الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

( كراجات السيارات مهد ثورة تكنولوجيا الكمبيوترات !! )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1448/3/23

يوم أمس الجمعة الموافق 4 سبتمبر هو يوم مشهود في تاريخ تقنية العصر الرقمي وفي تاريخ اقتصاد المعرفة ففي مثل هذا اليوم من عام 1998م تم بشكل رسمي تأسيس شركة جوجل Google والتي تعتبر اليوم هي ثالث أكبر وأغنى شركة في العالم (بعد شركتي إنفيديا وآبل) حيث تبلع قيمتها السوقية رقما فلكيا هو 4.2 ترليون دولار علما بأن الميزانية السنوية لحكومة التنين الصيني الهائل تبلغ أقل من أربعة ترليون دولار. الغريب في الأمر أن مقر عملاق شركات التقنية تلك في الأشهر الأولى من نشوء الشركة قبل ثلاثين سنة كان مجرد كراج سيارة في ضاحية مينلو بارك بولاية كاليفورنيا وقد كان أثاث ذلك المرأب الصغير عبارة عن طاولة تنس الطاولة وسجادة زرقاء رخيصة الثمن !!.

صحيح أن شركة أمازون (خامس أكبر شركة في العالم) بدأت عام 1994م في مرأب سيارات عادي، ولكن ما يعزز غرابة قصة ولادة شركة جوجل أنها تمت على يد اثنين من طلبة الجامعة الشباب وليس على يد رجل بالغ ومحترف في التجارة المالية مثل جيف بيزوس صاحب شركة أمازون الذي كان يعمل في الأصل في سوق المال وبوصة نيويورك في وول ستريت (Wall Street). ونقصد بذلك أن مخترعي برنامج البحث Google ومن ثم مؤسسي شركة جوجل كانا طلاب علم الكمبيوتر في جامعة ستانفورد وهما الشاب لاري بايج وزميلة سيرجي برين والذين كانا في بداية الأمر يعملان على مشروع التخرج بواسطة أجهزة الحاسوب الشخصية في غرفتهما في سكن الطلبة بالجامعة. وعلى ذكر شارع المال في (وول ستيت) في نيويورك وعلى ذكر كراج السيارات وكيف أن كبرى الثورات التكنولوجية والثروات الاقتصادية بدأت من أمكان بسيطة وتافهة أود الإشارة إلى أن مركز المال والأعمال في (شارع الجدار Wall Street) والذي تتم فيه أكثر من 40% من المعاملات المالية الدولية بدأ بصورة متواضعة على شكل الظلال الوارفة لشجرة جميز في أقصى الجزء السفلي من جزيرة مانهاتن الصغيرة. وهذا ما حصل في أحد أيام ربيع عام 1792م عندما اجتمع تحت شجرة الجميز الضخمة 24 سمسارا وتاجرا أمريكيا لتوقيع وثيقة تنظيم تداول العملات وبهذا ولدت بورصة نيويورك الفاحشة الثراء تحت تلك الشجرة في الموقع القديم للجدار الخشبي الذي كان يمثل السور الخارجي للمستعمرة الهولندية (نيو أمستردام) التي تم بيعها ومقايضتها مع الإنجليز بجزيرة توابل صغيرة في أقصى الشرق.

وعلى نفس النسق وبالانتقال من رمز الثراء الأمريكي (بورصة نيويورك وبنوك الوول ستريت) إلى رمز التفوق التكنولوجي الأمريكي ونعني بذلك شركات التقنية الكبرى big tech الموجودة في منطقة وادي السيليكون في جنوب ولاية كالفورنيا كانت تلك المنطقة إلى عهد قريبا نسبيا مجرد مزارع لثمار البرقوق والمشمش والكرز ولهذا الاسم القدم لموقع وادي السليكون كان (وادي بهجة القلب) !!. أما كيف تحولت مزارع الفاكهة في ضواحي مدينة سان فرانسيسكو إلى المركز العالمي الأول للابتكار والتقنية المتقدمة فحصل ذلك مرة أخرى من بداية متواضعة تتمثل في (مرأب garage) سيارة صغير شهد ولادة صناعة كبرى للكمبيوترات والأجهزة العلمية المتطورة. فهذا ما حصل في عام 1939م عندما قام اثنان من خرجي قسم الهندسة الكهربائية بجامعة ستانفورد هما بيل هيوليت وديفيد باكارد بالتعاون مع أحد أستاذة الجامعة وذلك في تدشين شركة إلكترونيات متواضعة جدا أنشأها في مرأب سيارات في ضاحية بالو ألتو في جنوب سان فرانسيسكو وعلى مسافة قريبة من جامعة ستانفرد وبالقرب من ضاحية مينلو بارك التي كان فيها كراج السيارات سالف الذكر والذي شهد انطلاق وولادة شركة غوغول.

ومع الوقت أصبحت ضواحي جنوب سان فرانسيسكو مثل بالو ألتو وسانتا كلارا التي كانت سابقا مجرد بساتين فاكهة وإذا بها تصبح مهد صناعة الكمبيوترات والتقنية الرقمية ويتحول ذلك الوادي الزراعي البهيج بمنظر ثمار الكرز إلى فخر أمريكا (وادي السيلكون). وهكذا تحولت شركة هيولت وباكارد (hp company) من مجرد مرأب سيارات وشركة متواضعة رأسمالها 538 دولارا فقط إلى أكبر شركة في العالم تبيع أجهز الكمبيوترات الشخصية حيث تبلغ قيمة مبيعاتها السنوية أكثر من 55 بليون دولار. وللدلالة أكثر على أن عمالقة شركات الكمبيوترات وشركات تقنية البرمجيات في وادي السيلكون كان مهدها وانطلاقها من كراجات السيارات أو تم تدشينها وتأسيسها على يد طلبة الجامعة لعلنا نلقي نظرة سريعة على تاريخ نشأت 

أكبر خمس شركات تقنية البرمجيات أو صناعة الحاسوب وهي مايكروسوفت وآبل وجوجل وفيسبوك وشركة كمبيوترات ديل (Dell).

 من الكراجات تخرج المعجزات

في الواقع شركة مايكروسوفت تاريخ تأسيسها (1975م) أقدم بسنة واحدة فقط عن تاريخ إنشاء شركة آبل ومع أن القصة اللطيفة لتأسيس بيل غيتس لشركة مايكروسفت أقدم وأكثر درامية إلا أننا سوف نبدأ بقصة الشاب الطموح ستيف جوبز مع شركة آبل لسبب بسيط لأننا لا نرغب أن نبتعد كثيرا عن وادي السيلكون وولاية الشمس والذهب كاليفورنيا. الزائر لضاحية بالو ألتو في جنوب سان فرانسيسكو بإمكانه أن يمر ويشاهد بنفسه المنزل الذي له مرأب صغير ذي الباب الأخضر والذي كان أول مقر لشركة hp ومهد صناعة تقنية البرمجيات في وادي السيلكون وغير بعيد عن هذا الكراج التاريخي (hp Garage) يمكن المرور لمشاهدة المرأب الأبيض الواسع لشركة غوغل (Google Garage) في ضاحية مينلو بارك Menlo Park الراقية. ثم بعد ذلك وبحوالي ربع ساعة من قيادة السيارة يمكن للزائر أو السائح الانتقال من ضاحية بالو ألتو Palo Alto إلى ضاحية لوس ألتوس Los Altos لمشاهدة كراج السيارة الذي نشأت فيه أول شركة في التاريخ البشري تتخطى قيمتها السوقية مبلغ الترليون دولار (أي مليون مليون دولار) ونقصد بذلك شركة آبل الأمريكية.

في توقيت غريب هو اليوم الأول من شهر أبريل (المعروف بيوم كذبة أبريل) كان تاريخ العلم والتقنية مع أصدق وأعجب حدث في تاريخ الاقتصاد والتقنية على حد سواء وذلك عندما قام الشاب ستيف جوبز مع زميلة الأكبر سنا ستيف وزنياك بتأسيس شركة صغيرة كان مقرها مرأب السيارة في منزل عائلة ستيف جوبز. سبق وأنا ذكرنا أن رأسمال شركة hp عندما تم أنشاؤها كان مبلغا ضئيلا جدا هو 538 دولارا فقط ومن العجائب أن رأسمال شركة آبل عند تدشينها كان كذلك مبلغ مالي زهيد جدا لكن الطريف في الأمر أن الطالب الجامعي الفقير ستيف جوبز اضطر إلى أن يبيع كمبيوتره الشخصي القديم من تصنيع شركة hp سالفة الذكر لكي يساهم به في رأسمال الشركة الناشئة بينما نجد الشاب الآخر (ستيف الثاني) المؤسس لشركة آبل وهو ستيف وزنياك يضطر أن يبيع سيارته القديمة والمتهالكة من نوع الفولكس فاغن ويساهم بسعرها الرخيص في تأمين رأسمال الشركة. وتجدر الإشارة إلى أن مهندس الإلكترونيات الشاب ستيف وزنياك قد عمل في أول مسيرته المهنية في شركة hp وهذا يعني أن الإمبراطورية التقنية شركة hp أسهمت بشكل أو آخر (من خلال كمبيوتر ستيف جوبز المباع أو من خلال تدريب ستيف وزنياك في معامل الشركة) في تأسيس وتدشين منافستها الأكبر الأخطبوط التقني شركة آبل للكمبيوترات.

وعلى ذكر المنافسة التجارية بين عمالقة الشركات التكنولوجية وبين هوامير رجال الأعمال ربما يتذكر البعض منا المنافسة الشرسة في مجال برمجيات أجهزة الحاسب بين نظام التشغيل ويندوز (windows) من شركة مايكروسوفت وبين نظام تشغيل ماكنتوش (Mac software) من شركة آبل للكمبيوترات. وبعد أن عرّجنا على غرفة كراج السيارات التي نشأت فيه شركة آبل والذي حول الشاب الهيبي الفقير ستيف جوبز إلى رجل فاحش الثراء يملك أكثر من 10 بليون دولار عند وفاته، لذا لعله من الملائم الحديث عن الغرفة الغريبة التي من خلالها تحول الشاب الصغير ذا الوجه الطفولي بيل غيتس إلى أغنى رجال في العالم طوال 18 سنة منها 13 سنة متتالية. في عام 1975م (ومرة أخرى في بداية شهر أبريل) قام الشاب بيل غيتس وهو في سن 19 بالتعاون مع صديق طفولته بول ألين (الذي كان يكبره بسنتين ويعمل كمبرمج أنظمة الكمبيوتر) بتدشين شركتهما الخاصة (Microsoft) التي أقيمت في البداية في مدينة مجهولة لأغلبنا تدعى ألبوكيركي وتقع في ولاية نيو مكسيكو في جنوب غرب أمريكا. في الواقع في تلك السنة كان كلا من بيل غيتس وبول ألين يقيمان في مدينة بوسطن في أقصى شرق أمريكا، ولكنهما اضطرا للسفر المؤقت إلى مدينة ألبوكيركي لأن بها شركة كمبيوتر وافقت على العرض المقدم من هذين الشابين في العمل على تطوير إحدى البرمجيات التي تحتاجها تلك الشركة. ولهذا اضطر بيل غيتس وبول ألين أن يستأجرا غرفة عادية في موتيل (Sundowner Motel) في وسط المدينة وفي تلك الغرفة كانا يقومان بمهامهم الأولية في تجهيز البرمجيات الإلكترونية المطلوبة ومن تلك الغرفة السكنية المتواضعة كانت انطلاقة إحدى أكبر الشركات التقنية وبداية ثروة أغنى رجل في العالم.

 طلبة الجامعة واختراع مستقبل التقنية

في بداية المقال أشرت بصورة خاطفة أن الشابين لاري بايج وسيرجي برين قبل أن يقوما بتأسيس شركة جوجل في كراج السيارات كانا يعملان لمدة من الزمن على تطوير محرك البحث لشبكة الإنترنت في غرفتهما في سكن الطلبة بجامعة ستانفورد. وكما كانت ظاهرة متكررة أن تكون بداية كبرى الشركات العالمية من غرفة كراج السيارات كما هو حال شركات ميكروسوفت وآبل وجوجل وأمازون وحاسوبات hp وعملاق الشحن شركة فيدكس، نجد ظاهرة أخرى طريفة تتمثل في أن بعض الشركات العالمية الكبرى كانت بدايات التجهيز لها في غرف السكن الجامعي. ولعل أفضل مثال يمكن الاستشهاد به هنا على دور سكن طلبة الجامعة في إطلاق أضخم الثورات التكنولوجية ما حصل عام 2004م عندما قام الطالب الجامعي مارك زوكربيرج بالإطلاق الرسمي وتأسيس شركة فيسبوك (حاليا اسمها ميتا Meta وهي ضمن قائمة أكبر عشر شركات في العالم) وذلك من داخل غرفته الجامعية في مبنى كيركلاند هاوس التابع لسكن طلاب جامعة هارفرد. والقصة تبدأ كالتالي: كانت جامعة هارفرد تفتقد إلى دليل رقمي يربط طلاب السكن الجامعي ببعضهم وكان لكل مبنى كتيب ورقي خاص به يسمى (Face Book). وبحكم أن الشاب مارك زوكربيرج كان منذ سن الحادية عشرة وهو يقوم بتطوير البرامج الحاسوبية المبسطة ولهذا من لحظة دخوله لجامعة هارفرد عام 2002 قام بتطوير برنامج يدعى (كورس ماتش) يساعد الطلاب على اختيار مقرراتهم الاكاديمية. ومن هنا اهتم زوكربيرج كذلك بتكوين موقع شبكة اجتماعية لجميع طلاب سكن جامعة هارفرد يمكن أن يصبح دليلا إلكترونيا موحدا يربط كافة طلاب الجامعة ببعضهم ويقال بأن مارك زوكربيرج قام باختراق قواعد بيانات سكن طلاب هارفارد للحصول على صور الطلاب.

في الوقت الحالي تعتبر شركة ديل للتقنية وتصنيع الكمبيوترات (Dell Technologies) في المرتبة التاسعة ضمن قائمة أكبر شركات التقنية العالمية حسب الإيرادات السنوية حيث تبلغ مبيعاتها أكثر من 114 بليون دولار سنويا. وما يهمنا هنا أنه عندما تم تأسيس هذه الشركة عام 1984م كان ذلك على يد طالب جامعة تكساس الشاب مايكل ديل والذي كان يستخدم الغرفة رقم 2713 في سكن الجامعة لكي يقوم فيها بتجميع قطع ووحدات أجهزة الكمبيوتر الشخصي التي كان يبيعها ولذا أصبحت غرفته الجامعية كورشة تصنيع ومكتب تسويق وإعلان للمنتجات الحاسوبية المعدلة التي كان يبيعها. وكما هو متوقع مع زيادة عملية البيع والتصنيع لأجهزة الكمبيوتر لم يستطع الشاب مايكل ديل ذا 19 سنة من التوفيق بين دراسته الجامعية وبين متطلبات الأعمال التجارية التي استجدت في حياته ولهذا كان القرار الحكيم بالنسبة له أن ينسحب من الجامعة دون إكمال دراسته والحصول على الشهادة الجامعية.

وبالمناسبة هذا ما حصل سابقا مع بعض الشباب الذين ذكرنا أسماءهم بالأعلى فمثلا بيل غيتس انسحب من جامعة هارفرد وستيف جوبز لم يكمل الدراسة في كلية ريد Reed في ولاية أوريغون ومارك زوكربيرج فصل من جامعة هارفرد. بينما ستيف وزنياك مهندس الإلكترونيات والذي يعتبر المخترع الحقيقي لأجهزة حواسيب آبل ماك انسحب بشكل مؤقت من جامعة بيركلي عام 1976م لكي يساهم مع ستيف جوبز في إنشاء شركة آبل ولكنه عاد لاحقا وأكمل دراسته وتخرج عام 1986م بعد حصوله على شهادة البكالوريوس في الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسب الآلي.

ومع تلك الحادثة المتعلقة بحرص ستيف وزنياك على الحصول على الشهادة الجامعية وعدم الانجراف التام خلف المال والأعمال لدرجة الانسحاب من الجامعة وعدم إكمال الدراسة الأكاديمية، نختم بالحديث أن المئات من طلبة الجامعات في مختلف الدول وفي العديد من التخصصات الأكاديمية استطاعوا أن يحققوا التوازن الصعب بين إكمال دراستهم الجامعية وبين انشائهم وتدشينهم في نفس الوقت للشركات التقنية المبنية على خبرتهم الدراسية في الجامعة وهذا ما حقق لهم في نهاية المطاف بأن يصبحوا في مصاف كبار أثرياء العالم. وبدون الدخول في المزيد من التفاصيل بسبب ضيق المساحة في نهاية المقال فسوف نشير فقط إلى الشركات الكبرى التي قام بتأسيسها طلاب وخريجي جامعة ستانفورد والتي ورد ذكرها كثيرا في هذا المقال والتي تعتبر حاليا جزء من وادي السيلكون ولهذا هي أفضل جامعة على مستوى العالم في مجال علوم الحاسوب والبرمجيات وحديثا في مجال الذكاء الاصطناعي. ويكفي أن نعلم أن أكبر شركة على الاطلاق من ناحية القيمة السوقية حاليا هي شركة إنفيديا Nvidia (قيمتها 5.5 ترليون دولار !!) قام بتأسيسها في عام 1993م أحد طلاب جامعة ستانفورد في مجال الهندسة الكهربائية وهو جنسن هوانغ. وكذلك من الشركات وتطبيقات البرمجيات التي يعرفها الجميع وهي من اختراع وإنشاء طلبة وخريجي جامعة ستانفورد يمكن أن نذكر: تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعي سنابشات وأنستقرام ومحرك البحث ياهو Yahoo وموقع التخزين السحابي Dropbox وموقع الأنترنت Reddit الذي يحتل المرتبة السابعة بين أكثر المواقع زيارة في الولايات المتحدة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق