الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

( السياحة في زمن الحرب )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1448/4/15 الموافق 26 سبتمبر

في منتصف الحرب العالمية الثانية وأثناء تخطيط قوات الحلفاء لرد عدوان النظام النازي ومحاولة غزو ألمانيا يُشتهر عن رئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل قولة (منطقة البلقان هي خاصرة أوروبا الرخوة) ومقصود ذلك الداهية الإنجليزي أنه بدلا عن شن الغزو المضاد لألمانيا النازية من الأراضي الفرنسية المحصنة ابتداءً من ساحل النورماندي، يمكن تحقيق ذلك بالتسلل إلى وسط أوروبا من خلال دول البلقان أو إيطاليا. والغريب في الأمر أنه بعد الاستقرار النسبي لسنوات طويلة لأغلب الدول الأوروبية بعد نهاية الحرب العالمية أثبتت أرض البلقان في عام 1991م أنها بالفعل (خاصرة أوروبا الرخوة) إذ اندلعت فيها أول حرب أوروبية طاحنة منذ عقود وذلك مع لحظة تفكك الاتحاد اليوغسلافي. الطريف في الأمر أنه بعد وفاة تشرشل بعقد من الزمان كانت أرض البلقان هي ثاني وجهة سياحية يتوافد عليها الإنجليزي بعد إسبانيا وبالفعل كانت أقاليم الاتحاد اليوغسلافي وخصوصا صربيا وكرواتيا والبوسنة وجبال الألب الألبانية من أكثر المناطق السياحية شعبية عند أغلب الشعوب الأوروبية. وذلك لجمال الطبيعة الخلاب في أرض البلقان كما أنها كانت مهوى أفئدة السياح القادمين من الدول الشيوعية فقد كان ليوغوسلافيا مكانة خاصة في قلوب الصينيين بالذات. ثم انهار فجأة كل ذلك البريق السياحي بعد تلك الحرب الأهلية الشنيعة وكانت تلك اللحظة أكبر كارثة تقع على قطاع السياحة بعد الحرب العالمية الثانية ولهذا ومع تزايد حلات النزاع السياسي ولقتال العسكري في المنطقة العربية ربما نحتاج بمناسبة اليوم العالمي للسياحة (الذي يحل موعده يوم غد الأحد 27 سبتمبر) أن نستعرض تاريخ (السياحة في زمن الحرب).

يقولون إنه في عالم المال والأعمال (رأس المال جبان) ويبدو أنه في عالم السياحة والسفر (السائح أكثر جبناً) لأنه ينفر من أي وجهة سياحية تقع بها قلاقل أمنية فضلا عن اندلاع قتال مسلح، بل أن السياحة في بعض الظروف قد تتأثر حتى بمجرد الشائعات أو حتى بعرض فيلم سينمائي كما حصل في صيف عام 1975م عندما عرض فيلم الفك المفترس (Jaws) حيث حصل انخفاض في السياحة الشاطئية في أمريكا. والمقصود أن أرض البلقان بعد أن كانت في السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين من أكثر الوجهات السياحة حيوية ونجاحا في القارة الأوروبية إذا بها في مطلع التسعينيات ومع اشتعال الحرب الأهلية فإذا لؤلؤة البحر الأدرياتيكي (كما كانت تلقب يوغسلافيا) أصبحت أرض يباب خالية تماما من السياح والزوار الأجانب.

ومع ذلك في واقعنا المحلي والحالي أصبحت الأقاليم المسلمة في أرض البلقان مثل البوسنة وألبانيا وكوسوفو من نقاط الجذب السياحية المفضلة لأهل الخليج العربي بعد أن استقرت فيها الأوضاع الأمنية ولله الحمد. وبالرغم أننا كسبنا في السنوات الماضية مزارات سياحية مذهلة في أرض البلقان إلا أننا في المقابل خسرنا بسبب الحروب والصراع السياسي وجهة سياحية مميزة هي دولة أوكرانيا والتي بحقول قمحها الصفراء أصبحت تلقب بسلة غذاء أوروبا بينما كانت بألوان شعورها الشقراء قبلة السياح العرب.

قبل أشهر قليلة من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية أي في صيف عام 2022م قامت صحيفة سبق الإلكترونية بإجراء استقراء لأكثر المناطق السياحية التي يسافر لها السائح السعودي وقد حصلت أوكرانيا على موقع متقدم في قائمة أكثر خمس وجهات سفر خارجية. الجدير بالذكر أنه في زخم تدفق السياح السعوديين إلى العاصمة الأوكرانية (كييف) بهدف الاستجمام إذا بهم (يكفون) عن السفر لها بسبب تصاعد القتال الحربي الشرس فيها والغريب أن ظاهرة إحجام سفر السياح السعوديين من المتوقع أن تحصل قريبا مع الطرف الثاني للقتال: روسيا. تشير التقديرات إلى أن عدد السياح السعوديين المسافرين إلى روسيا في عام 2023م بلغ حوالي 9000 سائح بينما قفز العدد إلى رقم هائل في عام 2025م عندما لامس عدد السياح السعوديين إلى روسيا سقف 75000 مما جعل السائح السعودي ثاني أعلى جنسية تحقق نسبة في زيادة عدد السياح إلى روسيا. وكما هو معلوم تغيرت الأوضاع الأمنية كثيرا في العاصمة موسكو خلال الشهور الأخيرة لدرجة أنه فقط في الأسبوع الماضي أطلقت أوكرانيا 450 طائرة مسيرة استهدفت بشكل مباشر العاصمة (موسكو) ولهذا أتوقع أنه في المدى المنظور سوف (يمسك) السائح السعودي عن السفر إلى العاصمة الروسية موسكو في ظل هذا التصعيد الحربي المتزايد.

وبالتزامن مع الأخبار والصور التي نشرت الأسبوع الماضي والتي تعكس حالة الهلع في العاصمة موسكو انتشر كذلك مقطع فيديو لسائح كويتي وهو يتجول في منطقة السوليدير في وسط بيروت وهي تبدو خاوية تماماً من الحركة والمارة. سبق أن زرت مدينة بيروت في عام 2005م وذلك مباشرة بعد تدشين مشروع السوليدير (إعادة إعمار وسط بيروت التجاري) وشاهدت بشكل مباشر زحمة المرتادين من السواح والمقيمين لتلك المنطقة وغيرها من معالم بيروت السياحية مثل شارع الحمراء ومنطقة الروشة ولهذا أدرك صدمة الأخ السائح الكويتي من فراغ ميادين ومقاهي ومطاعم بيروت من السياح وحتى من اللبنانيين أنفسهم بسبب العدوان الإسرائيلي الأخير على البلد والأزمة الاقتصادية الطاحنة وتردي الوضع الأمني وهي كلها أمور طاردة لسياحة الاسترخاء والاستجمام.

في الواقع ما يحدث الآن مع السياحة في لبنان هو تأكيد للظاهرة النفسية (ديجافو Deja vu) وهي عبارة بالفرنسة تعني: رُؤي من قبل أو شوهد من قبل فقد سبق أن خلت بيروت من السياح بسبب الحرب. الجميع يعلم أنه قبل حوالي نصف قرن كان لبنان يوصف بأن (سويسرا الشرق) لأنه تميز بقطاع سياحي وخدمي متطور استطاع جذب الزوار من مختلف الدول العربية ولا سيما من مصر والعراق ودول الخليج بل وحتى من مختلف دول العالم. ثم بسبب الحرب الأهلية اللبنانية التي انطلقت شرارتها الأولى في ربيع عام 1975م انهار موسم السياحية في صيف تلك السنة واستمر الأمر كذلك إلى ما بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في مطلع التسعينيات من القرن العشرين. وبهذا نجد أن التاريخ يعيد نفسه بالفعل في دنيا السياحة فالحروب أكبر قاتل للسياحة كما حصل للبنان بين عام 1975م وحتى عام 1990م وما كادت الحرب اللبناني الأهلي تنتهي في ذلك العام حتى كان أهل الخليج مع موعد مع الكارثة الكبرى عندما غزا صدام دولة الكويت الشقيقة في صيف عام 1990 الساخن. وبهذا تم شطب المدن العراقية من قائمة الوجهات السياحية بعد أن ظلت لعقود طويلة بحكم الجوار من أكثر المزارات السياحية لأهل الكويت وأهل المنطقة الشرقية الذين كانوا يترددون على زيارة بعض المدن العراقية وخصوصا البصرة وبغداد والزبير.

 وما أشبه الليلة بالبارحة ففي وقتنا الحالي ما زال من غير الحكمة السفر إلى لبنان أو العراق وبعد أن وصل زخم تدفق السعوديين إلى سوريا لدرجة أن في شهر يوليو فقط من عام 2008م وفق إحصائيات وزارة السياحة السورية وصل حوالي 70 ألف سائح سعودي إلى سوريا وإذا بها حاليا حتى مع استقرار الأوضاع الأخيرة ربما تخلو تماما من أي سائح سعودي. وفي عام 2006م كانت تقارير وزارة السياحة اليمنية تشير إلى أن نسبة السياح السعوديين تبلغ %67 من إجمالي السياح الأجانب الذين يصلون إلى أرض اليمن السعيد حيث بلغ عددهم حوالي 193 ألف سائح سعودي ينتشرون بين مدن صنعاء وعدن وتعز وإب.

وحاليا وبسبب الحرب لم يعد السائح العربي يستطيع السفر لمدينة تدمر السورية لأن آثارها الرومانية تم تدميرها كما لا يستطيع الوصول لسد مأرب لأن قوافل الجيوش تسد الطريق بينما لو حاول السائح العربي صيد الغزلان في محمية الردوم بمنطقة دارفور بالسودان الشقيق فربما يتم قنصه وصيده هو بدلا من الوعول. وبما أن سيرة السياحة الإفريقية انفتحت فقد شهدت السنوات القليلة الماضية تزايدا كبيرا في عدد السياح الخليجيين الذين يقصدون زيارة إثيوبيا إما بهدف زيارة براكين منطقة عفار أو مشاهدة الكنائس التاريخية المحفورة في الصخر تحت الأرض أو زيارة مدينة هرر التاريخية (مدينة المآذن والضباع) وكل هذه المناطق يصعب الوصول لها حاليا مع اندلاع الحرب الأهلية الأثيوبية التي تجددت قبل أيام فقط. وبالانتقال جنوبا إلى دولة كينيا والتي تعتبر حاليا من أهم وأشهر المناطق في العالم لسياحة سفاري الحيوانات البرية إلا أن هذا البلد يشهد في السنوات الأخيرة أحداث شغب متكررة والعديد من التفجيرات التي تقوم بها حركة الشباب الصومالية ولهذا لو انزلق هذا البلد في حرب أهلية هو الآخر فقطعا سوف يخسر محبو السفر إحدى أهم الوجهات السياحية الساحرة.

 سياحة الحروب في ثقافة الشعوب

الجدير بالذكر أن الحيلولة دون وصول السائح إلى جهة سفرة المفضلة بسبب الحرب أمر شائع ومتكرر في تاريخ العديد من الشعوب العالمية فمثلا في زمن الإمبراطورية البريطانية كانت منطقة وادي كشمير في شمال القارة الهندية يلقبها الإنجليزي بسويسرا الهند.  ومنذ القدم كانت توصف أرض كشمير بأنها جنة الله في الأرض أو الجنة الصغيرة ولهذا بعد اندلاع الحرب حول إقليم كشمير بين الهند وباكستان وتعذر الوصول لهذه الجنة التي أصبحت تلقب (بالفردوس المفقود). وكما فتنت جنة كشمير السائح البريطاني أغرت وفتنت السائح والمغامر الفرنسي بقعة سحرية عجيبة وسط الرمال والملح وهي مدينة تمبكتو الملقبة بجوهرة الصحراء والتي تقع في شمال مالي. ومنذ سقوط دولة مالي تحت الاحتلال الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر جذبت هذه المدينة العجيبة السياح والبحاثة والمستشرقين من مختلف الدول الغربية لاستكشاف كنوز مخطوطاتها الضخمة والإعجاب بجمال عمارة مساجدها الطينية المذهلة. وعلى نفس النسق من التصور الغربي لوادي كشمير أنه تمثيل للجنة كذلك نجد أن كلمة (تمبكتو) هي لدى التصور الغربي تجسيدا (للفردوس) أو المكان السحري التي تذهب له الأرواح في العالم الآخر وذلك ما وجدته في رواية (تمبيكتو) للروائي الأمريكي بول أوستر وإن كنت قد صعقت عندما وجدت أن بطل الرواية كلب وأن أحداثها تقع في حي بروكلين.

وبما أننا وصلنا لسواحل الأراضي الأمريكية فمن الجدير الإشارة إلى أن السائح الأمريكي بدوره فقد هو الآخر وجهة سياحية مميزة تعذر عليه لفترة من الزمن السفر إليها بسبب الحرب. قبل اندلاع الحرب الأهلية في جمهورية السلفادور عام 1979م كان ذلك البلد الصغير في وسط أمريكا الوسطى هو إحدى أكثر الوجهات السياحية للأمريكان في القارة اللاتينية ولا ينافسها في ذلك إلا جزيرة كوبا قبل وقوعها في يد الشيوعيين بقيادة فيدل كاسترو. وقد ساعد انتعاش سوق السياحة الأمريكية في السلفادور وكوبا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية في طغيان الثقافة الأمريكية على هذه المنتجعات السياحية وبهذا أصبحت وكأنها ملهى ليلي للكاوبوي الأمريكي. ومع ذلك وبسبب حالة الرهاب المبالغ فيها من قبل الأمريكان من انتشار الشيوعية في الحديقة الخلفية لأمريكا (أي دول أمريكا الوسطى) لم تترد الحكومة الأمريكية في إطالة أمد الحرب الأهلية السلفادورية لمدة 12 سنة وبهذا ضحت الولايات المتحدة برفاهية السائح الأمريكي في جنة الغابات المطيرة تلك مقابل الطمأنينة السياسية للعم سام.

 وفي الختام نقفل هذا المقال بذكر ملاحظتين على الهامش، الأولى أنه توجد نوعية خاصة من السوّاح الباحثين عن روح المغامرة وقد تجذبهم أكثر مخاطرة السفر السياحي لساحات القتال. الغريب أن مصطلح (سياحة الحرب war tourism) موجود ومتداول منذ عقود من الزمن ويصف الرغبة الفجة عند بعض البشر في التواجد (كسائح) ومشاهد في ساحات القتال وبالقرب من أرض المعارك. وطبعا الدافع لذلك هو الرغبة في الشعور بالإثارة وحب المغامرة وهو بهذا على نسق مفهوم (سياحة الكوارث) والذي يرتبط بالأشخاص المهووسين بزيارة الأماكن الخطرة مثل البراكين النشطة أو الغابات المحترقة أو مواقع الأعاصير والفيضانات.

ومن حماقات سياحة الحروب أن بعض شركات السياحة والسفر كانت توفير الحماية المسلحة لبعض السيّاح الراغبين في زيارة المواقع الخطرة مثل الصومال وأفغانستان وكولومبيا. وربما ما زلنا نذكر الضجة الكبرى عام 2004م في عز حالة القتال والفوضى في العراق عندما أٌعلن عن اختطاف وقتل بعض السياح اليابانيين المغامرين في أرض الرافدين. وصدق أو لا تصدق أيه القارئ العزيز أن الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الحكومة الأفغانية تشير إلى أن ذلك البلد المنكوب كان يُصدر سنويا تأشيرة دخول لحوالي عشرين ألف سائح.

الأمر الآخر الذي أود أن أشير إليه في خاتمة موضوع (ثنائية السياحة والحرب) هو أن ما سبق ذكره كان يركز على ظاهرة أن بعض الوجهات السياحية قد تتحول إلى جبهات حربية بينما قد يحصل العكس من ذلك تماما. بحكم أن نشرات الأخبار كثيرا ما تذكر ساحات المعارك والحروب الأهلية ونتيجة للاستمرار هذه الصرعات لفترة طويلة من الزمن لذا تألف الأذن ذكر أسماء تلك المناطق المنكوبة. وبعد انتهاء موجة الحرب الدموية قد تتحول تلك الجبهات الحربية إلى وجهات سياحية ذات جاذبية ملموسة. وهذا ما نجده في حالة تدفق السياح إلى فيتنام وكمبوديا والبوسنة وروندا وبورما وسيرلنكا وغيرها كثير حيث نجد أن من التقليعات الجديدة لظاهرة (سياحة الحرب) أن يحرص السياح على زيارة مواقع القتال القديمة وأماكن حدوث المجازر البشرية والمقابر الجماعية ومراكز التعذيب وخنادق وملاجئ الحماية. قبل عدة سنوات عندما زرت مدينة سراييفو شاهدت وفدا سياحيا يزور موقع مجزرة بشرية في سوق الخضار بتلك المدينة المنكوبة وعندما وقفت أمام فندق هوليدي إن الذي كان له شهرة في نشرات الأخبار في زمن حرب البلقان خطرت ببالي فكرة كتابة مقال خاص عن ظاهرة وجود فنادق ومنتجعات سياحية في قلب مناطق الصراع والقتال ولذا كان عنوان ذلك المقال (فندق سياحي على خط النار).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق