الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

( البهاليل في عصر الذكاء الاصطناعي )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/4/22

 ضمن الموسم الثقافي بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة لعام 1403هـ قام الشيخ الدكتور عبد العزيز القارئ رحمه الله بإلقاء محاضرة رنانة في قاعة المحاضرات العالمة بالجامعة الإسلامية حملت عنوانا شيقا: (البهاليل في عصر الكمبيوتر). وصحيح أن الدكتور عبد العزيز القاري أشار بشكل عابر في أول المحاضرة والتي طبعت في كتاب حظي بانتشار كبير، أشار إلى مفهوم (المعلوماتية) وتوظيف الكمبيوتر كأحد أدوت البحث والتفكير. إلا أن المغزى الأساسي لتلك المحاضرة هو نقد مستوى بعض الدارسين والباحثين في المجالات الشرعية من حملة الألقاب الأكاديمية مثل (الدكتور) بينما هو قد يكون ضعيفا في التحصيل العلمي أو المهارات البحثية والمنهجية التي كانت تتوفر لعلماء الشريعة الأوائل. يوضح الدكتور عبد العزيز القاري المعنى الأصلي لكلمة (البهاليل) في اللغة العربية وأنها جمع (بُهلُول) وهي صفة مدح للرجل الكريم والسيد في قومه ومع ذلك نجد الدكتور عبد العزيز القاري ينتقد بعض المشتغلين في مجال تحقيق المخطوطات فيقول: (أما اليوم فإن مستوى التحصيل هزل حتى أصبح بمقدور أي بهلول أن يظفر بلقب (دكتور) في الحديث وهو لا يعلم شيئا عن القرآن، أو يظفر بلقب (دكتور) في علوم القرآن وهو لا يعلم شيئاً عن الحديث). ثم يعقب الدكتور القارئ بقراءته الفاحصة للمشهد العلمي حيث يقول رحمة الله (.. ذلك لأنه يظفر باللقب بمجرد أن يكتب بحثاً في جزئية من جزئيات العلم، وغالباً ما يكون بحثه قراءة مخطوطة، ويكون مستواه هزيلا، وكل ذلك بنى على تأسيس علمي هزيل ... ولهذا فإنك ترى الأفواج تلو الأفواج من حملة (الدالات)، وتبحث بينهم عن عالم واحد فلا تكاد تعثر عليه).

بصورة عامة النقطة الجوهرية التي ينتقد فيها الدكتور عبد العزيز قاري ما سماهم (حملة الدالات) من بعض دكاترة الجامعات أن عندهم مشكلة (الاجتزاء) في تلقي وتحمّل العلوم الشرعية ولهذا عندما يتخصص الباحث الشرعي مثلا في تحقيق كتاب مخطوط في علم أصول الفقه أو في مصطلح الحديث لا يمتلك قاعدة معرفية راسخة في مجمل العلوم الشرعية. وتزداد ضحالة المعرفة العلمية عند الباحث عندما يستخدم جهاز الكمبيوتر في الوصول (السريع) إلى المعلومة المطلوبة دون الخوض والغوص كما هي عادة السلف الصالح في بطون الكتب وتقليب الأوراق مما يتيح له غواية قراءة الحواشي ومراجعة الفهارس والاطلاع على الشروح والتعليقات وهكذا من رحلة الوصول إلى المعلومة يتحصل الباحث مع التفتيش والتنبيش ( أليس الحكمة الأثرية تقول: قمّش ثم فتّش) على كمّ متزايد من المعلومات بدلا من الكسل والحصول في لحظات على المعلومة المحددة من خلال محركات البحث.

ونبقى في المدينة المنورة وفي الجامعة الإسلامية فقبل محاضرة عام 1403هـ (البهاليل في عصر الكمبيوتر) بعشرين سنة أي في عام 1383هـ كان إمام العصر الشيخ الألباني من الرعيل الأول الذي ساهم في التأسيس والتدريس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة وبعد محاضرة (البهاليل) بأقل من عشرين سنة سأل الشيخ الألباني عن حكم استخدام جهاز الكمبيوتر في (تخريج الأحاديث) ومعرفة مواضعها من أمهات كتب السنة النبوية. وبالجملة كان رد الشيخ الألباني أن توظيف الكمبيوتر في علم الحديث جائز ومباح ولكنه اشترط أن من يستخدم تلك الآلة يجب أن يكون لديه في الأصل علم شرعي لكي يستطيع أن يحكم على صحة النتائج التي يخرجها الكمبيوتر. وبالمناسبة لا يعرف عن الشيخ الألباني أنه استخدم الكمبيوتر بالرغم من أنه طال به العمر رحمة الله حتى أدرك عصر الانترنت ومع ذلك لم يستخدم تلك الوسائل الحديثة لأنه كان يعتمد على أسلوب (البطاقات) حيث كانت تساعده ابنته الكبرى سُكينة في تلخيص وتدوين مطالع الحديث النبوي في بطاقات مرتبة تسهل البحث عن الأحاديث. ومع ذلك ونحن في سياق الحديث عن (البهاليل في عصر الكمبيوتر) لعل من السائغ أن نذكر العبارة المشهورة التي تم تداولها بأن الشيخ الألباني رحمه الله قال (الكمبيوتر يجعل طالب العلم بليد الذهن) وهي عبارة وردت في كتاب (الألباني كما عرفته) من تأليف عالم الحديث الأردني عصام هادي أحد تلاميذ الشيخ. وطبعا مقصود الشيخ ليس التقليل والتنفير من جهاز الكمبيوتر، ولكن التنبيه والتحذير من الاستخدام الخاطئ لجهاز الحاسب الآلي والاعتماد الكلي عليه مما يضعف مهارة الحفظ وملكة وخبرة البحث العلمي والأُلفة مع الكتب التراثية.

وبما أن سيرة تلاميذ الشيخ الألباني انفتحت في مساق الحديث عن الكمبيوتر فلعل من الملائم الإشارة إلى أنه يشاع بأن عالم الحديث المصري أبا إسحاق الحويني رحمة الله كان يوصف بأنه خليفة الشيخ الألباني ومن يُرجع إليه في علم الحديث وذلك بعد أن أثنى عليه الشيخ في نبوغه وتعمقه في علم الحديث. وما يهمنا هنا مرة أخرى في سياق الحديث عن البهاليل في عصر الكمبيوتر أن الشيخ أبا إسحاق الحويني كان يتأسى ويتبع طريقة الشيخ الألباني في الاعتماد في تخريج الأحاديث على أسلوب البطاقات والفهارس الخاصة بأطراف وطرق الحديث، ولكنه مع ذلك ربما في بعض الحالات بعد أن يقوم بشكل مبدئي بتخريج الحديث بالطريقة التقليدية اليدوية يرجع لبعض الأقراص المضغوطة CD لتخزين البيانات الحاسوبية والتي تحتوي على أمهات الكتب الحديثة لكي يتأكد أنه لم يفته شيء من الأحاديث النبوية. واستخدام قدرة الكمبيوتر في الوصول الدقيق للمعلومات المخزنة بعد انتهاء البحث التقليد أمر قد يكون سائغا كأسلوب للمراجعة النهائية من قبل الباحثين الشرعيين الراسخين في العلم وليس كما يفعل البعض من اعتمادهم الكلي على تقنية الحاسوب في تخريج الأحاديث دون المراجعة والتأكد بالاطلاع على المصادر الأصلية.

 من عصر الكمبيوتر إلى زمن الـ AI

بعد سنوات قليلة من وفاة الشيخ الألباني رحمه الله وبالتحديد في عام 1422هـ نشر الباحث المميز الشيخ على العمران كتابه الماتع والمفيد (المشوق إلى القراءة وطلب العلم) والذي أشار في مقدمته أن الباعث له على تصنيف ذلك الكتاب رصده لظاهرة عزوف كثير من طلبة العلم وخصوصا من حملة الألقاب العلمة (حملة الدالات) وانقطاعهم عن الاطلاع على الكتب والمصادر الأصلية أو الاكتفاء بالبحث في

في الأقراص المضغوطة (السيدهات CDs) للموسوعات الرقمية. وهذا نص الدكتور علي العمران (.. وجماعة منهم قنعوا بمتابعة ما تتسارع شركات الحاسوب في إنتاجه، من أقراص تحوي العشرات بل المئات من الكتب في جميع الفنون! وظنوا أن هذه تُغني عن شراء الكتب واقتنائها ومطالعتها ودَرْسها!). وهنا أود أن أثنّي وأؤيد على التنبيه الذي ذكره الدكتور على العمران في حاشية الكتاب حيث قال (لا يفهم من هذا أن الحاسوب لا قيمة له ولا فائدة منه، بل له فوئد كثيرة .. ولست هنا لتعديد محاسنة ولا لتبيين مزاياه). والمقصود أنه بلا شك لأي تقنية أو اختراع جديد مثل الكمبيوتر أو شبكة الأنترنت وحديثا الذكاء الاصطناعي منافع ومزايا مذهلة ومع ذلك يجب الترشيد في استخدام هذه التقنيات الحديثة فلها في المقابل بعض السلبيات والمشاكل والمحاذير التي يجب مراعاتها والانتباه لها.  

ولهذا أود أن أعترف للقارئ الكريم أن الدافع لكتابة هذه المقال هو استكمال للنقاش والحوار الذي حصل الأسبوع الماضي عندما تم الإعلان من قبل شركة جوجل بأنها سوف تطلق أحد تطبيقات الذكاء الاصطناعي (ScientistTwo) الذي يستهدف (أتمتة automation) عملية البحث العلمية، بل الحصول على شهادة الدكتوراه عن طرق توظيف الذكاء الاصطناعي في تنفيذ دورة البحث العلمي كاملة من الفكرة إلى إنجاز الورقة البحثية المحكمة!. وفي نفس الأسبوع الماضي تم بشكل كثيف تداول التنويه للقفزة الكبيرة في مجال إجراء البحوث العلمية الشرعية والتراثية من خلال الربط بين بعض أدوات الذكاء الاصطناعي وخصوصا تطبيق كلود Claude مع قاعدة البيانات الضخمة في المكتبة الشاملة التراثية وأن ذلك قد يسرع إنجاز بعض رسائل الدارسات العليا في التخصصات الشرعية في خلال أيام أو أسابيع بدلا من سنوات البحث المضني السابقة.

وهكذا بعد عقود من التنظير والتحذير أن الاستخدام غير الرشيد لجهاز الكمبيوتر قد يساهم في تخريج أجيال ضعيفة الحصيلة العلمية في مجال الأبحاث الشرعية حتى وإن كانوا من حملة الألقاب العلمية، وإذا الزمان يدور دورة فإذا أصوات التحذير وصيحات النذير من الآثار السلبية للإفراط غير الرشيد في استخدام الذكاء الاصطناعي في التدريس المعرفي والتحصيل العلمي. في عام 1403هـ لم يكن بعد قد دخل الكمبيوتر في واقعنا المحلي في مجال الأبحاث العلمية والشهادات العليا الجامعية ومع ذلك استشعر الدكتور عبد العزيز القاري رحمة الله القلق فحذر من (البهاليل في عصر الكمبيوتر) وها نحن ذا في عام 1448هـ ومع المغامرة بالاعتماد الكامل في أطروحات الدراسات العليا على الذكاء الاصطناعي هل ينتهي بنا الأمر إلى التندر على (المهابيل في زمن الذكاء الاصطناعي)!.

 إياك إياك من هلوسة الذكاء الاصطناعي

من البديهيات أن أي منتج أو اختراع يساعد في تسهيل الحصول على المعلومة أو المعرفة أمرا يستحق الثناء والاعجاب ولذا عندما كان علماء الحديث قديما يجدون معاناة في (تخريج الأحاديث) وتحديد أماكنها من كتب السنة الهائلة العدد والحجم يمكن أن نفهم فرحة علماء الحديث بصدور كتاب (مفتاح كنوز السنة) حتى ولو كان مؤلفه مستشرقا هولنديا يدعى أرنت فنسك. قبل حوالي 90 عام تم طباعة ذلك الكتاب الذي هو عبارة عن معجم مفهرس يسهل كثيرا الوصول للأحاديث النبوية ولهذا نجد أن أشهر علماء الحديث في مصر في ذلك العصر وهو العلامة أحمد شاكر رحمة الله يعبر عن إعجابه البالغ بذلك المنتج العلمي فيقول (فرحت به كأشد ما أفرح بكتاب نفيس .. وإنه كنز من الكنوز، فأرسلت إلى أخي محمود خطابا أبشره فيه بهذا الكنز الطريف). يقال إن العلامة أحمد شاكر قد مكث خمس سنوات يبحث عن حديث واحد في سنن الترمذي فوجده لاحقا عن طريق كتاب مفتاح كنوز السنة السالف الذكر.

وننتقل من أبرز علماء الحديث في مصر إلى أشهر علماء الحديث في الهند وهو الشيخ محمد مصطفى الأعظمي الحاصل على جائزة الملك فيصل العالمية في فرع الدراسات الإسلامية فقد قام بتحقيق كتاب صحيح ابن خزيمة وهذا ما أنتج ربما أصح دواوين السنة النبوية بعد الصحيحين البخاري ومسلم. وبعد أن عاصر الشيخ الأعظمي عن قرب المعاناة في تخريج الأحاديث ومقارنة النصوص ودراسة الأسانيد المتشعبة ونظرا لأنه حصل على الدكتوراه من بريطانيا ودرّس لسنوات طويلة في بعض الجامعات الأمريكية لهذا أدرك مبكرا ضرورة الاستفادة من أعجوبة العصر (الكمبيوتر) في العلوم الشرعية. ومن هنا بدأ الشيخ الأعظمي مشروع (مركز خدمة السنة) والذي أنفق جهده وصحته وماله في توظيف الكمبيوتر في تخزين الأحاديث النبوية. والشيخ الأعظمي كان على علاقة وثيقة بالشيخ الألباني ولديهما نشاط علمي تراثي مشترك حيث قام الشيخ الألباني بمراجعة تحقيق الشيخ الأعظمي لكتاب صحيح ابن خزيمة، ومن هذا التعاون العلمي بينهما من المؤكد أن الشيخ الألباني أطلع على مشروع الشيخ الأعظمي في توظيف الكمبيوتر في خدمة السنة النبوية. والمقصود أن أبرز علماء الحديث في الزمن المعاصر لم يعارضوا استخدام الكمبيوتر في خدمة علوم السنة، بل أحد أبرز رجال الحديث في الزمن المعاصر وهو الشيخ الأعظمي فرغ نفسه في السنوات الأخيرة من حياته لمشروع أرشفة وتخزين الأحاديث النبوية بواسطة الكمبيوتر. وقد كان له تعاون في هذا الشأن مع كلية علوم الحاسب بجامعة الملك سعود وقد حالفني الحظ أنا ومجموعة من الزملاء ونحن بعد طلبة بالجامعة بلقاء الشيخ الأعظمي والاستماع منه عن مشروعه الرائد في خدمة السنة. 

بل الأغرب من ذلك أنه توجد علاقة لطيفة بين العالم الرباني الشيخ عبد العزيز بن باز رحمة الله وبين جهاز الكمبيوتر وقد تم ذكرها في الموقع العلمي لسماحة الشيخ ابن باز على شبكة الإنترنت. وملخص تلك الحادثة الطريفة أن أحد الأمراء أهدى للشيخ بن باز جهاز كمبيوتر قد خزن فيه جميع ما في الصحيحين والسنن والمسانيد، وعندما حضر المختص لاطلاع سماحته على نظام الجهاز وكيفية استخراج الأحاديث من خلاله سأل الشيخ عن بعض الأحاديث النبوية وعندما استخرج المختص تلك الأحاديث من ذاكرة الكمبيوتر علّق الشيخ رحمة الله على بعضها بأن فيها أخطاء وقال وهو يصحح بعض المعلومات (بل ورد بلفظ كذا وكذا، ورواه فلان). وعندما راجعوا تلك الأحاديث في الكتب الأصلية المطبوعة وجدوا أن ملاحظة الشيخ بن باز رحمة الله التي كانت من حفظه كانت صحيحة وهنا قال المختص (يا شيخ، أتينا بالجهاز على أننا قد حفظنا فيه كل شيء ولكننا فوجئنا بأنك يا شيخ أحفظ من الكمبيوتر!).

وهذه الحادثة تذكر بالتحفظ الذي كان يخشاه الشيخ الألباني من استخدام الكمبيوتر في بداية ظهوره ألا تكون عملية التخزين للأحاديث متقنة فقد كان الشيخ الألباني يقول (أن الكمبيوتر ما تعطيه يعطيك) بمعنى أنه لو كانت مدخلات الكمبيوتر ضعيفة فمخرجاته قطعا سوف تكون ضعيفة. ولذا كان الشيخ الألباني ينبه لضرورة أن من يقوم (بتغذية الكمبيوتر) بالمعلومات وتخزينها فيه يجب أن يكون عالما في مجال الأحاديث والسنة النبوية ومن هنا قال (.. يجب أن يكون هناك قبل الكمبيوتر علماء متخصصون في كلِّ علم يغذُّونه).

ومن الكمبيوتر في بداية استخدامه في العلوم الشرعية والتراث الإسلامي والقلق والتحفظ في عدم الاعتماد الكامل عليه إلى زمننا المعاصر والجدل الدائر حاليا مع توظيف الذكاء الاصطناعي في المباحث الشرعية والدراسات التراثية وأنه يجب الانتباه لمشكلة (الهلوسة) التي يقع فيها الذكاء الاصطناعي والتي تتوجب عدم التعويل والاتكال الكامل عليه. ونختم بأمر طريف فيما يتعلق بمنهج السلف الصالح من العلماء والفقهاء في ضرورة التدرج في طلب العلم ومن أقوالهم في ذلك (إن الفقه ينال بأربعة أشياء: بالتعليق ثم التحقيق ثم التدقيق وقالوا وإياك والتلفيق). صحيح أن مقصود الفقهاء بـ (التلفيق) هو الخلط بين فتاوى المذاهب في مسألة واحدة، ولكننا يمكن أن نحدث هذا التحذير في العصر الحديث بأن التلفيق هو هلوسة الذكاء الاصطناعي ولذا (إياك إياك من هلوسة AI).

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق