الجمعة، 10 أبريل 2020

( الحجر المنزلي والاصابة بمرض الكتابة )

العزل المنزلي أثمر أروع الأعمال الأدبية في الشرق والغرب

د. أحمد بن حامد الغامدي

قبل سبعة قرون ماضية أُلفت موسوعة أدبية ضخمة من أربعة الاف صفحة حملت عنوان (نهاية الأرب في فنون الأدب) حاول فيها الأديب والمؤرخ شهاب الدين النويري استقصاء غالب مواضيع ومجالات الأدب العربي حتى عصره. وبعد هذا الفارق الزمني الطويل لابد وإن تقسيمات (وفنون) ومواضيع أدبية حديثة استجدت عبر العصور ومن أشهرها في زمننا الحالي: الأدب المسرحي وأدب الخيال العلمي والأدب النسوي وأدب الرحلات وأدب السيرة الذاتية وأدب الطفل وغيرها كثير جدا.
الأديب العربي في الجملة شديد الاعتزاز بموطنه وشديد التعلق بحريته ولهذا في العصر الحديث بالذات كان من أبرز الأنواع الجديدة في الأدب العربي ما يسمى (أدب المهجر) للشعراء المغتربين خارج الوطن العربي و (أدب السجون) للأدباء المعتقلين داخل زنزانة الوطن العربي. في هذه الأيام نحن نعيش حالة استثنائية بجميع المقاييس فأغلب شعوب العالم في حالة هجرة شعورية عن المألوف واعتقال حقيقي داخل منازلهم بسبب الاحتياطات الصحية للحد من انتشار وباء وبلاء الكورونا. وبهذا من الناحية الأدبية يبدو أننها نتحول من (أدب المهجر) إلى (أدب المحجر) بحيث يصبح الطاغي على الاعمال الأدبية المختلفة تسيد ما استجد في حياتنا من (الحجز المنزلي) و (الحجر الصحي).
للمؤرخ البريطاني البارز أرنولد توينبي نظرية مشهورة لمحاولة تفسير التاريخ تسمى (نظرية التحدي والاستجابة) استلهمها من علم النفس السلوكي وتدور ببساطة حول فكرة أن الشخص أو الدولة أو الأمة إذا تعرضت لصدمه ما تستجيب لهذا المؤثر القوي بعدة طرق قد يكون منها استجابة تحفيزية تثمر نتائج إيجابية تطويرية. وبالأذن من أهل السياسة وفلسفة التاريخ سوف نستعير نظرية التحدي والاستجابة لتوضيح كيف أنه حتى في الأدب والفنون محنة الإقامة الجبرية في المنزل أو الحجر الصحي في المستشفى قد تكون منحة لإبداع أروع الاعمال الأدبية.
خذ على ذلك مثلا ما حصل مع شاعر العربية المبجل أبي تمام الطائي فأثناء رجوعه من خرسان مر على صديقه أبي الوفاء ابن مسلمة في مدينة همذان فأكرم مثواه وأبقاه عنده لعدة أيام. ما حصل بعد ذلك أنه نزل الثلج بكثافة على همذان لدرجه أنه (حجر) ومنع أبي تمام من إكمال سفره فقال له صاحبه (وطن نفسك على البقاء، فإن الثلج لا ينحسر إلا بعد زمان) وحتى يقوم ابن مسلمه بتسلية أبي تمام وتخفيف أمر (العزل المنزلي) الطويل عليه فتح له خزانة كتبه الضخمة الموجودة بداره. بعض أهل الأدب يقولون إن أبي تمام في اختياراته الشعرية أشعر وأجود منه في نظمه للشعر وإن صدق هذا النقد الأدبي فلنا أن نشعر بالامتنان لذلك الشتاء الثلجي الذي أجبر شاعرنا النحرير على العزل المنزلي في دار ابن سلمه ومطالعة نوادر الكتب واكتشاف شوادر الاشعار لينتج لنا خمسة كتب أدبية مهمة في الشعر من أبرزها ديوان (الحماسة) الذائع الصيت والفائق التأثير.
ولننتقل من زمهرير خرسان إلى كآبة ليالي الشتاء السويسري ومن مبجل الشعر العربي أبي تمام إلى مبجل الشعر الإنجليزي اللورد بايرون والذي نستدعيه هنا ليس لأنه توفي نتيجة انتشار وباء التيفوئيد في اليونان عام 1824م ولكن بسبب دور الحجر المنزلي في تحفيز روائع الأدب. في شتاء عام 1816م كان الشاعر المنبوذ اللورد بايرون يقيم في منزله الفخم على ضفاف بحيرة ليمان السويسرية ويستضيف في بيته الشاعر الانجليزي الشاب العبقري بيرسي شيلي وزوجته الروائية ماري شيلي. في تلك السنة وبسبب من ثورة بركانية هائلة في اندونيسيا نتج عنها رماد كثيف غطى سماء الأرض وعكس اشعة الشمس ولهذا أصاب أوروبا شتاء كاتم في ظلمته وبرودته. سوء الأجواء الخارجية اضطرت اللورد بايرون وضيوفه على البقاء لفترات طويلة في المنزل ولهذا اقترح اللورد بايرون في إحدى الامسيات على إقامة مسابقة بينهم من يستطيع أن يؤلف قصة رعب تحاكي الأجواء المظلمة والفظيعة التي يعيشون فيها. ومن ذلك العزل المنزلي الشتوي جاء الالهام للشابة الرقيقة ماري شيلي لإبداع رواية المعروفة (فرانكشتاين) والتي تدور عن مخلوق بشع ومرعب تم تجميع اجزائه من الجثث وهذه الرواية قد تكون أول رواية في مجال أدب الرعب والجريمة وذات تأثير كبير في انتاج تيار أدبي غربي جديد يسمى الأدب القوطي.
مرارا وتكرارا في تاريخ الأدب أنتجت مثل هذه الفترات الزمنية المركزة والمكثفة أثناء الحجز المنزلي العديد من أبرز الاعمال الأدبية وكدليل إضافي خذ على سبيل المثال خبر الروائي البريطاني ذو الأصول اليابانية كازو إيشيغورو والحاصل على جائزة نوبل في الادب عام 2017 الذ حصل على شهرته ومكانته الأدبية المرموقة نتيجة تأليفه لرواية (بقايا النهار) والتي يعترف بأنه كتبها خلال أربعة أسابيع فقط عندما (حجز) نفسه في شقته الصغيرة جنوب لندن وعمل بشكل مكثف ولساعات طويلة يوميا حتى ينجزها.
إذا كان الحجر المنزلي القصير لعدة أسابيع أو أشهر أثمر نماذج متعددة من روائع الادب العالمي فما بالك بالسنوات الطويلة التي يقضيها بعض الادباء والشعراء في العزلة المنزلية الاختيارية. جميعنا يعلم أن شاعر العربي الكبير أبي العلاء المعري يحمل لقب (رهين المحبسين) لأنه كان حبيس العمى وحبيس قعر منزله ولكن ليت شعري هل كان لتك الإقامة المنزلية والعزلة المجتمعية دور في عبقريته المشهورة. الجدير بالذكر أن أبا العلاء المعري لم يحبس نفسه في بيته إلا بعد أن تخطى سن الأربعين وحتى تلك الفترة لم يكن بعد قد أنتج أياً من أعماله الأدبية والفكرية الكبرى مثل رسالة الغفران وشرح ديوان الحماسة وكتاب معجزة أحمد واللزوميات ويبدو أن للعزلة المنزلية دور كبير في تشكيل فكره الفلسفي وأرثه الأدبي. ونفس هذه الظاهرة يمكن أن نسقطها بشيء من التجوز على عملاق اللغة العربية الحديثة إلا وهو الاديب الكبير عباس محمود العقاد فهو في بداية حياته الفكرية أشتهر فقط بمقالاته الصحفية وببعض معاركه الأدبية المفتعلة لكن مرحلة النضج الفكري البارز له كان في آواخر عمره عندما أقام في شبه عزله في شقته الشهيرة في مصر الجديدة والتي انشاء فيها صالونه الأدبي المعروف. وخلال هذه الفترة من شيخوخة العقاد بدأ في كتابة أهم وأبرز انتاجه العلمي والمتمثل في سلسلة كتب (العبقريات) والعديد من كتبه الفلسفية والفكرية وكتب مقارنة الأديان.
وقبل مغادرة مجال العزل المنزلي وتحفيزه للإبداع الادبي تجدر الإشارة السريعة (لضيق فضاء المقال) لموضوع ذو صله وهو فرض (الإقامة الجبرية) على العديد من الشعراء والادباء والمفكرين وما كان أثر ذلك فيما نحن فيه. الحضارة الغربية تفتخر بعصر النهضة في القرن الخامس عشر وعصر الانوار في القرن الثامن عشر وأحد أهم رموز حركة التنوير الأوروبية هو الأديب والمفكر الفرنسي دينس ديدرو صاحب فكرة ورئيس تحرير الموسوعة الفرنسية ذات التأثير البالغ الأثر في تشكل الفكر الغربي الحديث. في سن السابعة والثلاثين وبسبب انحرافاته الفكرية الصادمة للمجتمع تم اعتقال ديدرو لفترة من الزمن ثم أطلق سراحه بشرط أن يخضع للإقامة الجبيرة في منزله وخلال ذلك الحجر المنزلي بدأت بواكير تنفيذ مشروع حياته الكبير في انتاج موسوعة الادب والعلوم والمهن.
ومن الأمور التي يجدر الإشارة إليها ولو بعجالة أنه قد تضطر الظروف البعض إلى (الاختباء المنزلي) وعليه قد تتاح الفرصة لهم إما لكتابة مذكراتهم خلال فترة الاختفاء البيتي أو تأليف كتب أو روايات فريدة. خير مثال على ذلك الفتاة المراهقة اليهودية آن فرانك Anne Frank والتي توارت هي واسرتها في علية أحد المنازل في هولندا وذلك للفرار من الاضطهاد النازي لليهود. لقد قامت تلك الفتاه بكتابة مذكراتها اليومية عن مرحلة الاختباء التي استمرت لمدة سنتين ونشرت لاحقا في كتاب واسع الانتشار جدا حمل عنوان (مذكرات فتاه صغيرة) وتحول لفلم سينمائي كما تم تحويل مخبأ الاسرة السري إلى متحف مشهور في مدينة أمستردام.

الحجر الصحي ومرض الكتابة
 بحق المرأة كائن غريب فعلى الرغم من كونها أكثر مخلوق ملازم للمنزل إلا أنها يبدو لم تتأثر كثيرا من الفرضية التي سقناها بأن البيت يحفز الابداع بل أن الادب النسوي لا ينتفش إلا في لحظة مغادرة المرأة لحصنها البيتي. ولهذا في الغالب تحتاج المرأة أو الفتاه إلى محفز ودافع أقوي لإطلاق شحنتها الابداعية ومواهبها الأدبية وهذا يتمثل أحيانا في تعرض المرأة لمؤثر إضافي أثناء اقامتها في المنزل مثل أن تتعرض لمرض أو وعكة صحية تتوجب (حجر) إضافي لها في المنزل.
في أوائل مراحل الشباب تعرضت الفتاة الشقية أجاثا كريستي لمرض أجبرها على ملازمة سريرها في المنزل لعدة أيام وتحت توجيهات ونصائح والدتها السيدة كلارا بدأت تلك الشابة في تجزيه الوقت بكتابه قصة قصيرة حملت عنوان (بيت الجمال). ومن هذه الوعكة الصحية تسلل مرض الكتابة للسيدة أجاثا كريستي (المشهورة بملكة روايات الجريمة) لتصبح واحدة من أكثر الكتاب انتشارا وشهرة لدرجة أنه يتوقع أن عدد مبيعات رواياتها بلغ أكثر من بليونين نسخة. ومن أشهر روائية بريطانية أجاثا كريستي إلى أشهر روائية أمريكية مارغريت ميتشل صاحبة الرواية البارزة (ذهب مع الريح) حيث نجدها هي الأخرى تتسبب وعكة صحية في ملازمتها للبيت. في سن السادسة والعشرين تعرضت السيدة مارغريت ميتشل لجرح في كاحل رجلها أجبرها على البقاء في سريرها بالمنزل حتى تتعافى وبنصيحة من زوجها هذه المرة أخذت تسري عن نفسها بالتجهيز لروايتها الوحيدة والفريدة والتي استغرقها تأليفها ستة سنوات كاملة.
وفي أوائل بواكير الشباب أصيب الأديب العربي الكبير على أحمد باكثير بمرضى الحمى الذي اقعدته تماما في منزله وكان غاية أمنياته أن يستطيع المشي ليخرج ولو للحظات من المنزل ومن هنا جادت قريحته الشعرية قصيدته (دعيني أيتها الحمى) والتي لفتت الأنظار لملكته الأدبية الجيدة. وما أن تعافى باكثير من الحمى حتى أصيب بمرض الكتابة وبدأ المشاور الطويل في كتابة الاعمال الروائية والمسرحية الخالدة.
وفي مقابل أجاثا كريستي ومارغريت ميتشل وعلى أحمد باكثير الذين بدأوا مشوار الادب بالحجر الصحي المنزلي نجد العديد من مشاهير الادباء والشعراء في فترات متعددة من حياتهم أجبروا على الإقامة في منازلهم بسبب تفاقم شدة المرض عليهم. من ذلك مثلا الشاعر الإنجليزي الشاب جون كيتس (أحد أبرز رموز حركة الشعر الرومانتيكية مع اللورد بايرون وبيرسي شيلي السالفين الذكر) الذي أصيب بمرض السل وتوفي في سن السادسة والعشرين. وكذلك الاديب الفرنسي البارز مارسيل بروست (صاحب رواية البحث عن الزمن المفقود) والذي عانى طوال عمره من مرض الربو ولهذا كان يتجنب الخروج للمنزل لدرجة أنه في آخر ثلاث سنوات من عمره لم يكن حتى يغادر غرفة نومه المقفلة بستائر كثيفة.
وختاما أنا ما زلت في حيرة من عبارة الشاعر الإنجليزي توماس إليوت (صاحب قصيدة الأرض اليباب والحاصل على جائزة نوبل في الادب) عندما قال: البيت هو المكان الذي يبدأ منه المرء (Home is where one starts from)، فهل كان يقصد بداية الولادة أم بداية الكتابة !!!.

( النياحة على الكتب )

إذا فقد الكتاب فذاك خطبٌ       عظيم قد يجلّ عن العظيم

 
د/ أحمد بن حامد الغامدي


كل من أحب ولم يقع في ثنائية (شوق الانتظار وفجيعة الغياب) فاتهمه في صدق وعمق مشاعره في الصبابة والغرام. وبالأذن من دنيا العشاق سوف نستعير (معيار الغرام) ذاك لقياس مقدار الهيام بالكتب وعشق الأوراق من خلال ثنائية الشوق والفجيعة. لهفة الشوق للقاء الكتب أفضح وأفصح ما تكون خلال معارض الكتب فكم منا يعلم أن معرض الرياض الدولي للكتاب كان من المفترض أن يبدأ في الأيام القريبة القادمة وكم منا تمتم مع شاعر الاطلال إبراهيم ناجي لهفته للقاء الحبيب:
أغدا قُلتَ؟ فعلمني اصطبارا          ليتني أختصر العمر اختصارا

أما وقد تأجل افتتاح معرض الكتاب بسبب جائحة الوباء القادم من الشرق فهل فعلا استشعرنا فجيعة غياب الكتب لأن حرقة الفراق تثبت صحة مقولة شكسبير (من نحبهم بشدة .. يختارهم الغياب بدقة). يقولون سلوة المحب الذكرى وأقول إن عزاء ومواساة المحب في فقد حبيه ليست حصرا أن تكون من خلال استرجاع ذكرياته هو فقط ولكن قد تكون أخبار مصارع العشاق في محبة الأوراق رافد آخر لتسلية الأشجان وتعزية الأحزان.

أجارنا الله وأياكم من بلاء الوباء فلم تسلم من جائحته حتى الكتب ففي الزمن الحالي أغلقت المكتبات وأوقفت المعارض الدولية بينما في العصر القديم غالبا ما تصبح الكتب في زمن الطاعون من سقط المتاع. في نهاية القرن الثامن الهجري أصابت الديار المصرية كارثة انتشار وباء الطاعون وهنا أضطر أحد رجال الحديث إلى بيع مكتبته وقراطيسه العلمية وكان ممن استغل تلك الفرصة الامام الحافظ ابن الملقن (أحد أبرز شيوخ الحافظ ابن حجر العسقلاني) الذي اشترى منها عدد كبير بسعر زهيد لدرجة أن مسند الأمام أحمد الضخم تم بيعه بمبلغ ثلاثين درهم فقط. المأساة لم تنته هنا فإن ابن الملقن كان مما اشتهر عنه ولعه الشديد في جمع الكتب وعنايته بها. إلا أن تلك المكتبة الشاملة والخزانة العامرة احترقت في آواخر عمره مما تسبب في تغير حال الشيخ بأن اختلط ذهنه واختل عقله لدرجة أن ولده حجبه عن الناس إلى أن مات.
وفقدُ الكتاب كفقد الصوابِ         فيا هول من قد أضاع الكتب

مصيبة فقدان الكتب وخسارتها بالحرق أو الغرق أو السرق وقعها عنيف وأثرها كثيف على عشاق الكتب وقد تكررت في التاريخ العربي حوادث متعددة لأشخاص أصيبوا بصدمة نفسية حادة جراء فقدهم لكتبهم وكراريسهم. فهذا الكاتب الصحفي المصري المعروف أنيس منصور يذكر في كتابه (كل معاني الحب) أن الشريف إبراهيم العياشي أحد أبرز مؤرخي المدينة المنورة في العصر الحديث عندما زاره في القاهرة أخبره عن قصته الحزينة عندما تعمدت زوجته بعد خلاف بينهما إلى إحراق كتاب له أمضى زمنا طويلا في تأليفه مما تسبب له بإصابته بالشلل.  ويبدو أن الشيخ العياشي كان يسير على خطى العديد من السلف الصالح في تفضيل الكتاب على أعز الاحباب (الزوجة) فهذا عالم العربية الأبرز سيبويه عندما غارت زوجته من كتبه أحرقتها في غيابه وعندما شاهد سيبويه كتبه وهي رماد مذرور وهباء منثور فقد وعيه وأغشي عليه. وممن فجع بحرق كتبه أبو علي الفارسي وهو من أعلام علم النحو في القرن الرابع الهجري والذي خسر كتبه مع من خسر في الحريق الكبير بمدينة بغداد الذي ذهب فيه عدد كبير من كتب علم البصريين في النحو. وعندما أحترق صندوق كتب أبي علي الفارس فقد وعيه وغشي عليه من هول الصدمة وبقي يوم وليلة لا ينطق وعدة أيام لا يأكل ولا يشرب. وعندما سأله تلميذه ابن جني لاحقا عن سلوته وعزائه عن ذلك نظر إليه معجبا ثم قال (بقيت شهرين لا أكلم أحدا حزنا وهما ... وأقمت مدة ذاهلا ومتحيرا).
إذا فقد الكتاب فذاك خطبٌ           عظيم قد يجلّ عن العظيم
وكم قد مات من أسفٍ عليها         أناس في الحديث وفي القديم

في زمن الفجيعة يقوم البعض بإقامة صيوان العزاء وقد يتطرف البعض الآخر برفع صوت العويل وهذا ما حصل مع أحد أغرب عشاق الكتب إلا وهو الوزير جمال الدين القفطي والذي كان لا يحب من الدنيا غير الكتب ومن شدة تعلقه بجمع الكتب والمحافظة عليها انتشرت اخباره في كتب التاريخ فذكر قصصه المؤرخين الذين عاصروه وشاهدوا رأي العين شدة تعلقه بمكتبته مثل ياقوت الحموي. وما يهمنا هنا في النياحة على الكتب أن صلاح الدين الصفدي ذكر عن الوزير القفطي أنه كان يبحث لفترة طويلة عن كتاب الأنساب لابن السمعاني وعندما علم أخيرا أن نسخة من ذلك الكتاب استخدم ورقها لعمل قوالب القلانس (جمع قلنسوة) حدث للأمير القفطي ما لا يمكن التعبير عنه من الهم والغم والوجوم. وانقطع الأمير عن الذهاب إلى مقر الوزارة وأحضر من نَدَبَ على الكتاب كما يُندب على الميت والفقيد ولهذا حضر عند هذا الوزير الأعيان يسلونه ويعزونه ويواسونه في مصابه الأليم.
إذا فجع الدهر امرءاً بخليله           تسلّى ولا يُسلى لفجع الدفاتر

الجدير بالذكر أن بعض عشاق الكتب والمتعلقين بهم ربما بالفعل أحزنهم وعظم عليهم فقد كتبهم مثل أو أكثر من فقد أبنائهم وأحبائهم ومما يذكر في هذا الشأن أنه أثناء هجوم التتار على مدينة بغداد قتل ولد العلامة عبدالصمد البغدادي وأعدمت كتبه ولهذا كان يقول بعد ذلك (في قلبي حسرتان .. ولدي وكتبي). مأساة الفقد المزدوج للكتب والولد تكررت مع علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر وفق ظروف توافقيه عجيبة حيث إنه أقام لعدة سنوات في مدينة بيروت وأنشأ له فيها مكتبة عامرة وفي منتصف السبعينات الميلادية كان أبنه الأكبر محمد عائدا من بعثته الدراسية من أمريكا إلى المملكة عن طريق مدينة بيروت. وهنا تحصل الكارثية الفريدة أن يتم حرق ونهب مكتبته وشقته المطلة على ساحة البرج في وسط بيروت أثناء الحرب الاهلية اللبنانية ثم بعد ذلك بفترة يتم قصف الطائرة التي كانت تقل أبنه محمد وهي تستعد للهبوط في مطار بيروت مما نتج عنه القضاء على جميع من فيها. لسنوات طويلة جمع الشيخ الجاسر في مكتبته البيروتية عدد كبير من نفائس الكتب ونوادر المخطوطات ولهذا أصابته حرقة كبيرة على فقدها لدرجة أنه يتردد أن الشيخ الجاسر قد قال (لفَقدُ كتبي أشد على نفسي من فقد ولدي).
ومن غزو المغول لبغداد والحرب الاهلية في بيروت ننتقل لقصة غريبة عن التفجع لفقد الكتب حصلت في القرن الأول الهجري وصاحب المأساة فيها هو التابعي الجليل عروة بن الزبير أحد فقهاء المدينة السبعة. في السنة الثالثة والستين من الهجرة النبوية الشريفة وقعت الكارثة الشنيعة المسماة (يوم الحرة) والتي حصل فيها استباحة المدينة المنورة من قبل جيش يزيد بن معاوية. الغريب في المر أنه في تلك الوقعة ولسبب غير مفهوم تماما قام عروة بن الزبير بشكل متعمد بحرق بعض كتبه الفقهية وحسب ما ينقل عن أبنه هشام أنه ندم على ذلك وكان يقول عن تلك الكتب (لوددت أنني كنت فديتها بأهلي ومالي).
 الشاعر والفارس العربي أسامة بن منقذ كان أحد قادة صلاح الدين وكان له صولات وجولات في الجهاد ضد الصليبيين وحصل أن كانت عائلته تقيم في مصر ولهذا عبر الوساطات الدبلوماسية نجح في أن يأخذ الأمان لأهلة أن يخرجوا من مصر. إلا أن نكبته الكبرى حصلت عندما حصل الاستيلاء ومصادرة مكتبه العامرة بالكتب الفاخرة ولهذا قال أسامة بن منقذ عن فاجعة خسارة تلك الكتب (فان ذهابها حزازة في قلبي ما عشت فهذه نكبات تزعزع الجبال). وهذا حجة الإسلام الامام الغزالي وهو في شبابه يتعرض هو الآخر للسرقة وقطع الطريق ومع ذلك كاد أن يضحي بحياته في سبيل أن يرجع كتبه العزيزة على قلبه والتي سرقت مع أغراضه. ويذكر الغزالي كيف أنه تتبع تلك العصابة وبالرغم من تحذير كبير اللصوص له بالرجوع وإلا قتل إلا أنه تجرأ في الالحاح عليهم أن يرجعوا له كتبه وأوراقه التي ما هي بشي ينتفعون به وهنا رق قلب مقدم قطاع الطرق لطالب العلم المتعلق بالكتب ورد عليه كراريسه.
نهاية سعيدة بعودة الكتاب للحجة الامام فعسى كذلك أن يكون فرجنا قريبا فنأمن بعد خوف ونجتمع بمن نحب ويفك أسر الكتب من صناديقها في معارض الكتاب ويكون الحال كما قال الأول:
عسى الكربُ الذي أمسيت فيه       يكون وراءه فرجٌ قريبُ
فيأمن خائف ويُفك عانٍ               ويأتي أهله النائي الغريبُ


الجمعة، 3 أبريل 2020

( حبات الكرز ونظرية المؤامرة !!! )

هل فعلا الروايات الأدبية دليل على المؤامرات الكونية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

من لطائف الاستنباط أن المفكر العراقي المعروف علي الوردي ذكر في كتابه خوارق اللاشعور أنه ليس هناك حد واضح بين الوهم والحقيقة وأن الوهم (كثيرا ما يؤدي إلى خلق الحقيقة). ولا أدل من احتمالية تسبب الوهم والخيال في خلق الواقع ما أنتشر مؤخرا لدى شرائح واسعة من المجتمعات من التصديق بنظرية المؤامرة وأن أعمال روائية متخيلة يمكن أن تفرض نفسها على الواقع لتصبح حقيقة ملموسة. الأعمال القصصية والروايات الأدبية مبنية على التخيلات ومرتكزة على التوهمات فهل بالفعل يمكن أن يتحول الخيال إلى واقع أم أن الأمر لا يعدو أن يكون (خداع ذهني) وانحراف في البصر والبصيرة.
في الواقع مع تفشي وباء الأمراض المعدية تفشى أيضا بلاء اختلالات التفكير الذهنية لدرجة أننا أصبحنا أكثر تقبل لتصديق نظرية المؤامرة بسبب فقرة في كتاب أو عبارة في خطاب. ومن ذلك مثلا اقتناع الفئام من الناس أن الوباء الفيروسي الأخير مؤامرة محبوكة من الغرب ضد الشرق وكل سندهم في ذلك فقرة واحدة واشارة عابرة وردت في رواية (عيون الظلام) للروائي الأمريكي دين كونتيز تشير بأن مدينة ووهان الصينية سوف تكون هي بؤرة انطلاق وباء قاتل يتسبب به فيروس خبيث يحمل أسم Wyhan 400 (ووهان - 400). وبحكم أن هذه الرواية منشورة منذ أربعين سنة لذا فكيف تحول (الوهم والخيال) الادبي في الرواية إلى (حقيقة) واقعية في الزمن الحالي الذي يشهد زخم هائل للاقتصاد الصيني إلا إذا كان وراء الأمر مؤامرة أمريكية تريد عرقلة انطلاق التنين الصيني المندفع. يقال إن العين لا ترى إلا ما يراه العقل وإذا كان الذهن تسيطر عليه فكرة مضللة فإنه سوف يخدع البصر بمشاهدة أشياء ليست موجودة في الواقع.
صحيح أنه في تلك الرواية المذكورة تم النص على أسم الفيروس المرتبط باسم المدينة الصينية ولكن لا يوجد على الأطلاق في تلك الرواية ان هذا الفيروس سوف ينتشر في العالم في سنة 2020م وهنا تلاعب الذهن بالنظر وأصبح البعض يؤكد أن الرواية مكتوب فيها كذلك سنة انتشار الوباء وهو أمر غير صحيح. الخداع البصري بسبب التضليل الذهني يجعل البعض لا يرى الحقيقة الصارخة أن الطبعة الأولى لرواية عيون الظلام لم يرد فيها أسم مدينة ووهان الصينية ولا فيروس ووهان 400 ولكن بدلا من ذلك ورد أسم المدينة الروسية غوركي في حين أن أسم الفيروس كان غوركي 400 (Gorki 400). ما حدث كالتالي: عندما نشرت الرواية أول مرة عام 1981م كان الاتحاد السوفيتي هو العدو الأخطر على الأمريكيين ولهذا كانت المدينة واسم الفيروس من أرض العدو الروسي. أما عندما سقط الاتحاد السوفيتي عام 1989م ولم يعد هو الخطر الأول ظهرت النسخة الثانية من الرواية في تلك السنة وتم تغيير اسم المدينة والفيروس إلى عالم العدو الجديد: الصين.

غالبا من يكون الوهم أشد رسوخا من الحقيقة ولهذا تكون نظرية المؤامرة جذابة ومغرية للتصديق لأنها تريح العقل من كد التفكير في تفسير الأمور الغريبة والوقائع المعقدة. والملاحظ أن مسار التفكير التأمري دائما يكون مبني على الرجوع للماضي وإعادة اعتساف تفسير الأشياء بحيث تتماهى مع الحكم المسبق الذي يريد أن يصل له أصحاب نظرية المؤامرة. وكدلالة على هذا الأمر خذ أيها القارئ العزيز المثال التالي: في العام 1923م نشر عالم الكيمياء الأمريكي البارز هربرت لويس (صاحب قانون تركيبات لويس الذي يعرفه جميع طلاب المرحلة الثانوية) رواية أدبية حملت عنوان (البرق الأبيض) تنبأ فيها بظهور سلاح القنبلة الذرية. الاشكال أن نظرية الانشطار الذري واحتمالية إطلاق كمية هائلة من الطاقة من تفكك أنوية الذرات لم تظهر في المجتمع العلمي إلا عام 1939م فكيف تنبأ العالم لويس باستخدام السلاح النووي. وليس هذا فحسب بل إن العالم لويس حدد بالضبط من هم الأعداء الذين سوف يوجه لهم هذا السلاح حيث كتب في تلك الرواية الأدبية (البرق دون الذري وحده هو الذي سيعلم الألمان) كما تنبأ بحصول صراع مع اليابان وتفجير قنبلة في هذه الحرب.
كما يعلم الجميع أسباب ومسار أحداث الحرب العالمية الثانية معقدة وتحكمت بها عوامل متداخله ولهذا من السذاجة أن يجنح أصحاب نظرية المؤامرة إلى أن الحرب كان مخطط لها سلفا وتم افتعالها للقضاء على القوة النامية للأمتين الألمانية واليابانية. وطبعا لا يكفي لهذا الاستنتاج الساذج أن نقول إن عالم كيميائي أمريكي (تنبأ) بتدمير الالمان واليابانيين بالقنابل النووية قبل تصنيعها بعشرين سنة كما يقال حاليا بأن الامريكان خططوا لتدمير الاقتصاد الصيني بنشر الفيروس وأن المؤامرة هي تنفيذ لرواية نشرت قبل ذلك بعدة عقود من الزمن. 
يا سادة يا كرام إن شرح وتعليل حالة التوافق بين الخيال والوهم وبين الحقيقة والواقع أمر صعب ولا يتفق الجميع في قبول التعليل العلمي حول هذه الظاهرة وإن كان يمكن اختصار الأمر بإن الاحتمالات الإحصائية تشير إلى أن الأمر هو مجرد مصادفة وليست مؤامرة. النظرة الإحصائية لبعض الظواهر تقول إنها بالرغم من غرابتها وكون احتمالية probability حدوثها منخفضة إلا إن هذا لا يعني بالضرورة استحالة إمكانية possibility حصولها. من أطرف الأفكار التي تطرح في مجال الاحتمالات الإحصائية نظرية (لامتناهية القرد infinite monkey) والتي تفترض أنه لو أتيح لقرد أن يطبع على آلة كاتبة بشكل عشوائي لفترة زمنية غير منتهية فسوف توجد احتمالية احصائية أن ينتج بالصدفة المحضة إحدى فصول مسرحيات شكسبير.
وبعيدا عن هذه المبالغة الفجة لنفترض أن شخصا عالي الثقافة والمهارة الأدبية ولدية خبرية متعمقة في علم البحار والسفن البحرية مثل الكاتب الأمريكي مورغان روبرتسون فهل سوف يكون مستغربا من الناحية الإحصائية أن يكتب رواية أدبية تتنبأ بحصول كارثة غرق السفينة الشهيرة التيتانك. في عام 1898م نشر مورغان روبرتسون روايته العجيبة المسماة (العبث Futility) والتي تنطبق أحداثها بشكل غريب جدا مع مجريات أحداث غرق سفينة التيتانك والتي تمت في عام 1912م. بكل الصدق أمر محير جدا تفسير التطابق العجيب بين أحداث الرواية (الوهم) وبين الأحداث الفعلية لغرق سفينة التيتانك (الحقيقة). فمثلا اسم السفينة في الرواية تيتان وفي الواقع تيتانك وكلا منهما زعم أنها سفينة غير قابلة للغرق ومع ذلك كلا منهما (في الرواية وفي الواقع) تغرق حول منتصف الليل من شهر أبريل على مسافة 400 ميل من الساحل الشرقي لكندا نتيجة لتضرر ميمنة السفينة بسبب الاصطدام بجبل جليدي عندما كانت السفينة تندفع عبر مياه المحيط الاطلسي بسرعة حوالي 22 عقدة بحرية. من ناحية علم الإحصائية احتمالية التطابق المذهل بين الخيال الروائي والمأساة الحقيقة لسفينة التيتانيك ضئيل جدا لكنه غبير مستحيل إحصائيا ومع ذلك الموقف صعب جدا لأصحاب نظرية المؤامرة أن نقبل منهم اقتناعهم وقبولهم أن غرق تلك السفينة الشهيرة كان مدبر ومتعمد لا لشيء إلا لأن تفاصيل الحادثة كانت منشورة قبل ذلك بأربع عشرة سنة.

من الإحصاء إلى علم النفس لتفسير نظرية المؤامرة
علم الاحتمالات الإحصائية يخبرنا أنه لو وجد أديب أو كاتب مهتم بمجال ما ومطلع عليه بشكل جيد (مثل علم الاقتصاد أو علم الأمراض المعدية) فإنه يمكن أن ينتج رواية أدبية توجد بها بعض الفقرات أو بعض التوقعات (الوهم أو الخيال) التي يمكن أن تتنبأ بشكل ملحوظ بحصول أحداث فعلية. مثل توقع إفلاس شركة كبرى أو انهيار سوق الاسهم والبورصة أو حتى حدوث وباء فيروسي مريع. الاحتمالية الإحصائية لهذه السيناريوهات والحبكات الأدبية في الغالب ضعيفة جدا (ولهذا قيل قديما كذب المنجمون ولو صدقوا) ولكن ما يفسر سبب تضخيمها وارتفاع ضجيجها هو سيكولوجية التفكير لدي العقل البشري وهنا يأتي دور علم النفس في تفسير ظاهرة (نظرية المؤامرة). ما ينبغي التنويه عليه أننا كبشر في العادة في حكمنا على أشياء والظواهر نتأثر بدرجة أو أخرى بالأحكام المسبقة والانحيازيات المعرفية. قد تكون عبارة (دماغك يخدعك) التي يستخدمها البعض هي عبارة فجة وصادمة لكن هذا الواقع وقد توصل علماء النفس والتعليم لعدد كبير من أنواع الانحيازيات المعرفية ما يهمنا منها هنا هو ما يسمى الانحياز التأكيدي (confirmation bias).
في هذا الانحياز الادراكي يميل الذهن البشري إلى تفضيل المعلومات التي (تؤكد أفكاره المسبقة) وهذا من شأنه أن يجعل الشخص منا يقبل صحة ادعاء ما ليس بسبب صحة البراهين في ذاتها ولكن لأن هذا الادعاء يلائم أفكارنا وافتراضاتنا المسبقة. وبالرجوع لرواية (عيون الظلام) واستخدامها لتعزيز نظرية المؤامرة يمكن أن نقول إن موضوع الوباء والامراض المعدية منتشر في عدد كبير جدا من الروايات الأدبية والتي بها توقعات وأحداث كثيرة لم تقع لكن بسبب (الانحياز التأكيدي) تم اصطفاء وانتقاء تلك العبارة الواحدة فقط من رواية (عيون الظلام) وتضخيمها لتصبح دليل حاسم عند البعض على وجود مؤامرة في حين تم اهمال ذكر كل الروايات الأخرى التي تحدثت عن الوباء والامراض وفشلت في التنبؤ بأحداث حقيقة.
قريب من طريقة التفكير الانحيازية هذه نجد كذلك مفهوم (الالتقاطية Cherry picking) وهي كمن يلتقط ويتناول حبات الكرز البراقة الشهية من الطبق ويترك الحبات الداكنة بمعنى أن الشخص أو الذهن البشري يقوم بالتقاط واختيار picking البيانات والمعلومات التي تعزز رؤيته وأفكاره المسبقة مع تجاهل جزء كبير من البيانات والمعلومات التي لا تؤيد أو تعارض تلك التصورات المسبقة.
في هذا السياق قد يكون من الملائم ربط نظرية المؤامرة بظاهرة هوس البعض على إثبات أن كوكب المريخ قد سبق وأن عاشت عليه كائنات ذكية ودليلهم الوحيد في ذلك هو استخدام صور أشكال الصخور كما تستخدم حبات الكرز في ظاهرة الالتقاطية السابقة الذكر. في الواقع تقوم وكالة الفضاء الامريكية ناسا بتحميل الاف الصور لسطح المريخ التي التقطتها الأقمار الصناعية ونشرها على شبكة الانترنت. وهنا يقوم أدعياء نظرية غزو الكائنات الفضائية (بفرز) هذه الصور وانتقاء (والتقاط) الصور التي بسبب الخداع البصري تبدو وكأنها تشبه شكل بناء هرمي أو وجه أنسان أو شكل جسم أبو الهول ويستخدمون هذا (الوهم) لمحاولة اثبات أن كوكب المريخ مسكون بكائنات حية ذكية. نفس هذه الظاهرة تتكرر كثيرا في حياتنا اليومية من خلال (التوهم) أن بعض السحب تحمل اشكال حيوانات أو أن شكل ظلال القمر تحمل صورة انسان أو أن البقع السوداء المنتشرة على البلاط قد تحمل صورة المغنية أم كلثوم كما هي الطرفة التي انتشرت مؤخرا مع هواجس الحجز المنزلي.

( صفقة القرن الثالث عشر الميلادي )

تكرار قصة تسليم من لا يملك لمن لا يستحق

في الواقع نحن الآن في مطلع القرن السابع الهجري لكي نستنطق التاريخ لمعرفة من هو الجدير بتوصيف (إعطاء من لا يملك لمن لا يستحق). للولهة الأولى قد يتوقع البعض أننا نسترجع ذكرى الوعد المشؤوم قبل مائة سنة عندما وعد أرثر بلفور (من لا يملك) بأن الحكومة الإنجليزية سوف تمنح ممثل الحركة الصهيونية حاييم وايزمان (من لا يستحق) أحقية أنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. لكن ما نقصده هنا أنه قبل سبعة قرون بالتمام والكمال من تاريخ ذلك الوعد السيء الذكر قام من لا يملك (السلطان الايوبي الملقب بالكامل) بمنح من لا يستحق (فريدريك الثاني ملك صقلية) أحقية السيطرة وامتلاك مدينة القدس في واحدة من أغرب الصفقات السياسية في التاريخ.
 قبل حوالي ثلاثين سنة ألف الدكتور الأردني ماجد عرسان الكيلاني كتابه التربوي الفريد (هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا عادت القدس) استعرض فيه عوامل التجديد ومراحل الإصلاح للمجتمع المسلم. المأساة أن عوامل البناء قد لا تصمد كثيرا أمام عوامل الهدم فبمجرد ما أثمر (جيل صلاح الدين الفريد) دحر الصليبين في معركة حطين واستعادة مسجد الأقصى الشريف سرعان ما أصاب الوهن الامة الإسلامية لدرجة أن أقرباء صلاح الدين أنفسهم هم من قام بإعادة تسليم القدس للصليبين من دون سيف ولا دمٍ مهراق !!!. جيل صلاح الدين المجاهد سرعان ما ورثه واستخلفه جيل مثخن بالتشظي والانقسام والخنوع لدرجة أنه بعد أربعين سنة فقط من استرجاع القدس عام 1187م تم التنازل الأليم عنها في عام 1228م ليس هذا وحسب بل تم اجبار جميع سكان القدس من المسلمين على الجلاء والخروج منها لتبقى في ملك وحكم الصليبيين لمدة عشر سنوات كاملة.

ما حصل يا سادة يا كرام أن خامس سلاطين الدولة الأيوبية وحاكم مصر السلطان الكامل (أبن أخ صلاح الدين) ليس فقط فرط فيما لا يملك لكنه أيضا فضل مصالحه الشخصية في مقابل التضحية بمقدسات المسلمين. وذلك أنه عرض التنازل عن مدينة القدس (التي يملكها في الواقع ويسطر عليها أخوه المعظم عيسى حاكم دمشق) للصليبين في مقابل انصرافهم عن غزو مدينة دمياط وذلك في خضم حروب الحملة الصليبية الخامسة التي كانت تستهدف احتلال أرض مصر. كان ذلك في عام 1218م (الموافق 615 هجري) أي قبل عشر سنوات من مصيبة التسليم الفعلي للقدس مما يدل على الاستعداد النفسي والمنهجي لذلك السلطان مقايضة بقائه في الحكم ولو بدفع ثمن التنازل عن الكرامة القومية والأمانة الدينية.
 وبعد انكسار موجة الحملة الصليبية الخامسة بسبب فيضان نهر النيل واجتياحه لمعسكر النصاري في دلتا مدينة دمياط نشب الصراع وتجدد بين (الإخوة الاعداء) السلطان الكامل حاكم مصر وأخية المعظم عيسى حاكم دمشق. وفي مشهد مألوف في دنيا السياسة العربية لا عجب أن نعلم أنه لحسم هذا الصراع الداخلي بين الاشقاء أستعان حاكم دمشق بملوك الشرق ممثلين بالسلطان جلال الدين الخوارزمي في حين أستغاث حاكم مصر بملوك الغرب من خلال عميدهم الامبراطور فريدريك الثاني صاحب صقلية وملك الإمبراطورية الرومانية المقدسة.
 يشير بعض أهل التاريخ إلا أن هدف السلطان الكامل حاكم مصر من دعوة الصليبيين إلى أرض الشام مرة ثانية أن هذا من شأنه إقامة منطقة عازلة مسيحية تحمية من الاطماع التوسعية لأخيه المعظم عيسى حاكم دمشق. وبحكم أننا الآن في عام 1228م وبحكم أن بيت المقدس ما زال أصلا تحت سيطرة حاكم دمشق فهذه هي المرة الثانية التي يتنازل فيها من لا يملك (السلطان الكامل) لمن لا يستحق (الامبراطور الضعيف فريدريك الثاني).
 كانت صفقة القرن الثالث عشر الميلادي هذه تنص على أن يقوم الامبراطور فريدريك الثاني بنجدة ومساعدة السلطان الكامل في حربه وصراع ضد أخية المعظم عيسى في مقابل أن يسلمه بيت المقدس وجميع المدن التي استرجعها صلاح الدين بالساحل الشامي مثل صيدا وعسقلان واللاذقية. حديثا قيل (الرجل الصبور لا يستعجل التاريخ) وربما لو سمع السلطان الكامل بهذا المثل لما قام بفعلته العجيبة تلك حيث تذكر كتب التاريخ أنه عندما وصل الامبراطور فريدريك الثاني بجيشه الهزيل إلى مدينة عكا كان حاكم دمشق المعظم عيسى قد مات فجأة مما جعل السلطان الكامل ينعم بمد نفوذه وسيطرته على القطرين مصر والشام وبهذا انتفت الحاجة لخدمات الامبراطور الصقلي وأصبحت (صفقة القرن) في مهب الريح.
لكن قبل إكمال ذكر مئال ومصير هذه الصفقة العجيبة دعونا نرجع للوراء قليلا ونستنطق التاريخ عن حجم الحملات الصليبية الثلاث التي عاصرت تلك الصفقة. وكما هي الصورة النمطية عن شراسة الحروب الصليبية وخطرها البالغ على الامة الإسلامية لا عجب أن نعلم أن الحملة الصليبية الخامسة شارك فيها عدد من ملوك وأباطرة أوروبا وأكثر من مائتي ألف مقاتل.
 بينما الحملة الصليبية السابعة كانت بقيادة ملك فرنسا المتعصب لويس التاسع ومعه أسطول بحري ضخم يشمل 1800 سفينة محملة بحوالي ثمانين ألف مقاتل. ما يهمنا هنا ذكره أن صفقة القرن الثالث عشر الميلادي كانت متوافقة مع الحملة الصليبية السادسة التي كانت بقيادة الامبراطور سالف الذكر فريدريك الثاني والذي وصفنها بأنه (لا يستحق) استلام وحكم القدس ليس فقط لأنه غاصب ومعتدي ولكن لأنه أيضا كان خصم وعدو ضعيف جدا لا يشرف أحد أن ينهزم أمامه.
 في واقع الأمر كان تسليم القدس من قبل السلطان الكامل إلى الامبراطور فريدريك كان تسليم سياسي (ضمن صفقة القرن) وليس تسليم عسكري حقيقي بدليل أن فريدريك عندما نزل على سواحل مدينة عكا لغزو بلاد المسلمين لم يكن معه إلا ثلاثة الاف مقاتل فقط.
 والأدهى من ذلك أن هذه الحملة الصليبية لم تكن ُشنت بموافقة بابا الفاتيكان ولهذا حرم أسقف روما الأعظم المشاركة فيها ووصف البابا الامبراطور فريدريك بأنه قرصان يريد أن يسرق مملكة القدس. في هذا السياق نستشعر الآن أن تنازل السلطان الكامل لقائد الصليبيين البالغ الضعف أمر بالغ الغرابة ولا يكاد يصدقه العقل فضلا عن أن يقبله الضمير.
بلغة الفرنجة اليوم عندما يريدون التأكيد على ضرورة المحافظة على أبرام الصفقات فهم يقولون: deal is a deal (الاتفاق هو الاتفاق) بينما في غابر الازمان كان العرب يفصحون عن ذلك بقوله: لا نقيل ولا نستقيل (لا نفسخ البيعة ولا نقبل فسخها). وهذا ما كان من الامبراطور فردريك الثاني أن تمسك بالتعهد السابق من السلطان الكامل له بأن يسلمه القدس ولهذا تذكر المراجع التاريخية العربية أن الامبراطور كتب رسالة للسلطان يستعطفه ويستعطيه ويقول فيها (أنا مملوكك وعتيقك وليس لي عما تأمر به خروج وأنت تعلم أني أكبر ملوك البحر. وقد علم البابا والملوك باهتمامي فإن رجعت خائبا انكسرت حربتي بينهم فإن رأى السلطان أن يُنعم عليّ بقبضة البلد والزيارة فسيكون صدقة منه).
بالنسبة للبعض (جبر الخواطر مقدم على كسر المخاطر) وبهذه الاريحية في السياسة الشرعية صعق السلطان الكامل الامة الإسلامية بموافقة على الاستمرار في تنفيذ بنود صفقة القرن الثالث عشر الميلادي وتسليم الفرنجة الصليبيين بيت المقدس بالإضافة إلى البلدات ذات الأهمية المسيحية مثل بيت لحم والناصرة وميناء صيدا الاستراتيجي. ويذكر المقريزي في كتابه السلوك لمعرفة دول الملوك (إن الملك الكامل أرسل رجاله فنودي بالقدس بخروج المسلمين منها لتسليمه إلى الفرنج، فاستعظم المسلمون ذلك وأكبروه ووجدوا من الوهن والتألم ما لا يمكن وصفه وعظم الصراخ والعويل). وفي موضع آخر يشير المقريزي إلى تشنيع الشيخ الحافظ سبط ابن الجوزى على ما حصل وخطبته العصماء في الجامع الأموي في دمشق ورثائه للمسجد الأقصى لدرجة أنه علت أصوات الناس بالصراخ وأشتد بكاؤهم (فلم ير بدمشق أكثر بكاء من ذلك اليوم).
تراجيديا ومأساة عجيبة حصلت للإسلام والمسلمين في ذلك العصر، وكان الله في العون والله يجنبنا الحتمية التاريخية التي عبر عنها يوما كارل ماركس بقوله (التاريخ يعيد نفسه مرتين، مره على شكل مأساة ومره على شكل مهزلة).



الجمعة، 20 مارس 2020

( تعطيل الدراسة .. إطلاق للإبداع !! )

كيف ساهم وباء الطاعون في تعزيز عبقرية نيوتن وشكسبير

د. أحمد بن حامد الغامدي

في زمن ما قديم تنبأ الأديب الفرنسي البارز فيكتور هوجو بأن من (يفتح باب مدرسة يغلق باب سجن) لكن مع الفرحة الغامرة التي اكتسحت شرائح واسعة من أبنائنا الطلاب وقت الإعلان عن تعطيل الدراسة يبدو وكأنهم كانوا في سجن وبإغلاق باب المدرسة فتحنا لهم أبواب تلك الزنازين المسماة بالفصول الدراسية. نقد (المنظومة التعليمة) أمر ذائع وشائع في كل الشعوب وعبر جميع العصور فمثلا في بداية القرن العشرين كان التعليم الانجليزي يعتبر قمة الأصالة في الجودة في حين أن التعليم الامريكي يعتبر قمة المعاصرة في التطوير نتيجة لنظريات الفيلسوف وعالم النفس الامريكي جون ديوي. ومع ذلك لم يتردد علم الرياضيات والفيلسوف الانجليزي الحاصل على جائزة نوبل بيرتراند راسل في نقد التعليم الانجليزي بقوله (يولد البشر جاهلين ولكنهم لا يولدون أغبياء، ثم يصبحون اغبياء بفضل التعليم) أما نقد مارك توين أشهر أديب أمريكي للتعليم في بلده فلخصه بقولة (لم أسمح قط لتعليمي الدراسي أن يشوش على ثقافتي).
هل البيئة المدرسية خانقة للإبداع؟ هذا سؤال مشروع وإن كانت الإجابة عليه غير حاسمة ويستطيع الجميع حشد الأدلة إما الداعمة أو المنافية لجميع وجهات النظر حول نقطة الجدل المطروحة. ولكن من باب الاستجمام الفكري والملاطفة المعرفية لعلنا نشغل وقت هذه الاستراحة الاجبارية للعملية التعليمية بسرد أخبار وقصص بعض مشاهير العلماء والادباء والفنانين الذين ساعدت قرارات تعطيل الدراسة في زمانهم بسبب تفشي الأوبئة والامراض في شحذ مواهبهم وإبداعاتهم الفريدة.
أثناء الدراسة الاكاديمية لعبقري العلوم إسحاق نيوتن في جامعة كامبردج اجتاح الجزر البريطانية وباء الطاعون وذلك عام 1665م والمشهور في كتاب التاريخ بوباء (طاعون لندن العظيم) حيث يقال إنه حصد أرواح ربع سكان العاصمة البريطانية. ونتيجة لخطورة هذا الوباء المريع تم (تعطيل الدراسة) في المدارس والجامعات الانجليزية وهذا ما دفع نيوتن للعودة إلى منزل أسرته في مدينة وولثروب الصغيرة في طرف الريف الإنجليزي حيث انخرط ذلك الشاب في خلوة فكرية وذهنية أثمرت إبداع علمي غير مسبوق. في الواقع الفترة الزمنية بين عامي 1665م و 1666م تسمى في كتب التاريخ (بسنة نيوتن العجيبة) حيث نجد فيها الطالب نيوتن بعد أن تخلص من تأثير أعرق الجامعات العلمية في عصره يستطيع من خلال عزلته تلك التوصل لمجموعة من أكثر الاكتشافات العلمية إذهالا. حيث ليس فقط أكتشف قانون الجاذبية بل أيضا توصل لاكتشاف القوانين الثلاثة المشهورة في علم حركة الاجسام ووضع أسس حساب التفاضل والتكامل واكتشف طبيعة الضوء كما أكتشف نظرية ذات الحدين وقانون التربيع العكسي. مثال آخر (لسنة الالهام العجيبة) حصلت مع أسطورة العلم الحديث ألبرت أينشتاين وذلك عام 1905م حيث أكتشف فيها هو الآخر أبرز إنجازاته العلمية على الاطلاق ولكن تلك قصة أخرى ليس هذا أوان سردها.
حادثة إضافية يمكن سردها لتعزيز ظاهرة الالهام والابداع في زمن تعطيل الدراسة بسبب الوباء نجدها في مجريات الأحداث العجيبة لحياة أحد أشهر عباقرة الموسيقى ألا وهو الموسيقار النمساوي موزارت. في نهاية القرن الثامن عشر كانت الإمبراطورية النمساوية من أكثر الأمم تطورا في العالم والحضارة ومع هذا لم يمنع ذلك من انتشار وباء مرض الحصبة في العاصمة فيينا مما تسبب في مصرع ألاف من ضمنهم عدد من أفراد الأسرة الحاكمة. لقد كان الأطفال الصغار هم أكثر ضحايا وباء الحصبة الذي انتشر في النمسا عام 1767م مما أصاب المجتمع بالشلل شبه التام مما دفع العديد من الأسر ليس فقط لسحب أبنائهم من قاعات المدارس ولكن أيضا الهروب بهم من المدن الموبوءة. وهذا ما قام به أماديوس موزارت والد الطفل المعجزة فوافغانغ موزارت الذي كان في سن الحادية عشر وقت انتشار الوباء حيث انتقلت الأسرة من مدينة فيينا إلى مدينة ريفية صغيرة تقع في شرق التشيك. وبالرغم من إصابة موزارت وأخته الكبرى بمرض الحصبة إلا أنهما نجيا من الموت المحتم على الأطفال في سنهما وبالرغم من إصابة موزارت بالعمى المؤقت إلا أنه في نهاية الأشهر الأربعة التي قضاها في مدينة أولوموتس التشيكية تجلت موهبته الموسيقية في أوضح صورها عندما تمكن وهو في سن الحادية عشر من تأليف إحدى أشهر مقطوعاته الفنية (السيمفونية السادسة).
وبالانتقال من الابداع الصوتي إلى الابداع البصري نجد أن مدينتي فلورنسا والبندقية الايطاليتين تنافستا في زمنا ما على أي منهما تحشد أكثر عدد من عمالقة الفن التشكيلي وفي مقابل افتخار فلورنسا بالأسماء البراقة مثل مايكل أنجلو ورافائيل ودافنتشي لطالما عوضت مملكة البندقية حالة النقص الفني لديها بتلميع موهوبها الشاب الرسام تيتيان. المشكلة تكمن أن الشاب تيتيان ظل لسنوات طويلة وهو يتدرب في المدرسة الفنية للرسام جورجوني مؤسس مدرسة البندقية الفنية والذي كان له تأثير كبير على تيتيان وغيره من المريدين وطلاب الفنون التشكيلية. تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن اللحظة الفاصلة في تاريخ الشاب تيتيان حصلت عند وفاة معلمة جورجوني نتيجة أصابته في الوباء الذي اجتاح مدينة البندقية عام 1511م وأجبر الشاب تيتيان للفرار من الوباء إلى مدينة بادوفا في شمال إيطاليا. ما حصل بعد ذلك أن هذا الشاب الموهوب وفي عزلة عن تأثير معلمه الأسبق اظهر نوبغ فني كبير واستقل بنمط وأسلوب فريد في مجال الرسم التشكيلي ضمن له الخلود الفني كأحد أشهر فناني عصر النهضة الإيطالي.

وقبل أن تختم لا يجدر بنا أن نغادر قبل أن نعرج على دنيا الادب والشعر ونستعرض قصة شاب آخر ساهم الوباء والطاعون في زيادة مواهبه وإبداعاته الأدبية إلا وهو أسطورة الأدب الغربي وليم شكسبير. للغالبية العظمى منا فإننا نعرف فقط عن شكسبير عبقريتة في تأليف الأعمال المسرحية الخالدة بينما للقارئ الغربي شهرة شكسبير (كشاعر) لا تقل لديهم عن شهرته (ككاتب مسرحي) لدرجة أن شكسبير نال لقب شاعر الأمة الإنجليزية (The English Bard). ومع ذلك تنبغي الإشارة إلى أن الشاب وليم شكسبير لم يكتب في بداية حياة إي قصائد شعرية حتى عام 1592م عندما انتشر وباء الطاعون في مدينة لندن مما أثر كثيرا على الحياة الاجتماعية للشعب الإنجليزي وكان من سوء حظ شكسبير أن أجبرت جميع المسارح على أن تغلق أبوابها. في أوائل شبابه كان مصدر الدخل المادي لشكسبير يأتي من تأليف الأعمال المسرحية والعمل كممثل مسرحي ولهذا عندما وجد شكسبير نفسه في ورطة مالية وأدبية مؤكدة أتجه من تلك اللحظة إلى تأليف المقطوعات الشعرية القصيرة التي تسمى السوناتة sonnet وهي في الغالب قصيدة مكونة من أربعة عشر بيتا. وفي ذلك الزمان وفي كل زمان كان للشعر رونقه ومكانته الأدبية الرفيعة ويحظى بتقدير فائق من جميع شرائح المجتمع وبالخصوص طبقة النبلاء ولهذا لا عجب أن نجد أن شكسبير يهدي قصائده الأولى إلى أحد كبار رجالات الأسر الأرستقراطية الإنجليزية الذي تعهده بالرعاية المالية المجزية. وبهذا كان وباء الطاعون بالنسبة لشكسبير منحة في هيئة محنة ونقمة تجر نعمة حيث تسبب في مزيد من التدفق الإبداعي وتعزيز إضافي لمكانته الأدبية وثرائه المالي.
وختاما الجميع يعلم أن الكارثة التي تعم العالم هذه الأيام مصدرها من الصين ولهذا ربما في المرة القادمة التي نسمع فيها الحكمة الصينية المشهورة عن التعليم والتي تقال على لسان الفيلسوف كونفوشيوس (قل لي وسوف أنسى، أرني وقد أتذكر، أشركني وسوف أفهم) هل يصح أن نضيف لها عبارة (أعزلني وسوف أبدع) !!!.

الخميس، 12 مارس 2020

( الحب في زمن الكورونا )

هل حان الوقت لإصدار الجزء التالي من روايات أدب الكوارث والاوبئة

د/ أحمد بن حامد الغامدي


بدون منازع يعتبر الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز آخر أهم الادباء العالمين وبالرغم من الشهرة المدوية لروايته المتشعبة (مائة عام من العزلة) وحصوله على جائزة نوبل في الادب عام 1982م إلا أن أكثر ما يستدعي ذكراه هذه الأيام هي روايته الرومانسية (الحب في زمن الكوليرا). ثنائية الموت والحياة والحب والفراق منتشرة كثيرا في العديد من الاعمال الأدبية الذائعة الصيت ولتعدد الشواهد الأدبية التي يمكن حصرها في هذا المجال سوف نقتصر فقط على سرد أعمال الادباء الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب.
 
فهذا الروائي الألماني البارز توماس مان تؤهله رواية (الموت في البندقية) للحصول على جائزة نوبل في الادب عام 1929م وفيها يروي بأسلوب أدبي رفيع حالة الهلع النفسي والركود الاقتصادي من جراء انتشار وباء الكوليرا في منتجعات مدينة البندقية والذي يتسبب في نهاية الأمر بمصرع العجوز المتصابي بطل الرواية.
أديب آخر من حملة جائزة نوبل ساهم الهلع من انتشار الامراض الوبائية الفتاكة في بروز شهرته العالمية ومن ثم حصوله على جائزة نوبل في الادب ألا وهو الروائي الفرنسي المعروف ألبير كامو صاحب رواية (الطاعون) والتي تقع أحداثها في مدينة وهران الجزائرية وقت أن كانت تحت الاحتلال الفرنسي وهي رواية أدبية رمزية حيث لم يحصل انتشار لوباء الطاعون بشكل فعلي في تلك المدينة الساحلية الجميلة. وإذا كانت رواية الطاعون متخيلة وغير حقيقة فتوجد رواية تدور عن وباء متخيل وغير حقيقي وكأنها بذلك من روايات (الخيال العلمي) إلا وهي رواية (العمى) للكاتب البرتغالي جوزية ساراماغو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1995ميلادي. وتدور أحداث هذه الرواية عن وباء غامض ينتشر بسرعة في العالم أجمع ويتسبب في إصابة البشر بالعمى وما يتبع ذلك من الفوضى والتخريب وانهيار الحياة المدنية.


وكما هو معلوم في عالمنا العربي والإسلامي لم يحصل على جائزة نوبل في الأدب إلا الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ ونجد أن الوباء هو مدخل روايته المشهورة (الحرافيش) لدرجة أن بطل الرواية وهو عاشور (الناجي) سمي كذلك لأنه استطاع هو واسرته أن يفر بهم وينجو من الوباء القاتل الذي فتك بجميع سكان المدينة التي كان يعيش بها. بينما الأديب التركي المعاصر أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 2006 وكان من أبرز أعماله الأدبية التي لفت الأنظار له على المستوى العالمي رواية (القلعة البيضاء) والتي يدور أحد محاورها عن انتشار وباء الكوليرا في مدينة إسطنبول في القرن السابع عشر.

وبحكم أن أصداء أحداث الصين ما زالت حاضره في الاذهان لعل من المناسب الاشارة إلى أن الروائي الصيني مو يان الحاصل قريبا على جائزة نوبل في الادب (في عام ٢٠١٢م) لم يكون هو الآخر بعيد أن أجواء أدب الكوارث والاوبئة. في رواية (مكابدة الحياة والموت) يناقش بأسلوب رمزي التأثير السياسي والفكري للشيوعية على المجتمع الصيني ممثلا في قرية صينية ينتشر فيها وباء غريب يصيب الحيوانات ويتسبب في نفوق الخنازير ثم حيرة أهل القرية في الطريقة الامثل للتخلص من جثث الحيوانات النافقة إما بالحرق أو بالغمر. يحصل هذا الوباء المريع في نفس يوم وفاة الرئيس الصيني تسي تونغ مما يشغله أهل القرية عن هذا الحدث الجلل وبهذا كأن الرواية هي نقد رمزي لذلك النظام الشيوعي الشمولي. الجدير بالذكر أن تلك الرواية الصينية نشرت في عام ٢٠٠٨م أي بالتزامن تقريبا مع حمى القلق من تفشي مرض إنفلونزا الخنازير.

وبالعودة إلى رواية ( الحب في زمن الكوليرا ) نجد أن غابرييل ماركيز وظف الرومانسية في سياق الموت عندما جعل بطل الرواية العجوز يحتال في الاستفراد بمحبوبته عندما خدع ركاب أحد القوارب بأنه توجد اصابات بوباء الكوليرا بينهم مما يجعلهم يهرعون لمغادرة القارب. وبحكم أن القوانين في تلك الفترة تلزم أصحاب القوارب الموبوءة أن تبقى في عرض النهر وان ترفع على ساريتها راية العلم الاصفر فلهذا تمكن فلورينتينو الكهل بعد مرور نصف قرن من الحب اليائس والبائس أن يحظى بالخلوة الطويلة مع محبوبته الارملة المكلومة.
بكل الصدق لا أعلم ما هي العقدة الدرامية للرواية المتخيلة (الحب في زمن الكورونا) لكن لو جاز لي أن أقترح علي أي روائي أو أديب صيني عن الحبكة الفنية للربط بين الغرام والألآم والهناء والفناء لاقترحت التالي:
في ثقافة الحضارة الصينية توجد مكانة خاصة وطقوس معينة للعطاس والزكام فمثلا يعتقد أهل الصين وبعض شعوب شرق آسيا أنه ( أذا عطس رجل مرتين بشكل مفاجأ ومن دون سبب واضح فهذا يعني أن شخصا ما قام بأغتيابه وقدح فيه،  أما اذا عطس الرجل ثلاث مرات متتالية فهذا يعني أن شخصا ما يحبه. وعليه في رواية ( الحب في زمن الكورونا ) لنا أن نتخيل أن شخص يهيم عشقا بامرأة ما ولكن لا يعلم هل هي تبادله الحب أو لا وتزداد حالته شكوكا وحيرة عندما يصاب بمرض الكورونا والتي من أعراضه السعال والرشح والعطاس.  فهل إذا حصل وان عطس بطل الرواية ثلاث مرات متتاليه وقت اصابته بالكورونا فهل هذا يعني أنه يوجد بالفعل شخص يحبه أم أن الامر لا يعدو رشح زكام ونزلة بردوكما كان المعري رهين المحبسين فكذا حال المتيم المفتون بأرض الصين رهين الحجر الصحي وأسير الحيرة وقلق الشك هل بالفعل هنالك من يعشقه أم أن عطساته الثلاث مجرد وهم باطل وأمل زائل.



الوباء وكتابة (أو طمس) التاريخ

الوباء والطاعون أوقف نابليون من إكمال غزوه للعالم العربي
د/ أحمد بن حامد الغامدي

في البدء لا اعتراض على صحة المقولة الشائعة (أن التاريخ يكتبه المنتصر) ولكن التدقيق المطروح هو عن طبيعة (المنتصر) الذي يصنع ويشكل التاريخ فهذا المنتصر لا يشترط دائما أن يكون جيش جرار أو شخص عظيم مختار وإنما قد يكون ميكروب ضئيل لا ترصده الأبصار. التاريخ البشري في القديم والحديث هش وقابل للكسر والانحناء نتيجة تأثير عوامل ومؤثرات عديدة ومتداخلة من ضمنها الأمراض والأوبئة والعدوى. في التاريخ الإنساني كم من بلاء ووباء أفرز تغييراً في موازين القوى السياسية وأسقط إمبراطوريات عتيقة وأقام ممالك جديدة. بل الأعجب من ذلك كم (محنة) أمراض معدية شنيعة أثمرت (منحة) عظيمة وخير كثير في تطوير مهنة الطب مثلا أو تغيير أساليب التجارة أو حتى التأثير على جودة الأعمال الأدبية والفنية والمعمارية.
يقال أن من يسيطر على مصر والشام فهو بالفعل يتحكم على كامل العالم العربي ولهذا تشتت موجات الغزو الصليبي والمغولي عندما أحكمت فقط على أحد اقطاب محور (القاهرة - دمشق) ولهذا يحق لنا أن نعجب عن كيفية مسار تاريخ منطقتنا العربية لو تمكن نابليون بونبارت وجيشه العسكري الحديث من الجمع بين غزو الديار المصرية وغزو البلاد الشامية. بعد توغل سهل لجيش الفرنجة الفرنساوي واحتلالهم لمدينتي حيفا ويافا في مطلع عام 1799م تغير بشكل حاد مسار التاريخ عندما تعثر جنود نابليون في حصار مدينة عكا ثم اجتاحتهم الكارثة الكبرى عندما تفشى وباء الطاعون الرهيب في جيش الحملة الفرنسية مما اضطر بونبارت للفرار والعودة إلى مصر وبهذا ذاق الجنرال أول هزيمة كبرى في حياته. آخر هزيمة كبرى تعرض لها الامبراطور الفرنسي بونابرت كانت في معركة واترلو على الارض البلجيكية كما هو معلوم لكن أقصى هزيمة تعرض لها نابليون على الاطلاق هي تلك التي خسر فيها حوالي 300 ألف جندي من جيشه العرمرم والذي كان يفخر به ويسميه (الجيش العظيم Grande Armee). في عام 1812م بدأ نابليون مغامرته الكبرى لغزو الامبراطورية الروسية وبالرغم من أنه أنطلق بجيش مهول من فرنسا يبلغ تعدده حوالي 600 ألف جندي إلا أنه خسر نصف ذلك الجيش عندما مر عبر الاراضي البولندية وهنالك ذاق جنوده حمام الموت ليس بحد السيف ورصاص البنادق ولكن من جراء انتشار وباء التيفويد بينهم مما افشل خطة نابليون الاصلية في أن يصل لروسيا في فصل الصيف. وهنا تولى (الجنرال الثلج) هزيمة بقايا الجيش الفرنسي التي وصلت أرض الجليد الروسية في عز فصل الشتاء وبهذا تسبب بلاء الجليد ووباء التيفويد في كتابة الخاتمة السياسية والعسكرية ليس فقط لنابليون بل للامة الفرنسية بأكملها.  الغريب في الأمر أنه قبل ذلك بسنوات قليلة وبالتحديد عام 1809م استخدم نابليون (السلاح الجرثومي) في حربه ضد العدو البريطاني عندما تقابل الجيشين على ضفاف السواحل الغربية لهولندا وهنا أمر نابليون بهدم السدود وإغراق المنطقة التي بالقرب من الجيش الانجليزي بمياه السيول. بعد ذلك بفترة من الزمن أنتشر البعوض في الاجواء وأصاب وباء الملاريا الجيش البريطاني وقتل منه أكثر من أربعة الاف جندي وهنا كان التعليق الخبيث لنابليون (لا يجب أن نقاوم الانجليز بغير الحمى وهي كفيله بتبديدهم جميعا).
بلاء الوباء أو طعنة الطاعون القاتلة كثيرا ما أعادت كتابة التاريخ في مسار جديد أو يمكن إعادة صياغة العبارة بأن الوباء (طمس) مساق بديل للنص التاريخي. لقد غزا نابليون الشرق والغرب واحتل بلاد شاسعة وإن كان مخططه لغزو الاراضي الفلسطينية أفشلة الميكروب البكتيري لوباء الطاعون فإن كتابة التاريخ قبل ذلك بحوالي ألفين سنه تم إعادة طمسها عندما كان السلف والمثل الأعلى لنابليون القائد المقدوني الإسكندر الأكبر بعد أن غزا الشرق والغرب يفكر أن يكمل احتلاله للعالم بغزو جزيرة العرب كما أخبر قادة جيشه المقربين. في أواخر حياته القصيرة كان الإسكندر المقدوني يقيم في عاصمة امبراطوريته في مدينة بابل ونظرا لانتشار وباء حمى الملاريا أو حمى التوفئيد في العراق في تلك الفترة فقط غزت تلك الميكروبات الممرضه جسده قبل أن يشرع ذلك المقاتل الشاب ذي 32 ربيعا في شن الحملة المقدونية لاقتحام البلاد العربية وبهذا طمس التاريخ المحتمل لوجود تأثير حضاري غريب في قلب الأمة العربية.

إمبراطوريات آيلة للسقوط بسبب .. فيروس
الجراثيم الممرضة والميكروبات المعدية شيء مخيف ولهذا لم تفلح محاولة عالم الجراثيم الفرنسي المعروف لويس باستور في تلطيف الشعور السلبي نحوها عندما قال (ليست الجراثيم هي من نحتاج أن نقلق منها ولكن ضميرنا الداخلي). التاريخ الانساني مثخن بكوارث الأوبئة المميتة التي تسببت في زوال إمبراطوريات وممالك كانت يوما ما مسيطرة ومزدهرة وخير مثال (أول أفجع مثال في الواقع) هو ذكر تأثير انتشار وباء الحصبة والجدري في امريكا اللاتينية. لقرون طويلة ازدهرت حضارة شعب الازتيك في الاراضي المكسيكية وشعب قبائل الإنكا الهندية على سفوح جبال البيرو. مسار التاريخ تغير أسلوب كتابته بشكل دراماتيكي عندما هبط القائد الاسباني هرنان كورتيز على ساحل المكسيك في مطلع القرن السادس عشر الميلادي وفي أعجوبة من أعاجيب التاريخ استطاع الجيش الاسباني المكون من 600 جندي من غزو امبراطورية الازتيك المكسيكية التي يبلغ عدد سكنها عشرات الملايين. لقد توافق الغزو الاسباني مع غزو ميكروبات وباء الجدري الذي وصل المكسيك عام 1520م وأهلك حوالي نصف شعب الازتيك بمن فيهم الامبراطور كيتلاهوك. وبحكم أن الغزاة الاسبان لديهم مناعة نسبية ضد مرض الجدري فلهذا لم يتأثر الجنود الاسبان كثيرا بهذا الوباء مما جعل الازتيك يخشونهم وكأنهم آلهة لا يقهرون خصوصا وأنهم محصنون بأسلحة فتاكة جيدة لا يعرفها هنود المكسيك: الخيول والعربات والبارود. نفس الأمر تكرر حذو القذة بالقذة عندما هبط الغازي (الكونكيستدور) الاسباني فرانشيسكو بيزارو على ساحل البيرو عام 1531م وبحوزته كتيبة عسكرية تافهة لا تتجاوز 180 جندي و 27 حصان ومع ذلك استطاع أن يسقط امبراطورية الإنكا التي أنهكها قبل قتال الاسبان انتشار وباء الجدري والذي قضى على الملايين من شعب الإنكا بما فيهم الامبراطور.
زوال إمبراطورية الازتيك التي تضاهي أهرامها المكسيكية ضخامة وعظمة الاهرام المصرية بسبب جراثيم صغيرة أمر محير وربما يصعب أن يصدقه البعض كما يصعب أن نقنع الجميع أن زوال إحدى أهم وأكثر الامبراطوريات تأثيرا في تاريخ البشرية تم نتيجة فتك الأوبئة المعدية. في العصور القديمة كانت الامبراطورية اليونانية من القوة والتقدم العلمي والمعرفي لدرجة أنها دحرت الغزو المتكرر للجيوش الفارسية المهولة العدد ومع ذلك كان اضمحلال تأثير الامبراطورية اليونانية من المسرح الدولي بسبب تفشي وباء الطاعون في عاصمة الجزر اليونانية مدينة أثينا. يشير المؤرخ اليوناني الشهير ثوسيديديس صاحب كتاب تاريخ الحروب البيلوبونيزية بين أثينا وإسبارطة أن هذه الحروب الطاحنة انتهت عام 430 قبل الميلاد عندما تفشى وباء الطاعون اثناء حصار مدينة أثينا وتسبب في مصرع ليس فقط كبار قادة المدينة مثل حاكمها المحنك بريكليس ولكن ايضا في هلاك حوالي ثلثي سكان المدينة. وبالتالي تسبب الوباء بشكل مريع في اضعاف قدرت الدفاعات البحرية لحماية المدينة من اجتياح جنود الأسطول الاسبارطي المشهورين بكفائتهم الحربية وشراستهم القتالية مما تسبب في السقوط النهائي والمستمر للحضارة اليونانية.
في العادة لا تذكر الامبراطورية اليونانية إلا وتذكر خليفتها الامبراطورية الرومانية وهو ما سوف نفعله الان وإن كنا لا نستطيع أن نبالغ ونعلل سقوط الامبراطورية الرومانية بسبب الاوبئة المعدية. ومع ذلك كانت لحظة (التدهور الخطيرة) في تاريخ الامبراطورية الرومانية وتعثر مسيرتها المزدهرة عندما انتشر بها وباء الجدري في عام 165 ميلادي. في واقع الامر استمرت الامبراطورية الرومانية لمدة خمسة قرون لكن قمة استقرار وازدهار وتقدم الحضارة الرومانية (الفترة التي تعرف باسم Pax Romana) انتهت مع نهاية حكم الامبراطور و(الفيلسوف) الروماني ماركوس أوريليوس والذي توفي من جراء وباء الجدري السابق الذكر والذي حصد معه كذلك حوالي خمسة ملايين شخص. لقد وصف المؤرخ الروماني كاسيوس ديو الاثر المدمر للطاعون الأنطوني الذي أصاب الامبراطورية الرومانية وكان يتسبب في مقتل ألفين شخص يوميا وبالتالي دمر اقتصاد والقوة العسكرية لتلك الامبراطورية العظمى ولذا وصفها كاسيوس ديو أنها انحدرت بعد الطاعون من مملكة الذهب إلى مملكة الصدأ والحديد. أما خاتمة انهيار الامبراطورية الرومانية عام 476م فليس من المستغرب أن نعلم أنه سبق هذا السقوط النهائي بعدة عقود انتشار وباء الطاعون الذي سهل انهيار الرومان المذل والمهين على يد الهمج والبرابرة سواء من  قبائل الهون القادمة من الشرق أو جحافل القوط القادمة من الشمال.

وفي الختام عودا على ذي بدء ونعيد ربط أول المقال بآخره ونذكر بدور الوباء والبلاء في كتابة تاريخ منطقتنا العربية حيث ساهم الوباء والطاعون في نجاة البلاد والشعوب العربية من غزو نابليون أو في عرقلة تنفيذ مخطط الاسكندر المقدوني لغزو جزيرة العرب. ما تجدر الاشارة إليه أن بلاء الوباء ساهم في فترة ما في حماية بلاد الاسلام من (إعادة كتابة التاريخ) عن طريق (إعادة) احتلال الصليبيين لبلاد الشام والقدس حيث ساهم الطاعون في كسر موجة الحملة الصليبية الثامنة آخر الحملات الصليبية. في عام 1270م قاد الملك الفرنسي لويس التاسع بنفسه الحملة الصليبية الثامنة والتي كانت تهدف لاحتلال تونس ثم الانطلاق منها نحو الشرق لغزو مصر واخيرا استرجاع بيت المقدس. ولكن جحافل الجيوش الصليبية تبددت لحظة وصولها بسبب تفشي وباء مرض الدوسنتاريا والكوليرا بين صفوف الجنود ولم يسلم من ذلك حتى الملك لويس التاسع نفسه أنتهى أجله في تونس وانتهت مع هلاكه الحروب الصليبية. هذا الحدث مثال على (الدور الايجابي !!) للوباء والطاعون في دفع بلاء آخر عن بلاد المسلمين والتاريخ العربي به العديد من مثل هذه الاحداث المتناقضة التي وإن كانت لم تمنع سقوط المدن الاسلامية لكنها أجلت قليلا مصيرها المحتوم. من ذلك مثلا أنه بعد سقوط بغداد ودمارها على يد المغول تردد التتار بعض الوقت في اقتحام بلاد الشام والسبب في ذلك أنه بعد قتل حوالي مليون شخص في مدينة بغداد انتشر فيها الوباء الذي انتقل إلى أراضي الشام حيث عم الطاعون أغلب الحواضر الكبرى في الشام وهذا ما جعل المغول يؤخرون قليلا اجتياحهم لباقي ديار المسلمين.
في لحظة خاطفة من التاريخ كاد الوباء والطاعون أن يعيد كتابة (أو هل نقول إعادة طمس) التاريخ ليس فقط بإيقاف سقوط الشام في قبضة المغول عام 1259م ولكن أيضا في ايقاف المسلسل الحزين في إكمال سقوط الاندلس في قبضة المسيحيين. تقول كتب التاريخ أنه في عام 1489م  قام الجيش المسيحي الاسباني البالغ تعداد 25 ألف مقاتل بحصار آخر معاقل الاسلام في أرض الاندلس مدينة غرناطة. وهنا تلوح تباشير الفرج إذ انتشر وباء التيفويد بين أفراد الجيش المسيحي ليفتك خلال شهر واحد فقط بحوالي 17 ألف جندي ومع هروب بقية افراد الجيش ينتهي حصار غرناطة. كما هو معلوم كان ذلك تفريج مؤقت وتأخير مؤجل للكارثة الكبرى التي حلت بعد ذلك بثلاث سنوات عندما سقطت أخيرا مدينة غرناطة عام 1492 ميلادي.
بقي أن نقول أن الامراض الوبائية والطاعون خصوصا تستحق بحق لقب (الموت الاسود) وهي شيء مرعب في ذاكرة التاريخ البشري وحتى وإن خدمتنا بشكل من الاشكال في منع وحرف بعض المصائب والاهوال عن بلاد المسلمين إلا أنها عدو معدي يجب الخوف والفرار منه. فقط للقلوب العامرة بالإيمان والمسلمة بقضاء الرحمن يمكن أن تتلمس جوانب الحكمة  من مصيبة بلاء الوباء وخير مثال على ذلك عالم السلف الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي عاصر في عام 819 هجري انتشار وباء الطاعون في أرض فلسطين وبالرغم من أنه توفيت اثنيتن من بناته في هذا الطاعون مع خلق غفير من الناس إلا أنه سلم بقضاء الله ثم اخرج للامة الاسلامية كتابه الفريد (بذل الماعون في فضل الطاعون).