السبت، 22 أغسطس 2026

( رحلة الأدباء مع أدب الرحلات )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 2 ربيع الأول 1448

 نحن الآن في آخر أيام الصيفية فلم يبق إلا أسبوع واحد بالضبط في روزنامة العطلة السنوية ولهذا هي الفرصة الأخيرة لمن قد يرغب في السفر والترحال لأداء العمرة أو للاستجمام في المنتجعات الجبلية والشواطئ الساحلية أو حتى التسوق في مولات المدن الشقيقة. وبحكم أن يوم غد الأحد الثالث من شهر ربيع الأول يتوافق مع يوم وفاة فيلسوف الشعر العربي أبي العلاء المعري الملقب بـ (رهين المحبسين) الذي ظلّ لمدة خمسين سنة كاملة وهو قعيد بيته لا يغادره وهو قرار غريب من شخص أبدع أعجب (رحلة) أدبية وفلسفية في التراث العربي وذلك في كتابه المعروف (رسالة الغفران) والذي هو جولة تخيلية تناقش أوضاع الأدباء والشعراء في الآخرة. ولهذا في يوم وفاة المعري الزاهد في السفر والخروج لعل من الملائم أن نأخذ جولة ورحلة في أخبار وذكريات ومشاهدات الجمع الغفير من الأدباء والشعراء والكتاب الذين خالفوا صاحب معرة النعمان وأكثروا من السفر شرقا وغربا ثم عادوا يساهمون في (أدب الرحلات) بالكتابة المستفيضة عن: ذكريات السياحة والسفر.

في حين أن الفلسفة التشاؤمية للمعري قادته لعدم مغادرة منزلة لمدة نصف قرن وكذلك في الأدب الغربي نجد أن أشهر شاعرة أمريكية (إيملي ديكنسون) وهي في عزّ الشباب في عمر 25 سنة تدخل في عزلة منزلية داخل بيت والدها لعدة سنوات ولم تكن تحتك بالأخرين إلا عن طريق المراسلة. في حين أن الفيلسوف والكاتب الألماني إيمانويل كانط لم يبتعد طوال حياته سوى أميال معدودة عن مدينة كونيغسبرغ التي ولد فيها، إلا أنه هذه الحالات النادرة من العزل المنزلي هي الشذوذ التي تثبت قاعدة (هل غادر الشعراء) التي رصدها الشاعر الجاهلي عنترة. يكفي أن نقول بأنه في المقابل نجد أن شاعر ألمانيا الأبرز يوهان غوته استمرت رحلة الثقافية إلى إيطاليا لمدة 20 شهر دوّن ووثق تفاصيلها في كاتبه المشهورة (رحلة إلى إيطاليا). في حين أن الأديب والرحالة اللبناني أحمد فارس الشدياق بالرغم من أنه طاف أغلب الدول الأوروبية وسطّر مشاهداته في كتابه الماتع (كشف المخبا عن فنون أوروبا) ومع ذلك نجد أن رحلته إلى الجزيرة الصغيرة مالطا امتدت لسنين متطاولة وصلت لـ 14 سنة أثمرت لاحقا كتابه الوثائقي (الواسطة في أخبار مالطة).

ومن هذا المدخل المطول أرغب في الوصول للتنبيه لظاهرة تداخل الأدب في السياحة والسفر لدرجة أن الأصل في الشعراء والأدباء الترحال والتنقل بين المدن والدول ليس فقط لكسب المزيد من روافد الإبداع والإلهام، ولكن أيضا للمساهمة الزاخرة في (أدب الرحلات) من خلال تأليف وتصنيف أجمل وأمتع كتب الرحلات والمغامرات والمشاهدات. كلنا يعرف أشهر كتب أدب الرحلات العالمية التي خلدها نجوم السفر والترحال مثل ابن بطوطة وابن جبير وماركو باولو وبوركهارت وتشارلز داوتي حيث كان لكل واحد منهم كتاب بالغ الأهمية في أدب الرحلات ومع ذلك تنبغي الإشارة إلى أن مشاهير الأدباء والشعراء كان لهم إسهام بارز في تأليف كتب مميزة ورافده لأدب الرحلات وهو ما نحول تسليط الضوء عليه هنا.

فهذا مثلا الأديب والرحالة الأمريكي مارك توين له على الأقل ستة كتب في هذا الشأن أبرزها كتاب (الأبرياء في الخارج) يدور عما سماه (رحلة المتعة العظيمة) وهي رحلته إلى أوروبا والدول العربية وكذلك كتابه (مشرد في الخارج) المكون من جزئين وهو مزيج من السيرة الذاتية وأدب الرحلات. وفي عالمنا العربي نذكر هنا أن الشاعر والرحالة اللبناني أمين الريحاني له ما يزيد عن عشرة كتب مستقلة عن رحلاته ومشاهداته في الدول العربية يهمنا منها هنا كتاب (الحجاز واليمن وعسير) بالإضافة لكتب القلوب: كتاب (قلب العراق) وكتاب (قلب لبنان).

 رواد الأدب والسياحة والسفر

الآداب فنون وأنواع وبعض الأدباء يشتهر بنوع واحد منها فقط لدرجة أنه قد يجهل البعض أن طه حسين ونجيب محفوظ في دنيا الرواية العربية وأدجار آلان بو ملك قصص الرعب وإيملي برونتي (صاحبة رواية مرتفعات ويذرنج) وفلاديمير نابكوف (صاحب رواية: لوليتا) في دنيا الرواية الغربية بالإضافة لشهرتهم الطاغية في مجال الكتابة الدرامية كانوا كذلك شعراء لهم بعض القصائد المجهولة. والمقصود أن بعض الأدباء قد تصبح بعض جوانب الإبداع الأدبي لديهم مجهولة ومخفية ومن ذلك أن كبار الأدباء في الغرب والشرق كانوا كذلك من الرحالة ومؤلفي كتب أدب الرحلات. ولنبدأ بعملاق الأدب الإنجليزي تشارلز ديكينز الذي قام بالعديد من الرحلات في أوروبا وأمريكا وكندا وبعضها كانت جولات للقراءة أمام الجمهور من صفحات ومقاطع من رواياته وهي ما تمسى (جولات القراءة). والجدير بالذكر أن تشارلز ديكينز كتب وألّف عن مشاهداته وانطباعاته عن هذه الدول وسياحته فيها ومن ذلك كتابه (صور من إيطاليا) وكتاب (المذكرات الأمريكية). وسبق الإشارة إلى أن الأديب الألماني يوهان غوتيه كان من إسهاماته في أدب الرحلات من خلال تأليف كتاب (الرحلة الإيطالية) ونضيف هنا ذكر كتابه الآخر (رسائل من سويسرا).

وفي واقعنا العربي قد يخفى على البعض أن شيخ الأدباء علي الطنطاوي زار العديد من دول العالم مثل العراق والأردن وباكستان وماليزيا واندونيسيا ومن ثم سجل وصف رحلاته المتعددة تلك في كتابه الشيق (صور من الشرق). وبما أن سيرة الشيخ الطنطاوي رحمة الله انفتحت فهذا يقودنا لنوع خاص بالغ الأهمية في أدب الرحلات كتب فيه أبرز الأدباء وأهل الفكر ونقصد بذلك أدب الرحلة للحج للبيت العتيق حيث كتب فيه الطنطاوي كتابه المشهور (إلى أرض النبوة). والمجال لا يتسع لمزيد تفاصيل عن كتب أدب الرحلة المكية للحج التي أبدعها بعض مشاهير الأدباء في العصر الحديث مثل كتاب (رحلة الحجاز) لإبراهيم المازني وكتاب (في منزل الوحي) لمحمد حسين هيكل وكتاب (حَمَام الحمى .. يوميات حاج) للروائي المصري جمال الغيطاني. هذا وتجدر الإشارة إلى قيام عمالقة الأدب مثل أحمد حسن الزيات وعباس محمود العقاد بكتابة مقالات أدبية عن مشاعرهم ومشاهداتهم في رحلة الحج بل حتى طه حسين قام في عام 1955 بأداء فريضة الحج وكتب في ذلك عدة مقالات تسمى أحينا بكتاب (قبلة الدنيا).

كما يكون الأديب كاتبا ورحالة يحصل كثيرا أن يكون الأديب كاتبا صحفيا ولهذا عندما يقوم الكاتب الأديب بالسفر والترحال يصبح أحيانا مراسل صحفي يقوم بتوثيق يوميات ومجريات رحلاته في مقالات وتقارير صحفية يمكن أن يجمعها لاحقا وينشرها على هيئة كتاب. وخير مثال يمكن ذكره هنا الروائي الكولومبي غابرييل ماركيز الحائز على جائزة نوبل في الأدب لعام 1982م حيث نجده في أوائل شبابه يقوم برحلة صحفية إلى بعض البلدان الاشتراكية وذلك في عام 1957م حيث كتب عدة تقارير صحفية عن مشاهداته للأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في تلك البلدان. وهذا ما أفرز ظهور كتاب (رحلة إلى البلدان الاشتراكية .. 90 يوما وراء الستار الحديدي) حيث وصف غابرييل في هذا الكتاب زيارته لبعض المدن في أوروبا الشرقية مثل برلين ووارسو وبراغ وصولا إلى موسكو. وعلى نفس النسق نجد أن الأديب الأمريكي إرنست همينغوي الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1954م عمل لسنوات طويلة مراسل صحفي لعدة صحف ووكالات أنباء ومجلات بارزة وبما إننا في سياق كتب السياحة والسفر تجدر الإشارة إلى أن هيمنغوي أثناء رحلاته السياحية المتعددة لأفريقيا أثمرت تأليفه كتابه (تلال أفريقيا الخضراء) بينما سنوات شبابه في باريس نتج عنها كتاب مذكراته وسيرته الذاتية ذات الاسم الغريب (الوليمة المتنقلة).

وفي ذات السياق والمساق نشير إلى أن الأديب الإنجليزي ألدوس هاكسلي صاحب الرواية المشهورة (عالم جديد شجاع) قام في عام 1925م بتأليف كتاب بعنوان (على طول الطريق: ملاحظات ومقالات سائح) وهو كتاب في الأصل عبارة عن مجوعة من المقالات عن مشاهداته السياحية وتأملاته الفنية والفلسفية في رحلاته في أوروبا وبعضها كانت زيارات لبعض المواقع العربية مثل تونس وصحراء سيناء. والروائي والشاعر الأسكتلندي روبرت ستيفنسن صاحب قصة جزيرة الكنز ورواية الدكتور جيكل والسيد هايد كان كذلك رحالة ولهذا كان له كتاب بعنوان (مقالات في الرحلة) وهو يشمل على عدد من المقالات الثقافية التي كتبها روبرت ستيفنسن وانطباعاته ومشاهداته حول حضارة وطباع وسلوك شعوب بعض الدول الأوروبية التي زارها.

وفي واقعنا المحلي نجد أن الشاعر عبد الكريم الجهيمان قام في عام 1397م برحلة حول العالم زار فيها بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة والصين واليابان وقد قام بنشر مشاهداته السياحة على هيئة مقالات ثقافية كان ينشرها تباعا في جريدة الجزيرة ثم لاحقا جمعها ونشرها على هيئة كتاب حمل عنوان (دورة مع الشمس). وقبل سقوط الاتحاد السوفيتي في نهاية التسعينيات من القرن العشرين سافر الروائي والكاتب المصري يوسف القعيد إلى موسكو وكتب سلسلة من المقالات عن الأوضاع السياسية والفكرية عن المجتمع الروسي ثم نشرها في كتاب مستقل هو (الكتاب الأحمر: رحلاتي في خريف الحلم السوفيتي).

 السفير والسفر والشعر والشعراء

صحيح أن بعض الأدباء يزور بعض الدول الخارجية والمدن الدولية لفترة قصيرة من الزمن ويكتب عنها مقالات ومؤلفات في أدب الرحلات بينما يمكن أن نجد بعض الأدباء يطيل المكث والإقامة في بعض المدن لسنوات طويلة. ولعل أبرز نموذج يمكن الإشارة إليه هنا الشاعر اللبناني ميخائيل نعيمة الذي أقام لمدة خمس سنوات في موسكو حيث تلقى بها دراسته الجامعية بينما هو يعتبر كما هو معروف من أبرز شعراء المهجر في الأمريكيتين فهو حاصل على الجنسية الأمريكية وبسبب تنقل مخائيل نعيمة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ولذا أكتسب من الحكمة والذكريات لكي يبدع كتابه الوثائقي الذي عنوانه (أبعد من موسكو ومن واشنطن). وأحيانا سبب الإقامة المطولة في الخارج لبعض الأدباء لأنه بكل بساطة كان يعمل في السلك الدبلوماسي وهذا يفتح المجال لذكر أن العديد من مشاهير الأدباء والشعراء كانوا في الأصل سفراء ومن ذلك الثلاثة السوريين: نزار قباني وعمر أبو ريشة وخير الدين الزركلي. وعلى المستوى العالمي يمكن أن نذكر السفراء الثلاثة النوبليين (الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب) وهم الشاعر المكسيكي أوكتافيو باز والشاعر اليوناني جيورجيوس سفريس والشاعر اليوغسلافي إيفو أندريتش.

ولكن هؤلاء الشعراء السفراء من المفترض ألا يكون لهم ذكر وإشارة في هذا المقال لأنهم لم يؤلفوا كتبا في أدب الرحلات وفي المقابل يجب أن ننوه أن الشاعر والسفير والوزير متعدد المواهب غازي القصيبي له كتاب بعنوان (العودة سائحا إلى كاليفورنيا). وكذلك الروائي المصري يحي حقي رائد القصة القصيرة وبحكم أنه عمل لمدة عشرين سنة كسفير في عدة مدن مثل جدة وروما وباريس وأنقرة ولهذا من مجمل هذه الرحلات له عدة كتب في نطاق أدب الرحلات مثل كتاب (حقيبة في يد مسافر) وكتاب (مذكرات عابر سبيل). ومن الشعراء غير العرب يمكن أن نتوقف على عجالة مع الشاعر التشيلي بابلو نيرودا (الحاصل على جائزة نوبل عام 1971م) والذي شغل منصب السفير في باريس كما شغل مناصي دبلوماسية عديدة حيث شغل منصب القنصل التشيلي في أسبانيا والمكسيك والأرجنتين. وطبعا أثناء تنقلات وسفريات نيرودا في العديد من الدول شاهد العديد من المناظر التاريخية والطبيعية الخلابة التي أثار بعضها اهتمامه لدرجة أنه قام بتأليف كتاب وقصيدة أدبية بعنوان (مرتفعات ماتشو بيتشو) عن عاصمة حضارة الأنكا الهندية في دولة البيرو التي زارها عام 1943م.

وفيما تبقى من المقال سوف نشير إشارات خاطفة لبعض الأمثلة التي تجمعت لدي عبر السنوات عن كتب أدب الرحلات التي قام بتأليفها الأدباء والشعراء ولن أذكرها كلها لأن مساحة المقال لا تكفي. ولنبدأ بالإشارة بأن أول كتاب كتبه شاعرنا الكبير عبد الله بن خميس هو (شهر في دمشق) عن يومياته في أول رحلة سفر له في صيف عام 1954م وفي الواقع هذه المشاهدات الصيفية للأدباء العرب بدأت عام 1931م عندما نشر الدكاترة زكي مبارك كتابه (ذكريات باريس) وبعد ذلك بنصف قرن كرر الشاعر عبد الكريم الجهيمان عام 1980م نفس الرحلة والعنوان (ذكريات باريس). وتشابه عناوين كتب أدب الرحلات من تأليف مشاهير الأدباء تكرر في العنوان العربي لترجمة كتاب الأديب الأمريكي مارك توين (مشرد في الخارج) مع عنوان كتاب الروائي الإنجليزي جورج أورويل (صاحب رائعة: مزرعة الحيوانات ورواية 1984) والذي نشر ذكرياته عن فرنسا تحت عنوان (مشرد في باريس ولندن). ونبقى مع فرنسا ومع أديب بريطاني آخر هو هنري جيمس رائد تيار الواقعية الأدبية والذي كان مفتونا بفرنسا والفرنسيين وعندما قام برحلة سياحية بين المدن الفرنسية أبدع كتابه (جولة صغيرة في فرنسا). وربما أكثر دولة زاحمت فرنسا بعشق الأدباء لها هي إيطاليا بسبب جمال الطبيعة لها وبسبب كونها مهد عصر النهضة ولهذا كانت مقصد ما يسمى (الجولة الكبرى Grand Tour) في الفترة بين القرن 17 والقرن 19 ولهذا زار إيطاليا عدد كبير من الأدباء وقد أشرنا سابقا أن الشاعر الألماني يوهان غوتيه ألّف كتاب (الرحلة الإيطالية). ونذكر هنا أن الروائي الإنجليزي ديفيد لورانس (صاحب رواية عشيق السيدة تشاترلي) قام بتجميع مقالاته الثقافية عن رحلته إلى إيطاليا وأخرجها في كتاب (الشفق في إيطاليا) وكذلك الروائية الإنجليزية ماري شيلي رائدة أدب الرعب برواية فرانكشتاين بعد زيارتها لمنتجعات جبال الألب وثقت ذكرياتها في كتاب (جولات في ألمانيا وإيطاليا).

وقبل أن نغادر يجب ألا نغفل علاقة الأدباء مع أدب الرحلات المحلية والسياحة الداخلية وأبرز مثال نجده عند الروائي الأمريكي جون شتاينبك الذي نشر في نفس السنة التي حصل فيه على جائزة نوبل عام 1962م مشاهداته ويوميات رحلته البرية الطويلة حول المدن الأمريكية مع كلب زوجته المسمى تشارلي ومن هنا كان عنوان الكتاب (رحلات مع تشارلي: بحثا عن أمريكا). والكاتب الإنجليزي دانيال ديفو صاحب رواية روبنسون كروزو في الجزيرة المنسية له كتاب في أدب الرحلات عن رحلاته بين الجزر البريطانية سماه (جولة في جميع أنحاء جزيرة بريطانيا العظمى) وعلى نفس النسق نجد أن الكاتب والشاعر الإنجليزي صموئيل جونسون (صاحب المعجم البريطاني الشهير) كذلك له كتاب بعنوان (رحلة إلى جزر إسكتلندا الغربية). أما آخر كتاب في أدب الرحلات نذكره هنا فهو آخر كتاب على الإطلاق كتبه الشاعر أمين الريحاني قبل وفاته وكان بعنوان (قلب لبنان) يوثق فيه سياحته الداخلية لتسع رحلات له في مناطق مختلفة من بلده لبنان.

( مع الدولار في يوم عيد ميلاده )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/2/25

 قبل حوالي شهر، وفي يوم السبت 4 من يوليو 2026 وبالتزامن مع احتفال الأمريكان بمرور 250 سنة على الثورة الأمريكية وإعلان الاستقلال عن التاج البريطاني نشرت مقالا في ذلك التوقيت أشرت في مقدمته للفرق الكبير بين الجنرال جورج واشطن الذي رفض أن يكون (الملك جورج الأول) الأمريكي بدلا من (الملك جورج الثالث) البريطاني في حين أن الرئيس ترامب أثار حفيظة الملايين من الأمريكيين بأسلوب حكمه السلطوي والعنجهي مما دفع مئات الآلاف للتظاهر ضدة في 2500 بلدة ومدينة أمريكية وهم يرفعون لافتات كتاب عليها (لا للملوك No Kings). هذه كانت قصة مقارنة الرئيس ترامب مع أسلافه من الرؤساء في مجال الحكم والسياسة أما في مجال المال والنقود فعندما استقلت أمريكا عن الإمبراطورية البريطانية لم يحرص الرئيس الأول لأمريكا جورج واشنطن أن يضع صورته (على عادة الملوك والحكام) على أول قطعة نقدية يتم إصدارها وصكها في أمريكا في حين أن الرئيس الحالي كان يضغط بكل صفاقة على وزارة المالية الأمريكية بأن تصدر عملة نقدية ورقية جديدة من فئة 250 دولارا بشرط أن تحمل صورته البهية عليها.

لقد كان الرعيل الأول من رؤساء أمريكا وكبار أهل السياسة فيها (ممن يطلق عليها الآباء المؤسسين) على درجة مشرفة من التفاني في خدمة الأمة الأمريكية دون الحرص على تحقيق مجد شخصي لهم فعلى خلاف الرئيس ترامب الذي يصر أن يوضع توقيعه العجيب على الأوراق المالية الجديدة التي تطبع في أمريكا نجد أنه خلال 170 سنة الماضية منذ ظهور أول عملة ورقية أمريكية لم يكن يوضع على ورقة الدولار إلا توقيع وزير المالية. وصحيح أنه يوجد العديد من الرؤساء والآباء المؤسسين لأمريكا الذي تم وضع صورهم على العملات النقدية المعدنية والورقية للدولار مثل جورج واشنطون وتوماس جيفرسون وبنجامين فرانكلين وإبراهام لينكون، ولكنهم جميعا كانوا ضمن القانون الفيدرالي الذي أصدره الكونجرس الأمريكي منذ فترة طويلة والذي ينص على أنه يمنع وضع صورة أي شخص على قيد الحياة على العملات النقدية الأمريكية وطبعا الشخص الوحيد الذي خاف هذا القانون الصريح هو الرئيس ترامب. وبمناسبة فتح موضوع صور رؤساء الولايات المتحدة الذين تم وضعهم عبر السنوات على العملات الورقية نجد أن بعضهم على خلاف الرئيس ترامب الذي لا تهمه إلا مصالحه الشخصية نجد أن البعض منهم يحرص في مجال السياسة النقدية والمالية على المصلحة العامة حتى وإن كانت أفكاره غير دقيقة تماما مثل الرئيس الأمريكي السابع أندرو جاكسون والذي كان يعارض إنشاء بنك ومصرف مركزي. وبالرغم من معارضة الرئيس أندرو جاكسون الصارمة لإصدار أوراق نقدية ورقية (banknote) وإصراره أن النقود يجب أن تصك فقط من الذهب أو الفضة وليس من الأوراق عديمة القيمة من وجهة نظره إلا أن الشعب الأمريكي أراد تكريمه بمناسبة مرور 100 سنة على تسلمه الحكم لأنه لمسوا فيه الإخلاص ولهذا في عام 1928 تم إصدار عملة (ورقية) من فئة 20 دولار عليها صورة هذا الرئيس المعارض أصلا للعملات الورقية.

وعلى كل حال حديثنا اليوم عن العملة النقدية الأمريكية (الدولار) في سياق احتفالات الولايات المتحدة بمرور قرنين ونصف على إنشائها، يأتي لأن اليوم السبت (الثامن من أغسطس) وقبل حوالي قرنين ونصف (وبالتحديد في عام 1786م) أقر الكونغرس الأمريكي بالإجماع اختيار الدولار كعملة رسمية بعد استقلال أمريكيا ولهذا يحتفل في يوم 8 أغسطس باعتباره اليوم الوطني للدولار. صحيح أنه في التاريخ البشري الطويل كان لبعض العملات النقدية تأثير هائل في حركة التاريخ مثل عملة الديناريوس (الدينار الفضي) زمن الإمبراطورية الرومانية القديمة والدينار الذهبي زمن الخلافة العباسية والجنيه الإسترليني (البوند Pound) زمن الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس. ومع ذلك ربما يعتبر (الدولار الأمريكي) هو أهم وأقوى عملة نقدية وجدت في التاريخ حتى الآن وذلك لأنها العملة النقدية الوحيدة التي قبلت أغلب دول العالم الحديثة أن تستخدم بمثابة (عملة الاحتياط العالمي) وذلك قبل نهاية الحرب العالمية الثانية وفق اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods) الشهيرة. وللمقارنة جميع العملات التاريخية القوية تلاشت حاليا باستثناء الجنيه الإسترليني الذي يتداول حاليا منه حوالي 100 بليون جنية إسترليني نصفها موجودة خارج الجزر البريطانية. وفي المقابل وللدلالة على القوة والهيمنة الدولية للدولار الأمريكي في المنظومة المالية الدولية يكفي أن نشير إلى أن كمية عملة الدولار المجودة حاليا هي حوالي 1.5 ترليون دولار (1500 بليون دولار) بمعنى أن العملة الأمريكية أقوى من العملة البريطانية بأكثر من 1125 مرة، وليس هذا فحسب ففي حين فقط 50% من عملات الجنية الإسترليني تتداول خارج بريطانيا فإن حوالي 70% من الدولارات الأمريكية (1000 بليون دولار) يتم تداولها خارج الولايات المتحدة مما يدل أنها بالفعل عصب الاقتصاد العالمي.

من هذا وذلك قد نجد مسوغا أن نستعرض في هذا المقال شيئا من المسيرة المالية لعملة الدولار الأمريكي وذلك خلال تاريخ السياسية الأمريكية الداخلية والخارجية وانعكاس ذلك على قيمة الدولار الذي إذا عطس أصيبت بقية العملات النقدية في العالم بالزكام !!.

 بداية قصة صعود الدولار

قبل 250 سنة تم الإعلان عن استقلال الولايات المتحدة وذلك في عام 1776م ومع ذلك لم يصاحب هذه الثورة السياسية ثورة أو استقلال مالي واقتصادي بدليل أن عملة الدولار الأمريكي لم يتم الإعلان عن صدورها إلا بعد عشر سنوات كاملة أي في عام 1786ميلادي. والسبب في هذا التأخر الكبير في تاريخ (ميلاد الدولار) عن تاريخ (ميلاد الدولة) أن حرب الاستقلال الأمريكية استمرت في الواقع لمدة ثماني سنوات ولم تنته إلا في عام 1783م ولهذا كانت جميع الجهود منصبه أولاً لإكمال الثورة وكسب الحرب كما أنه في تلك الفترة لم تكن الحكومة الجديدة تملك دار سك النقود المعدنية (U.S. Mint) والتي لم تظهر إلا في عام 1792ميلادي. وبحكم إن أمريكا قبل 250 سنة كانت ما زالت أمة ناشئة وفتية لهذا لم يكن لها النجاح في ثورة الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية المهيمنة لو لا دعم الإمبراطوريات الأوروبية المنافسة لها. فمثلا حصلت أمريكا على دعم سياسي واقتصادي من فرنسا بدليل أن بنجامين فرانكلين أحد أبرز الآباء المؤسسين كان سفير أمريكا في باريس وقت سنوات حرب الاستقلال وبالمناسبة فبالرغم من أن بنجامين فرانكلين لم يصبح رئيسا للولايات المتحدة إلا أنه لأثره السياسي والثقافي الكبير أصبحت صورته موجودة على أكبر عملة أمريكية متداولة حاليا (فئة 100 دولار).

طبعا بعد استقلال أمريكا عن العرش البريطاني كان يجب أن تستقل كذلك عن استخدام العملة النقدية الذهبية البريطانية وهي الجنية الإسترليني ولهذا لم يوجد خيارا لأمريكا الفتاه Young America إلا أن تعتمد على العملة المالية للإمبراطورية الإسبانية المسيطرة على أمريكا اللاتينية والتي لها احتياطات هائلة من الفضة ولهذا كان لـ (الدولار الإسباني) مكانة كبرى وثقة عالية كعملة نقدية تستخدم بكثافة في التجارة الدولية عبر الأمريكيتين وأوروبا وآسيا. ومن هنا نفهم لماذا بعد الاستقلال كانت العملة المستخدمة في أمريكا هي الدولار الإسباني الفضي بسبب قوته الاقتصادية وضعف اقتصاد أمريكا كما كان الحال في واقعنا المحلي قديما حيث مثلا عندما شاع استخدام الروبية الهندية في دول الخليج والريال الفرانسي (العملة الفضية النمساوية) في بقية الجزيرة العربية. وهكذا كما تم تبني استخدام عملة الريال الفرانسي وتحول ليصبح (الريال العربي) نجد أنه قبل قرنين ونصف من الزمن تم تبني استخدام الدولار الإسباني ليصبح (الدولار الأمريكي). علما بأن الدولار الإسباني كان جائز وسائغ التعامل به في السوق الأمريكية بشكل قانوني حتى عام 1857م عندما اتجه الأمريكان غربا بعد موجة حمى الذهب عام 1848م حيث أكتشف الرواد المغامرين في الغرب الأمريكي المتوحش wide west كميات كافية من الذهب ومناجم الفضة لكي يتم سكّ النقود المعدنية الكافية من الدولار الأمريكي.

ومع ذلك ما كاد الاقتصاد الأمريكي ينتعش ويشب على الطوق ويستقل فعليا عن استخدام العملات المعدنية الإسبانية في منتصف القرن التاسع عشر حتى وقعت كارثة (الحرب الأهلية الأمريكية) التي كادت تعصف بالمنظومة المالية للأمة الأمريكية. تشير التقديرات أن تكلفة تلك الحرب الأهلية الأمريكية وصلت لما يزيد عن 6 بليون دولار وهذا مبلغ فلكي هائل بمقاييس القرن التاسع عشر وحتى تستطيع الحكومة الأمريكية في الولايات الشمالية توفير تكلفة الحرب اضطرت للاستدانة من الخارج وتحويل جميع الثورات المعدنية للمجهود الحربي. وكما هو متوقع أثناء الحروب والأزمات الكبرى يميل الناس إلى الاحتفاظ وكنزّ المعادن الثمينة وبحكم أن الدولار الأمريكي في بداية الأمر كان يتم صكه من الفضة ثم لاحقا من الذهب وعليه وفي هذه الظروف الاقتصادية الخانقة من النقص الحاد للذهب والفضة أثناء الحرب الأهلية حصل الحديث المالي التاريخي وهو تحويل (الدولار من المعدن إلى الورق). ولهذا في عام 1861م أصدر الكونجرس الأمريكي قرارا بالموافقة على إصدار الدولار الأمريكي على هيئة عملة ورقية وبحكم أن التصميم الأولي لعملة الدولار الورقي كان ظهر الورقة يطغى عليه اللون الأخضر ولهذا أصبح من الشائع عند الأمريكان تسمية الدولار بالظهر الأخضر (Greenbacks). والطريف في الأمر أن الرئيس الأمريكي ترامب الذي لم يستحمل أن يكون توقيع وزير المالية هو الوحيد الموجود على العملة التذكارية الجديدة من فئة (250 دولارا) ولهذا أضاف توقيعه العجيب وهنا يمكن أن نعرف إلى أي درجة تغيرت معايير وقيم أمريكا عبر الزمن إذا عرفنا أن أول دولار ورقي أخضر في تاريخ أمريكا لم يكن يحمل صورة أي رئيس أمريكي، ولكن فقط صورة وزير المالية في عام 1862م السيد المحظوظ (سلمون تشيس).

وقبل أن نغادر قصة أول دولار ورقي في تاريخ أمريكا تجدر الإشارة إلى أن تصميمه الفني كان أكثر بساطة من تصميم الدولار الحالي والذي يحتوي أشكالا تثير الريبة مثل العين على الهرم غير المكتمل (البعض يزعم أنها رموز ماسونية). ولكن ما يهمنا هنا أن عبارة (نثق بالله In God We Trust) الموجودة حاليا على جميع العملات الورقية الأمريكية وإن كانت لم توجد على تصميم أول دولار ورقي إلا أن هذه العبارة ظهرت لأول مرة على بعض القطع النقدية المعدنية قرب نهاية الحرب الأهلية الأمريكية وكان المقصود بها أن الولايات الشمالية تثق بالله أنها سوف تنتصر وأنها على الحق.

 رحلة السقوط ومستقبل الدولار

وكالعادة في التاريخ والسياسية الأمريكية فكثيرا من الأشياء والمظاهر مزيفة وخادعة ومن ذلك شعار (نثق بالله) التي كانت موجودة على بعض العملات النقدية الأمريكية لم تكن صادقة كثيرا في دنيا المال والنقود الورقية فمع نهاية الحرب الأهلية الأمريكية حصل تضخما كبيرا في قيمة الدولار لأنه كان يصنع من الورق القطني الشائع في أمريكا ولهذا كان من السهل جدا طباعة كميات كبيرة من هذه الدولارات الورقية الخضراء. ومع قرب نهاية القرن التاسع عشر وتوثب وتطلع الويلات المتحدة لكي تصبح (دولة عظمى) مع مطلع القرن العشرين كان لا بد من ضبط التضخم في قيمة الدولار ومن هنا تحولت العقيدة المالية لأبناء العام سام فيما يتعلق بالدولار من شعار (نثق بالله) إلى شعار (نثق بالذهب) !!.

وهذا ما حصل في عام 1900م عندما أصدر الكونجرس الأمريكي ما سمي (قانون معيار الذهب) وعليه حسب هذا القانون بالغ الأهمية ليس فقط تم تثبيت قيمة الدولار وحمايته من التضخم، ولكن أيضا جعل هذه العملات الورقية قابلة للتحويل واستبدالها بالذهب الذي من المفترض أن يصرف (نظريا) من الخزينة الأمريكية. صحيح أن قانون معيار الذهب تم تجميده مؤقتا عام 1933م بعد الكارثة الاقتصادية الأمريكي الكبرى المعروفة في التاريخ باسم (الكساد الكبير) وكذلك بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولكن على قاعدة أبي الطيب المتنبي الحكيمة (مصائبُ قومِ عند قومِ فوائدُ) لذا كان لمساندة أمريكا للدول الأوروبية في تلك الحرب العظمى فرصة ذهبية لترسيخ سيادة ماما أمريكا السياسية والعسكرية والاقتصادية على بقية دول العالم. وهنا مع الزمن تحولت العقيدة المالية في عالم المال والأعمال من (نثق بالذهب) إلى (نثق بأمريكا). وهنا عادت مرة ثانية (تغطية) العملة الورقية الخضراء بمعدن الذهب الأصفر وذلك وفق اتفاقية بريتون وودز (Bretton Woods) وهي نظام اقتصادي دولي تم اعتماده عام 1944م في منتجع سياحي فخم في شرق أمريكا وبحضور ممثلين عن 44 دولة. وقد كانت هذه الاتفاقية تهدف إلى تنظيم الاقتصاد العالمي وتجنب الأزمات المالية بعد الحرب العالمية الثانية وذلك عن طريق عبر ربط العملات العالمية بالدولار الأمريكي الذي كان مرتبطاً بالذهب. ولفترة من الزمن حقق نظام اتفاقية بريتون وودز المأمول منه بضمان استقرار سعر الصرف (35 دولار للأونصة الواحدة من الذهب) وتعزيز النمو الاقتصادي العالمي مما رسّخ المكانة الدولية للولايات المتحدة، ولكن تحت ضغط تكاليف الحرب الباردة مع منظومة الاتحاد السوفيتي وبزيادة مصاريف أمريكا بعد توسع قواعدها العسكرية تم إلغاء نظام تغطية الدولار بالذهب وذلك في عام 1973م عندما صدم العالم كله الرئيس الأمريكي نيكسون باتخاذ قرار (تعويم الدولار).

وبالرغم من تغير استراتيجية (نثق بالذهب) إلى استراتيجية (نثق بالبترول) بعد اعتماد سياسة (البترودولار) عام 1974م أن أنه من تلك اللحظة مع أزمة الطاقة العالمية بدأت رحلة السقوط الحر للدولار الورقي الأخضر. فمنذ عام 1973م وحتى عام 2026م بلغت نسبة التضخم للدولار الواحد حوالي 652% وهذا يعني أن القوة الشرائية للدولار انخفضت بمقدار 87% أو بمعنى آخر أن الدولار الواحد في زمن الرئيس نيكسون يساوي حوالي ثمانية دولارات في زمن الرئيس ترامب. وبسبب السياسات المالية والعسكرية المتهورة للرئيس ترامب يبدو أن مستقبل الدولار في خطر حقيقي فعبر العقود الماضية كان المعدل السنوي في انخفاض القوة الشرائية للدولار حوالي 4% بينما وصلت هذه النسبة لقاع 10% خلال السنة الأولى فقط من حكم ترامب في فترته الرئاسية الثانية.

أخبار سيئة وتوقعات سوداوية نفصح عنها لمستقبل الدولار في يوم السبت 8 من أغسطس يوم عيد ميلاد الدولار الأخضر المتعثر في مستنقع الرئيس البرتقالي. 

 

( غاز الأوكسجين وإشعال جائزة نوبل !! )

 


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/2/18 الموافق 1 أغسطس 2026

 اليوم السبت هو الأول من شهر أغسطس وفي العادة هو من الأيام البهيجة من أيام الصيف المشمسة التي قد تتوافق مع بداية موسم حصاد القمح ولهذا لا غرابة أن تتخذ بعض الدول يوم الأول من أغسطس لكي يتزامن مع اليوم الوطني لها مثل دولة سويسرا. وعبر التاريخ كان شهر أغسطس موسم حصاد لعدد من أبرز الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية من مثل اختراع الترانزستور واختراع التلفزيون وكذلك محرك الاحتراق الداخلي في السيارات بالإضافة لاكتشاف ظاهرة الانشطار النووي واكتشاف جسيم النيترون في نواة الذرة. ومع ذلك تبقى لحظة اكتشاف عنصر الأوكسجين في يوم الأول من أغسطس من عام 1774م هي واحدة من المحطات الفاصلة في تاريخ علم الكيمياء الحديث ولهذا بلا شك يستحق الكيميائي الذي حقق هذا الإنجاز العلمي التاريخي أن ينال أعرق الجوائز العلمية.

كما هو معلوم تعتبر جائزة نوبل هي أهم وأبرز جائزة علمية على الإطلاق، ولكن من شروط هذه الجائزة الدولية العريقة أن يكون الشخص المرشح لها على قيد الحياة وهي بهذا لا تعطى بأثر رجعي. وكنوع من التسلية الذهنية وشحذ المهارات الفكرية وتحفيز الإبداع الأدبي اجتمع عالم الكيمياء (والشاعر) الأمريكي والبولندي الأصل روالد هوفمان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1981م مع عالم الكيمياء (والأديب والمسرحي) الأمريكي والبلغاري الأصل كارل دجيراسي (المشهور بتطويره الصيدلاني لحبوب منع الحمل) وذلك لكي يشتركا في تأليف مسرحية حملت عنوان (الأوكسجين). الفكرية الأساسية لهذا العمل الأدبي قائمة على عرض مناظرة ومحاججة علمية خياليه يديرها أعضاء لجنة جائزة نوبل في الكيمياء ويكون محورها الجدال حول ما إذا أُفترض أن أكاديمية نوبل السويدية في العاصمة ستوكهولم قررت مخالفة سياستها ومنهجها القديم في عدم منح جائزة نوبل لأشخاص ليسوا على قيد الحياة وأنها في حال أرادت أن تكريم عالم كيمياء قديم قام بإنجاز بارز ساهم في تطوير علم الكيمياء الحديث فمن يكون ذلك الفائز بأثر رجعي بجائزة نوبل التكريمية في الكيمياء؟

يبلغ عدد العناصر الكيميائية الموجودة بشكل طبيعي في الكون 92 عنصرا كيميائيا وصحيح أن عنصر الهيدروجين أكثرها انتشارا على الإطلاق وأن عنصر البلاتين من أغلى المعادن الفلزية في حين أن عنصر اليورانيوم من أثقل العناصر وأخطرها إلا أنه من ناحية التأثير في تطور علم الكيمياء الحديث لا يوجد عنصر كيميائي يقارب أهمية لحظة اكتشاف عنصر (الأوكسجين). ولهذا حسب مخطط مسرحية (الأوكسجين) أتفق عالمي الكيمياء والأديبين روالد هوفمان وكارل دجيراسي على أن أكاديمية نوبل لن تختلف على أن (مكتشف عنصر الأوكسجين) سوف يكون صاحب أهم إنجاز علمي في تاريخ الكيمياء قبل بداية منح جوائز نوبل عام 1901م ولكن السؤال الصعب والشائك الذي تدور عليه بقية أحداث مسرحية (الأوكسجين) المكونة من 128 صفحة هو: من الأحق بلقب (مكتشف عنصر الأوكسجين)؟. وفي الجزء الأول من المسرحية يتجادل ويتخاصم ثلاثة من علماء الكيمياء البارزين حول أحقية كل منهم لكي ينسب له شرف اكتشاف عنصر الأوكسجين وهم الكيميائي الفرنسي المعروف أنطوان لافوازييه والكيميائي البريطاني جوزيف بريستلي وعالم الكيمياء السويدي البارون كارل فلهام شيله. بينما في الجزء الثاني من المسرحية يتجادل ويتناقش أعضاء لجنة جائزة نوبل في الكيمياء بأنه في عام 2001م وبمناسبة مرور مئة سنة على جائزة نوبل وكحالة استثنائية سوف يمنحون جائزة نوبل تكريمية وبأثر رجعي (Retro-Noble Prize) لواحد فقط من هؤلاء العمالقة الثلاثة في تاريخ الكيمياء، ولكن من يكون؟

وبدون الدخول في التفاصيل التاريخية والدقائق العلمية المتعلقة بالتجارب الكيميائية المؤدية إلى اكتشاف وعزل عنصر الأوكسجين نقول إن كلا من علماء الكيمياء الثلاثة يستحق جائزة نوبل الاستثنائية فأولا ونحن في يوم الأول من أغسطس ففي مثل هذا اليوم من عام 1774م توصل عالم الكيمياء شبه الهاوي جوزيف بريستلي (مهنته الأصلية قسيس ورجل لاهوت) لعزل غاز عنصر الأوكسجين بعدما أن سلط أشعة الشمس بواسطة عدسة مكبرة على مركب كيميائي هو أوكسيد الزئبق مما تسبب في تكسير ذلك المركب وتحرير غاز الأوكسجين. ومع ذلك يستحق عالم الكيمياء السويدي كارل شيله جائزة نوبل الاستثنائية لأنه قام بالضبط بإجراء نفس هذه التجربة لتحرير الأوكسجين بسنتين أو ثلاث قبل بريستلي وبحكم أنه كان هو الآخر كان كيميائيا هاويا فلم يحرص على نشر نتائج تجاربه لإنتاج الأوكسجين من خلال تسخين بعض المركبات الكيميائية مثل أوكسيد الزئبق أو نترات البوتاسيوم.

وفي المقابل يستحق عالم الكيمياء الفرنسي البارز لافوازييه جائزة نوبل الاستثنائية ليس لأنه كان أول من عزل وأكتشف عنصر الأوكسجين حسبما زعم في صفاقة وكذب علمي صريح، ولكن لأنه كان أول من فهم أهمية ودورغاز الأوكسجين في عملية الاحتراق وتفاعلات الأكسدة وتكوين بعض أنواع الأحماض غير العضوية ولهذا يلقب لافوازييه بأبي الكيمياء الحديثة. وهنا نحتاج وقفة لمعرفة لماذا خلد التاريخ اسم لافوازييه لدرجة أن يعرف اسمه طلاب المدارس بينما لم يعد يعرف إسهامات الإنجليزي بريستلي والسويدي كارل شيله (Scheele) ألا القلة من هواة تاريخ الكيمياء.

 الأوكسجين وإحراق نظرية الّلاهوب

من الناحية التاريخية ربما يعتبر الكيميائي السويدي كارل شيله هو أول من عزل وأكتشف عنصر الأوكسجين وذلك في حدود عام 1772م ولكنه لم ينشر نتائج بحوثه في هذا المجال إلا في عام 1777م وبهذا خسر أحقيته في أن ينسب اكتشاف عنصر الأوكسجين له كما سبق وأن خسر أحقيته في نسبة اكتشاف عناصر كيميائية أخرى له (مثل الكلور والمنجنيز والباريوم) لأنه كان يتأخر كثيرا في النشر العلمي. في الواقع مشكلة كارل شيله أنه كان (هاوي) كيمياء ولم يتلق تعليما نظاميا فيها بل كان أشبه بمتدرب صيدلاني (صبي صيدلي) ولهذا وقع في حبال نظرية (الفلوجستون). وبدون الدخول في التفاصيل الكيميائية فإن نظرية الفلوجستون كانت تفترض وجود مادة كيميائية خفية شبيه بالنار تخرج من المواد عند احتراقها ولهذا عندما عزل كارل شيله عنصر الأوكسجين توقع أنه حصل على تلك المادة المتوهمة في نظرية الفلوجستون ولهذا أطلق على تلك المادة أو العنصر الغازي اسم (الهواء الناري). وبالمناسبة نجد كذلك أن الكيميائي البريطاني جوزيف بريستلي كان من مناصري نظرية الفلوجستون ولهذا أطلق على عنصر الأوكسجين عندما عزله اسم (الهواء منزوع الفلوجستون) !!.

وأود التنبيه هنا أن كلا من كارل شيله وجوزيف بريستلي وبسبب خبرتهما ومعرفتهم الكيميائية المتوسطة لم يدركا تماما طبيعة غاز الأوكسجين الذي تم عزله ففي نظرهما هو مجرد (هواء) أي مادة غازية أو مركب كيميائي وليس عنصرا مستقلا. ولعل من الملائم الإشارة هنا أن عالم الكيمياء البريطاني هنري كافنديش عندما اكتشف الهيدروجين في عام 1766م لم ينتبه في البداية أنه عنصر مستقل ولهذا أطلق عليه اسم (الهواء القابل للاشتعال). والغريب في الأمر أنه حتى أبو الكيمياء الحديثة السيد لافوازييه (وهو بالمناسبة هاوي للكيمياء ولم يدرسها بشكل نظامي) وقع في البداية في نفس الخطأ حيث أطلق على غاز الأوكسجين اسم (الهواء الحيوي vital air) لأنه لاحظ من خلال تجاربه أنه الغاز الضروري وجودة في عملية الاحتراق والتنفس. ثم لاحقا ومع استمرار تجارب لافوزييه المتنوعة والدقيقة في تفاعلات غاز الأوكسجين وخواصه الكيميائية لاحظ أنه يوجد في جميع الأحماض غير العضوية (مثل حمض الكبريتيك H2SO4 أو حمض النيتريك HNO3) ولهذا غير لافوازييه تسمية هذا العنصر الجديد إلى اسم (الأوكسجين Oxygen) وذلك بدمج واختصار كلمتين من اللغة الإغريقية هما كلمة (oxys) بمعنى حمض وكلمة (genes) وهي بمعنى ينتج أو يولد وبهذا الترجمة الحرفية لأسم (الأوكسجين) هي: منتج الحمض !!.

بقي أن نقول إنه في تاريخ العلم يحصل أنه في بعض الحلات تكون بعض النظريات العلمية (الخاطئة) معيقة لتطور العلوم مثل فلسفة أرسطو أن الكون مؤلف من أربعة عناصر فقط ومثل نظرية بطليموس حول مركزية الأرض في الكون ولهذا إذا تم إزالة هذه النظريات الخاطئة من المناهج العلمية تحصل قفزات ملموسة في تطور العلوم. وهذا ما حصل مع لافوازييه عندما أثبت خطأ نظرية الفلوجستون وبالتالي حصلت قفزة هائلة في مجال الكيمياء الفيزيائية وفي نفس النسق عندما أثبت عالم الكيمياء الألماني فريدريش فولر خطأ نظرة (القوة الحيوية) التي كانت تزعم أنه لا يمكن تصنيع المركبات الكيميائية الموجودة في الكائنات الحية حصلت طفرة مذهلة في علم الكيمياء العضوية. الطريف في الأمر أن عالم الكيمياء والطبيب الألماني جورج شتال (طبيب الملك فريدريش الأول ملك بروسيا) قام بتطوير نظرية الفلوجستون التي وضعها في الأساس عالم الكيمياء الألماني يوهان بيتشر. كما أن جورج شتال كان من أهم مؤيدي نظرية القوة الحيوية والمذهب الحيوي ولهذا كان له تأثير مهيمن على المشهد العلمي في ألمانيا وكان من نتيجة ذلك أن تم رفض قبول نظرية لافوازييه الجديدة في تفسير دور عنصر الأوكسجين في الاحتراق والتنفس. بل وصل الامر في ألمانيا أن بعض العلماء والغوغاء الذين عارضوا نظرية لافوازييه صنعوا تمثال على هيئة لافوازييه ثم قاموا بحرق تلك الدمية بعد أن اتهموا لافوازييه بأنه كان يهرطق في العلم وما جاء به هو تجديف وزندقة علمية تستحق الإعدام حرقا في مشابهة لمن يهرطق في الدين أن مصيره الحرق.

ولاحقا في عام 1789م وهو تاريخ بداية الثورة الفرنسية تصاحب ذلك مع ثورة علمية كبرى عندما تم أخيرا الإثبات النهائي والحاسم على صحة نظرية لافوازييه في دور الأوكسجين في الاحتراق والاشتعال وخطأ نظرية الفلوجستون (البعض يسميها نظرية الّلاهوب) وفي هذه الأجواء الملتهبة سياسيا وعلميا حصلت حادثة طريفة. حيث قام تلاميذ ومؤيدو نظرية لافوازييه بإقامة احتفال درامي لانتصار الكيمياء الفرنسية المتطورة على الكيمياء الألمانية المتخلفة وذلك من خلال تمثيل مسرحية يتم فيها إجراء محاكمة علمية لنظرية الفلوجستون. لقد قام بعض رفقاء وأتباع لافوازييه بتمثيل دور لجنة التحكيم في حين تم اختيار شاب وسيم لكي يؤدي دور عنصر (الأوكسجين) والذي أخذ يقرأ لائحة الاتهام ضد نظرية الفلوجستون والتي أوكلت مهمة الدفاع عنها لرجل عجوز ومنهك يمثل شخصية الكيميائي الألماني جورج شتال السالف الذكر. وأخيرا تلت لجنة التحكيم حكمها بأن أصدرت حكم: الموت حرقا على نظرية اللاهوب وهنا جاء دور زوجة لافوازييه ومساعدته العلمية السيدة ماري آن بولز التي أُلبست ملابس الكهنة البيضاء ومن ثم قامت برمي وحرق كتب علماء الكيمياء المؤيدين لنظرية الفلوجستون. ولهذا تم بواسطة غاز الأوكسجين إشعال وإحراق كتب علماء الكيمياء الألمان الذين تخطاهم الزمن مثل جورج شتال ويوهان بيتشر.

ومع ذلك من غرائب أخبار تاريخ العلوم في تلك الفترة أنه حتى علماء الكيمياء الذين كان لهم دور في اكتشاف وعزل عنصر الأوكسجين مثل الإنجليزي جوزيف بريستلي والسويدي كارل شيله كانوا مقتنعين تماما بصحة نظرية الفلوجستون (وكذلك الكيميائي الإنجليزي كافنديش مكتشف الهيدروجين) وقد استمروا في دعم تلك النظرية البائدة حتى آخر حياتهم. فهذا مثلا جورج بريستلي والذي توفي في عام 1804م أي بعدما اكتشف عنصر الأوكسجين بثلاثين سنة ومع ذلك كان آخر مقالتين علميتين كتبها قبل وفاته خصصهما في الدفاع المستميت في إثبات صحة نظرية الفلوجستون. وهكذا بعد وفاة العلماء القدماء المتحجرين العقول مثل بريستلي وشيله وبيتشر وشتال وكافنديش زالت المعارضة العلمية للكيمياء الحديثة التي جاء بها لافوازييه وربما هذا يكون تصديقا للمقولة التي تتردد أحيانا في كتب تاريخ العلوم وهي (إن العلم يتقدم على طريقة الجنائز المتتالية) بمعنى أن العلم يتقدم خطوة مع تشييع جنازة كل عالم عتيق. وفي الواقع تلك العبارة المختصرة هي انعكاس للعبارة المطولة والتي أطلقها العالم الألماني الشهير ماكس بلانك مكتشف نظرية الكم حيث يقول: (من النادر أن يشق أي ابتكار علمي مهم طريقة عن طريق الفوز التدريجي على المعارضين له وتحويلهم إلى صالحه. فما يحدث بالفعل هو أن المعارضين لأي ابتكار علمي يهلكون تدريجيا وبالتالي تعتاد الأجيال الجديدة على أفكار هذا الابتكار العلمي منذ البداية).

وقبل أن نغادر لعلنا نعود ونعرج على مسرحية (الأوكسجين) التي بدأنا بها المقال ونذكر هنا أن المؤلفين علماء الكيمياء روالد هوفمان وكارل دجيراسي تركا نهاية المسرحية مفتوحة حيث لم تتوصل لجنة جائزة نوبل المتخيلة لإعطاء حكم نهائي وحاسم لمن سوف تمنح جائزة نوبل الاستثنائية والتذكارية لمكتشف عنصر الأوكسجين وهما بهذا يريدان أن يستمر لهب النقاش بين الجمهور والخبراء والعلماء حول (غاز الأوكسجين وإشعال جائزة نوبل).

( نقطة تحول .. تباشير تراجع النفوذ الإسرائيلي في أمريكا )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت  1448/2/11الموافق 25 يوليو 2026

من الأبيات الحكيمة في ديوان الشعر العربي مقولة الشاعر العربي القديم:

إذا تمّ أمرٌ دنا نقصهُ         توقع زوالاً إذا قيل تم

ولهذا وبالرغم من الغصة في الحلوق والغمة في القلوب من تنامي العلاقة بين الكيان الصهيوني في زمن النتن ياهو والرئيس الأمريكي ترامب لدرجة أن ذلك الرئيس المهرج زعم قبل أشهر قليلة أن له شعبية عالية في إسرائيل لدرجة أنه لو ترشح في الانتخابات في وكر الصهاينة لفاز بسهولة لأن الشعب الإسرائيلي يحبه. وفيما المقابل وقبل سنتين بالضبط (بالتحديد يوم 24 يوليو 2026) وفي عزّ العدوان الأثيم على قطاع غزة أُستقبل المجرم النتين ياهو استقبال الفاتحين تحت قبة الكونجرس الأمريكي حيث كان يتم التصفيق والتصفير والوقوف له بعد كل جملة يتفوه بها لدرجة أن تلك السخافة الوقحة تكررت 81 أثناء كلمة مجرم الحرب التي استغرقت 52 دقيقة أي أنه حظي بالتصفيق والوقوف بمعدل كل 40 ثانية تقريبا.  

وبعد كل ذلك التمام والوئام في عمق ودفء العلاقة الأثيمة بين الكيان الصهيوني الغاصب وماما أمريكا إذا بنا نشاهد وبشكل متدرج عبر الشهور الماضية بواكير وتباشير بداية اضمحلال النفوذ الإسرائيلي في أورقة البيت الأبيض وهذا تحقيق ملموس لنبوءة (توقع زوالاً إذا قيل تم). ومن تباشير وإرهاصات ذلك الزوال والاضمحلال أنه بعد حفلة التصفيق الصفيق للنتن ياهو في البرلمان الأمريكي كشفت تقارير صحفية إسرائيلية وأمريكية قبل أسابيع بأن الرئيس ترامب قام في مكالمة هاتفية ساخنة مع النتن ياهو بتوجيه شتائم وكلمات نابية والصراخ بتوبيخ حاد نحو زعيم الكيان الغاصب. وفي هذا الأسبوع تعددت مظاهر بداية انحسار النفوذ الصهيوني في أروقة الحكم في أمريكا فهذا نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس يُصّعد من هجومه نحو قادة الكيان الصهيوني لدرجة أن يقول لهم في مقابلة تلفزيونية (اذهبوا إلى الجحيم). بل أن نائب الرئيس يصرح بأن إسرائيل تخسر معركة الرأي العام في الولايات المتحدة ويتهم الصهاينة بمحاولة التأثير في السياسة الأمريكية وأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الموساد) له علاقة بسيء الذكر رجال الأعمال جيفري إبستين في تلميح للأسلوب القذر للصهاينة في استخدام الجنس والفضائح لابتزاز رجال السياسة والتأثير عليهم. ومما زاد الطين بلّة في سخام توتر العلاقة بين قادة الدولتين أنه كان من المتوقع وصول مجرم الحرب رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الولايات المتحدة، ولكن الزيارة تم تأجيلها بضغط من نائب الرئيس الأمريكي. وفي هذه الأجواء العاصفة الأيام الماضية صدر تصريح صادم للصهاينة من قبل عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني بأنه بدأ في اتخذا الاستشارات القانونية لاعتقال زعيم الصهاينة النتن ياهو لو جاء إلى اجتماع الأمم المتحدة في نيويورك في شهر سبتمبر وأنه سوف يسلمه للمحكمة الجنائية الدولية !!.

وفي نفس هذا الأسبوع الفريد بتزاحم الشواهد على (نقطة التحول) في العلاقة الأثيمة بين الصهاينة والأمريكان لا يمكن أن نغفل أبعاد الزلزال السياسي المتمثل قبل أيام عندما قام 104 نائبا من أعضاء الحزب الديمقراطي الأمريكي (أي أكثر من نصف أعضاء هذا الحزب في البرلمان) بالتصويت بالموافقة مع القرار الذي كان سوف يؤدي في نهاية المطاف إلى إلغاء المساعدات العسكرية السنوية التي تقدمها الحكومة الأمريكية للكيان الصهيوني والتي تبلغ 3.3 مليار دولار. وهذا أمر غير مسبوق على الإطلاق في السياسة الأمريكية والمكبلة بسلاسل اللوبي الصهيوني (إيباك) الداعم لإسرائيل والذي كان له تأثير عميق في الانتخابات الأمريكية عبر العقود الماضية. وهنا مربط الفرس لأنه بعد أشهر قليلة سوف تبدأ انتخابات التجديد النصفي لجميع مقاعد مجلس النواب الأمريكي ولهذا من أين أتت الشجاعة لهؤلاء النواب من الحزب الديمقراطي لعدم الخوف من التأثير والدعاية السلبية التي سوف يشنها عليهم اللوبي الصهيوني لمحاولة قطع الطريق عليهم لإعادة انتخابهم لعضوية الكونجرس الأمريكي. في عام 1985م أصدر السيناتور الأمريكي المشهور بول فندلي كتابه المعروف (من يجرؤ على الكلام: الشعب والمؤسسات في مواجهة اللوبي الإسرائيلي) وكانت تلك جرأة غير مسبوقة أن يحاول أحد رجال السياسة الأمريكان فضح خطورة اللوبي الصهيوني في تشكيل السياسة الأمريكية وفي ذلك الزمن كان صيحة النذير التي أطلقها بول فندلي صرخة في البرية ولم ينتج عنها أي أثر ملموس في إضعاف سطوة اللوبي الإسرائيلي. ولكن اليوم وبعد أكثر من أربعة عقود على نشر ذلك الكتاب نجد العديد من المنظمات المدنية وبعض أعضاء البرلمان الأمريكي يوحدون جهودهم ضد اللوبي الإسرائيلي (AIPAC) حيث أطلقوا حملة شعارها (ارفضوا إيباك Reject APIAC) تهدف لتحجيم دور اللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية من منظور أنها هيئة تحقق مصالح دولة أجنبية ولهذا يجب حسب النظام الأمريكي أن يتم تسجيلها رسميا ويتم متابعة أرصدتها المالية.

الجدير بالملاحظة والاهتمام أن موجة (رفض اللوبي الإسرائيلي) وصلت حتى لبعض أعضاء الحزب الجمهوري الأمريكي وكذلك قطاعات متزايدة من أفراد وجماعات اليمين الديني البروتستانتي المتعصب الذين كانوا تاريخيا هم أبرز الداعمين لدولة الكيان الصهيوني لأسباب دينية وفكرية. وهذا يقودنا للإشارة السريعة للموجة السائدة حاليا في قطاع اليمين الديني الأمريكي والمحافظين وهو تيار (أمريكا أولاً Americal First) حيث نجد شرائح واسعة من حركة ماجا MAGA (لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى) الداعمة للرئيس ترامب أصبحت تتبنى أفكار وقف أي مساعدات مالية لأي دولة خارجية وإعادة صرف هذه الأموال في الداخل. وكما كان حال السياسة الأمريكية قبل الحرب العالمية الأولى والثانية هي سياسة (العزلة والحياد) وعدم التدخل أو التورط في الحروب الخارجية نجد أنه ومن منظور (أمريكا أولاً) تنتشر بين مناصري حركة ماجا واليمين المحافظ الأفكار والنظريات المناهضة للتدخل والتورط في الحروب الخارجية (سياسة عدم التدخل أو عدم التدخلية non-interventionism). وهذا ما انعكس في طلب أفراد الجيل الجديد للتيار اليميني المحافظ بإيقاف الدعم المالي لإسرائيل وعدم مجاراتها في الحروب التي تشعلها وكل ذلك مع توافق تام مع توجه عدم التدخل وشعار (أمريكا أولاً).

 اللوبي الإسرائيلي يتقهقر

بالرغم من بدء ظهور عوامل الانحلال وإرهاصات التقهقر في سيطرة الولايات المتحدة كدولة عظمى مهيمنة في المشهد السياسي العالمي، إلا أن ذلك لا يعنى على الإطلاق أن أمريكا سوف تنهار وتسقط في المدى المنظور وعلى نفس المنظور فإن بداية تباشير تراجع النفوذ الإسرائيلي في أمريكا لا يعني على الإطلاق أن الحكومة الأمريكية سوف تتخلى عن ربيبتها المدللة إسرائيل بشكل كامل في السنوات القليلة القادمة. ومع ذلك يكفينا في المرحلة الانتقالية الحالية تعزيز ظاهرة (الضجر الشعبي) والاستياء السياسي في أمريكا من نفوذ اللوبي الإسرائيلي في المشهد الداخلي خصوصا في ضوء الفاتورة المالية الفادحة التي يتكبدها دافع الضرائب الأمريكي في دعم دولة وكيان أجنبي مكروه عالميا بصورة صارخ في الزمن الحالي. وبالعودة للتاريخ نجد أنه منذ بداية السبعينيات من القرن العشرين نشطت بعض المنظمات والجهات الأهلية في أمريكا لمحاولة مضادة اللوبي الإسرائيلي من مثل لجنة الأراضي المقدسة (وهي هيئة كاثوليكية أمريكية مناهضة للاحتلال الإسرائيلي) وكذلك لوبي الحرية (Liberty Lobby) وهي منظمة يمينية شعبوية ضد اليهود بالإضافة لبعض أذرع ما يمكن تسميته بـ (اللوبي العربي) مثل المعهد الأمريكي العربي، ولكنها جميعا فشلت وتلاشت وليس لها أي أثر حاليا في مناهضة اللوبي الصهيوني. ومع ذلك توجد اليوم فرصة ذهبية لدق إسفين التفرقة بين الشعب الأمريكي وبين المنظمات والجهات والأفراد الداعمين للصهاينة والكيان الاستيطاني الإسرائيلي من خلال محاولة تأييد ودعم الجهات والأشخاص من داخل التيار اليميني المحافظ الأمريكي الذين بدؤوا في المجاهرة بنقد وفضح اللوبي الإسرائيلي. من مثل الناشط السياسي والإعلامي الأمريكي المشهور تاكر كارلسون وعضو الكنجورس الأمريكي توماس ماسي والناشطة البارزة سابقة في حركة MAGA السيدة مارجوري جريين أو منظمة (الصوت اليهودي للسلام) وحركة (أرفضوا اللوبي الإسرائيلي Reject APIAC). ومع تنامي الموجة الصاعدة الرافضة للانخراط في حروب خارجية وإعادة إحياء حركة عدم التدخل يمكن بشكل أو آخر تعزيز اتهام اللوبي الإسرائيلي بأنه يقدم مصالح دولة الكيان الصهيوني الخاصة على مصالح أمريكا نفسها وأنه أحد أسباب تورط الولايات المتحدة في مستنقع حرب الاستنزاف مع إيران. فقبل عدة أيام أعترف وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث بأن فاتورة الحرب الأخيرة بلغت حتى الآن أكثر من 37 مليار دولار ولهذا هو يطلب موافق الكونجرس الأمريكي على دعم إضافية للحرب مع إيران بمبلغ 68 مليار دولار !!. وإذا أخذنا في عين الاعتبار أن أيام الهدنة المتقطعة لهذه الحرب قد تصل لثلاثة أشهر هذا يعني أن تكلفة الأيام الفعلية للقتال العسكري قد تصل مليار دولار في اليوم الواحد. كما يجب ألا نغفل أنه بعد ما كانت المعونة العسكرية للكيان الصهيوني في عام 1970م لا تزيد عن 47 مليون دولار فقط بلغ مجموعها عبر السنوات الماضي مبلغ يفوق 250 مليار دولار.

ومن هذا وذاك وبالأخذ بعين الاعتبار هذه التكلفة الباهظة والاستنزاف المالي المتواصل للخزينة الأمريكية بسبب حرب إيران التي ساهم اللوبي الإسرائيلي في التسويق لها والإغراء وكذلك بسبب العبء المالي للمعونة العسكرية السنوية لجيش الاحتلال المجرم يتوقع أن تزيد الفجوة بين الشعب الأمريكي وبين الهيئات والكيانات والأفراد الداعمين لدولة الاحتلال. وهذا ما شاهدنا طرفا منه كما تمثل في موجة التشفي والاحتقار لشرائح من المجتمع الأمريكي بعد الوفاة المفاجأة للسيناتور الأمريكي لندسي غراهام الذي كان يعتبر أبرز شخصية داعمة لإسرائيلي وهذا ما جلب له السخط واللعنات من عدد كبير من المغردين وصناع المحتوى الامريكان أنفسهم.

 شيء من التاريخ

وفي الختام قد يتوهم البعض منا أن حركة التاريخ ساكنة أو ربما تصاعدية فقط بينما هي عبر التاريخ البشري حركة دائرية أو على الأقل متذبذبة بين الصعود والهبوط. وما أود الوصول له فيما يتعلق بحالة النفوذ الإسرائيلي داخل أمريكا أنها كانت في العقود الماضية في قمة زخمها، ولكنها اليوم تتراجع بشكل واضح مع الفتور السياسي الذي يشعر به الشعب الأمريكي من دولة الاحتلال. وإذا كانت حركة التاريخ دائرية أو على الأقل متذبذبة صعودا وهبوطا فلا بأس من تذكير القارئ الكريم ببدايات العلاقة بين الحكومات الأمريكية والحركة الصهيونية في فلسطين. في عام 1917م منحت بريطانيا وعدها المشؤوم (وعد بلفور) بالموافقة على إقامة دولة لليهود في إسرائيل ولكن بعد ذلك بسنتين فقط أي في عام 1919م أرسل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون (تماشيا مع مبدئه المشهور في حق الشعوب في تقرير المصير) لجنة أمريكية خاصة إلى بلاد الشام. وقد أوصت لجنة كينج وكرين الرئيس الأمريكي ويلسون بالتخلي عن فكرة إيجاد وطن قومي يهودي كما أوصته بفرض قيودا صارمة على الهجرة اليهودية إلى فلسطين واقترحت أن تصبح فلسطين جزءا من دولة سوريا.

ومن دلائل وشهادات الحركة الدورانية للتاريخ أنه عندما تم الإعلان عن قيام ما يسمى دولة إسرائيل في منتصف شهر مايو من عام 1948م كان من أوائل الدول التي اعترفت بالكيان الغاصب حكومة إيران والاتحاد السوفيتي. وصحيح أن الولايات المتحدة اعترفت بقيام دولة العدو الصهيوني في اللحظات الأولى من الإعلان عن إنشاء دويلة الكيان إلا أن ذلك قرارا شبه فردي للرئيس الأمريكي هاري ترومان الذي كتب لاحقا في مذكراته (خبراء وزارة الخارجية المختصون بالشرق الأدنى كانوا بغير استثناء لا يكنون الود لفكرة دولة يهودية). وفي الواقع قبل ذلك بسنة أي في عام 1947م كتب لوي هندرسون مدير مكتب الشرق الأدنى في الخارجية الأمريكية إلى وزير الدفاع الأمريكي جورج مارشال يقول (إن تقسيم فلسطين وإنشاء دولة يهودية أمر يعارضه عمليا كل موظف في السلك الدبلوماسي أو في وزارة الخارجية). بل وصل الأمر أن الكولونيل ويليام إيدي الوزير المفوض لأمريكا في المملكة (ومترجم الاجتماع الشهير بين الملك عبد العزيز والرئيس روزفلت) قد استقال من وزارة الخارجية الأمريكية عام 1947م احتجاجا على سياسة الرئيس ترومان المؤيدة لإسرائيل في فلسطين. وفي نفس السياق تشير المصادر التاريخية إلى أن جميع مستشاري الرئيس هاري ترومان لشئون السياسة الخارجية كلهم كانوا ضد الاعتراف بالدولة اليهودية الجديدة التي كانوا يرونها عقبة فقيرة نفطيا توضع في مسار العلاقات مع العرب الأغنياء بالنفط والمتمتعين بموقع استراتيجي مؤثر.

بلا شك كان عناد الرئيس هاري ترومان في الاعتراف بقيام دولة الكيان الصهيوني في عام 1948م ضد نصيحة مستشارية وذلك كرشوة منهم لمحاولة كسب ودّ الناخبين الأمريكان من اليهود في الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تمت في عام 1948م وفاز بها ترومان. ومن عجائب التاريخ أنه في الزمن الحالي تغيرت بشكل حاد وجهات نظر الأمريكان اليهود أنفسهم ضد الكيان الإسرائيلي لدرجة أن استطلاعات الرأي العام في أمريكا تشير إلى أنه فقط 23% من اليهود الأمريكان يؤيدون حاليا سياسات الحكومة الإسرائيلية. ومما يؤكد النظرة السلبية لحكومة النتين ياهو داخل المجتمع اليهودي الأمريكي أنه كما هو معلوم تم انتخاب زهران ممداني حاكم نيويورك الذي هدد باعتقال النتن ياهو علما بأن عدد اليهود في نيويورك قد يصل إلى حوالي مليون شخص وقد استطاع زهران ممداني اقناع حوالي ثلث الناخبين اليهود في نيويورك للتصويت لصالحة.

وأن شاء الله يعود التاريخ عودته ويكمل دائرته ويرجع الصهاينة في أرض فلسطين كيانا مكروه يبغضه الجميع وينفرون منه ويتخلون عنه وعندها سوف يعلم الذين ظلموا أي منقلبا ينقلبون.

 وهذه إضافة بعد نشر المقال بأكثر من أسبوع حيث بعد رفض طلب زيارة النتن ياهو للبيت الأبيض أتيحت له زيارة أمريكا تحت غطاء المشاركة في تشييع جنازة السيناتور الأمريكي الهالك والبغيض لندسي جراهم. وقد كان استقبال النتين ياهو فاترا ومخزيا لدرجة أن أحد الصحفيين الإسرائليين كتب مقالا في جريدة (معاريف) الإسرائيلية حمل عنوان (مثل لصٌ في الليل) عن لقاء نتينياهو مع ترامب. وجاء في هذا المقال العبارات التالية التي تؤكد فكرة المقال بأن النفوذ الصهيوني في أمريكا في حالة تراجع (لا أذكر مثل هذه الإهانة لرئيس وزراء إسرائيلي في واشنطن، حتى في أحلك أيام نتينياهو مع باراك أوباما. لم يستقبله أحد في المطار. لم تُفرش سجادة حمراء. لا صحفيون، لا كاميرات، لا مؤتمر صحفي، ولا فرصة لالتقاط الصور. دخل نتينياهو البيت الأبيض كاللص في الليل، من الباب الخلفي، وغادره من هناك. فبدلا من التقاط الصور، كانت هناك فرص عديدة للإذلال، ولم يفوت ترامب أيا منها. ومن الإضافات الدالة على تراجع نفوذ الصهيوني في أمريكا التصريح الذي قاله الرئيس ترامب بعد أسبوع من زيارة النتن ياهو (أكبر تغيير رأيته خلال ربع قرن تراجع نفوذ إسرائيل بواشنطن).

 

( برلين .. قصة مدينتين )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1448/2/4

( قصة مدينتين Tale of Two Cities) هو عنوان الرواية الأدبية الأشهر للكتاب البريطاني المعروف تشارلز ديكنز والتي تدور أحداثها بين مدينتي لندن وباريس أثناء الثورة الفرنسية. ومع الزمن أصبحت عبارة (قصة مدينتين) تستخدم للتعبير عن التناقض الصارخ بين عالمين مختلفين ولهذا لا يشترط أن وصف (قصة مدينتين) يعني المقارنة بين مدينتين مستقلتين وإنما قد يقصد بها مدينة واحدة لها تاريخا متعددا ومتباينا. ومثال ذلك أن قصة مدينة إسطنبول تحت الحكم الإسلامي تختلف بشكل كامل عن قصة مدينة القسطنطينية تحت الحكم البيزنطي المسيحي وكذلك قصة مدينة روما الأثرية عاصمة الإمبراطورية الرومانية الوثنية لا تشبه على الإطلاق قصة روما الفاتيكان المدينة المقدسة للديانة المسيحية الكاثوليكية. وفي الزمن المعاصر مفهوم وتعبير (قصة مدينتين) يمكن أن يستخدم للاستعارة اللغوية لوصف الفوارق الصارخة بين الغنى والفقر وبين القمع والثورة وبين الأمل واليأس يمكن أن نسقطه على وجود قصتين مختلفتين لمدينة واحدة مثل مدينة برلين العاصمة الألمانية التي كان لها عالمان متناقضان في فترة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين.

كما هو معلوم بعد السقوط النهائي لنظام هتلر النازي على يد الجيش الأحمر الروسي الذي اجتاح مدينة برلين في الشهور الأولى من عام 1945م وذلك قبل وصول قوات دول الحلفاء بقيادة أمريكا للأراضي الألمانية. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأ مباشرة الصراع بين الولايات المتحدة وبين الاتحاد السوفيتي وكان بواكير ذلك التنافس على السيطرة على مدينة برلين مما أدى إلى تقسيم العاصمة الألمانية إلى شطرين: برلين الشرقية الشيوعية الخاضعة بشكل كامل لسيطرة الاتحاد السوفيتي وبرلين الغربية الرأسمالية تحت هيمنة الولايات المتحدة. ومن هنا بدأت (برلين .. قصة مدينتين) وذلك لاختلاف منهج الحكم السياسي وأسلوب الحياة الاقتصادية ونمط التفكير الأيدلوجي لأهل برلين المشارقة والمغاربة. وإذا كانت (العقدة الأساسية والحبكة الدرامية) في قصة تلك المدينتين هي الصراع بين الشيوعية والرأسمالية فإن ما يسمى (ذروة الأحداث) في السردية القصصية كانت عندما حصلت أخيرا لحظة العزلة التامة والستار الفصال بين قصة برلين الشرقية وبرلين الغربية وذلك عندما أقيم في عام 1961م الجدار العازل بين القصيتين أي (جدار برلين).

بالنسبة للجيل الذي ولدت فيه فنحن نشأنا على حقيقة ومعلومة تقسيم برلين بذلك الجدار الشنيع لدرجة أن عبارة (جدار برلين) هي الواقع الثابت في جميع الأحداث السياسية والأفلام السينمائية التي ظهرت في فترة السبعينيات والثمانينيات بينما للجيل الأقدم منا لم يكن لجدار برلين أي ذكر أو وجود وطبعا للجيل الحديث لا تعني لهم عبارة (جدار برلين) أي معنى يلفت النظر. ولهذا عند زيارتي السياحية لمدينة برلين قبل أيام كان لدي فضول كبير لاستكشاف وسبر (برلين الشرقية) ومحاولة استدراك ما بقي من تاريخ تلك الحقبة الزمنية الفريدة في تاريخ العاصمة الألمانية قبل أن تنطمس بشكل كامل معالمها وآثارها مع اكتمال إعادة اندماج أشخاص وأحداث القصتين. وبما أنني منذ البداية نظرت لاختلاف تاريخ برلين الشرقية وبرلين الغربية وكأنها قصتان أو روايتان أدبيتان مختلفتان فلذا سوف أستعين كدليل سياحي ومرشد تاريخي عند زيارتي لبرلين الشرقية ببعض الأعمال الروائية الأدبية التي كانت حبكتها الدرامية عن برلين الشرقية أو عن مشاهدات وذكريات ويوميات الأدباء الذين زاروا برلين الشرقية زمن الحكم الشيوعي.

 ذاكرة برلين في الروايات الأدبية

في البداية يجب أن نقرر أنه أثناء الحرب العالمية الثانية تم تدمير حوالي 80% من مباني ومعالم مدينة برلين وذلك بعد أن تم إسقاط حوالي 70 ألف طن من القنابل على رؤوس السكان فيها ولهذا عمّ الخراب العام لهذه المدينة المنكوبة بالنظام النازي وبالقصف البريطاني والأمريكاني وبالغزو البربري الروسي. في صيف عام 1957م قام الشاب الصحفي غابرييل غارسيا ماركيز (قبل أن يصبح أهم وأشهر روائي وكاتب أدبي في العصر الحديث ويحصل على جائزة نوبل في الأدب) بمغامرة لكتابة تقارير صحفية لمجلة كروموس الكولومبية عن واقع الحياة في المجتمعات الاشتراكية وهذا ما أثمر أول كتاب من تأليفه (رحلة إلى البلدان الاشتراكية) وعنوانه الجانبي: 90 يوما وراء الستار الحديدي. في هذا الكتاب الشيق والثري نجد الانطباعات الأولى للأديب غابرييل عند مشاهدته لأول مرة لـ (قصة برلين الغربية) حيث نجده وفي مطلع الفصل الثاني من الكتاب الذي كان بعنوان (برلين مكان للهذيان) يقول بشكل مباشر (لم يبقّ في برلين الغربية أثر من آثار أوروبا إلا كاتدرائيتها المحترقة ... لقد أحسست بالخواء أثناء اطلاعي الميداني الأول).  وهنا أودّ أن أنبه القارئ الكريم على أن الصحفي الشاب غابرييل ماركيز يتحدث عن برلين الغربية وليس برلين الشرقية فنحن قد ترسخ في ذهننا أن برلين الغربية حديثة ومتطورة في حين أن برلين الشرقية مدينة كئيبة ومدمرة بينما الواقع أن قصف الطيران الحربي الأمريكي والبريطاني دمر المدينة بشكل كامل ومحا معالمها. ونستمر مع غابرييل ووصفه لدمار برلين الغربية إذ يقول (فعلى طول الصباح رحنا نبحث عن المدينة ونحن نجول في أرجائها من دون أن نعثر عليها) ومع ذلك أشار غابرييل لمشاهدته بداية إعادة إعمار برلين الغربية على الطراز الأمريكي وكيف أن هناك (شوارع تبدو كأنها نقلت بأكملها من نيويورك وزُرعت في الأرض زرعا).

ولاحقا عندما انتقل غابرييل ماركيز إلى أحياء برلين الشرقية كان أبرز ما لفت انتباه أن البداية في إعادة إعمار برلين الشرقية على الطراز الستاليني السوفييتي والذي أبرز ما فيه هو أنشاء شوارع ضخمة في استقامتها وعرضها وهذا نمطا متكررا في المدن الروسية الكبرى أو عواصم الدول التي وقعت تحت الهيمنة السوفيتية في أوروبا الشرقية. يقول غابرييل إنه إذا كان في زمن النظام النازي الطريق المسماة (جادة تحت أشجار الزيزفون  Unter den Linden) هي مفخرة هتلر، فإن مفخرة برلين الاشتراكية هي (جادة ستالين) لتفوقها في الطول والعرض والوزن بل وفي البشاعة أيضا حسب وصف غابرييل. وبحكم أن أهم المعالم السياحية والتاريخية في مدينة برلين هي (بوابة براندنبورغ) ونظرا لأنها كانت كذلك الحدّ الرسمي قديما بين شطري برلين الشرقية والغربية لذا لا غرابة أنها كانت أول مكان زرته أنا وأسرتي في بعد وصولنا لبرلين مباشرة. الجدير بالذكر أن بوابة براندنبورغ تقع على بداية جادة (تحت أشجار الزيزفون) وبالاتجاه شرقا في هذا الطريق يدخل الزائر والسائح إلى قلب المشهد التاريخي والثقافي للأمة الألمانية حيث يوجد القصر الملكي ومجمع المتاحف (جزيرة المتاحف) وساحة باريس ودار الأوبرا ومبنى المكتبة الوطنية ومتحف التاريخ الألماني وكاتدرائية برلين، بل وحتى متحف الشمع (فرع متحف مدام توسو الإنجليزي الشهير).

صحيح أن جادة (تحت أشجار الزيزفون) سميت كذلك لأن ذلك الطريق التاريخي القديم كان مغطى بأقواس أشجار الزيزفون منذ نهاية القرن السابع عشر لكن يقال إنه في نهاية الحرب العالمية الثانية وقبل هزيمة هتلر والنظام النازي تم قطع أغلب أشجار الزيزفون لاستخدام خشبها كوقد أثناء حصار الجيش الأحمر السوفيتي للبلدة، ولكن لاحقا تم إعادة غرس أشجار جديدة. وعندما سقطت برلين تحت الهيمنة الروسية لذا كما سبق الإشارة في كلام غابرييل قام النظام الشيوعي بإقامة طريق أو (جادة ستالين Stalinallee) وبحكم أن هذه الطريق في الوقت الحالي أصبح اسمه (جادة كارل ماركس) بعد أن تغير اسمه في 1961م كجزء من عملية إزالة الطابع الستاليني عن ألمانيا الشرقية ولهذا سوف نترك الأديب الكولومبي غابرييل ماركيز وكتابه (90 يوما وراء الستار الحديدي) وننقل مهمة الإرشاد السياحي إلى الروائي المصري صنع الله إبراهيم وعمله الأدبي (برلين 69).

تدور أحداث تلك الرواية في عام 1969م عن الصحفي المصري صادق الحلواني الذي يسافر إلى ما كان يسمى جمهورية ألمانيا الشرقية للعمل كمدقق لغوي في القسم العربي من وكالة الأنباء الألمانية (الشيوعية) والتي يقع مقرها في برلين الشرقية. ومنذ اللحظة الأولى لوصول الشاب صادق الحلواني إلى برلين الشرقية نتعرف على الجفاف وسوء التعامل لأفراد النظام الاشتراكي ممثلا في ضابط الجوازات في مطار شونفليد وخلال مروره في الطريق نحو المدينة شاهد بطل الرواية الشوارع التي ما زالت تطل عليها خرائب الحرب. وإذا كان الأديب الكولومبي غابرييل سبق أن تعرف على طريق (جادة ستالين) وهو يحمل اسمه القديم فإن الأديب المصري صنع الله إبراهيم أو بطل روايته صادق الحلواني تعرف على نفس الشارع وهو يحمل اسم (جادة كارل ماركس) حيث عاش مع أسرة ألمانية تسكن في نفس ذلك الشارع.

ونظرا للأهمية السياسية والتاريخية والأدبية لشارع (كارل ماركس ألليه). ولهذا كان ذلك الطريق ضمن قائمة المعالم السياحة التي كنت أرغب في زيارتها للتعرف من خلاله على (قصة برلين الشرقية) ولهذا قصدت بشكل مباشر في ذلك الشارع مشاهدة (مقهى موسكو) وهو مبنى تاريخي شهير يعتبر رمزا للثقافة السوفيتية التي كانت مسيطرة على ألمانيا الشرقية وقت ما كان تمثال ستالين موجودا في هذا الشارع. على كل حال مقهى موسكو تم تحويله اليوم إلى مركز مؤتمرات ومع ذلك هو جدير بالزيارة لمشاهدة مجسم القمر الصناعي سبوتنيك في أعلى المدخل أو لمشاهدة جدارية ولوحة الفسيفساء التي تحمل اسم (من حياة شعوب الاتحاد السوفيتي).

 جدار برلين بين الأمس واليوم

ونختم الآن بالحديث عن أهم ما كان يفصل ويعزل بين قصتي المدينتين: برلين الشرقية وبرلين الغربية وطبعا أعني بذلك (جدار برلين) والذي بالرغم من العنوان الفرعي لكتاب غابرييل ماركيز (90 يوميا وراء الستار الحديدي) فهو في الوقع لم يشاهد فعليا جدار برلين الذي لم يكن قد تم بنائه عام 1957م عندما تخطى ماركيز الحدود الفاصلة بين ألمانيا الغربية (كان قادما من جهة مدينة فرانكفورت) وبين ألمانيا الشرقية وكان (الستار الحديدي) مجرد كشك ونقطة جوازات حدودية تافهة يحرسها جنود صغار في السن. بالنسبة لغابرييل ماركيز فقد عاش تجربة عدم وجود حاجز أو ساتر فعلي وملموس بين شطري مدينة برلين فهو يذكر وجود أناس يعملون في أحد شطري المدينة ويعيشون في الشطر الآخر، بل إنه قال (في بعض المواضع من المدينة يكفي أن يعبر المرء الشارع، فهذا رصيف اشتراكي والآخر المقابل له رأسمالي. على الرصيف الأول المنازل والمحلات التجارية والمطاعم ملك للدولة أما على الرصيف الثاني فهي ملكية خاصة تعود للأفراد).

ثم تغيرت الأمور بشكل درامي حاد وذلك عندما استيقظ سكان برلين الشرقية في صباح يوم 13 أغسطس من عام 1961م ووجدوا بأنه في الليلة السابقة وفي الظلام الحالك قامت حكومة ألمانيا الشرقية المدعومة من الاتحاد السوفيتي بإقامة هذا الجدار لفصل برلين الغربية عن ألمانيا الشرقية ومنع الهجرة الجماعية لمواطنيها نحو الغرب. في بداية الأمر كان ذلك الستار الحديدي مجرد حاجز من الاسلاك الشائكة ثم لاحقا تم تحويله بصورة فعلية إلى ستار خرساني من الأسمنت المسلح بارتفاع يفوق الثلاثة أمتار وطبعا مزود في أعلاه بالأسلاك الشائكة وأبراج المراقبة المسلحة ومصابيح الإضاءة القوية. للأسف ولسبب غير واضح لم يتم الحديث بشكل كاف عن جدار برلين في رواية (برلين 96) والتي تهتم برصد حياة المجتمع الألماني وبعض أفراد الجالية العربية المقيمين في برلين الشرقية ومع ذلك توجد إشارة خاطفة لجدار برلين في الرواية. بينما على أرض الواقع توجهت أنا وأسرتي كحال الآلاف من السياح لمشاهدة وتصوير ما تبقى من جدار برلين الذي كان طوله 155 كيلومترا وذلك في موقع (النصب التذكاري لجدار برلين) والذي هو أشبه بمتحف مفتوح يشمل على مسافة طويلة نسبيا من أجزاء جدار برلين الأصلية مع برج مراقبة.

أما الموضع الثاني من جدار برلين الذي له حضور جيد في كتاب غابرييل ماركيز (90 يوما وراء الستار الحديدي) وفي رواية (برلين 69) وفي العديد من الروايات الأدبية والأفلام السينمائية خصوصا المتعلقة بالجاسوسية فهو نقطة العبور بين حدود برلين الشرقية وبرلين الغربية والتي كان يشرف عليها الجيش الأمريكي وبالتالي كانت تسمى (نقطة تفتيش تشارلي Checkpoint Charlie ). وهي أشهر نقطة عبور رسمية بين برلين الشرقية وبرلين الغربية خلال الحرب الباردة وميزتها أنها كانت تقع على شارع فردريتش شتراسه ذو الأهمية البارزة في التاريخ الألماني وهو في الأصل يتقاطع عاموديا مع طريق تحت ظلال الزيزفون السالف الذكر. وشهرة نقطة العبور هذه التي كُتب لها الخلود في كتب التاريخ أنها كانت نقطة العبور الوحيدة المخصصة للدبلوماسيين والعسكريين والسياح والأجانب خلال فترة انقسام ألمانيا. ولهذا حرصت على زيارة الموقع التاريخي لنقطة عبور (نقطة تفتيش تشارلي) بالرغم من أن وصف رواية (برلين 69) لها لم يكن مغريا بشكل كاف حيث نجد أنها وصفت بكونها (نقطة الحدود الأمريكية المخصصة لعبور السيارات، حائط عالٍِ من الأسمنت على طوله أبراج مراقبة مزودة بالأنوار الكاشفة، حواجز ملونة بالأحمر والأبيض يتخلل كل متر منها حراس حدود وجمارك في أرديتهم الرمادية). عندما زار غابرييل ماركيز برلين الشرقية سبق أن ذكرنا أنه قال بأن الحد الرسمي الفاصل بين شطري برلين هو (بوابة براندنبورغ) وكما لاحظ غابرييل بأنه على مسافة خمسين مترا من البوابة نصبت لافتة تحذيرية تقول (انتبه، أنت على وشك الدخول إلى المجال السوفيتي). بينما شاهدت أنا عند (نقطة تفتيش تشارلي) لافتة تحذيرية مشهورة يتهافت السياح للتصوير عندها لأنها أصبحت جزءا من ذاكرة التاريخ حيث كتب عليها العبارة التنبيهية والتحذيرية التالية: (أنت تغادر القطاع الأمريكي).

بقي أن نقول قبل أن نغادر أن كلا من كتاب (90 يوما وراء الستار الحديدي) ورواية (برلين 69) ركّز بشكل طاغٍ على سرد (قصة برلين الشرقية) لأنها شيقة ومؤلمة وفريدة بينما في المقابل إشارات قليلة وخاطفة تم ذكرها عن أحداث ومشاهدات برلين الغربية. وهذا ما لمسته بنفسي فالغالبية العظمى من المتاحف المهمة والمعارض الفنية البارزة والمباني التاريخية والساحات العامة الكبرى والشوارع والطرق التاريخية والمعالم السياحة المميزة كلها يشاهدها الزائر في قطاع برلين الشرقية دون برلين الغربية.  ولهذا مع الزمن كما بدأ الناس وخصوصا الجيل الجديد ينسون أنه في وقت ما كانت مدينة (بون) هي عاصمة ألمانية الغربية أتوقع مع الزمن سوف يهمل الناس زيارة برلين الغربية ويكتفون فقط بالتعرف الحصري على برلين الشرقية.