الثلاثاء، 27 أكتوبر 2026

( على هامش التاريخ .. العدو يقصف )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/5/6

 للكاتب الأمريكي جاكسون براون المشهور بتأليفه لكتاب (إرشادات الحياة) مقولة حكيمة هي (لا تقاوم أبداً إزعاجا مؤقتا إذا كان سيؤدي إلى تحسين دائم) وربما يحسن أن نتأمل هذه الحكمة مع الحالة (المؤقتة) لشعور الإزعاج الذي نشعر به هذه الأيام جراء الاعتداءات المتكررة لميلشيا الحوثي الإرهابية على وطننا الحبيب. جرائم جماعة الحوثي الأثيمة ضد المدنيين من خلال تعمد قصف المطارات لنا تؤثر في نهاية المطاف على المشهد السياسي فضلا عن أن تكون عاملا حاسما في السجال العسكري ولهذا هي في الواقع أشبه بطنين مزعج ما أسرع أن يتلاشى مع الزمن. بالتأكيد سيمر بمشيئة الله كل هذا الإزعاج المؤقت ويكون عاقبة الأمور أن تتحسن مقاومتنا لمثل هذه الاعتداءات وبالتالي نبطل تأثيرها وتصبح مجرد ذكرى عابرة.

مليشيا جماعة الحوثي أحقر وأضعف من أن تسبب ضررا دائما علينا حتى وإن قصفت بالصواريخ بعض مدن المملكة فأثناء حرب الخليج الثانية قصف صدام حسين والجيش العراقي مدينة الرياض ومدينة الظهران بالصواريخ البالستية المريعة.  ومع ذلك ربما أغلب شباب الجيل الألفية لا يعرف هذه المعلومة لأن تلك الحوادث كانت مجرد (إزعاج مؤقت) وطنين متلاشي حتى وإن بلغ عدد الصواريخ الساقطة على مدن المملكة 43 صاروخ سكود وحتى وإن تسبب أحدها في مصرع 28 جنديا أمريكيا في مدينة الظهران. بل أن شباب الرياض بعد فترة قلق مؤقت أصبحوا يتسابقون للخروج للشوارع ليستمتعوا بمشهد الألعاب النارية عندما يتم اقتناص صاروخ سكود الروسي بصاروخ باتريوت الأمريكي.

والمقصود أن الألم الشعوري الذي عانينا من في بداية القصف الصاروخي الأثيم هذا الأسبوع على منشآتنا المدنية والاقتصادية بمشيئة الله سوف يتلاشى قريبا ويصبح مجرد ذكرى عابرة ربما أغلبنا سوف ينساها وتزول من ذاكرتنا الجمعية كما نسينا أو غاب عن علمنا أن وطننا الكبير لم يتأثر كثير في الماضي عندما تعرض عبر التاريخ للقصف العسكري من قبل الإنجليز أو الإيطاليين أو البرتغاليين أو الأتراك أو الجيش المصري.

إن الذخيرة الصاروخية لمليشيا الحوثي شيء تافه أمام القوة الضاربة لسلاح البحرية للإمبراطورية البريطانية التي كانت القوى العظمى في القرن التاسع عشر، ومع ذلك لم تؤثر كثيرا على مجريات الأحداث وواقع الناس في وطننا الأبي والصامد حتى عندما قصف الإنجليز مدينة جدة ومدينة الدمام في الزمن السابق. وهذا ما حصل في صيف عام 1858م عندما شهدت مدينة جدة تحت حكم الأشراف والعهد العثماني بعض الاضطرابات المحلية التي أسفرت عن مقتل القنصل الفرنسي وزوجته ومقتل نائب القنصل البريطاني وراح ضحيتها عدد كبير من الرعايا الأجانب خصوصا من اليونانيين المقيمون في تلك الفترة في جدة وهي الحادثة التاريخية التي تعرف باسم (فتنة جدة). وهنا حصل لأول مرة في التاريخ أن تعرضت مدينة جدة للقصف المدفعي حيث قامت البارجة البحرية الإنجليزية بفتح نيران مدافعها بشكل عشوائي على مدينة جدة مما أدى لتدمير وإحراق العديد من البيوت والمراكب التجارية في الميناء ومقتل بعض الأهلي وهذا ما سبب حالة من الذعر حيث فرّ العديد من أهالي جدة إلى مكة المكرمة.

ومن الساحل الغربي ومن مدينة جدة إلى الساحل الشرقي ومدينة الدمام ونبقى مع القوات الإنجليزية المعتدية على التراب الوطني حيث نجد أنه في شتاء عام 1866م قامت كتيبة بريطانية بمحاولة السيطرة على قلعة الدمام التي كانت في تلك الفترة تحت حكم الدولة السعودية الثانية. وهنا قامت السفينة الحربية البريطانية بالقصف المدفعي لقلعة الدمام وذلك لتسهيل اقتحام القوات البرية الإنجليزية للحصن بعد أن تمكنت من دخول ميناء الدمام وتدمير حصن صغير وبعض السفن، ولكن في نهاية المطاف فشل الهجوم على قلعة الدمام بسبب صمود الحامية السعودية الباسلة.

ونبقى في الساحل الشرقي من أرضنا المباركة ولكن سوف نعود بالتاريخ قليلا حتى منتصف القرن السادس عشر الميلادي وبالتحديد في عام 958 هجري عندما بدأت الأساطيل البحرية البرتغالية محاولة التسلل إلى الخليج العربي واحتلال البحرين والمنطقة الشرقية. وهنا نجد أن مدينة القطيف تتعرض لقصف مدفعي مكثف أستمر لمدة أربعة أيام شاركت فيه المدفعية الموجودة على السفن الحربية البرتغالية التي كانت تهدف لتدمير قلعة القطيف التي كانت تحت سيطرة الحامية العثمانية آنذاك وللأسف انتهت معركة القطيف بسقوط المدينة والتي تعرضت للاحتلال البرتغالي لمدة عقدين من الزمن من عام 1551م وحتى عام 1572 ميلادي.

وقبل أن نغادر المنطقة الشرقية وبعد الحديث عن القصف والاعتداء العسكري الإنجليزي والبرتغالي عليها لعل من الملائم الإشارة كذلك إلى حادثة قيام طائرة حربية إيطالية بقصف مدينة الظهران !!. في أثناء الحرب العالمية الثانية كان (سلاح النفط) من الأمور المهمة في تحديد مصير بعض المعارك الحربية ولذا كان من المهم جدا حماية خطوط إمداد النفط ومن الغرائب أن الإخوة الأعداء الآن (أمريكا وإيران وروسيا) كانوا معا في الحرب العالمية الثانية في معسكر الحلفاء ولهذا قامت أمريكا وبريطانيا بإرسال قوافل من الشاحنات المحملة بالوقود من مصفاة عبادان عبر الأراضي الإيرانية (الممر الفارسي) لكي تصل إلى الاتحاد السوفيتي وتدعمه في حربه ضد ألمانيا النازية. وما يهمنا هنا أنه في عام 1940م حصلت غارة جوية شنتها طائرة حربية إيطالية لقصف المنشآت النفطية في جزيرة البحرين وكذلك قصف مصفاة النفط التابعة لشركة أرامكو المجودة في مدينة الظهران وذلك لأن إيطاليا الفاشية أرادت مدّ يد العون لحليفتها ألمانيا النازية.

 الجنوب واليمن والقلق الدائم

وعلى ذكر القصف الإيطالي لبعض مدن الساحل الشرقي لوطننا الحبيب تجدر إشارة إلى أنه قد حصل كذلك اعتداء حربي من قبل القوات العسكرية الإيطالية والتي قامت بقصف ميناء القنفذة على الساحل الغربي للمملكة. حصل ذلك قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى بسنوات قليلة وذلك عندما كانت منطقة الحجاز وجنوب الجزيرة العربية تحت هيمنة الدولة العثمانية ومن غرائب التاريخ أن توابع (الحرب الإيطالية العثمانية) للسيطرة على ليبيا تسببت في توسع ناطق الحرب إلى مناطق بعيدة جدا حيث قامت السفن البحرية الإيطالية في قصف الأسطول الحربي التركي في ميناء بيروت وميناء الحديدة وكذلك في ميناء .... القنفذة.

في شتاء عام 1912م حصلت ما تسمى (معركة خليج القنفذة) وذلك عندما رصدت المخابرات الإيطالية قيام الدولة العثمانية بنقل مقاتلين ومساعدات عسكرية عبر البحر الأحمر إلى مدينة السويس المصرية لكي يتم نقلها لاحقا عن طريق البر للمقاتلين في ليبيا. ولذا ولقطع خط الإمداد البحري هذا وكذلك لضمان هيمنة البحرية الإيطالية على مدخل البحر الأحمر وباب المندب عبر مستعمرتها في إيريتريا تحرك الأسطول الإيطالي لمطاردة القطع البحرية العثمانية التي كانت ترسو في ميناء القنفذة وهنا وقع الاعتداء الإيطالي الأثيم من قبل البوارج البحرية التي قامت بالقصف المدفعي لميناء ومدينة القنفذة الوادعة وذلك في واحدة من أكبر المعارك البحرية في البحر الأحمر قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى. وحتى سنوات قليلة كان يمكن بسهولة مشاهدة واحدة من تلك السفن العثمانية الغارقة بالقرب من ميناء القنفذة ولكن تم تفكيكها وانتشالها لأنه كانت تعيق حركة مرور السفن في حين أن بعض السفن التركية الغارقة في الأعماق يمكن أن تكون موقعا فريدا لهواة الغوص أمام شاطئ القنفذة.

وإذا كان الأسطول العثماني في تلك الحرب كان مُعتدى عليه فإنه كان قبل ذلك بسنة واحدة فقط معتديا علينا وهذا ما حصل في عام 1911م عندما وقعت بالقرب من مطار مدينة جازان الحالي معركة قديمة حملت اسم (معركة الحفائر) دارت رحاها بين الدولة الإدريسية بالمخلاف السليماني وبين الدولة العثمانية. وبعد أن انكسرت الحامية التركية وخسرت العديد من جنودها تحت وابل رصاص قبائل جيزان الأشاوس انسحبت بقية الكتيبة إلى داخل مدينة جيزان وتحصنت بها تحت غطاء من القصف المدفعي من القلاع المحيطة بالمدينة أو من سلاح المدفعية في البواخر الحربية التركية الراسية في ميناء جازان.

الجدير بالذكر أن الثورة ضد القوات العثمانية في جنوب الجزيرة العربية في ذلك الزمن تمت باتفاق بين الإمام محمد الإدريسي الذي تعهد بأن يثور ضد التواجد التركي في منطقة عسير ومدينة أبها بالتحديد وبالتزامن مع ذلك تعهد الإمام يحي حميد الدين بإشعال ضد الأتراك في مدينة صنعاء. وهذا الحلف والتعاون بين أهل منطقة عسير وجازان وبين إمام اليمن يحي حميد الدين يذكرنا بالحلف المسمى (حلف جدة) والذي كان يهدف لعقد اتفاقية دفاع أمني مشترك بين المملكة واليمن وجمهورية مصر العربية وقام بالتوقيع عليه في عام 1956م الملك سعود بن عبد العزيز والإمام أحمد بن يحي حميد الدين والرئيس جمال عبد الناصر. ثم حصلت ثورة 26 سبتمبر 1962م في اليمن وإعلان الجمهورية اليمنية التي دعمها بقوة جمال عبد النصار لدرجة إرسال قوات من الجيش المصري وصل عددها لأكثر من ستين ألف جندي. ونتيجة لدعم المملكة للنظام الملكي في اليمن ودعم الجيش المصري للنظام الجمهوري اليمني حصل للأسف أن وقع الاعتداء على التراب الوطني على هيئة غارات جوية حيث تكرر كثيرا انطلاق أسراب الطائرات الحربية المصرية من قاعدة الحديدة الجوية ومن قاعدة صنعاء لقصف المدن السعودية الحدودية مثل جيزان ونجران، بل وصل قصف الغارات الجوية المصرية حتى مدينة أبها مما خلف مقتل وإصابة المئات.

وهكذا اكتملت الدائرة وبعد هذه الجولة في التاريخ والجغرافيا ودهاليز السياسية تبين لنا أن قد تأتي لحظات إزعاج مؤقت في ثنايا الأحداث السياسية والتصعيد العسكري ولكنها سرعان ما تتلاشى في غياهب النسيان وتذهب دون أن تحدث أثر يذكر. فربما يقصفنا العدو بصواريخه كما فعل الحوثي أو بطائراته كما أقترف الناصري أو بمدافع بوارجه وسفنه كما فعل الإنجليزي والإيطالي ومع ذلك كما نسى الأجداد تلك الحوادث وتلاشت عن الذاكرة الجمعية لعل الأجيال القادمة سوف تنسى الأحداث الحالية وكأنها لم تقع لأنها على هامش التاريخ حتى ولو قصفنا العدو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق