري الذي تولى منصب وزير الصحة كما كأن أول مدير لجامعة جيزان وهو حاليا مدير جامعة الفصيل. ولا يفوتني في الختام أن أشيد بالدكتور محمد بن إبراهيم الحسن مرشدي الأكاديمي في مرحلة البكالوريوس بقسم الكيمياء بجامعة الملك سعود والذي بدوره كان أول مدير لجامعة نجران.

 

( على هامش التاريخ .. العدو يقصف )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/5/6

 للكاتب الأمريكي جاكسون براون المشهور بتأليفه لكتاب (إرشادات الحياة) مقولة حكيمة هي (لا تقاوم أبداً إزعاجا مؤقتا إذا كان سيؤدي إلى تحسين دائم) وربما يحسن أن نتأمل هذه الحكمة مع الحالة (المؤقتة) لشعور الإزعاج الذي نشعر به هذه الأيام جراء الاعتداءات المتكررة لميلشيا الحوثي الإرهابية على وطننا الحبيب. جرائم جماعة الحوثي الأثيمة ضد المدنيين من خلال تعمد قصف المطارات لنا تؤثر في نهاية المطاف على المشهد السياسي فضلا عن أن تكون عاملا حاسما في السجال العسكري ولهذا هي في الواقع أشبه بطنين مزعج ما أسرع أن يتلاشى مع الزمن. بالتأكيد سيمر بمشيئة الله كل هذا الإزعاج المؤقت ويكون عاقبة الأمور أن تتحسن مقاومتنا لمثل هذه الاعتداءات وبالتالي نبطل تأثيرها وتصبح مجرد ذكرى عابرة.

مليشيا جماعة الحوثي أحقر وأضعف من أن تسبب ضررا دائما علينا حتى وإن قصفت بالصواريخ بعض مدن المملكة فأثناء حرب الخليج الثانية قصف صدام حسين والجيش العراقي مدينة الرياض ومدينة الظهران بالصواريخ البالستية المريعة.  ومع ذلك ربما أغلب شباب الجيل الألفية لا يعرف هذه المعلومة لأن تلك الحوادث كانت مجرد (إزعاج مؤقت) وطنين متلاشي حتى وإن بلغ عدد الصواريخ الساقطة على مدن المملكة 43 صاروخ سكود وحتى وإن تسبب أحدها في مصرع 28 جنديا أمريكيا في مدينة الظهران. بل أن شباب الرياض بعد فترة قلق مؤقت أصبحوا يتسابقون للخروج للشوارع ليستمتعوا بمشهد الألعاب النارية عندما يتم اقتناص صاروخ سكود الروسي بصاروخ باتريوت الأمريكي.

والمقصود أن الألم الشعوري الذي عانينا من في بداية القصف الصاروخي الأثيم هذا الأسبوع على منشآتنا المدنية والاقتصادية بمشيئة الله سوف يتلاشى قريبا ويصبح مجرد ذكرى عابرة ربما أغلبنا سوف ينساها وتزول من ذاكرتنا الجمعية كما نسينا أو غاب عن علمنا أن وطننا الكبير لم يتأثر كثير في الماضي عندما تعرض عبر التاريخ للقصف العسكري من قبل الإنجليز أو الإيطاليين أو البرتغاليين أو الأتراك أو الجيش المصري.

إن الذخيرة الصاروخية لمليشيا الحوثي شيء تافه أمام القوة الضاربة لسلاح البحرية للإمبراطورية البريطانية التي كانت القوى العظمى في القرن التاسع عشر، ومع ذلك لم تؤثر كثيرا على مجريات الأحداث وواقع الناس في وطننا الأبي والصامد حتى عندما قصف الإنجليز مدينة جدة ومدينة الدمام في الزمن السابق. وهذا ما حصل في صيف عام 1858م عندما شهدت مدينة جدة تحت حكم الأشراف والعهد العثماني بعض الاضطرابات المحلية التي أسفرت عن مقتل القنصل الفرنسي وزوجته ومقتل نائب القنصل البريطاني وراح ضحيتها عدد كبير من الرعايا الأجانب خصوصا من اليونانيين المقيمون في تلك الفترة في جدة وهي الحادثة التاريخية التي تعرف باسم (فتنة جدة). وهنا حصل لأول مرة في التاريخ أن تعرضت مدينة جدة للقصف المدفعي حيث قامت البارجة البحرية الإنجليزية بفتح نيران مدافعها بشكل عشوائي على مدينة جدة مما أدى لتدمير وإحراق العديد من البيوت والمراكب التجارية في الميناء ومقتل بعض الأهلي وهذا ما سبب حالة من الذعر حيث فرّ العديد من أهالي جدة إلى مكة المكرمة.

ومن الساحل الغربي ومن مدينة جدة إلى الساحل الشرقي ومدينة الدمام ونبقى مع القوات الإنجليزية المعتدية على التراب الوطني حيث نجد أنه في شتاء عام 1866م قامت كتيبة بريطانية بمحاولة السيطرة على قلعة الدمام التي كانت في تلك الفترة تحت حكم الدولة السعودية الثانية. وهنا قامت السفينة الحربية البريطانية بالقصف المدفعي لقلعة الدمام وذلك لتسهيل اقتحام القوات البرية الإنجليزية للحصن بعد أن تمكنت من دخول ميناء الدمام وتدمير حصن صغير وبعض السفن، ولكن في نهاية المطاف فشل الهجوم على قلعة الدمام بسبب صمود الحامية السعودية الباسلة.

ونبقى في الساحل الشرقي من أرضنا المباركة ولكن سوف نعود بالتاريخ قليلا حتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي وبالتحديد في عام 958 هجري عندما بدأت الأساطيل البحرية البرتغالية محاولة التسلل إلى الخليج العربي واحتلال البحرين والمنطقة الشرقية. وهنا نجد أن مدينة القطيف تتعرض لقصف مدفعي مكثف أستمر لمدة أربعة أيام شاركت فيه المدفعية الموجودة على السفن الحربية البرتغالية التي كانت تهدف لتدمير قلعة القطيف التي كانت تحت سيطرة الحامية العثمانية آنذاك وللأسف انتهت معركة القطيف بسقوط المدينة والتي تعرضت للاحتلال البرتغالي لمدة عقدين من الزمن من عام 1551م وحتى عام 1572 ميلادي.

وقبل أن نغادر المنطقة الشرقية وبعد الحديث عن القصف والاعتداء العسكري الإنجليزي والبرتغالي عليها لعل من الملائم الإشارة كذلك إلى حادثة قيام طائرة حربية إيطالية بقصف مدينة الظهران !!. في أثناء الحرب العالمية الثانية كان (سلاح النفط) من الأمور المهمة في تحديد مصير بعض المعارك الحربية ولذا كان من المهم جدا حماية خطوط إمداد النفط ومن الغرائب أن الإخوة الأعداء الآن (أمريكا وإيران وروسيا) كانوا معا في الحرب العالمية الثانية في معسكر الحلفاء ولهذا قامت أمريكا وبريطانيا بإرسال قوافل من الشاحنات المحملة بالوقود من مصفاة عبادان عبر الأراضي الإيرانية (الممر الفارسي) لكي تصل إلى الاتحاد السوفيتي وتدعمه في حربه ضد ألمانيا النازية. وما يهمنا هنا أنه في عام 1940م حصلت غارة جوية شنتها طائرة حربية إيطالية لقصف المنشآت النفطية في جزيرة البحرين وكذلك قصف مصفاة النفط التابعة لشركة أرامكو المجودة في مدينة الظهران وذلك لأن إيطاليا الفاشية أرادت مدّ يد العون لحليفتها ألمانيا النازية.

 الجنوب واليمن والقلق الدائم

وعلى ذكر القصف الإيطالي لبعض مدن الساحل الشرقي لوطننا الحبيب تجدر إشارة إلى أنه قد حصل كذلك اعتداء حربي من قبل القوات العسكرية الإيطالية والتي قامت بقصف ميناء القنفذة على الساحل الغربي للمملكة. حصل ذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات قليلة وذلك عندما كانت منطقة الحجاز وجنوب الجزيرة العربية تحت هيمنة الدولة العثمانية ومن غرائب التاريخ أن توابع (الحرب الإيطالية العثمانية) للسيطرة على ليبيا تسببت في توسع ناطق الحرب إلى مناطق بعيدة جدا حيث قامت السفن البحرية الإيطالية في قصف الأسطول الحربي التركي في ميناء بيروت وميناء الحديدة وكذلك في ميناء .... القنفذة.

في شتاء عام 1912م حصلت ما تسمى (معركة خليج القنفذة) وذلك عندما رصدت المخابرات الإيطالية قيام الدولة العثمانية بنقل مقاتلين ومساعدات عسكرية عبر البحر الأحمر إلى مدينة السويس المصرية لكي يتم نقلها لاحقا عن طريق البر للمقاتلين في ليبيا. ولذا ولقطع خط الإمداد البحري هذا وكذلك لضمان هيمنة البحرية الإيطالية على مدخل البحر الأحمر وباب المندب عبر مستعمرتها في إيريتريا تحرك الأسطول الإيطالي لمطاردة القطع البحرية العثمانية التي كانت ترسو في ميناء القنفذة وهنا وقع الاعتداء الإيطالي الأثيم من قبل البوارج البحرية التي قامت بالقصف المدفعي لميناء ومدينة القنفذة الوادعة وذلك في واحدة من أكبر المعارك البحرية في البحر الأحمر قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وحتى سنوات قليلة كان يمكن بسهولة مشاهدة واحدة من تلك السفن العثمانية الغارقة بالقرب من ميناء القنفذة ولكن تم تفكيكها وانتشالها لأنه كانت تعيق حركة مرور السفن في حين أن بعض السفن التركية الغارقة في الأعماق يمكن أن تكون موقعا فريدا لهواة الغوص أمام شاطئ القنفذة.

وإذا كان الأسطول العثماني في تلك الحرب كان مُعتدى عليه فإنه كان قبل ذلك بسنة واحدة فقط معتديا علينا وهذا ما حصل في عام 1911م عندما وقعت بالقرب من مطار مدينة جازان الحالي معركة قديمة حملت اسم (معركة الحفائر) دارت رحاها بين الدولة الإدريسية بالمخلاف السليماني وبين الدولة العثمانية. وبعد أن انكسرت الحامية التركية وخسرت العديد من جنودها تحت وابل رصاص قبائل جيزان الأشاوس انسحبت بقية الكتيبة إلى داخل مدينة جيزان وتحصنت بها تحت غطاء من القصف المدفعي من القلاع المحيطة بالمدينة أو من سلاح المدفعية في البواخر الحربية التركية الراسية في ميناء جازان.

الجدير بالذكر أن الثورة ضد القوات العثمانية في جنوب الجزيرة العربية في ذلك الزمن تمت باتفاق بين الإمام محمد الإدريسي الذي تعهد بأن يثور ضد التواجد التركي في منطقة عسير ومدينة أبها بالتحديد وبالتزامن مع ذلك تعهد الإمام يحي حميد الدين بإشعال ضد الأتراك في مدينة صنعاء. وهذا الحلف والتعاون بين أهل منطقة عسير وجازان وبين إمام اليمن يحي حميد الدين يذكرنا بالحلف المسمى (حلف جدة) والذي كان يهدف لعقد اتفاقية دفاع أمني مشترك بين المملكة واليمن وجمهورية مصر العربية وقام بالتوقيع عليه في عام 1956م الملك سعود بن عبد العزيز والإمام أحمد بن يحي حميد الدين والرئيس جمال عبد الناصر. ثم حصلت ثورة 26 سبتمبر 1962م في اليمن وإعلان الجمهورية اليمنية التي دعمها بقوة جمال عبد النصار لدرجة إرسال قوات من الجيش المصري وصل عددها لأكثر من ستين ألف جندي. ونتيجة لدعم المملكة للنظام الملكي في اليمن ودعم الجيش المصري للنظام الجمهوري اليمني حصل للأسف أن وقع الاعتداء على التراب الوطني على هيئة غارات جوية حيث تكرر كثيرا انطلاق أسراب الطائرات الحربية المصرية من قاعدة الحديدة الجوية ومن قاعدة صنعاء لقصف المدن السعودية الحدودية مثل جيزان ونجران، بل وصل قصف الغارات الجوية المصرية حتى مدينة أبها مما خلف مقتل وإصابة المئات.

وهكذا اكتملت الدائرة وبعد هذه الجولة في التاريخ والجغرافيا ودهاليز السياسية تبين لنا أن قد تأتي لحظات إزعاج مؤقت في ثنايا الأحداث السياسية والتصعيد العسكري ولكنها سرعان ما تتلاشى في غياهب النسيان وتذهب دون أن تحدث أثر يذكر. فربما يقصفنا العدو بصواريخه كما فعل الحوثي أو بطائراته كما أقترف الناصري أو بمدافع بوارجه وسفنه كما فعل الإنجليزي والإيطالي ومع ذلك كما نسى الأجداد تلك الحوادث وتلاشت عن الذاكرة الجمعية لعل الأجيال القادمة سوف تنسى الأحداث الحالية وكأنها لم تقع لأنها على هامش التاريخ حتى ولو قصفنا العدو.

( جائزة نوبل للسلام بين العلماء والرؤساء )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/4/29 الموافق 10 أكتوبر

 توضيح:

أنا انتهيت من كتابة هذا المقال في مساء يوم الخميس 8 أكتوبر قبل أن أعلم بمنح جائزة نوبل للسلام لهذا العام للسيدة نافي بيلاي (لدورها في محاسبة القادة والسياسات التي تنتهك حقوق الإنسان) ولعل أبرز ما في ميسرتها القضائية ترأسها للجنة التحقيق الدولة التابعة للأمم المتحدة والتي اتهمت إسرائيل بارتكاب جريمة الإبادة الجماعية في غزة.

وهذا نص مقال اليوم:

 بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبعد أن حقق رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل شهرة طاغية وتقديرا وافرا من الشعب الإنجليزي الذي جلب له النصر، ومع هذا المجد إلا أن تشرشل كان يصرح للمقربين منه بأنه يتمنى أن يخلده التاريخ كصانع سلام بدلا من كونه قائدا حربيا ناجحا. ومن المهازل أن تشرشل الذي وافق على الخطط الحربية للغارات الجوية الليلية لسلاح الجو البريطاني على المدن الألمانية وخصوصا درسدن وهامبورغ والتي أدت لتدمير 300 ألف منزل ومقتل مئات الآلاف من المدنيين، ومع ذلك وجد من الحمقى والمجرمين الذين رشحوا تشرشل لجائزة نوبل للسلام أكثر من مرة إحداها بعد نهاية الحرب مباشرة عام 1945م وأخرى في عام 1950 ميلادي. والطريف في الأمر أن تشرشل بالفعل حصل على جائزة نوبل عام 1953م ولكن كانت خيبة أمله عندما اكتشف أنه حصل على تلك الجائزة المرموقة في مجال الأدب وليس في مجال السلام.

 سبق أن كتبت عبر السنوات الماضية بعض المقالات في انتقاد جائزة نوبل في الأدب مثل مقال (الحكم على لجان التحكيم) ومقال (جديد العولمة الثقافية .. أعمال أدبية متعددة الجنسيات) وربما حان الوقت لتخصص مقال عن جائزة نوبل للسلام. من نافلة القول الإشارة إلى أن من مخازي جائزة نوبل للسلام أنها منحت لبعض أعتى المجرمين في العصر الحديث مثل رئيس وزراء الكيان الصهيوني الغاصب مناحيم بيغن قائد منظمة الإرغون الصهيونية الإرهابية ومرتكب جريمة مذبحة دير ياسين والمشارك في مجزرة صبرا وشاتيلا وذلك بعد أربع سنوات فقط من حصوله على جائزة نوبل للسلام !!. بينما شيمعون بيريز له يد في مجزرة قانا في لبنان وقصف مقر قوات الأمم المتحدة وذلك في عام 1996م أي بعد سنتين فقط من مهزلة منحة جائزة السلام. بالإضافة إلى أن رجل السلام المزعوم هذا هو من لعب الدور الأساسي كوزير دفاع في تأسيس البرنامج النووي الإسرائيلي الذي يعتبر انتهاكا صارخا للشرعية الدولية والقرارات الأممية والمعاهدات الدولية. أما شريك شمعون بيريز في الحصول على جائزة نوبل وهو رئيس الوزراء الإسرائيلي المقتول إسحاق رابين وإن كان أقل خبثٌ وإجرام لكنه هو من انتهج سياسة (تكسير العظام) كوسيلة للقضاء على الانتفاضة الفلسطينية الأولى من خلال سحق وتكسير عظام المتظاهرين من الشباب والأطفال الذين تمّ اعتقالهم علما بأنه في حرب عام 1967 أصدر أوامره بإعدام الأسرى من جنود الجيوش العربية.

وبدلا عن فتح هذه الملفات السافرة في شناعة اختيارات الفائزين بجائزة نوبل للسلام سوف نعرج على عجالة لبعض أمثلة الإخفاقات الإضافية لجنة جائزة نوبل للسلام في الاختيار السيئ للفائزين بالجائزة ففي هذه الأيام تتصاعد تعقيدات الحرب الأهلية في أثيوبيا بالرغم من الرئيس الأثيوبي آبي أحمد نال جائزة نوبل للسلام في عام 2019 ميلادي. بينما زعيمة دولة ميانمار(بورما) السيدة أون سان سوتشي التي حصلت على جائزة نوبل للسلام عام 1991م نجد أن من المهازل أن لجنة جائزة نوبل للسلام ذكرت أنها منحتها الجائزة بناء على الحيثيات التالية (لنضالها السلمي من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان) وكذلك (لمساندتها لكافة الشعوب لتحقيق التوفيق بين الأعراق). ثم إذا بهذه المرأة المسالمة المزعومة توافق وتساند الجيش البورمي في حرب الإبادة والتطهير العرقي ضد طائفة الروهينجا المسلمة في دولة ماينمار وهذا التناقض الصارخ في مسيرة هذه المرأة قاد إلى ظهور حملات دولية متعددة من قبل عشرات الألوف تطالب بسحب الجائزة منها.

في العام الماضي في مثل هذه الأوقات المترقبة للإعلان عن الفائز الجديد بجائزة نوبل للسلام كان الجميع يتابع المهزلة التي يقوم بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سنته الرئاسية الأولى للفترة الثانية وهو يحاول بشكل مستميت بل ومنحط أن يحصل على جائزة نوبل للسلام حيث زعم أنه أوقف وساهم في تحقيق السلام في ثماني حروب كبرى بينما هو في الواقع بعد ذلك التبجح السخيف شنّ حرب كبرى ما زالت قائمة ضد إيران ودعم اجتياح جنوب لبنان بينما تفاخر ترامب بأنه اجتاح بلدا مستقلا هو فنزويلا وأعتقل وأهان رئيسها نيكولاس مادورو .

ثم أن المسرحية الهزلية لم تكتمل فصولا بعد، فبدلا من فوز الرئيس ترامب تم منح الناشطة السياسية الكولومبية ماريا ماتشادو جائزة نوبل للسلام لعام 2025 وإذا بها تغازل الرئيس الأمريكي ترامب لدرجة أنها أعلنت بكل صفاقة بأنها تتنازل عن جائزة السلام للرئيس ترامب وبالفعل قامت بإهداء الميدالية الذهبية لجائزة نوبل للسلام للرئيس ترامب بعد أيام قليلة من استلامها لها. والطامة الكبرى أن تلك السيدة التي تم منحها جائزة نوبل للسلام نظير (نضالها من أجل تحقيق انتقال عادل وسلمي من الديكتاتورية إلى الديمقراطية) وإذا بها بعد استلام الجائزة تتصل هاتفيا بمجرم الحرب الأكبر النتين ياهو وتعلن له تجديد دعمها للكيان الصهيوني !!.

والمقصود بعد هذا المدخل المطول والمستفيض لمهازل جائزة نوبل للسلام واختياراتها الشنيعة لبعض مجرمي الحروب وأخبث رجال السياسة (مثل وزير الخارجية الأمريكي سيئ الذكر هنري كيسنجر) لمنحهم تلك الجائزة التي لها بريق لا ينكر، كان الهدف توضيح وإبراز التناقض الصارخ في هذا الجائزة لدرجة أنه تمنح لمجرمي الحرب بينما في المقابل نجد أن أكثر شخصية سياسية اشتهرت بالسلام ونشر مبدأ اللاعنف وهو الهندي المهاتما غاندي لم تمنح له الجائزة بالرغم من أنه توفي بعد أن مرّ على تلك الجائزة نصف قرن من الزمان وبعد أن تم ترشيحه حوالي 12 مرة للجائزة !!.

 المعادلة الكيميائية للسلام الدولي

أودّ أن أعترف للقارئ الكريم أنني لم أكن لأكتب هذا المقال عن جائزة نوبل للسلام لو لم يكن اليوم السبت العاشر من شهر أكتوبر يتوافق مع مناسبة حصول عالم الكيمياء الأمريكي لينوس باولينغ على جائزة نوبل للسلام عام 1962م ولهذا كانت هذه الذكرى فرصة مناسبة وذهبية لتسليط الضوء للعلاقة المجهولة بين العلماء والأطباء وجائزة نوبل للسلام. بالمناسبة لينوس باولينغ هو صاحب النظرية العلمية التي تفسر تكون (الروابط) الكيميائية بين الذرات وبحصوله على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1954م أصبح هو الشخص الوحيد في التاريخ الذي (يربط) بين جوائز نوبل العلمية وجوائز نوبل الإنسانية. في الولايات المتحدة البعض يصف ويصنف لوينس باولينغ بأنه أهم وأبرز عالم كيمياء أمريكي على الإطلاق ولهذا يعتبر عندهم من مشاهير العلماء ومن اللطيف أنه توجد (رابطة) بين باولنغ أشهر كيميائي أمريكي وبين الدكتور أحمد زويل أشهر كيميائي عربي حيث إن أحمد زويل كان يشغل حتى وفاته رحمة الله منصب رئيس كرسي أبحاث لينوس باولينغ في معهد كاليفورنيا للتقنية (جامعة كالتيك العريقة).

وبالرغم من أن أربعة من رؤساء أمريكا حصلوا على جوائز نوبل للسلام (روزفلت وولسون وكارتر وأوباما) إلا أن رجال السياسة وخصوصا الرؤساء والقادة الذين يحصلون على جائزة نوبل في السلام غالبا لا يسلمون من النقد والتناقضات والأخطاء والخطايا السياسية الكارثية.  على الجانب الآخر نجد أن المناضلين في مجالات حقوق الإنسان أو مناهضة الأسلحة النووية أو الإغاثة أو الرعاية الصحية أو المحافظة على البيئة من العلماء أو الأطباء والحاصلين على جائزة نوبل للسلام يكونون في الغالب محل تقدير وإجلال ولا توجه نحوهم سهام النقد الجارح على خلاف رجال السياسة من الرؤساء والقادة.

وبحكم أن بعض العلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل للسلام شبه مجهولين للغالبية العظمى منا لذا كان الهدف الرئيس لمقال اليوم هو تسليط فلاشات ضوئية خاطفة لبعض هؤلاء الرجال والنساء المحترمين. ولنبدأ ببلدياتي وأحد أبرز أعيان قبيلتي الكيميائية لوينس باولينغ وذلك (تقديرًا لجهوده المستمرة وحملاته العالمية المناهضة للتجارب النووية ونزع السلاح الذري). وللتدليل على المكانة الدولية المرموقة للدكتور باولينغ يكفي أن نشير أن اليوم الذي تم اختياره في عام 1963م ليبدأ فيه سريان الاتفاقية الدولية لحظر التجارب النووية كان هو نفس اليوم الذي حصل فيه باولنيج على جائزة نوبل للسلام وذلك في مثل تاريخ اليوم (10 أكتوبر) من عام 1962 ميلادي.

كما هو معلوم بدأت الحرب الباردة في منتصف القرن العشرين وعندما أمتلك الاتحاد السوفيتي ترسانة من القنابل النووية وتقنية متقدمة في الصواريخ التي يمكن أن تصل للفضاء أو تكون عابرة للقارات لهذا كانت الأجواء السياسية والشعبية في أمريكا مشحونة ومجيّشة فقط لامتلاك المزيد والمزيد من الأسلحة وخصوصا تطوير القنبلة الهيدروجينية الرهيبة. ولهذا كان الاتجاه والنضال السلمي الذي يدعو له باولينع من إيقاف سابق التسلح النووي ومنع إجراء أي مزيد من تجارب القنابل الذرية مخالف ومتصادم مع الاتجاه الرسمي للحكومة الأمريكية. وهنا بدأت المشاكل تتوالى على رجل السلام الكيميائي ليونس باولنغ فقد أتهم بأن له ميولا شيوعية ولهذا هوجم من قبل الصحافة كما طالب البعض بطرده من جامعة كالتيك وكذلك بتنحيته عن رئاسة الجمعية الكيميائية الأمريكية. وبعد أن تعرض باولينغ للاستدعاء والمثول أمام هيئات حكومية وكذلك لسماع شهادته واستجوابه من قبل بعض لجان الكونجرس مما أعطى إيحاء بأنه شخصا مشكوكا في وطنيته وولائه لبلدة. بل وصل الأمر أنه لسنوات طويلة كان باولينغ ممنوع من السفر خارج الولايات المتحدة حيث سحبت وزارة الخارجية جواز سفره وكادت أن تقع فضيحة عالمية كبرى عام 1954م عندما منح ليونس باولينغ جائزة نوبل في الكيمياء وكان يجب أن يسافر إلى مدينة ستوكهولم عاصمة السويد كي يستلم الجائزة، ولكن كيف يسافر وجواز سفره مسحوبا منه ولهذا شعرت الحكومة الأمريكية أن استمرار منعه من السفر سوف يسبب لها فضيحة دولية مجلجلة.

وننتقل من ملابسات حصول باولينغ على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1954م إلى الحادثة الطريفة التي حصلت مع بالولينغ بعد حصوله على جائزة نوبل للسلام عام 1962م وذلك أنه كان ولا زال من عادة الرؤساء الأمريكيان في كل سنة استضافة الفائزين في تلك السنة بأي من جوائز نوبل من حملة الجنسية الأمريكية. وعندما قام الرئيس الأمريكي جون كينيدي بتنظيم تلك الحفلة التكريمية للفائزين بجوائز نوبل كان باولينغ وزوجته من ضمن المدعوين، ولكن قبل الدخول لقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض قام بالولينغ وزجته بالمشاركة في مظاهرة احتجاجية أمام البيت الأبيض ضد موافقة كينيدي على استمرار إجراء تجارب الأسلحة النووية. ثم ترك باولنيغ وزوجته صفوف المتظاهرين ودخلا إلى البيت الابيض لحضور حفلة العشاء، بل إن بولينغ في تلك الامسية رقص مع زوجة الرئيس الأمريكي !!.

وفي ختام الحديث عن النضال السلمي للكيميائي المشاغب باولينغ في الحد من إجراء تجارب القنابل النووية تجدر الإشارة إلى أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وبعد إسقاط القنابل النووية على المدن اليابانية نشأت حملة وحركة مضادة لاستخدام الأسلحة الذرية قادها مجموعة من العلماء من ضمنهم لينوس باولينغ وكان اسمها (حركة علماء الذرة) وكان من أهدافها كذلك تعزيز الاستخدام السلمي للذرات ولهذا انضم لها بشكل أو آخر مشاهير العلماء الذين ساعدوا في البداية في تصنيع القنبلة الذرية ثم شعروا بالندم والصدمة من ذلك السلاح الفتاك كما حصل مع علماء نوبل مثل أينشتاين ونيلز بور أو حتى مع أبي القنبلة الذرية أوبنهايمر.

 العلماء في خدمة السلام

في عام 1955م حصلت مراسلات بين عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني البارز بيرتراند راسل وبين عالم الفيزياء ألبرت أينشتاين بخصوص مخاطر الأسلحة النووية ونتج عن ذلك صدور ما يسمى (بيان راسل - أينشتاين) وهو خطاب موجه لقادة العالم يحذرهم من خطورة الاستمرار في سباق التسلح النووي ويدعو إلى انتهاج الحلول السلمية لقضايا النزاعات الدولية. وقبل أيام قليلة من وفاته وصل الخطاب إلى أينشتاين الذي قام بالتوقيع عليه ثم لاحقا وقع عليه حوالي عشرة من العلماء الحاصلين على جائزة نوبل. ويهمنا هنا أن نشير إلى أن أصغر عالم وقع على بيان راسل/أينشتاين هو عالم الفيزياء البريطاني جوزيف روتبلت الذي انسحب من مشروع مانهاتن لتصنيع القنبلة الذرية لكي يصبح فيما بعد من أكثر المناضلين في قضية حظر الأسلحة النووية حيث قام بتنظيم سلسلة من المؤتمرات الدولية حول هذا الشأن ولهذا تم في عام 1995م منحه جائزة نوبل للسلام.

والغريب في الأمر ليس فقط أن علماء الفيزياء والكيمياء هم الذين ناضلوا من أجل منع إنتاج المزيد من الأسلحة النووية، ولكن حتى الأطباء دخلوا على الخط بسبب الأضرار الصحية الهائلة من غبار تجارب القنابل الذرية التي تمت فوق الأرض وطبعا كذلك للتحذير من أخطار الإشعاعات النووية القاتلة. ولهذا عندما أنشأ طبيب القلب الأمريكي بيرنارد لون مع طبيب القلب الروسي يفغيني تشازوف (رابطة الأطباء الدوليين لمنع الحرب النووية) وحصلت هذه المنظمة على جائزة نوبل للسلام في عام 1985م كان هذان الطبيبان هما من استلم جائزة نوبل نيابة عن تلك المنظمة الطبية السلمية.

ورد في الكتاب المقدس العبارة المشهورة (ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان) ويمكن تحويرها قليلا لتصبح (ليس بالأمن وحده يحيى الإنسان) وربما الأفضل أن يحيى الإنسان بالأمن والخبز ولهذا ليس بالنضال ضد الأسلحة النووية يمكن أن يحصل الشخص على جائزة نوبل، ولكن أيضا بأن يسعى لتوفير الخبز العميم لأغلب البشر. وهنا يأتي دور اللورد الأسكتلندي جون بويد أخصائي التغذية الذي وظّف معرفته العلمية ومهارته الإدارية في إنشاء وإدارة منظمة الأغذية والزراعة الدولية (FAO) ولهذا حصل على جائزة نوبل للسلام عام 1949م نظير أبحاثه العلمية في مجال التغذية للتغلب على الجوع العالمي. وفي ذات السياق تمكن المهندس الزراعي الأمريكي نورمان بورلاوج من المساهمة في تحقيق ما تسمى (الثورة الخضراء) وذلك من خلال ترأسه للمركز الدولي لتحسين الذرة والقمح وبهذا حصد جائزة نوبل للسلام عام 1970 ميلادي. ومن الثورة الخضراء إلى (حركة الحزام الأخضر) والتي زرعت أكثر من 30 مليون شجرة في أفريقيا ولهذا نالت عالمة الأحياء والناشطة البيئية الكينية وانجاري ماثاي التي أسست تلك الحركة على جائزة نوبل للسلام لعام 2004م لجهودها في المحافظة على البيئة وتعزيز التنمية المستدامة.

( البهاليل في عصر الذكاء الاصطناعي )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/4/22

 ضمن الموسم الثقافي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لعام 1403هـ قام الشيخ الدكتور عبد العزيز القارئ رحمه الله بإلقاء محاضرة رنانة في قاعة المحاضرات العالمة بالجامعة الإسلامية حملت عنوانا شيقا: (البهاليل في عصر الكمبيوتر). وصحيح أن الدكتور عبد العزيز القاري أشار بشكل عابر في أول المحاضرة والتي طبعت في كتاب حظي بانتشار كبير، أشار إلى مفهوم (المعلوماتية) وتوظيف الكمبيوتر كأحد أدوت البحث والتفكير. إلا أن المغزى الأساسي لتلك المحاضرة هو نقد مستوى بعض الدارسين والباحثين في المجالات الشرعية من حملة الألقاب الأكاديمية مثل (الدكتور) بينما هو قد يكون ضعيفا في التحصيل العلمي أو المهارات البحثية والمنهجية التي كانت تتوفر لعلماء الشريعة الأوائل. يوضح الدكتور عبد العزيز القاري المعنى الأصلي لكلمة (البهاليل) في اللغة العربية وأنها جمع (بُهلُول) وهي صفة مدح للرجل الكريم والسيد في قومه ومع ذلك نجد الدكتور عبد العزيز القاري ينتقد بعض المشتغلين في مجال تحقيق المخطوطات فيقول: (أما اليوم فإن مستوى التحصيل هزل حتى أصبح بمقدور أي بهلول أن يظفر بلقب (دكتور) في الحديث وهو لا يعلم شيئا عن القرآن، أو يظفر بلقب (دكتور) في علوم القرآن وهو لا يعلم شيئاً عن الحديث). ثم يعقب الدكتور القارئ بقراءته الفاحصة للمشهد العلمي حيث يقول رحمة الله (.. ذلك لأنه يظفر باللقب بمجرد أن يكتب بحثاً في جزئية من جزئيات العلم، وغالباً ما يكون بحثه قراءة مخطوطة، ويكون مستواه هزيلا، وكل ذلك بنى على تأسيس علمي هزيل ... ولهذا فإنك ترى الأفواج تلو الأفواج من حملة (الدالات)، وتبحث بينهم عن عالم واحد فلا تكاد تعثر عليه).

بصورة عامة النقطة الجوهرية التي ينتقد فيها الدكتور عبد العزيز قاري ما سماهم (حملة الدالات) من بعض دكاترة الجامعات أن عندهم مشكلة (الاجتزاء) في تلقي وتحمّل العلوم الشرعية ولهذا عندما يتخصص الباحث الشرعي مثلا في تحقيق كتاب مخطوط في علم أصول الفقه أو في مصطلح الحديث لا يمتلك قاعدة معرفية راسخة في مجمل العلوم الشرعية. وتزداد ضحالة المعرفة العلمية عند الباحث عندما يستخدم جهاز الكمبيوتر في الوصول (السريع) إلى المعلومة المطلوبة دون الخوض والغوص كما هي عادة السلف الصالح في بطون الكتب وتقليب الأوراق مما يتيح له غواية قراءة الحواشي ومراجعة الفهارس والاطلاع على الشروح والتعليقات وهكذا من رحلة الوصول إلى المعلومة يتحصل الباحث مع التفتيش والتنبيش ( أليس الحكمة الأثرية تقول: قمّش ثم فتّش) على كمّ متزايد من المعلومات بدلا من الكسل والحصول في لحظات على المعلومة المحددة من خلال محركات البحث.

ونبقى في المدينة المنورة وفي الجامعة الإسلامية فقبل محاضرة عام 1403هـ (البهاليل في عصر الكمبيوتر) بعشرين سنة أي في عام 1383هـ كان إمام العصر الشيخ الألباني من الرعيل الأول الذي ساهم في التأسيس والتدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وبعد محاضرة (البهاليل) بأقل من عشرين سنة سأل الشيخ الألباني عن حكم استخدام جهاز الكمبيوتر في (تخريج الأحاديث) ومعرفة مواضعها من أمهات كتب السنة النبوية. وبالجملة كان رد الشيخ الألباني أن توظيف الكمبيوتر في علم الحديث جائز ومباح ولكنه اشترط أن من يستخدم تلك الآلة يجب أن يكون لديه في الأصل علم شرعي لكي يستطيع أن يحكم على صحة النتائج التي يخرجها الكمبيوتر. وبالمناسبة لا يعرف عن الشيخ الألباني أنه استخدم الكمبيوتر بالرغم من أنه طال به العمر رحمة الله حتى أدرك عصر الانترنت ومع ذلك لم يستخدم تلك الوسائل الحديثة لأنه كان يعتمد على أسلوب (البطاقات) حيث كانت تساعده ابنته الكبرى سُكينة في تلخيص وتدوين مطالع الحديث النبوي في بطاقات مرتبة تسهل البحث عن الأحاديث. ومع ذلك ونحن في سياق الحديث عن (البهاليل في عصر الكمبيوتر) لعل من السائغ أن نذكر العبارة المشهورة التي تم تداولها بأن الشيخ الألباني رحمه الله قال (الكمبيوتر يجعل طالب العلم بليد الذهن) وهي عبارة وردت في كتاب (الألباني كما عرفته) من تأليف عالم الحديث الأردني عصام هادي أحد تلاميذ الشيخ. وطبعا مقصود الشيخ ليس التقليل والتنفير من جهاز الكمبيوتر، ولكن التنبيه والتحذير من الاستخدام الخاطئ لجهاز الحاسب الآلي والاعتماد الكلي عليه مما يضعف مهارة الحفظ وملكة وخبرة البحث العلمي والأُلفة مع الكتب التراثية.

وبما أن سيرة تلاميذ الشيخ الألباني انفتحت في مساق الحديث عن الكمبيوتر فلعل من الملائم الإشارة إلى أنه يشاع بأن عالم الحديث المصري أبا إسحاق الحويني رحمة الله كان يوصف بأنه خليفة الشيخ الألباني ومن يُرجع إليه في علم الحديث وذلك بعد أن أثنى عليه الشيخ في نبوغه وتعمقه في علم الحديث. وما يهمنا هنا مرة أخرى في سياق الحديث عن البهاليل في عصر الكمبيوتر أن الشيخ أبا إسحاق الحويني كان يتأسى ويتبع طريقة الشيخ الألباني في الاعتماد في تخريج الأحاديث على أسلوب البطاقات والفهارس الخاصة بأطراف وطرق الحديث، ولكنه مع ذلك ربما في بعض الحالات بعد أن يقوم بشكل مبدئي بتخريج الحديث بالطريقة التقليدية اليدوية يرجع لبعض الأقراص المضغوطة CD لتخزين البيانات الحاسوبية والتي تحتوي على أمهات الكتب الحديثة لكي يتأكد أنه لم يفته شيء من الأحاديث النبوية. واستخدام قدرة الكمبيوتر في الوصول الدقيق للمعلومات المخزنة بعد انتهاء البحث التقليد أمر قد يكون سائغا كأسلوب للمراجعة النهائية من قبل الباحثين الشرعيين الراسخين في العلم وليس كما يفعل البعض من اعتمادهم الكلي على تقنية الحاسوب في تخريج الأحاديث دون المراجعة والتأكد بالاطلاع على المصادر الأصلية.

 من عصر الكمبيوتر إلى زمن الـ AI

بعد سنوات قليلة من وفاة الشيخ الألباني رحمه الله وبالتحديد في عام 1422هـ نشر الباحث المميز الشيخ على العمران كتابه الماتع والمفيد (المشوق إلى القراءة وطلب العلم) والذي أشار في مقدمته أن الباعث له على تصنيف ذلك الكتاب رصده لظاهرة عزوف كثير من طلبة العلم وخصوصا من حملة الألقاب العلمة (حملة الدالات) وانقطاعهم عن الاطلاع على الكتب والمصادر الأصلية أو الاكتفاء بالبحث في

في الأقراص المضغوطة (السيدهات CDs) للموسوعات الرقمية. وهذا نص الدكتور علي العمران (.. وجماعة منهم قنعوا بمتابعة ما تتسارع شركات الحاسوب في إنتاجه، من أقراص تحوي العشرات بل المئات من الكتب في جميع الفنون! وظنوا أن هذه تُغني عن شراء الكتب واقتنائها ومطالعتها ودَرْسها!). وهنا أود أن أثنّي وأؤيد على التنبيه الذي ذكره الدكتور على العمران في حاشية الكتاب حيث قال (لا يفهم من هذا أن الحاسوب لا قيمة له ولا فائدة منه، بل له فوئد كثيرة .. ولست هنا لتعديد محاسنة ولا لتبيين مزاياه). والمقصود أنه بلا شك لأي تقنية أو اختراع جديد مثل الكمبيوتر أو شبكة الأنترنت وحديثا الذكاء الاصطناعي منافع ومزايا مذهلة ومع ذلك يجب الترشيد في استخدام هذه التقنيات الحديثة فلها في المقابل بعض السلبيات والمشاكل والمحاذير التي يجب مراعاتها والانتباه لها.  

ولهذا أود أن أعترف للقارئ الكريم أن الدافع لكتابة هذه المقال هو استكمال للنقاش والحوار الذي حصل الأسبوع الماضي عندما تم الإعلان من قبل شركة جوجل بأنها سوف تطلق أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (ScientistTwo) الذي يستهدف (أتمتة automation) عملية البحث العلمية، بل الحصول على شهادة الدكتوراه عن طرق توظيف الذكاء الاصطناعي في تنفيذ دورة البحث العلمي كاملة من الفكرة إلى إنجاز الورقة البحثية المحكمة!. وفي نفس الأسبوع الماضي تم بشكل كثيف تداول التنويه للقفزة الكبيرة في مجال إجراء البحوث العلمية الشرعية والتراثية من خلال الربط بين بعض أدوات الذكاء الاصطناعي وخصوصا تطبيق كلود Claude مع قاعدة البيانات الضخمة في المكتبة الشاملة التراثية وأن ذلك قد يسرع إنجاز بعض رسائل الدارسات العليا في التخصصات الشرعية في خلال أيام أو أسابيع بدلا من سنوات البحث المضني السابقة.

وهكذا بعد عقود من التنظير والتحذير أن الاستخدام غير الرشيد لجهاز الكمبيوتر قد يساهم في تخريج أجيال ضعيفة الحصيلة العلمية في مجال الأبحاث الشرعية حتى وإن كانوا من حملة الألقاب العلمية، وإذا الزمان يدور دورة فإذا أصوات التحذير وصيحات النذير من الآثار السلبية للإفراط غير الرشيد في استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريس المعرفي والتحصيل العلمي. في عام 1403هـ لم يكن بعد قد دخل الكمبيوتر في واقعنا المحلي في مجال الأبحاث العلمية والشهادات العليا الجامعية ومع ذلك استشعر الدكتور عبد العزيز القاري رحمة الله القلق فحذر من (البهاليل في عصر الكمبيوتر) وها نحن ذا في عام 1448هـ ومع المغامرة بالاعتماد الكامل في أطروحات الدراسات العليا على الذكاء الاصطناعي هل ينتهي بنا الأمر إلى التندر على (المهابيل في زمن الذكاء الاصطناعي)!.

 إياك إياك من هلوسة الذكاء الاصطناعي

من البديهيات أن أي منتج أو اختراع يساعد في تسهيل الحصول على المعلومة أو المعرفة أمرا يستحق الثناء والاعجاب ولذا عندما كان علماء الحديث قديما يجدون معاناة في (تخريج الأحاديث) وتحديد أماكنها من كتب السنة الهائلة العدد والحجم يمكن أن نفهم فرحة علماء الحديث بصدور كتاب (مفتاح كنوز السنة) حتى ولو كان مؤلفه مستشرقا هولنديا يدعى أرنت فنسك. قبل حوالي 90 عام تم طباعة ذلك الكتاب الذي هو عبارة عن معجم مفهرس يسهل كثيرا الوصول للأحاديث النبوية ولهذا نجد أن أشهر علماء الحديث في مصر في ذلك العصر وهو العلامة أحمد شاكر رحمة الله يعبر عن إعجابه البالغ بذلك المنتج العلمي فيقول (فرحت به كأشد ما أفرح بكتاب نفيس .. وإنه كنز من الكنوز، فأرسلت إلى أخي محمود خطابا أبشره فيه بهذا الكنز الطريف). يقال إن العلامة أحمد شاكر قد مكث خمس سنوات يبحث عن حديث واحد في سنن الترمذي فوجده لاحقا عن طريق كتاب مفتاح كنوز السنة السالف الذكر.

وننتقل من أبرز علماء الحديث في مصر إلى أشهر علماء الحديث في الهند وهو الشيخ محمد مصطفى الأعظمي الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في فرع الدراسات الإسلامية فقد قام بتحقيق كتاب صحيح ابن خزيمة وهذا ما أنتج ربما أصح دواوين السنة النبوية بعد الصحيحين البخاري ومسلم. وبعد أن عاصر الشيخ الأعظمي عن قرب المعاناة في تخريج الأحاديث ومقارنة النصوص ودراسة الأسانيد المتشعبة ونظرا لأنه حصل على الدكتوراه من بريطانيا ودرّس لسنوات طويلة في بعض الجامعات الأمريكية لهذا أدرك مبكرا ضرورة الاستفادة من أعجوبة العصر (الكمبيوتر) في العلوم الشرعية. ومن هنا بدأ الشيخ الأعظمي مشروع (مركز خدمة السنة) والذي أنفق جهده وصحته وماله في توظيف الكمبيوتر في تخزين الأحاديث النبوية. والشيخ الأعظمي كان على علاقة وثيقة بالشيخ الألباني ولديهما نشاط علمي تراثي مشترك حيث قام الشيخ الألباني بمراجعة تحقيق الشيخ الأعظمي لكتاب صحيح ابن خزيمة، ومن هذا التعاون العلمي بينهما من المؤكد أن الشيخ الألباني أطلع على مشروع الشيخ الأعظمي في توظيف الكمبيوتر في خدمة السنة النبوية. والمقصود أن أبرز علماء الحديث في الزمن المعاصر لم يعارضوا استخدام الكمبيوتر في خدمة علوم السنة، بل أحد أبرز رجال الحديث في الزمن المعاصر وهو الشيخ الأعظمي فرغ نفسه في السنوات الأخيرة من حياته لمشروع أرشفة وتخزين الأحاديث النبوية بواسطة الكمبيوتر. وقد كان له تعاون في هذا الشأن مع كلية علوم الحاسب بجامعة الملك سعود وقد حالفني الحظ أنا ومجموعة من الزملاء ونحن بعد طلبة بالجامعة بلقاء الشيخ الأعظمي والاستماع منه عن مشروعه الرائد في خدمة السنة. 

بل الأغرب من ذلك أنه توجد علاقة لطيفة بين العالم الرباني الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله وبين جهاز الكمبيوتر وقد تم ذكرها في الموقع العلمي لسماحة الشيخ ابن باز على شبكة الإنترنت. وملخص تلك الحادثة الطريفة أن أحد الأمراء أهدى للشيخ بن باز جهاز كمبيوتر قد خزن فيه جميع ما في الصحيحين والسنن والمسانيد، وعندما حضر المختص لاطلاع سماحته على نظام الجهاز وكيفية استخراج الأحاديث من خلاله سأل الشيخ عن بعض الأحاديث النبوية وعندما استخرج المختص تلك الأحاديث من ذاكرة الكمبيوتر علّق الشيخ رحمة الله على بعضها بأن فيها أخطاء وقال وهو يصحح بعض المعلومات (بل ورد بلفظ كذا وكذا، ورواه فلان). وعندما راجعوا تلك الأحاديث في الكتب الأصلية المطبوعة وجدوا أن ملاحظة الشيخ بن باز رحمة الله التي كانت من حفظه كانت صحيحة وهنا قال المختص (يا شيخ، أتينا بالجهاز على أننا قد حفظنا فيه كل شيء ولكننا فوجئنا بأنك يا شيخ أحفظ من الكمبيوتر!).

وهذه الحادثة تذكر بالتحفظ الذي كان يخشاه الشيخ الألباني من استخدام الكمبيوتر في بداية ظهوره ألا تكون عملية التخزين للأحاديث متقنة فقد كان الشيخ الألباني يقول (أن الكمبيوتر ما تعطيه يعطيك) بمعنى أنه لو كانت مدخلات الكمبيوتر ضعيفة فمخرجاته قطعا سوف تكون ضعيفة. ولذا كان الشيخ الألباني ينبه لضرورة أن من يقوم (بتغذية الكمبيوتر) بالمعلومات وتخزينها فيه يجب أن يكون عالما في مجال الأحاديث والسنة النبوية ومن هنا قال (.. يجب أن يكون هناك قبل الكمبيوتر علماء متخصصون في كلِّ علم يغذُّونه).

ومن الكمبيوتر في بداية استخدامه في العلوم الشرعية والتراث الإسلامي والقلق والتحفظ في عدم الاعتماد الكامل عليه إلى زمننا المعاصر والجدل الدائر حاليا مع توظيف الذكاء الاصطناعي في المباحث الشرعية والدراسات التراثية وأنه يجب الانتباه لمشكلة (الهلوسة) التي يقع فيها الذكاء الاصطناعي والتي تتوجب عدم التعويل والاتكال الكامل عليه. ونختم بأمر طريف فيما يتعلق بمنهج السلف الصالح من العلماء والفقهاء في ضرورة التدرج في طلب العلم ومن أقوالهم في ذلك (إن الفقه ينال بأربعة أشياء: بالتعليق ثم التحقيق ثم التدقيق وقالوا وإياك والتلفيق). صحيح أن مقصود الفقهاء بـ (التلفيق) هو الخلط بين فتاوى المذاهب في مسألة واحدة، ولكننا يمكن أن نحدث هذا التحذير في العصر الحديث بأن التلفيق هو هلوسة الذكاء الاصطناعي ولذا (إياك إياك من هلوسة AI).

 

( السياحة في زمن الحرب )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1448/4/15 الموافق 26 سبتمبر

في منتصف الحرب العالمية الثانية وأثناء تخطيط قوات الحلفاء لرد عدوان النظام النازي ومحاولة غزو ألمانيا يُشتهر عن رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل قولة (منطقة البلقان هي خاصرة أوروبا الرخوة) ومقصود ذلك الداهية الإنجليزي أنه بدلا عن شن الغزو المضاد لألمانيا النازية من الأراضي الفرنسية المحصنة ابتداءً من ساحل النورماندي، يمكن تحقيق ذلك بالتسلل إلى وسط أوروبا من خلال دول البلقان أو إيطاليا. والغريب في الأمر أنه بعد الاستقرار النسبي لسنوات طويلة لأغلب الدول الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية أثبتت أرض البلقان في عام 1991م أنها بالفعل (خاصرة أوروبا الرخوة) إذ اندلعت فيها أول حرب أوروبية طاحنة منذ عقود وذلك مع لحظة تفكك الاتحاد اليوغسلافي. الطريف في الأمر أنه بعد وفاة تشرشل بعقد من الزمان كانت أرض البلقان هي ثاني وجهة سياحية يتوافد عليها الإنجليزي بعد إسبانيا وبالفعل كانت أقاليم الاتحاد اليوغسلافي وخصوصا صربيا وكرواتيا والبوسنة وجبال الألب الألبانية من أكثر المناطق السياحية شعبية عند أغلب الشعوب الأوروبية. وذلك لجمال الطبيعة الخلاب في أرض البلقان كما أنها كانت مهوى أفئدة السياح القادمين من الدول الشيوعية فقد كان ليوغوسلافيا مكانة خاصة في قلوب الصينيين بالذات. ثم انهار فجأة كل ذلك البريق السياحي بعد تلك الحرب الأهلية الشنيعة وكانت تلك اللحظة أكبر كارثة تقع على قطاع السياحة بعد الحرب العالمية الثانية ولهذا ومع تزايد حلات النزاع السياسي ولقتال العسكري في المنطقة العربية ربما نحتاج بمناسبة اليوم العالمي للسياحة (الذي يحل موعده يوم غد الأحد 27 سبتمبر) أن نستعرض تاريخ (السياحة في زمن الحرب).

يقولون إنه في عالم المال والأعمال (رأس المال جبان) ويبدو أنه في عالم السياحة والسفر (السائح أكثر جبناً) لأنه ينفر من أي وجهة سياحية تقع بها قلاقل أمنية فضلا عن اندلاع قتال مسلح، بل أن السياحة في بعض الظروف قد تتأثر حتى بمجرد الشائعات أو حتى بعرض فيلم سينمائي كما حصل في صيف عام 1975م عندما عرض فيلم الفك المفترس (Jaws) حيث حصل انخفاض في السياحة الشاطئية في أمريكا. والمقصود أن أرض البلقان بعد أن كانت في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين من أكثر الوجهات السياحة حيوية ونجاحا في القارة الأوروبية إذا بها في مطلع التسعينيات ومع اشتعال الحرب الأهلية فإذا لؤلؤة البحر الأدرياتيكي (كما كانت تلقب يوغسلافيا) أصبحت أرض يباب خالية تماما من السياح والزوار الأجانب.

ومع ذلك في واقعنا المحلي والحالي أصبحت الأقاليم المسلمة في أرض البلقان مثل البوسنة وألبانيا وكوسوفو من نقاط الجذب السياحية المفضلة لأهل الخليج العربي بعد أن استقرت فيها الأوضاع الأمنية ولله الحمد. وبالرغم أننا كسبنا في السنوات الماضية مزارات سياحية مذهلة في أرض البلقان إلا أننا في المقابل خسرنا بسبب الحروب والصراع السياسي وجهة سياحية مميزة هي دولة أوكرانيا والتي بحقول قمحها الصفراء أصبحت تلقب بسلة غذاء أوروبا بينما كانت بألوان شعورها الشقراء قبلة السياح العرب.

قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية أي في صيف عام 2022م قامت صحيفة سبق الإلكترونية بإجراء استقراء لأكثر المناطق السياحية التي يسافر لها السائح السعودي وقد حصلت أوكرانيا على موقع متقدم في قائمة أكثر خمس وجهات سفر خارجية. الجدير بالذكر أنه في زخم تدفق السياح السعوديين إلى العاصمة الأوكرانية (كييف) بهدف الاستجمام إذا بهم (يكفون) عن السفر لها بسبب تصاعد القتال الحربي الشرس فيها والغريب أن ظاهرة إحجام سفر السياح السعوديين من المتوقع أن تحصل قريبا مع الطرف الثاني للقتال: روسيا. تشير التقديرات إلى أن عدد السياح السعوديين المسافرين إلى روسيا في عام 2023م بلغ حوالي 9000 سائح بينما قفز العدد إلى رقم هائل في عام 2025م عندما لامس عدد السياح السعوديين إلى روسيا سقف 75000 مما جعل السائح السعودي ثاني أعلى جنسية تحقق نسبة في زيادة عدد السياح إلى روسيا. وكما هو معلوم تغيرت الأوضاع الأمنية كثيرا في العاصمة موسكو خلال الشهور الأخيرة لدرجة أنه فقط في الأسبوع الماضي أطلقت أوكرانيا 450 طائرة مسيرة استهدفت بشكل مباشر العاصمة (موسكو) ولهذا أتوقع أنه في المدى المنظور سوف (يمسك) السائح السعودي عن السفر إلى العاصمة الروسية موسكو في ظل هذا التصعيد الحربي المتزايد.

وبالتزامن مع الأخبار والصور التي نشرت الأسبوع الماضي والتي تعكس حالة الهلع في العاصمة موسكو انتشر كذلك مقطع فيديو لسائح كويتي وهو يتجول في منطقة السوليدير في وسط بيروت وهي تبدو خاوية تماماً من الحركة والمارة. سبق أن زرت مدينة بيروت في عام 2005م وذلك مباشرة بعد تدشين مشروع السوليدير (إعادة إعمار وسط بيروت التجاري) وشاهدت بشكل مباشر زحمة المرتادين من السواح والمقيمين لتلك المنطقة وغيرها من معالم بيروت السياحية مثل شارع الحمراء ومنطقة الروشة ولهذا أدرك صدمة الأخ السائح الكويتي من فراغ ميادين ومقاهي ومطاعم بيروت من السياح وحتى من اللبنانيين أنفسهم بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على البلد والأزمة الاقتصادية الطاحنة وتردي الوضع الأمني وهي كلها أمور طاردة لسياحة الاسترخاء والاستجمام.

في الواقع ما يحدث الآن مع السياحة في لبنان هو تأكيد للظاهرة النفسية (ديجافو Deja vu) وهي عبارة بالفرنسة تعني: رُؤي من قبل أو شوهد من قبل فقد سبق أن خلت بيروت من السياح بسبب الحرب. الجميع يعلم أنه قبل حوالي نصف قرن كان لبنان يوصف بأن (سويسرا الشرق) لأنه تميز بقطاع سياحي وخدمي متطور استطاع جذب الزوار من مختلف الدول العربية ولا سيما من مصر والعراق ودول الخليج بل وحتى من مختلف دول العالم. ثم بسبب الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت شرارتها الأولى في ربيع عام 1975م انهار موسم السياحية في صيف تلك السنة واستمر الأمر كذلك إلى ما بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في مطلع التسعينيات من القرن العشرين. وبهذا نجد أن التاريخ يعيد نفسه بالفعل في دنيا السياحة فالحروب أكبر قاتل للسياحة كما حصل للبنان بين عام 1975م وحتى عام 1990م وما كادت الحرب اللبناني الأهلي تنتهي في ذلك العام حتى كان أهل الخليج مع موعد مع الكارثة الكبرى عندما غزا صدام دولة الكويت الشقيقة في صيف عام 1990 الساخن. وبهذا تم شطب المدن العراقية من قائمة الوجهات السياحية بعد أن ظلت لعقود طويلة بحكم الجوار من أكثر المزارات السياحية لأهل الكويت وأهل المنطقة الشرقية الذين كانوا يترددون على زيارة بعض المدن العراقية وخصوصا البصرة وبغداد والزبير.

 وما أشبه الليلة بالبارحة ففي وقتنا الحالي ما زال من غير الحكمة السفر إلى لبنان أو العراق وبعد أن وصل زخم تدفق السعوديين إلى سوريا لدرجة أن في شهر يوليو فقط من عام 2008م وفق إحصائيات وزارة السياحة السورية وصل حوالي 70 ألف سائح سعودي إلى سوريا وإذا بها حاليا حتى مع استقرار الأوضاع الأخيرة ربما تخلو تماما من أي سائح سعودي. وفي عام 2006م كانت تقارير وزارة السياحة اليمنية تشير إلى أن نسبة السياح السعوديين تبلغ %67 من إجمالي السياح الأجانب الذين يصلون إلى أرض اليمن السعيد حيث بلغ عددهم حوالي 193 ألف سائح سعودي ينتشرون بين مدن صنعاء وعدن وتعز وإب.

وحاليا وبسبب الحرب لم يعد السائح العربي يستطيع السفر لمدينة تدمر السورية لأن آثارها الرومانية تم تدميرها كما لا يستطيع الوصول لسد مأرب لأن قوافل الجيوش تسد الطريق بينما لو حاول السائح العربي صيد الغزلان في محمية الردوم بمنطقة دارفور بالسودان الشقيق فربما يتم قنصه وصيده هو بدلا من الوعول. وبما أن سيرة السياحة الإفريقية انفتحت فقد شهدت السنوات القليلة الماضية تزايدا كبيرا في عدد السياح الخليجيين الذين يقصدون زيارة إثيوبيا إما بهدف زيارة براكين منطقة عفار أو مشاهدة الكنائس التاريخية المحفورة في الصخر تحت الأرض أو زيارة مدينة هرر التاريخية (مدينة المآذن والضباع) وكل هذه المناطق يصعب الوصول لها حاليا مع اندلاع الحرب الأهلية الأثيوبية التي تجددت قبل أيام فقط. وبالانتقال جنوبا إلى دولة كينيا والتي تعتبر حاليا من أهم وأشهر المناطق في العالم لسياحة سفاري الحيوانات البرية إلا أن هذا البلد يشهد في السنوات الأخيرة أحداث شغب متكررة والعديد من التفجيرات التي تقوم بها حركة الشباب الصومالية ولهذا لو انزلق هذا البلد في حرب أهلية هو الآخر فقطعا سوف يخسر محبو السفر إحدى أهم الوجهات السياحية الساحرة.

 سياحة الحروب في ثقافة الشعوب

الجدير بالذكر أن الحيلولة دون وصول السائح إلى جهة سفرة المفضلة بسبب الحرب أمر شائع ومتكرر في تاريخ العديد من الشعوب العالمية فمثلا في زمن الإمبراطورية البريطانية كانت منطقة وادي كشمير في شمال القارة الهندية يلقبها الإنجليزي بسويسرا الهند.  ومنذ القدم كانت توصف أرض كشمير بأنها جنة الله في الأرض أو الجنة الصغيرة ولهذا بعد اندلاع الحرب حول إقليم كشمير بين الهند وباكستان وتعذر الوصول لهذه الجنة التي أصبحت تلقب (بالفردوس المفقود). وكما فتنت جنة كشمير السائح البريطاني أغرت وفتنت السائح والمغامر الفرنسي بقعة سحرية عجيبة وسط الرمال والملح وهي مدينة تمبكتو الملقبة بجوهرة الصحراء والتي تقع في شمال مالي. ومنذ سقوط دولة مالي تحت الاحتلال الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر جذبت هذه المدينة العجيبة السياح والبحاثة والمستشرقين من مختلف الدول الغربية لاستكشاف كنوز مخطوطاتها الضخمة والإعجاب بجمال عمارة مساجدها الطينية المذهلة. وعلى نفس النسق من التصور الغربي لوادي كشمير أنه تمثيل للجنة كذلك نجد أن كلمة (تمبكتو) هي لدى التصور الغربي تجسيدا (للفردوس) أو المكان السحري التي تذهب له الأرواح في العالم الآخر وذلك ما وجدته في رواية (تمبيكتو) للروائي الأمريكي بول أوستر وإن كنت قد صعقت عندما وجدت أن بطل الرواية كلب وأن أحداثها تقع في حي بروكلين.

وبما أننا وصلنا لسواحل الأراضي الأمريكية فمن الجدير الإشارة إلى أن السائح الأمريكي بدوره فقد هو الآخر وجهة سياحية مميزة تعذر عليه لفترة من الزمن السفر إليها بسبب الحرب. قبل اندلاع الحرب الأهلية في جمهورية السلفادور عام 1979م كان ذلك البلد الصغير في وسط أمريكا الوسطى هو إحدى أكثر الوجهات السياحية للأمريكان في القارة اللاتينية ولا ينافسها في ذلك إلا جزيرة كوبا قبل وقوعها في يد الشيوعيين بقيادة فيدل كاسترو. وقد ساعد انتعاش سوق السياحة الأمريكية في السلفادور وكوبا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية في طغيان الثقافة الأمريكية على هذه المنتجعات السياحية وبهذا أصبحت وكأنها ملهى ليلي للكاوبوي الأمريكي. ومع ذلك وبسبب حالة الرهاب المبالغ فيها من قبل الأمريكان من انتشار الشيوعية في الحديقة الخلفية لأمريكا (أي دول أمريكا الوسطى) لم تترد الحكومة الأمريكية في إطالة أمد الحرب الأهلية السلفادورية لمدة 12 سنة وبهذا ضحت الولايات المتحدة برفاهية السائح الأمريكي في جنة الغابات المطيرة تلك مقابل الطمأنينة السياسية للعم سام.

 وفي الختام نقفل هذا المقال بذكر ملاحظتين على الهامش، الأولى أنه توجد نوعية خاصة من السوّاح الباحثين عن روح المغامرة وقد تجذبهم أكثر مخاطرة السفر السياحي لساحات القتال. الغريب أن مصطلح (سياحة الحرب war tourism) موجود ومتداول منذ عقود من الزمن ويصف الرغبة الفجة عند بعض البشر في التواجد (كسائح) ومشاهد في ساحات القتال وبالقرب من أرض المعارك. وطبعا الدافع لذلك هو الرغبة في الشعور بالإثارة وحب المغامرة وهو بهذا على نسق مفهوم (سياحة الكوارث) والذي يرتبط بالأشخاص المهووسين بزيارة الأماكن الخطرة مثل البراكين النشطة أو الغابات المحترقة أو مواقع الأعاصير والفيضانات.

ومن حماقات سياحة الحروب أن بعض شركات السياحة والسفر كانت توفير الحماية المسلحة لبعض السيّاح الراغبين في زيارة المواقع الخطرة مثل الصومال وأفغانستان وكولومبيا. وربما ما زلنا نذكر الضجة الكبرى عام 2004م في عز حالة القتال والفوضى في العراق عندما أٌعلن عن اختطاف وقتل بعض السياح اليابانيين المغامرين في أرض الرافدين. وصدق أو لا تصدق أيه القارئ العزيز أن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة الأفغانية تشير إلى أن ذلك البلد المنكوب كان يُصدر سنويا تأشيرة دخول لحوالي عشرين ألف سائح.

الأمر الآخر الذي أود أن أشير إليه في خاتمة موضوع (ثنائية السياحة والحرب) هو أن ما سبق ذكره كان يركز على ظاهرة أن بعض الوجهات السياحية قد تتحول إلى جبهات حربية بينما قد يحصل العكس من ذلك تماما. بحكم أن نشرات الأخبار كثيرا ما تذكر ساحات المعارك والحروب الأهلية ونتيجة للاستمرار هذه الصرعات لفترة طويلة من الزمن لذا تألف الأذن ذكر أسماء تلك المناطق المنكوبة. وبعد انتهاء موجة الحرب الدموية قد تتحول تلك الجبهات الحربية إلى وجهات سياحية ذات جاذبية ملموسة. وهذا ما نجده في حالة تدفق السياح إلى فيتنام وكمبوديا والبوسنة وروندا وبورما وسيرلنكا وغيرها كثير حيث نجد أن من التقليعات الجديدة لظاهرة (سياحة الحرب) أن يحرص السياح على زيارة مواقع القتال القديمة وأماكن حدوث المجازر البشرية والمقابر الجماعية ومراكز التعذيب وخنادق وملاجئ الحماية. قبل عدة سنوات عندما زرت مدينة سراييفو شاهدت وفدا سياحيا يزور موقع مجزرة بشرية في سوق الخضار بتلك المدينة المنكوبة وعندما وقفت أمام فندق هوليدي إن الذي كان له شهرة في نشرات الأخبار في زمن حرب البلقان خطرت ببالي فكرة كتابة مقال خاص عن ظاهرة وجود فنادق ومنتجعات سياحية في قلب مناطق الصراع والقتال ولذا كان عنوان ذلك المقال (فندق سياحي على خط النار).

( أساطير النجوم في الشعر العربي )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1448/4/8 الموافق 19 سبتمبر

يقول خبراء الفلك إن أفضل موعد لرصد ومشاهدة كوكب زحل هو خلال ليالي شهر سبتمبر من كل عام خصوصا في يوم 26 سبتمبر (أي بعد أسبوع) وذلك عندما يكتمل القمر ويقترب منه زحل.  وبعيدا عن علم التنجيم الزائف ربما من المسوغ لعشاق علم الفلك أن يرنوا بأبصارهم ويرصدوا بمناظيرهم إلى كوكب زحل ويتجاهلوا الشطر الثاني من نصيحة الشاعر الشامي ابن الوردي صاحب لامية عرب الشمال:

صَدّق الشرع ولا تركن إلى       رجلٍ يرصد في الليل زُحلْ

والطريف في الأمر أن الشعراء منذ الأزل وهم مهووسون بالنظر للسماء في الليل ورصد نجومها ومراقبة كواكبها يشكون لها مشاعرهم وأشواقهم، بل وأحزانهم كما قالت الخنساء وهي تبكي وترثي أخاها صخر:

فبتُّ ساهرةً للنّجمِ أرقبهُ       حتى أتى دون غور النّجم أستارُ

وهذا الشاعر الأموي ذو الرمّة وهو يصف كيف شاركته النجوم همومه وسهرة فهو لم ينم والنجم لم يغب:

أبيتُ الليل أرعى كلَّ نجمِ        وشرُّ رعاية العينِ النجومُ

ومن الرثاء والسهر مع النجوم لأن الهموم (لا تُنيم ولا تَنام) كما قال غيلان ذو الرمة إلى السمر في السحر مع العاشق الولهان قيس بن الملوح مجنون ليلى الذي يقول:

أراعي الفرقدين مع الثريا           كذاك الحُبُّ أهونهُ شديدُ

والغريب في الأمر أنه لكثرة ورود مراقبة النجوم ورصد الكواكب في الشعر العربي أصبح ذلك الفعل المجازي أمرا شائعا مثل الوقوف على الأطلال لدرجة أن الشاعر الضرير بشار بن برد تأثر بأساليب الأدباء في التصوير الرمزي فزعم وهو الأعمى أنه من شدة أشواقه في الليل لمحبوبته:

أرعى بها النّجم وما رغبتي         نجماً بطرف العين لمّاحا

والمقصود من هذا المدخل الشعري أنه وفق المتعة الأدبية الشعرية للنجوم وبالتمازج مع الهواية الفلكية الشيقة المتمثلة في رصد الكواكب ومراقبة الأجرام السماوية لعلنا هذه الليلة نكرر ونديم النظر للسماء وذلك بمناسبة (اليوم العالمي لعلم الفلك) الذي يوافق اليوم الأحد 19 سبتمبر. وإذا بقينا مع النجوم في السماء العربية وبمناسبة ذكر اليوم العالمي لعلم الفلك تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الدولي لعلم الفلك يعتمد مئات الأسماء العربية للنجوم التقليدية المرئية بالعين المجردة وهذا ما جعل الباحث الفرنسي رولاند لافيت يقوم بتأليف كتاب بعنوان (أسماء عربية للنجوم) حيث وثّق فيه تاريخ دخول الأسماء العربية لحوالي 500 نجم إلى خارطة النجوم الفلكية المعاصرة. يقال إنه بصورة عامة أنه في الليلة الصافية والمظلمة في أول الشهر العربي أو في آخره يمكن مشاهدة حوالي 2000 نجم (النجوم المرئية) والذي يهم من تلك النجوم الألفية تلك التي انتجت المخيلة البشرية منها أشكال ورسومات وأساطير لتجمعات نجمية تسمى الكوكبات (Constellations). مثل كوكبة الدب الأكبر وكوكبة المرأة المسلسلة وكوكبة الجبار وبقية أسماء الكوكبات المشهورة مثل كوكبة السرطان والميزان والدلو والجدي والعقرب .. الخ. وحسب ما توصل له الباحث الفرنسي رولاند لافيت السالف الذكر فإن حوالي الثلثين من أسماء النجوم المشاهدة في المساء والتي تدخل في رسم تلك التشكيلات النجمية (88 كوكبة معترفا بها) في دائرة البروج هي أسماء ذات أصول عربية.

وعبر التاريخ البشري الطويل من رفقة النجوم في المساء أبدعت الحضارات الإنسانية المختلفة شتى أنواع الأشكال لترتيب النجوم في هذه الكوكبات كما جادت المخيلة البشرية بأعجب الأساطير والخرافات المروية لتفسير سبب تشكل تلك المجاميع النجمية والبروج السماوية. فمن ذلك نجد عند الإغريق أسطورة الجبار والعقرب والتي تربط بين كوكبة الجبار (أوريون) ذاك الصياد المغرور الذي قتل بسبب عقرب لدغته في قدمه وأسطورة كوكبة المرأة المسلسلة أندروميدا التي ربطت على صخرة ثم أنقذها البطل بيرسيوس قبل أن يبتلعها وحش البحر سيفيوس الموجود في كوكبة الحوت. بينما في الأساطير العربية المتعلقة بنجوم السماء في المساء نجد تأثير البداوة وعشق الترحال والانتقال ولهذا أبدعت المخيلة العربية أسطورة الدبران والثريا حيث تهرب الثريا الفتاة الجميلة من الدبران الذي يلاحقها ويحاول يرغمها على الزواج منه وكذلك أسطورة بنات نعش والجدي (النجم القطبي) ودوران نجوم بنات نعش حول نجم الجدي كمحاولة منهن للقبض عليه والسعي للثأر منه لقتله والدهن.

المخيلة العربية في الأساطير النجمية

صحيح أن الأساطير النجمية عن خفايا الحكايا المتخيلة عن الكوكبات والمجموعات النجمية شيقة جدا كما نجدها في أساطير الإغريق وبلاد الرافدين والأساطير الهندية والصينية عن نجوم البروج إلا أن التشويق والمتعة تزداد أكثر إذا ربطنا تأثير هذه الأساطير النجمية وانعكاساتها وتوظيفها في الأدب والشعر. في الواقع فيما يخص الأساطير الإغريقية نجد أن الشاعر اليوناني أراتوس الذي عاش في القرن الثالث قبل الميلادي قد أخرج قصيدة شعرية طويلة عن النجوم والأفلاك نشرت في كتاب حمل عنوان (الظواهر phenomena). وفي ذلك الكتاب يستعرض أراتوس بأسلوب شعري موزون مواقع الكوكبات والمجموعات النجمية ونشأتها ودورانها حول السماء ومسار الشمس في مواقع البروج النجمية.

ولكن للأسف القيمة الأدبية والذائقة الفنية لهذه القصائد (التعليمية) المرتبطة بالنجوم وعلم الفلك ضعيفة وأحيانا ركيكة كما نجدها مثلا في الأرجوزة الشعرية الفلكية والملاحية للبحار العربي أحمد بن ماجد إذا يقول مثلا:

والـدَّبَرَانُ شـَامُ والمِـرزم يَمَـن          قاسـُوهُمَا مِن قبلِنا أُولو الفِطَن

كَمَثـلِ مـا المِـرزَمُ ثـمَّ النَّاجِدِ            قَـد كَنَفَـا الجوزاءَ في القَوَاعِدِ

وأين هذا الشعر والرجز التعليمي البارد من روائع وفرائد الشعر العربي التي ورد فيها الإشارة إلى نجوم السماء مثل قول عنترة المزلزل وبعده بيت المتنبي المجلجل:

إِن كنتُ في عَدَدِ العَبيدِ فَهِمَّتي                  فَوقَ الثُرَيّا وَالسِماكِ الأَعزَلِ

خَميسٌ بِشَرقِ الأَرضِ وَالغَربِ زَحفُهُ        وَفي أُذُنِ الجَوزاءِ مِنهُ زَمازِمُ

طبعا لو حاولنا أن نحصر ونحضر الأبيات الشعرية في ديوان العرب التي ورد فيها أسماء النجوم المشهورة مثل الثريا والجوزاء والشعرى وسهيل والفرقدين والمرزم والدبران و(السماكان) السماك الأعزل والسماك الرامح والسهى والنيرين لطال بنا المقال فعدد الأبيات في هذا المجال الشعري بالآلاف ويمكن تؤلف ديوان شعر مستقل. ولكن فيما تبقى من مساحة هذا المقال سوف نخصصها لاستعراض الأبيات الشعرية التي يرد فيها الإشارة إلى بعض الأساطير العربية القديمة عن نجوم السماء وقصصها الشيقة وخيالها الجامح.

ولنبدأ بالأسطورة الأشهر أي أسطورة النجم سيهل وبنات نعش حيث يقال بأن سهيل قتل شخصا يسمى نعش ولهذا أقسمن بنات نعش ألا يدفن جثة أبيهن إلا بعد أن يدركن سهيلًا ويأخذن بثأر أبيهن، ولهذا هرب سهيل إلى جنوب قبة السماء وهنا قررت بنات نعش مطاردته نحو الجنوب. وعند العرب نجوم كوكبة الدب الأكبر هي بنات نعش (الكبرى) وهي سبع نجوم، أربعة على هيئة نعش تحمله أربعة نساء وتسير خلفه ثلاث فتيات وبالجملة نجد غير بعيد عن نجوم بنات نعش يمكن مشاهدة نجمتي الفرقدين المتقاربتين ونجم السهى وبمسافة أبعد يمكن أن نرصد الشعرى والجوزاء وهذه التشكيلة النجمية المتنافرة أجمل ما يمكن أن يجمعها تلك الأبيات الجميلة للشاعر الأندلسي الجزار السرقسطي:

كَأَن الفَرقدين إِذا اِستكنا           حَبيبان اِستكانا للغرام

كَأَن سُهيلها رجل مَروعٌ          توجس خيفَةً مِن ذي اِنتِقام

كَأَن تَبرج الشِعري خَليع          مِن الفَتيات وَاضِعَةُ اللثام

كَأَن بَنات نَعشٍ إِذ تَبَدّت           وائِمُ حَول منهلها ظَوامي

كَأَن سُها النُجوم بِها عَليل         يُنازع ما يَبينُ مِن السقام

كَأَن كَواكب الجَوزاء فيها        وِشاحٌ فَصَلوه شذور شام

وكعادة الأساطير والخرافات الشعبية أنها لا تكون دائما ثابتة ومؤكدة ولذا لا غرابة أن نجد أن القريحة العربية أبدعت أساطير نجمية أخرى تحاول تفسير تفرد نجم سهيل في أقصى جنوب دائرة الفلك من خلال حبك العلاقة المتخيلة بين سهيل وبين بقية نجوم السماء المشهورة مثل نجمة الشعرى اليمانية والشعرى الشامية ونجوم الجوزاء.  ومرة أخرى نجد أن أنسنة نجوم السماء تٌظهر نجم سهيل في مظهر سيء فهو قاتل وعنيف مع زوجته (الجوزاء) التي اختطفها وإجبارها على الزوج منه. وفي حالة غضب أو من جراء نوبة غيره عليها تزعم الروايات الشعبية أن سهيلا بعد خصام مع الجوزاء ضربها فكسر فقرات ظهرها وتسبب في قتلها وهذا ما جعله يلوذ بالفرار. ومن اختلافات الأسطورة الثاني للنجم سهيل أن هروبه هذه المرة ليس فقط خوفا من نجوم الدب الأكبر (بنات نعش)، ولكن بصحبة نجمة من كوكبة الكلب الأكبر ألا وهي نجمة (الشعرى اليمانية). زعموا أنه كان للنجم سهيل شقيقتان هما الشعرى اليمانية والشعرى الشامية وعندما هرب سهيل خوفا من الثأر عبر نهر مجرة درب التبانة. وعليه عندما لحقت به أختاه استطاعت فقط الشعرى اليمانية أن تعبر نهر المجرة وتصل للجنوب في حين كانت الأخرى ضعيفة ولم تستطع العبور فجلست عند الضفة الشمالية فسيمت بالشعرى الشامية ونظرا لأنها أحست بالحزن لفراق أخويها فظلت تبكي حتى غمصت عينيها وضعف لمعان تألقها فسميت (الشعرى الغميصاء). وهذا يقودنا لسرد الأبيات الحكيمة التي نظمها الشاعر الأندلسي التطيلي الأعمى في قصيدة رثاء يشير فيها أن الزمان لا يؤمن له وأنه سرعان ما يتغير:

وطالَ ثواءُ الفرقدين بغبطةٍ                    أما علما أن سوفَ يفترقانِ

وزايلَ بين الشعريين مُصرّفٌ                 من الدهر لا وانٍ ولا مُتوانِ

فإن تذهبِ الشّعرى العبورُ لشأنها             فإن الغُميصا في بقيّةِ شانِ

وجُنَّ سُهيلٌ بالثريّا جنونَهُ                       ولكنْ سلاهُ كيف يلتقيانِ

وهيهاتِ من جورِ القضاءِ وعدْلهِ              شآميةٌ ألوتْ بِدَيْنِ يماني

فأجمعَ عنها آخرَ الدهر سَلْوَةً                  على طَمَعٍ خَّلاهُ للدَّبرانِ

الفلكيان المعري وذو الرمة

سبق أن أشرنا إلى أنه في أسطورة سهيل والجوزاء حصل اختطاف واجبار للجوزاء لكي تتزوج من النجم سهيل ومع ذلك توجد أسطورة أو خرافة مشابهه، ولكن أبطال الدراما فيها الثريا والدبران. تقول الأسطورة أن الثريا كانت فتاة جميلة متألقة وغنية في حين أن الدبران كان شخصا فقيرا وعندما عشق الدبران الثريا طلب يدها للزواج بعد أن طلب من القمر أن يتوسط له عندها. ولكن الثريا رفضت عرض الزواج بسبب فقر الدبران ومع ذلك ساق الدبران كل ما يملك من غنم مهر لها وهي عشرون رأسا من الماشية تسمى (القلائص) ومع ذلك أصرت الثريا على الرفض وهربت وهنا لحقها وظل يتبعها الدبران عبر قبة السماء إلى الأبد. وجزء من هذه الأسطورة النجمية نجدها في الأبيات الأدبية للشاعر الأموي ذو الرمة حيث يصف تلك الدراما الفلكية من بطولة الثريا والدبران والقلائص:

وردت اعتسافا والثريا كأنها                على قمة الرأس ابن مآء محلق

يدف على آثارها دبرانها                    فلا هو مسبوق ولاهو يلحق

بعشرين من صغرى النجوم كأنها         وإياه في الخضراء لو كان ينطق

قلاص حداها راكب متعمم                 هجائن قد كادت عليه تفرق

قراني وأشتاتا وحادِ يسوقها               إلى الماء من قرن التنوقة مطلق

والغريب في الأمر أن الأسطورة العربية لعشق الدبران للثريا والطلب من القمر أن يتوسط لكي يقنع الثريا بالزواج، الغريب أن نجد عند شاعر العربية الكبير أبي العلاء المعري تحريف وتغيير لمساق القصة حيث جعل الهلال هو من يعشق الثريا وكما ساق في الأبيات التالية ذكر حشد من النجوم مثل سهيل والفرقدان والسماك والشعرى اليمانية والشامية:

وكأنّ الهِلالَ يَهْوى الثّريّا                   فهُما للوَداعِ مُعْتَنِقانِ

قال صَحْبي في لُجّتَينِ من الحِنْدِسِ        والبيدِ إذْ بدا الفَرْقَدانِ

نحنُ غَرْقَى فكيف يُنْقذُنا نجْمانِ            في حَوْمةِ الدّجى غَرِقانِ

وسُهَيْلٌ كوَجْنَةِ الحِبّ في اللّوْنِ            وقَلْبِ المُحِبّ في الخَفَقَانِ

مُسْتَبِدّاً كأنّه الفارِسُ المُعْلَمُ                 يبْدو مُعارِضَ الفُرسانِ

يُسْرِعُ اللّمْحَ في احْمِرارٍ كما تُسْرِعُ      في اللّمْحِ مُقْلَةُ الغَضْبانِ

ضَرّجَتْهُ دماً سيوفُ الأعادي              فبكَتْ رَحْمَةً له الشِّعْرَيانِ

قَدمَاهُ وَرَاءَهُ وهْوَ في العَجْزِ               كساعٍ ليستْ له قدَمانِ

والشّخوصِ التي خُلِقْنَ ضِياءً             قبْلَ خَلْقِ المِرّيخِ والمِيزانِ

قبْلَ أن تُخْلَقَ السّماوَاتُ أو تُؤْمَرَ         أفْلاكُهُنّ بالدّوَرانِ

لو تأتّى لنَطْحِها حَمَلُ الشّهْبِ             تَرَدّى عن رأسِه الشَّرَطانِ

أو أراد السّماكُ طَعْناً لها عاد             كسِيرَ القَناةِ قبْلَ الطّعانِ

وأود أن أشير هنا أنه عند التجهيز لهذا المقال تفاجأت كثيرا بوفرة الأبيات في شعر أبي العلاء المعري وفي ديون ذو الرمة التي لها إشارات للنجوم والتنجيم والأساطير العربية التراثية المتعلقة بدائرة البروج والتشكيلات النجمية وكأن المعري وذو الرمة هما (الفرقدان) المتفردان في سماء الشعر العربي الفلكي.

وفي الختام نعيد التذكر بأن اليوم السبت الموافق 19 سبتمبر هو اليوم العالمي لعلم الفلك ولذا لعشاق الأدب والعلوم أنصح بتحميل أحد التطبيقات مراقبة النجوم والرصد الفلكي مثل تطبيق (Sky Tonight) والذي بمجرد توجه جوالك إلى السماء يحدد لك النجوم والكواكب التي في اتجاه الجوال. وعليه في ليلة (اليوم العالمي للفلك) أبحث عن نجمتي الفرقدين وعمن هو نديم الفرقدين وما قصته، وحاول ترصد الثريا وفتش لماذا كانت العرب تسميها الشقيقات السبع، وحدد موقع السماكين واكتشف لماذا أحدهما يسمى السماك الرامح بينما الآخر يعرف بالسماك الأعزل. وبهذا التطبيق الفلكي بالجوال سهل جدا أن تجد موقع نجم السُهى بينما كان العربي القديم يتفاخر بحدة نظره إذا استطاع مشاهدة السُهى ولهذا بجهاز الجوال وتطبيق مراقبة النجوم يستطيع العربي المعاصر أن يتفاخر مثل أجداده عندما قيل لأعرابي: أتعرف النجوم؟ قال: وهل يجهل أحد سقف بيته.