د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1448/4/8 الموافق 19 سبتمبر
يقول خبراء الفلك إن أفضل موعد لرصد ومشاهدة كوكب زحل هو خلال ليالي شهر سبتمبر من كل عام خصوصا في يوم 26 سبتمبر (أي بعد أسبوع) وذلك عندما يكتمل القمر ويقترب منه زحل. وبعيدا عن علم التنجيم الزائف ربما من المسوغ لعشاق علم الفلك أن يرنوا بأبصارهم ويرصدوا بمناظيرهم إلى كوكب زحل ويتجاهلوا الشطر الثاني من نصيحة الشاعر الشامي ابن الوردي صاحب لامية عرب الشمال:
صَدّق الشرع ولا تركن إلى رجلٍ يرصد في الليل زُحلْ
والطريف في الأمر أن الشعراء منذ الأزل وهم مهووسون بالنظر للسماء في الليل ورصد نجومها ومراقبة كواكبها يشكون لها مشاعرهم وأشواقهم، بل وأحزانهم كما قالت الخنساء وهي تبكي وترثي أخاها صخر:
فبتُّ ساهرةً للنّجمِ أرقبهُ حتى أتى دون غور النّجم أستارُ
وهذا الشاعر الأموي ذو الرمّة وهو يصف كيف شاركته النجوم همومه وسهرة فهو لم ينم والنجم لم يغب:
أبيتُ الليل أرعى كلَّ نجمِ وشرُّ رعاية العينِ النجومُ
ومن الرثاء والسهر مع النجوم لأن الهموم (لا تُنيم ولا تَنام) كما قال غيلان ذو الرمة إلى السمر في السحر مع العاشق الولهان قيس بن الملوح مجنون ليلى الذي يقول:
أراعي الفرقدين مع الثريا كذاك الحُبُّ أهونهُ شديدُ
والغريب في الأمر أنه لكثرة ورود مراقبة النجوم ورصد الكواكب في الشعر العربي أصبح ذلك الفعل المجازي أمرا شائعا مثل الوقوف على الأطلال لدرجة أن الشاعر الضرير بشار بن برد تأثر بأساليب الأدباء في التصوير الرمزي فزعم وهو الأعمى أنه من شدة أشواقه في الليل لمحبوبته:
أرعى بها النّجم وما رغبتي نجماً بطرف العين لمّاحا
والمقصود من هذا المدخل الشعري أنه وفق المتعة الأدبية الشعرية للنجوم وبالتمازج مع الهواية الفلكية الشيقة المتمثلة في رصد الكواكب ومراقبة الأجرام السماوية لعلنا هذه الليلة نكرر ونديم النظر للسماء وذلك بمناسبة (اليوم العالمي لعلم الفلك) الذي يوافق اليوم الأحد 19 سبتمبر. وإذا بقينا مع النجوم في السماء العربية وبمناسبة ذكر اليوم العالمي لعلم الفلك تجدر الإشارة إلى أن الاتحاد الدولي لعلم الفلك يعتمد مئات الأسماء العربية للنجوم التقليدية المرئية بالعين المجردة وهذا ما جعل الباحث الفرنسي رولاند لافيت يقوم بتأليف كتاب بعنوان (أسماء عربية للنجوم) حيث وثّق فيه تاريخ دخول الأسماء العربية لحوالي 500 نجم إلى خارطة النجوم الفلكية المعاصرة. يقال إنه بصورة عامة أنه في الليلة الصافية والمظلمة في أول الشهر العربي أو في آخره يمكن مشاهدة حوالي 2000 نجم (النجوم المرئية) والذي يهم من تلك النجوم الألفية تلك التي انتجت المخيلة البشرية منها أشكال ورسومات وأساطير لتجمعات نجمية تسمى الكوكبات (Constellations). مثل كوكبة الدب الأكبر وكوكبة المرأة المسلسلة وكوكبة الجبار وبقية أسماء الكوكبات المشهورة مثل كوكبة السرطان والميزان والدلو والجدي والعقرب .. الخ. وحسب ما توصل له الباحث الفرنسي رولاند لافيت السالف الذكر فإن حوالي الثلثين من أسماء النجوم المشاهدة في المساء والتي تدخل في رسم تلك التشكيلات النجمية (88 كوكبة معترفا بها) في دائرة البروج هي أسماء ذات أصول عربية.
وعبر التاريخ البشري الطويل من رفقة النجوم
في المساء أبدعت الحضارات الإنسانية المختلفة شتى أنواع الأشكال لترتيب النجوم في
هذه الكوكبات كما جادت المخيلة البشرية بأعجب الأساطير والخرافات المروية لتفسير
سبب تشكل تلك المجاميع النجمية والبروج السماوية. فمن ذلك نجد عند الإغريق أسطورة
الجبار والعقرب والتي تربط بين كوكبة الجبار (أوريون) ذاك الصياد المغرور الذي قتل
بسبب عقرب لدغته في قدمه وأسطورة كوكبة المرأة المسلسلة أندروميدا التي ربطت على
صخرة ثم أنقذها البطل بيرسيوس قبل أن يبتلعها وحش البحر سيفيوس الموجود في كوكبة
الحوت. بينما في الأساطير العربية المتعلقة بنجوم السماء في المساء نجد تأثير
البداوة وعشق الترحال والانتقال ولهذا أبدعت المخيلة العربية أسطورة الدبران
والثريا حيث تهرب الثريا الفتاة الجميلة من الدبران الذي يلاحقها ويحاول يرغمها
على الزواج منه وكذلك أسطورة بنات نعش والجدي (النجم القطبي) ودوران نجوم بنات نعش
حول نجم الجدي كمحاولة منهن للقبض عليه والسعي للثأر منه لقتله والدهن.
المخيلة العربية في الأساطير النجمية
صحيح أن الأساطير النجمية عن خفايا الحكايا
المتخيلة عن الكوكبات والمجموعات النجمية شيقة جدا كما نجدها في أساطير الإغريق
وبلاد الرافدين والأساطير الهندية والصينية عن نجوم البروج إلا أن التشويق والمتعة
تزداد أكثر إذا ربطنا تأثير هذه الأساطير النجمية وانعكاساتها وتوظيفها في الأدب والشعر.
في الواقع فيما يخص الأساطير الإغريقية نجد أن الشاعر اليوناني أراتوس الذي عاش في
القرن الثالث قبل الميلادي قد أخرج قصيدة شعرية طويلة عن النجوم والأفلاك نشرت في
كتاب حمل عنوان (الظواهر phenomena). وفي ذلك الكتاب يستعرض أراتوس بأسلوب شعري
موزون مواقع الكوكبات والمجموعات النجمية ونشأتها ودورانها حول السماء ومسار الشمس
في مواقع البروج النجمية.
ولكن للأسف القيمة الأدبية والذائقة الفنية
لهذه القصائد (التعليمية) المرتبطة بالنجوم وعلم الفلك ضعيفة وأحيانا ركيكة كما
نجدها مثلا في الأرجوزة الشعرية الفلكية والملاحية للبحار العربي أحمد بن ماجد إذا
يقول مثلا:
والـدَّبَرَانُ شـَامُ والمِـرزم يَمَـن قاسـُوهُمَا مِن قبلِنا أُولو الفِطَن
كَمَثـلِ مـا المِـرزَمُ ثـمَّ النَّاجِدِ قَـد كَنَفَـا الجوزاءَ في
القَوَاعِدِ
وأين هذا الشعر والرجز التعليمي البارد من روائع وفرائد الشعر العربي التي ورد فيها الإشارة إلى نجوم السماء مثل قول عنترة المزلزل وبعده بيت المتنبي المجلجل:
إِن كنتُ في عَدَدِ العَبيدِ فَهِمَّتي فَوقَ
الثُرَيّا وَالسِماكِ الأَعزَلِ
خَميسٌ بِشَرقِ الأَرضِ وَالغَربِ زَحفُهُ وَفي
أُذُنِ الجَوزاءِ مِنهُ زَمازِمُ
طبعا لو حاولنا أن نحصر ونحضر الأبيات الشعرية في ديوان العرب التي ورد فيها أسماء النجوم المشهورة مثل الثريا والجوزاء والشعرى وسهيل والفرقدين والمرزم والدبران و(السماكان) السماك الأعزل والسماك الرامح والسهى والنيرين لطال بنا المقال فعدد الأبيات في هذا المجال الشعري بالآلاف ويمكن تؤلف ديوان شعر مستقل. ولكن فيما تبقى من مساحة هذا المقال سوف نخصصها لاستعراض الأبيات الشعرية التي يرد فيها الإشارة إلى بعض الأساطير العربية القديمة عن نجوم السماء وقصصها الشيقة وخيالها الجامح.
ولنبدأ بالأسطورة الأشهر أي أسطورة النجم سيهل وبنات نعش حيث يقال
بأن سهيل قتل شخصا يسمى نعش ولهذا أقسمن بنات نعش ألا
يدفن جثة أبيهن إلا بعد أن يدركن سهيلًا ويأخذن بثأر أبيهن، ولهذا هرب سهيل إلى
جنوب قبة السماء وهنا قررت بنات نعش مطاردته نحو الجنوب. وعند العرب نجوم كوكبة
الدب الأكبر هي بنات نعش (الكبرى) وهي سبع نجوم، أربعة على هيئة نعش تحمله أربعة
نساء وتسير خلفه ثلاث فتيات وبالجملة نجد غير بعيد عن نجوم بنات نعش يمكن مشاهدة نجمتي
الفرقدين المتقاربتين ونجم السهى وبمسافة أبعد يمكن أن نرصد الشعرى والجوزاء وهذه
التشكيلة النجمية المتنافرة أجمل ما يمكن أن يجمعها تلك الأبيات الجميلة للشاعر
الأندلسي الجزار السرقسطي:
كَأَن الفَرقدين إِذا اِستكنا حَبيبان اِستكانا للغرام
كَأَن سُهيلها رجل مَروعٌ توجس خيفَةً مِن ذي اِنتِقام
كَأَن تَبرج الشِعري خَليع مِن الفَتيات وَاضِعَةُ اللثام
كَأَن بَنات نَعشٍ إِذ تَبَدّت وائِمُ
حَول منهلها ظَوامي
كَأَن سُها النُجوم بِها عَليل يُنازع ما يَبينُ مِن السقام
كَأَن كَواكب الجَوزاء فيها وِشاحٌ فَصَلوه شذور شام
وكعادة الأساطير والخرافات الشعبية أنها لا تكون دائما ثابتة ومؤكدة ولذا لا غرابة أن نجد أن القريحة العربية أبدعت أساطير نجمية أخرى تحاول تفسير تفرد نجم سهيل في أقصى جنوب دائرة الفلك من خلال حبك العلاقة المتخيلة بين سهيل وبين بقية نجوم السماء المشهورة مثل نجمة الشعرى اليمانية والشعرى الشامية ونجوم الجوزاء. ومرة أخرى نجد أن أنسنة نجوم السماء تٌظهر نجم سهيل في مظهر سيء فهو قاتل وعنيف مع زوجته (الجوزاء) التي اختطفها وإجبارها على الزوج منه. وفي حالة غضب أو من جراء نوبة غيره عليها تزعم الروايات الشعبية أن سهيلا بعد خصام مع الجوزاء ضربها فكسر فقرات ظهرها وتسبب في قتلها وهذا ما جعله يلوذ بالفرار. ومن اختلافات الأسطورة الثاني للنجم سهيل أن هروبه هذه المرة ليس فقط خوفا من نجوم الدب الأكبر (بنات نعش)، ولكن بصحبة نجمة من كوكبة الكلب الأكبر ألا وهي نجمة (الشعرى اليمانية). زعموا أنه كان للنجم سهيل شقيقتان هما الشعرى اليمانية والشعرى الشامية وعندما هرب سهيل خوفا من الثأر عبر نهر مجرة درب التبانة. وعليه عندما لحقت به أختاه استطاعت فقط الشعرى اليمانية أن تعبر نهر المجرة وتصل للجنوب في حين كانت الأخرى ضعيفة ولم تستطع العبور فجلست عند الضفة الشمالية فسيمت بالشعرى الشامية ونظرا لأنها أحست بالحزن لفراق أخويها فظلت تبكي حتى غمصت عينيها وضعف لمعان تألقها فسميت (الشعرى الغميصاء). وهذا يقودنا لسرد الأبيات الحكيمة التي نظمها الشاعر الأندلسي التطيلي الأعمى في قصيدة رثاء يشير فيها أن الزمان لا يؤمن له وأنه سرعان ما يتغير:
وطالَ ثواءُ الفرقدين بغبطةٍ أما
علما أن سوفَ يفترقانِ
وزايلَ بين الشعريين مُصرّفٌ من الدهر لا وانٍ ولا مُتوانِ
فإن تذهبِ الشّعرى العبورُ لشأنها فإن
الغُميصا في بقيّةِ شانِ
وجُنَّ سُهيلٌ بالثريّا جنونَهُ ولكنْ سلاهُ كيف يلتقيانِ
وهيهاتِ من جورِ القضاءِ وعدْلهِ شآميةٌ ألوتْ بِدَيْنِ يماني
فأجمعَ عنها آخرَ الدهر سَلْوَةً على طَمَعٍ خَّلاهُ للدَّبرانِ
الفلكيان المعري وذو الرمة
سبق أن أشرنا إلى أنه في أسطورة سهيل والجوزاء حصل اختطاف واجبار
للجوزاء لكي تتزوج من النجم سهيل ومع ذلك توجد أسطورة أو خرافة مشابهه، ولكن أبطال
الدراما فيها الثريا والدبران. تقول الأسطورة أن الثريا كانت فتاة جميلة متألقة
وغنية في حين أن الدبران كان شخصا فقيرا وعندما عشق الدبران الثريا طلب يدها
للزواج بعد أن طلب من القمر أن يتوسط له عندها. ولكن الثريا رفضت عرض الزواج بسبب
فقر الدبران ومع ذلك ساق الدبران كل ما يملك من غنم مهر لها وهي عشرون رأسا من
الماشية تسمى (القلائص) ومع ذلك أصرت الثريا على الرفض وهربت وهنا لحقها وظل
يتبعها الدبران عبر قبة السماء إلى الأبد. وجزء من هذه الأسطورة النجمية نجدها في
الأبيات الأدبية للشاعر الأموي ذو الرمة حيث يصف تلك الدراما الفلكية من بطولة
الثريا والدبران والقلائص:
وردت اعتسافا والثريا كأنها على قمة الرأس ابن مآء محلق
يدف على آثارها دبرانها فلا هو مسبوق ولاهو يلحق
بعشرين من صغرى النجوم كأنها وإياه في الخضراء لو كان ينطق
قلاص حداها راكب متعمم هجائن قد كادت عليه تفرق
قراني وأشتاتا وحادِ يسوقها إلى الماء من قرن التنوقة مطلق
والغريب في الأمر أن الأسطورة العربية لعشق الدبران للثريا والطلب من القمر أن يتوسط لكي يقنع الثريا بالزواج، الغريب أن نجد عند شاعر العربية الكبير أبي العلاء المعري تحريف وتغيير لمساق القصة حيث جعل الهلال هو من يعشق الثريا وكما ساق في الأبيات التالية ذكر حشد من النجوم مثل سهيل والفرقدان والسماك والشعرى اليمانية والشامية:
وكأنّ الهِلالَ يَهْوى الثّريّا
فهُما
للوَداعِ مُعْتَنِقانِ
قال صَحْبي في لُجّتَينِ من الحِنْدِسِ والبيدِ إذْ بدا الفَرْقَدانِ
نحنُ غَرْقَى فكيف يُنْقذُنا نجْمانِ في حَوْمةِ الدّجى غَرِقانِ
وسُهَيْلٌ كوَجْنَةِ الحِبّ في اللّوْنِ وقَلْبِ المُحِبّ في الخَفَقَانِ
مُسْتَبِدّاً كأنّه الفارِسُ المُعْلَمُ يبْدو مُعارِضَ الفُرسانِ
يُسْرِعُ اللّمْحَ في احْمِرارٍ كما
تُسْرِعُ في اللّمْحِ مُقْلَةُ الغَضْبانِ
ضَرّجَتْهُ دماً سيوفُ الأعادي فبكَتْ رَحْمَةً له الشِّعْرَيانِ
قَدمَاهُ وَرَاءَهُ وهْوَ في العَجْزِ كساعٍ ليستْ له قدَمانِ
والشّخوصِ التي خُلِقْنَ ضِياءً قبْلَ خَلْقِ المِرّيخِ والمِيزانِ
قبْلَ أن تُخْلَقَ السّماوَاتُ أو تُؤْمَرَ أفْلاكُهُنّ بالدّوَرانِ
لو تأتّى لنَطْحِها حَمَلُ الشّهْبِ تَرَدّى عن رأسِه الشَّرَطانِ
أو أراد السّماكُ طَعْناً لها عاد كسِيرَ القَناةِ قبْلَ الطّعانِ
وأود أن أشير هنا أنه عند التجهيز لهذا المقال تفاجأت كثيرا بوفرة الأبيات في شعر أبي العلاء المعري وفي ديون ذو الرمة التي لها إشارات للنجوم والتنجيم والأساطير العربية التراثية المتعلقة بدائرة البروج والتشكيلات النجمية وكأن المعري وذو الرمة هما (الفرقدان) المتفردان في سماء الشعر العربي الفلكي.
وفي الختام نعيد التذكر بأن اليوم السبت
الموافق 19 سبتمبر هو اليوم العالمي لعلم الفلك ولذا لعشاق الأدب والعلوم أنصح
بتحميل أحد التطبيقات مراقبة النجوم والرصد الفلكي مثل تطبيق (Sky
Tonight) والذي بمجرد توجه جوالك إلى السماء يحدد لك النجوم والكواكب التي
في اتجاه الجوال. وعليه في ليلة (اليوم العالمي للفلك) أبحث عن نجمتي الفرقدين
وعمن هو نديم الفرقدين وما قصته، وحاول ترصد الثريا وفتش لماذا كانت العرب تسميها
الشقيقات السبع، وحدد موقع السماكين واكتشف لماذا أحدهما يسمى السماك الرامح بينما
الآخر يعرف بالسماك الأعزل. وبهذا التطبيق الفلكي بالجوال سهل جدا أن تجد موقع نجم
السُهى بينما كان العربي القديم يتفاخر بحدة نظره إذا استطاع مشاهدة السُهى ولهذا
بجهاز الجوال وتطبيق مراقبة النجوم يستطيع العربي المعاصر أن يتفاخر مثل أجداده
عندما قيل لأعرابي: أتعرف النجوم؟ قال: وهل يجهل أحد سقف بيته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق