الجمعة، 20 مارس 2020

( تعطيل الدراسة .. إطلاق للإبداع !! )

كيف ساهم وباء الطاعون في تعزيز عبقرية نيوتن وشكسبير

د. أحمد بن حامد الغامدي

في زمن ما قديم تنبأ الأديب الفرنسي البارز فيكتور هوجو بأن من (يفتح باب مدرسة يغلق باب سجن) لكن مع الفرحة الغامرة التي اكتسحت شرائح واسعة من أبنائنا الطلاب وقت الإعلان عن تعطيل الدراسة يبدو وكأنهم كانوا في سجن وبإغلاق باب المدرسة فتحنا لهم أبواب تلك الزنازين المسماة بالفصول الدراسية. نقد (المنظومة التعليمة) أمر ذائع وشائع في كل الشعوب وعبر جميع العصور فمثلا في بداية القرن العشرين كان التعليم الانجليزي يعتبر قمة الأصالة في الجودة في حين أن التعليم الامريكي يعتبر قمة المعاصرة في التطوير نتيجة لنظريات الفيلسوف وعالم النفس الامريكي جون ديوي. ومع ذلك لم يتردد علم الرياضيات والفيلسوف الانجليزي الحاصل على جائزة نوبل بيرتراند راسل في نقد التعليم الانجليزي بقوله (يولد البشر جاهلين ولكنهم لا يولدون أغبياء، ثم يصبحون اغبياء بفضل التعليم) أما نقد مارك توين أشهر أديب أمريكي للتعليم في بلده فلخصه بقولة (لم أسمح قط لتعليمي الدراسي أن يشوش على ثقافتي).
هل البيئة المدرسية خانقة للإبداع؟ هذا سؤال مشروع وإن كانت الإجابة عليه غير حاسمة ويستطيع الجميع حشد الأدلة إما الداعمة أو المنافية لجميع وجهات النظر حول نقطة الجدل المطروحة. ولكن من باب الاستجمام الفكري والملاطفة المعرفية لعلنا نشغل وقت هذه الاستراحة الاجبارية للعملية التعليمية بسرد أخبار وقصص بعض مشاهير العلماء والادباء والفنانين الذين ساعدت قرارات تعطيل الدراسة في زمانهم بسبب تفشي الأوبئة والامراض في شحذ مواهبهم وإبداعاتهم الفريدة.
أثناء الدراسة الاكاديمية لعبقري العلوم إسحاق نيوتن في جامعة كامبردج اجتاح الجزر البريطانية وباء الطاعون وذلك عام 1665م والمشهور في كتاب التاريخ بوباء (طاعون لندن العظيم) حيث يقال إنه حصد أرواح ربع سكان العاصمة البريطانية. ونتيجة لخطورة هذا الوباء المريع تم (تعطيل الدراسة) في المدارس والجامعات الانجليزية وهذا ما دفع نيوتن للعودة إلى منزل أسرته في مدينة وولثروب الصغيرة في طرف الريف الإنجليزي حيث انخرط ذلك الشاب في خلوة فكرية وذهنية أثمرت إبداع علمي غير مسبوق. في الواقع الفترة الزمنية بين عامي 1665م و 1666م تسمى في كتب التاريخ (بسنة نيوتن العجيبة) حيث نجد فيها الطالب نيوتن بعد أن تخلص من تأثير أعرق الجامعات العلمية في عصره يستطيع من خلال عزلته تلك التوصل لمجموعة من أكثر الاكتشافات العلمية إذهالا. حيث ليس فقط أكتشف قانون الجاذبية بل أيضا توصل لاكتشاف القوانين الثلاثة المشهورة في علم حركة الاجسام ووضع أسس حساب التفاضل والتكامل واكتشف طبيعة الضوء كما أكتشف نظرية ذات الحدين وقانون التربيع العكسي. مثال آخر (لسنة الالهام العجيبة) حصلت مع أسطورة العلم الحديث ألبرت أينشتاين وذلك عام 1905م حيث أكتشف فيها هو الآخر أبرز إنجازاته العلمية على الاطلاق ولكن تلك قصة أخرى ليس هذا أوان سردها.
حادثة إضافية يمكن سردها لتعزيز ظاهرة الالهام والابداع في زمن تعطيل الدراسة بسبب الوباء نجدها في مجريات الأحداث العجيبة لحياة أحد أشهر عباقرة الموسيقى ألا وهو الموسيقار النمساوي موزارت. في نهاية القرن الثامن عشر كانت الإمبراطورية النمساوية من أكثر الأمم تطورا في العالم والحضارة ومع هذا لم يمنع ذلك من انتشار وباء مرض الحصبة في العاصمة فيينا مما تسبب في مصرع ألاف من ضمنهم عدد من أفراد الأسرة الحاكمة. لقد كان الأطفال الصغار هم أكثر ضحايا وباء الحصبة الذي انتشر في النمسا عام 1767م مما أصاب المجتمع بالشلل شبه التام مما دفع العديد من الأسر ليس فقط لسحب أبنائهم من قاعات المدارس ولكن أيضا الهروب بهم من المدن الموبوءة. وهذا ما قام به أماديوس موزارت والد الطفل المعجزة فوافغانغ موزارت الذي كان في سن الحادية عشر وقت انتشار الوباء حيث انتقلت الأسرة من مدينة فيينا إلى مدينة ريفية صغيرة تقع في شرق التشيك. وبالرغم من إصابة موزارت وأخته الكبرى بمرض الحصبة إلا أنهما نجيا من الموت المحتم على الأطفال في سنهما وبالرغم من إصابة موزارت بالعمى المؤقت إلا أنه في نهاية الأشهر الأربعة التي قضاها في مدينة أولوموتس التشيكية تجلت موهبته الموسيقية في أوضح صورها عندما تمكن وهو في سن الحادية عشر من تأليف إحدى أشهر مقطوعاته الفنية (السيمفونية السادسة).
وبالانتقال من الابداع الصوتي إلى الابداع البصري نجد أن مدينتي فلورنسا والبندقية الايطاليتين تنافستا في زمنا ما على أي منهما تحشد أكثر عدد من عمالقة الفن التشكيلي وفي مقابل افتخار فلورنسا بالأسماء البراقة مثل مايكل أنجلو ورافائيل ودافنتشي لطالما عوضت مملكة البندقية حالة النقص الفني لديها بتلميع موهوبها الشاب الرسام تيتيان. المشكلة تكمن أن الشاب تيتيان ظل لسنوات طويلة وهو يتدرب في المدرسة الفنية للرسام جورجوني مؤسس مدرسة البندقية الفنية والذي كان له تأثير كبير على تيتيان وغيره من المريدين وطلاب الفنون التشكيلية. تشير بعض الدراسات التاريخية إلى أن اللحظة الفاصلة في تاريخ الشاب تيتيان حصلت عند وفاة معلمة جورجوني نتيجة أصابته في الوباء الذي اجتاح مدينة البندقية عام 1511م وأجبر الشاب تيتيان للفرار من الوباء إلى مدينة بادوفا في شمال إيطاليا. ما حصل بعد ذلك أن هذا الشاب الموهوب وفي عزلة عن تأثير معلمه الأسبق اظهر نوبغ فني كبير واستقل بنمط وأسلوب فريد في مجال الرسم التشكيلي ضمن له الخلود الفني كأحد أشهر فناني عصر النهضة الإيطالي.

وقبل أن تختم لا يجدر بنا أن نغادر قبل أن نعرج على دنيا الادب والشعر ونستعرض قصة شاب آخر ساهم الوباء والطاعون في زيادة مواهبه وإبداعاته الأدبية إلا وهو أسطورة الأدب الغربي وليم شكسبير. للغالبية العظمى منا فإننا نعرف فقط عن شكسبير عبقريتة في تأليف الأعمال المسرحية الخالدة بينما للقارئ الغربي شهرة شكسبير (كشاعر) لا تقل لديهم عن شهرته (ككاتب مسرحي) لدرجة أن شكسبير نال لقب شاعر الأمة الإنجليزية (The English Bard). ومع ذلك تنبغي الإشارة إلى أن الشاب وليم شكسبير لم يكتب في بداية حياة إي قصائد شعرية حتى عام 1592م عندما انتشر وباء الطاعون في مدينة لندن مما أثر كثيرا على الحياة الاجتماعية للشعب الإنجليزي وكان من سوء حظ شكسبير أن أجبرت جميع المسارح على أن تغلق أبوابها. في أوائل شبابه كان مصدر الدخل المادي لشكسبير يأتي من تأليف الأعمال المسرحية والعمل كممثل مسرحي ولهذا عندما وجد شكسبير نفسه في ورطة مالية وأدبية مؤكدة أتجه من تلك اللحظة إلى تأليف المقطوعات الشعرية القصيرة التي تسمى السوناتة sonnet وهي في الغالب قصيدة مكونة من أربعة عشر بيتا. وفي ذلك الزمان وفي كل زمان كان للشعر رونقه ومكانته الأدبية الرفيعة ويحظى بتقدير فائق من جميع شرائح المجتمع وبالخصوص طبقة النبلاء ولهذا لا عجب أن نجد أن شكسبير يهدي قصائده الأولى إلى أحد كبار رجالات الأسر الأرستقراطية الإنجليزية الذي تعهده بالرعاية المالية المجزية. وبهذا كان وباء الطاعون بالنسبة لشكسبير منحة في هيئة محنة ونقمة تجر نعمة حيث تسبب في مزيد من التدفق الإبداعي وتعزيز إضافي لمكانته الأدبية وثرائه المالي.
وختاما الجميع يعلم أن الكارثة التي تعم العالم هذه الأيام مصدرها من الصين ولهذا ربما في المرة القادمة التي نسمع فيها الحكمة الصينية المشهورة عن التعليم والتي تقال على لسان الفيلسوف كونفوشيوس (قل لي وسوف أنسى، أرني وقد أتذكر، أشركني وسوف أفهم) هل يصح أن نضيف لها عبارة (أعزلني وسوف أبدع) !!!.

الخميس، 12 مارس 2020

( الحب في زمن الكورونا )

هل حان الوقت لإصدار الجزء التالي من روايات أدب الكوارث والاوبئة

د/ أحمد بن حامد الغامدي


بدون منازع يعتبر الروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز آخر أهم الادباء العالمين وبالرغم من الشهرة المدوية لروايته المتشعبة (مائة عام من العزلة) وحصوله على جائزة نوبل في الادب عام 1982م إلا أن أكثر ما يستدعي ذكراه هذه الأيام هي روايته الرومانسية (الحب في زمن الكوليرا). ثنائية الموت والحياة والحب والفراق منتشرة كثيرا في العديد من الاعمال الأدبية الذائعة الصيت ولتعدد الشواهد الأدبية التي يمكن حصرها في هذا المجال سوف نقتصر فقط على سرد أعمال الادباء الحاصلين على جائزة نوبل في الأدب.
 
فهذا الروائي الألماني البارز توماس مان تؤهله رواية (الموت في البندقية) للحصول على جائزة نوبل في الادب عام 1929م وفيها يروي بأسلوب أدبي رفيع حالة الهلع النفسي والركود الاقتصادي من جراء انتشار وباء الكوليرا في منتجعات مدينة البندقية والذي يتسبب في نهاية الأمر بمصرع العجوز المتصابي بطل الرواية.
أديب آخر من حملة جائزة نوبل ساهم الهلع من انتشار الامراض الوبائية الفتاكة في بروز شهرته العالمية ومن ثم حصوله على جائزة نوبل في الادب ألا وهو الروائي الفرنسي المعروف ألبير كامو صاحب رواية (الطاعون) والتي تقع أحداثها في مدينة وهران الجزائرية وقت أن كانت تحت الاحتلال الفرنسي وهي رواية أدبية رمزية حيث لم يحصل انتشار لوباء الطاعون بشكل فعلي في تلك المدينة الساحلية الجميلة. وإذا كانت رواية الطاعون متخيلة وغير حقيقة فتوجد رواية تدور عن وباء متخيل وغير حقيقي وكأنها بذلك من روايات (الخيال العلمي) إلا وهي رواية (العمى) للكاتب البرتغالي جوزية ساراماغو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب لعام 1995ميلادي. وتدور أحداث هذه الرواية عن وباء غامض ينتشر بسرعة في العالم أجمع ويتسبب في إصابة البشر بالعمى وما يتبع ذلك من الفوضى والتخريب وانهيار الحياة المدنية.


وكما هو معلوم في عالمنا العربي والإسلامي لم يحصل على جائزة نوبل في الأدب إلا الروائي العربي الكبير نجيب محفوظ ونجد أن الوباء هو مدخل روايته المشهورة (الحرافيش) لدرجة أن بطل الرواية وهو عاشور (الناجي) سمي كذلك لأنه استطاع هو واسرته أن يفر بهم وينجو من الوباء القاتل الذي فتك بجميع سكان المدينة التي كان يعيش بها. بينما الأديب التركي المعاصر أورهان باموق الحاصل على جائزة نوبل في الأدب سنة 2006 وكان من أبرز أعماله الأدبية التي لفت الأنظار له على المستوى العالمي رواية (القلعة البيضاء) والتي يدور أحد محاورها عن انتشار وباء الكوليرا في مدينة إسطنبول في القرن السابع عشر.

وبحكم أن أصداء أحداث الصين ما زالت حاضره في الاذهان لعل من المناسب الاشارة إلى أن الروائي الصيني مو يان الحاصل قريبا على جائزة نوبل في الادب (في عام ٢٠١٢م) لم يكون هو الآخر بعيد أن أجواء أدب الكوارث والاوبئة. في رواية (مكابدة الحياة والموت) يناقش بأسلوب رمزي التأثير السياسي والفكري للشيوعية على المجتمع الصيني ممثلا في قرية صينية ينتشر فيها وباء غريب يصيب الحيوانات ويتسبب في نفوق الخنازير ثم حيرة أهل القرية في الطريقة الامثل للتخلص من جثث الحيوانات النافقة إما بالحرق أو بالغمر. يحصل هذا الوباء المريع في نفس يوم وفاة الرئيس الصيني تسي تونغ مما يشغله أهل القرية عن هذا الحدث الجلل وبهذا كأن الرواية هي نقد رمزي لذلك النظام الشيوعي الشمولي. الجدير بالذكر أن تلك الرواية الصينية نشرت في عام ٢٠٠٨م أي بالتزامن تقريبا مع حمى القلق من تفشي مرض إنفلونزا الخنازير.

وبالعودة إلى رواية ( الحب في زمن الكوليرا ) نجد أن غابرييل ماركيز وظف الرومانسية في سياق الموت عندما جعل بطل الرواية العجوز يحتال في الاستفراد بمحبوبته عندما خدع ركاب أحد القوارب بأنه توجد اصابات بوباء الكوليرا بينهم مما يجعلهم يهرعون لمغادرة القارب. وبحكم أن القوانين في تلك الفترة تلزم أصحاب القوارب الموبوءة أن تبقى في عرض النهر وان ترفع على ساريتها راية العلم الاصفر فلهذا تمكن فلورينتينو الكهل بعد مرور نصف قرن من الحب اليائس والبائس أن يحظى بالخلوة الطويلة مع محبوبته الارملة المكلومة.
بكل الصدق لا أعلم ما هي العقدة الدرامية للرواية المتخيلة (الحب في زمن الكورونا) لكن لو جاز لي أن أقترح علي أي روائي أو أديب صيني عن الحبكة الفنية للربط بين الغرام والألآم والهناء والفناء لاقترحت التالي:
في ثقافة الحضارة الصينية توجد مكانة خاصة وطقوس معينة للعطاس والزكام فمثلا يعتقد أهل الصين وبعض شعوب شرق آسيا أنه ( أذا عطس رجل مرتين بشكل مفاجأ ومن دون سبب واضح فهذا يعني أن شخصا ما قام بأغتيابه وقدح فيه،  أما اذا عطس الرجل ثلاث مرات متتالية فهذا يعني أن شخصا ما يحبه. وعليه في رواية ( الحب في زمن الكورونا ) لنا أن نتخيل أن شخص يهيم عشقا بامرأة ما ولكن لا يعلم هل هي تبادله الحب أو لا وتزداد حالته شكوكا وحيرة عندما يصاب بمرض الكورونا والتي من أعراضه السعال والرشح والعطاس.  فهل إذا حصل وان عطس بطل الرواية ثلاث مرات متتاليه وقت اصابته بالكورونا فهل هذا يعني أنه يوجد بالفعل شخص يحبه أم أن الامر لا يعدو رشح زكام ونزلة بردوكما كان المعري رهين المحبسين فكذا حال المتيم المفتون بأرض الصين رهين الحجر الصحي وأسير الحيرة وقلق الشك هل بالفعل هنالك من يعشقه أم أن عطساته الثلاث مجرد وهم باطل وأمل زائل.



الوباء وكتابة (أو طمس) التاريخ

الوباء والطاعون أوقف نابليون من إكمال غزوه للعالم العربي
د/ أحمد بن حامد الغامدي

في البدء لا اعتراض على صحة المقولة الشائعة (أن التاريخ يكتبه المنتصر) ولكن التدقيق المطروح هو عن طبيعة (المنتصر) الذي يصنع ويشكل التاريخ فهذا المنتصر لا يشترط دائما أن يكون جيش جرار أو شخص عظيم مختار وإنما قد يكون ميكروب ضئيل لا ترصده الأبصار. التاريخ البشري في القديم والحديث هش وقابل للكسر والانحناء نتيجة تأثير عوامل ومؤثرات عديدة ومتداخلة من ضمنها الأمراض والأوبئة والعدوى. في التاريخ الإنساني كم من بلاء ووباء أفرز تغييراً في موازين القوى السياسية وأسقط إمبراطوريات عتيقة وأقام ممالك جديدة. بل الأعجب من ذلك كم (محنة) أمراض معدية شنيعة أثمرت (منحة) عظيمة وخير كثير في تطوير مهنة الطب مثلا أو تغيير أساليب التجارة أو حتى التأثير على جودة الأعمال الأدبية والفنية والمعمارية.
يقال أن من يسيطر على مصر والشام فهو بالفعل يتحكم على كامل العالم العربي ولهذا تشتت موجات الغزو الصليبي والمغولي عندما أحكمت فقط على أحد اقطاب محور (القاهرة - دمشق) ولهذا يحق لنا أن نعجب عن كيفية مسار تاريخ منطقتنا العربية لو تمكن نابليون بونبارت وجيشه العسكري الحديث من الجمع بين غزو الديار المصرية وغزو البلاد الشامية. بعد توغل سهل لجيش الفرنجة الفرنساوي واحتلالهم لمدينتي حيفا ويافا في مطلع عام 1799م تغير بشكل حاد مسار التاريخ عندما تعثر جنود نابليون في حصار مدينة عكا ثم اجتاحتهم الكارثة الكبرى عندما تفشى وباء الطاعون الرهيب في جيش الحملة الفرنسية مما اضطر بونبارت للفرار والعودة إلى مصر وبهذا ذاق الجنرال أول هزيمة كبرى في حياته. آخر هزيمة كبرى تعرض لها الامبراطور الفرنسي بونابرت كانت في معركة واترلو على الارض البلجيكية كما هو معلوم لكن أقصى هزيمة تعرض لها نابليون على الاطلاق هي تلك التي خسر فيها حوالي 300 ألف جندي من جيشه العرمرم والذي كان يفخر به ويسميه (الجيش العظيم Grande Armee). في عام 1812م بدأ نابليون مغامرته الكبرى لغزو الامبراطورية الروسية وبالرغم من أنه أنطلق بجيش مهول من فرنسا يبلغ تعدده حوالي 600 ألف جندي إلا أنه خسر نصف ذلك الجيش عندما مر عبر الاراضي البولندية وهنالك ذاق جنوده حمام الموت ليس بحد السيف ورصاص البنادق ولكن من جراء انتشار وباء التيفويد بينهم مما افشل خطة نابليون الاصلية في أن يصل لروسيا في فصل الصيف. وهنا تولى (الجنرال الثلج) هزيمة بقايا الجيش الفرنسي التي وصلت أرض الجليد الروسية في عز فصل الشتاء وبهذا تسبب بلاء الجليد ووباء التيفويد في كتابة الخاتمة السياسية والعسكرية ليس فقط لنابليون بل للامة الفرنسية بأكملها.  الغريب في الأمر أنه قبل ذلك بسنوات قليلة وبالتحديد عام 1809م استخدم نابليون (السلاح الجرثومي) في حربه ضد العدو البريطاني عندما تقابل الجيشين على ضفاف السواحل الغربية لهولندا وهنا أمر نابليون بهدم السدود وإغراق المنطقة التي بالقرب من الجيش الانجليزي بمياه السيول. بعد ذلك بفترة من الزمن أنتشر البعوض في الاجواء وأصاب وباء الملاريا الجيش البريطاني وقتل منه أكثر من أربعة الاف جندي وهنا كان التعليق الخبيث لنابليون (لا يجب أن نقاوم الانجليز بغير الحمى وهي كفيله بتبديدهم جميعا).
بلاء الوباء أو طعنة الطاعون القاتلة كثيرا ما أعادت كتابة التاريخ في مسار جديد أو يمكن إعادة صياغة العبارة بأن الوباء (طمس) مساق بديل للنص التاريخي. لقد غزا نابليون الشرق والغرب واحتل بلاد شاسعة وإن كان مخططه لغزو الاراضي الفلسطينية أفشلة الميكروب البكتيري لوباء الطاعون فإن كتابة التاريخ قبل ذلك بحوالي ألفين سنه تم إعادة طمسها عندما كان السلف والمثل الأعلى لنابليون القائد المقدوني الإسكندر الأكبر بعد أن غزا الشرق والغرب يفكر أن يكمل احتلاله للعالم بغزو جزيرة العرب كما أخبر قادة جيشه المقربين. في أواخر حياته القصيرة كان الإسكندر المقدوني يقيم في عاصمة امبراطوريته في مدينة بابل ونظرا لانتشار وباء حمى الملاريا أو حمى التوفئيد في العراق في تلك الفترة فقط غزت تلك الميكروبات الممرضه جسده قبل أن يشرع ذلك المقاتل الشاب ذي 32 ربيعا في شن الحملة المقدونية لاقتحام البلاد العربية وبهذا طمس التاريخ المحتمل لوجود تأثير حضاري غريب في قلب الأمة العربية.

إمبراطوريات آيلة للسقوط بسبب .. فيروس
الجراثيم الممرضة والميكروبات المعدية شيء مخيف ولهذا لم تفلح محاولة عالم الجراثيم الفرنسي المعروف لويس باستور في تلطيف الشعور السلبي نحوها عندما قال (ليست الجراثيم هي من نحتاج أن نقلق منها ولكن ضميرنا الداخلي). التاريخ الانساني مثخن بكوارث الأوبئة المميتة التي تسببت في زوال إمبراطوريات وممالك كانت يوما ما مسيطرة ومزدهرة وخير مثال (أول أفجع مثال في الواقع) هو ذكر تأثير انتشار وباء الحصبة والجدري في امريكا اللاتينية. لقرون طويلة ازدهرت حضارة شعب الازتيك في الاراضي المكسيكية وشعب قبائل الإنكا الهندية على سفوح جبال البيرو. مسار التاريخ تغير أسلوب كتابته بشكل دراماتيكي عندما هبط القائد الاسباني هرنان كورتيز على ساحل المكسيك في مطلع القرن السادس عشر الميلادي وفي أعجوبة من أعاجيب التاريخ استطاع الجيش الاسباني المكون من 600 جندي من غزو امبراطورية الازتيك المكسيكية التي يبلغ عدد سكنها عشرات الملايين. لقد توافق الغزو الاسباني مع غزو ميكروبات وباء الجدري الذي وصل المكسيك عام 1520م وأهلك حوالي نصف شعب الازتيك بمن فيهم الامبراطور كيتلاهوك. وبحكم أن الغزاة الاسبان لديهم مناعة نسبية ضد مرض الجدري فلهذا لم يتأثر الجنود الاسبان كثيرا بهذا الوباء مما جعل الازتيك يخشونهم وكأنهم آلهة لا يقهرون خصوصا وأنهم محصنون بأسلحة فتاكة جيدة لا يعرفها هنود المكسيك: الخيول والعربات والبارود. نفس الأمر تكرر حذو القذة بالقذة عندما هبط الغازي (الكونكيستدور) الاسباني فرانشيسكو بيزارو على ساحل البيرو عام 1531م وبحوزته كتيبة عسكرية تافهة لا تتجاوز 180 جندي و 27 حصان ومع ذلك استطاع أن يسقط امبراطورية الإنكا التي أنهكها قبل قتال الاسبان انتشار وباء الجدري والذي قضى على الملايين من شعب الإنكا بما فيهم الامبراطور.
زوال إمبراطورية الازتيك التي تضاهي أهرامها المكسيكية ضخامة وعظمة الاهرام المصرية بسبب جراثيم صغيرة أمر محير وربما يصعب أن يصدقه البعض كما يصعب أن نقنع الجميع أن زوال إحدى أهم وأكثر الامبراطوريات تأثيرا في تاريخ البشرية تم نتيجة فتك الأوبئة المعدية. في العصور القديمة كانت الامبراطورية اليونانية من القوة والتقدم العلمي والمعرفي لدرجة أنها دحرت الغزو المتكرر للجيوش الفارسية المهولة العدد ومع ذلك كان اضمحلال تأثير الامبراطورية اليونانية من المسرح الدولي بسبب تفشي وباء الطاعون في عاصمة الجزر اليونانية مدينة أثينا. يشير المؤرخ اليوناني الشهير ثوسيديديس صاحب كتاب تاريخ الحروب البيلوبونيزية بين أثينا وإسبارطة أن هذه الحروب الطاحنة انتهت عام 430 قبل الميلاد عندما تفشى وباء الطاعون اثناء حصار مدينة أثينا وتسبب في مصرع ليس فقط كبار قادة المدينة مثل حاكمها المحنك بريكليس ولكن ايضا في هلاك حوالي ثلثي سكان المدينة. وبالتالي تسبب الوباء بشكل مريع في اضعاف قدرت الدفاعات البحرية لحماية المدينة من اجتياح جنود الأسطول الاسبارطي المشهورين بكفائتهم الحربية وشراستهم القتالية مما تسبب في السقوط النهائي والمستمر للحضارة اليونانية.
في العادة لا تذكر الامبراطورية اليونانية إلا وتذكر خليفتها الامبراطورية الرومانية وهو ما سوف نفعله الان وإن كنا لا نستطيع أن نبالغ ونعلل سقوط الامبراطورية الرومانية بسبب الاوبئة المعدية. ومع ذلك كانت لحظة (التدهور الخطيرة) في تاريخ الامبراطورية الرومانية وتعثر مسيرتها المزدهرة عندما انتشر بها وباء الجدري في عام 165 ميلادي. في واقع الامر استمرت الامبراطورية الرومانية لمدة خمسة قرون لكن قمة استقرار وازدهار وتقدم الحضارة الرومانية (الفترة التي تعرف باسم Pax Romana) انتهت مع نهاية حكم الامبراطور و(الفيلسوف) الروماني ماركوس أوريليوس والذي توفي من جراء وباء الجدري السابق الذكر والذي حصد معه كذلك حوالي خمسة ملايين شخص. لقد وصف المؤرخ الروماني كاسيوس ديو الاثر المدمر للطاعون الأنطوني الذي أصاب الامبراطورية الرومانية وكان يتسبب في مقتل ألفين شخص يوميا وبالتالي دمر اقتصاد والقوة العسكرية لتلك الامبراطورية العظمى ولذا وصفها كاسيوس ديو أنها انحدرت بعد الطاعون من مملكة الذهب إلى مملكة الصدأ والحديد. أما خاتمة انهيار الامبراطورية الرومانية عام 476م فليس من المستغرب أن نعلم أنه سبق هذا السقوط النهائي بعدة عقود انتشار وباء الطاعون الذي سهل انهيار الرومان المذل والمهين على يد الهمج والبرابرة سواء من  قبائل الهون القادمة من الشرق أو جحافل القوط القادمة من الشمال.

وفي الختام عودا على ذي بدء ونعيد ربط أول المقال بآخره ونذكر بدور الوباء والبلاء في كتابة تاريخ منطقتنا العربية حيث ساهم الوباء والطاعون في نجاة البلاد والشعوب العربية من غزو نابليون أو في عرقلة تنفيذ مخطط الاسكندر المقدوني لغزو جزيرة العرب. ما تجدر الاشارة إليه أن بلاء الوباء ساهم في فترة ما في حماية بلاد الاسلام من (إعادة كتابة التاريخ) عن طريق (إعادة) احتلال الصليبيين لبلاد الشام والقدس حيث ساهم الطاعون في كسر موجة الحملة الصليبية الثامنة آخر الحملات الصليبية. في عام 1270م قاد الملك الفرنسي لويس التاسع بنفسه الحملة الصليبية الثامنة والتي كانت تهدف لاحتلال تونس ثم الانطلاق منها نحو الشرق لغزو مصر واخيرا استرجاع بيت المقدس. ولكن جحافل الجيوش الصليبية تبددت لحظة وصولها بسبب تفشي وباء مرض الدوسنتاريا والكوليرا بين صفوف الجنود ولم يسلم من ذلك حتى الملك لويس التاسع نفسه أنتهى أجله في تونس وانتهت مع هلاكه الحروب الصليبية. هذا الحدث مثال على (الدور الايجابي !!) للوباء والطاعون في دفع بلاء آخر عن بلاد المسلمين والتاريخ العربي به العديد من مثل هذه الاحداث المتناقضة التي وإن كانت لم تمنع سقوط المدن الاسلامية لكنها أجلت قليلا مصيرها المحتوم. من ذلك مثلا أنه بعد سقوط بغداد ودمارها على يد المغول تردد التتار بعض الوقت في اقتحام بلاد الشام والسبب في ذلك أنه بعد قتل حوالي مليون شخص في مدينة بغداد انتشر فيها الوباء الذي انتقل إلى أراضي الشام حيث عم الطاعون أغلب الحواضر الكبرى في الشام وهذا ما جعل المغول يؤخرون قليلا اجتياحهم لباقي ديار المسلمين.
في لحظة خاطفة من التاريخ كاد الوباء والطاعون أن يعيد كتابة (أو هل نقول إعادة طمس) التاريخ ليس فقط بإيقاف سقوط الشام في قبضة المغول عام 1259م ولكن أيضا في ايقاف المسلسل الحزين في إكمال سقوط الاندلس في قبضة المسيحيين. تقول كتب التاريخ أنه في عام 1489م  قام الجيش المسيحي الاسباني البالغ تعداد 25 ألف مقاتل بحصار آخر معاقل الاسلام في أرض الاندلس مدينة غرناطة. وهنا تلوح تباشير الفرج إذ انتشر وباء التيفويد بين أفراد الجيش المسيحي ليفتك خلال شهر واحد فقط بحوالي 17 ألف جندي ومع هروب بقية افراد الجيش ينتهي حصار غرناطة. كما هو معلوم كان ذلك تفريج مؤقت وتأخير مؤجل للكارثة الكبرى التي حلت بعد ذلك بثلاث سنوات عندما سقطت أخيرا مدينة غرناطة عام 1492 ميلادي.
بقي أن نقول أن الامراض الوبائية والطاعون خصوصا تستحق بحق لقب (الموت الاسود) وهي شيء مرعب في ذاكرة التاريخ البشري وحتى وإن خدمتنا بشكل من الاشكال في منع وحرف بعض المصائب والاهوال عن بلاد المسلمين إلا أنها عدو معدي يجب الخوف والفرار منه. فقط للقلوب العامرة بالإيمان والمسلمة بقضاء الرحمن يمكن أن تتلمس جوانب الحكمة  من مصيبة بلاء الوباء وخير مثال على ذلك عالم السلف الكبير الحافظ ابن حجر العسقلاني الذي عاصر في عام 819 هجري انتشار وباء الطاعون في أرض فلسطين وبالرغم من أنه توفيت اثنيتن من بناته في هذا الطاعون مع خلق غفير من الناس إلا أنه سلم بقضاء الله ثم اخرج للامة الاسلامية كتابه الفريد (بذل الماعون في فضل الطاعون).



الجمعة، 31 يناير 2020

( هروب الفتيات .. من الاسطورة إلى التراجيديا )

منذ زمن الاغريق .. هروب الفتاة خطيئة لا تغتفر

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تعتبر الروائية الانجليزية جين أوستن إحدى أبرز الرموز الأدبية عبر العصور لريادتها في مجال الأدب النسوي وطرحها لقضايا المرأة المهيضة الجناح ولهذا تشتهر مقولة جين أوستن التي وردت على لسان بطلة روايتها كبرياء وهوى (إيلزابيث بينيت) : من لا يتذمر ويعترض لا يؤسف عليه. حالة الشكوى والاعتراض مفهومة ومتوقعة في دنيا المرأة لكن فرق شاسع (وغير مقبول) بين التذمر والتنمر. التنمر سلوك عدواني وعنف وأذى نفسي هو في أصله ردة فعل غير سوية حيال إساءة اجتماعية أو نفسية. ومن أشنع افرازات العنف الاسري وثمرته التنمر الاجتماعي تنامي كارثة هروب الفتيات والتمرد الاخلاقي. فحتى جين أوستين نصيرة المرأة وحاملة لواء الدفاع عنها نجد في نفس الرواية السابقة الذكر (كبرياء وهوى) ترسم صورة غاية في التنفير للفتاة الطائشة واللعوب ليديا بينيت البنت الصغرى التي تهرب من اسرتها المحافظة للزواج من ضابط عسكري محتال غرر بها.
المأساة تتجذر أكثر أن أغلب المجتمعات البشرية قد تتقبل على ممض: عودة الأبن الضال (كما في رواية الاديب الفرنسي هنري بوردو بنفس العنوان تقريبا) لكن قل ما يحصل ذلك مع فتيات الخطيئة الاتي يختفين و(يأخذهن الوباء) كحال هنادي في رواية دعاء الكروان لطه حسين.  الجدير بالذكر أن الوعي الجمعي للبشرية منذ الأزل لا يقبل إلا مصير واحد لأي فتاة أو سيدة تتنمر وتنشق عن اسرتها وهذا ما نجده ليس فقط في أحوال الناس الواقعية المشاهدة بل حتى في توهمات عالم الاساطير. في الميثولوجيا الإغريقية نجد في أسطورة جاسون ومحاولته استرجاع عرشه أنه لم يتمكن من سرقة الصوف الذهبي من بلاط ملك أيتس إلا بعد أن وقعت ابنة الملك المسماة ميديا في حبه وهنا خانت والدها وقتلت أخاها ثم هربت مع عشيقها (من ميديا الاغريقية إلى ليديا الانجليزية تستمر المأساة النسوية). ولهذا لا عجب أن نجد المستقبل الأسود لهذه المتنمرة والفتاه الهاربة حيث تصاب ميديا لاحقا بجنون الغيرة ضد عشيقها جاسون لدرجة أنها تقول بقتل طفليها البريئين للانتقام منه.
الفتاة المتنمرة والخائنة لأسرتها ومجتمعها مصيرها أن تكون منبوذة ومهملة وهو مصير الفتاة المدللة أردياني أبنة مينوس ملك جزيرة كريت. وفق الاساطير الاغريقية القديمة ساعدت أردياني الملك اليوناني ثيسيوس على قتل الرجل الثور المعروف بالمينوتور والهروب من متاهة قصر التيه الذي أنشأه والدها الملك ودلت أردياني ثيسيوس على فكرة مد الخيط خلال المتاهة مما سوف يساعده لمعرفة طريق الخروج. وبعد رومانسية الفتاة أردياني الهاربة مع حبيبها ثيسيوس تبدأ الدراما والتراجيديا حيث تذكر الاساطير الاغريقية أن حبيبها ذاك الذي ضحت بأسرتها من أجله هجرها بطريقة غريبة حيث  تركها وحيدة عندما كانت نائمة على جزيرة ناكسوس.
أما اشهر (سيدة هاربة) من بيت الزوجية فهي ولا شك الاميرة هيلين تلك التي خلد قصتها الدرامية الشاعر الأغريقي البارز هوميروس في ملحته الشعرية التراجيدية (الإلياذة) والتي تحكي هروب الفتاة المغرر بها هيلين زوجة مينلاوس ملك اسبارطة. فيما أحسب فإن القصة معروقة للجميع فبسبب هروب الزوجة هيلين مع الشاب اللعوب باريس اندلعت إحدى أكبر الحروب الاغريقية والتي بعد حصار طويل لمدينة طروادة الاسطورية انتهت الدراما باجتياح المدينة وحرقها بالكامل. القصة مشهورة كما ذكرت لكن الأمر غير المعروف بالضبط ماذا كان مصير تلك الأميرة الهاربة فحسب الشاعر الاغريقي ستيسكوروس الذي وصف بدوره هو الاخر قصة حصار طروادة فقد ذكر أنه بعد سقوط المدينة تجمع الإغريق الغزاة مع أهل طروادة لرجم وقتل تلك المرأة المشؤومة. البعض يذكر أن مصيرها كان كما هو متوقع القتل بالسيف على يد زوجها المغدور الملك مينلاوس في حين أن البعض الاخر وأن كان وافق على الاحتمال الاخر من وصف الاحداث أنها نجت وعادة للحياة مع زوجها الملك إلا أن شؤم أفعالها الشنيعة لاحقتها في آخر حياتها فحسب رواية المؤرخ الاغريقي باوسانياس أنه قام أهل جزيرة رودوس بشنقها من فوق شجرة.

صحيح أن ما سبق هو مجرد أساطير من نسج الخيال ولكن الذاكرة الجمعية للبشرية عبر القرون الطويلة سجلت مئات الاحداث والقصص الحقيقة التي وجدت طريقها في كل الثقافات الانسانية وبكل اللغات المحكية وفي أغلب الاقاليم الجغرافية والتي كلها رسخت الحقيقة الصاعقة: من يتنمر يتدمر. وفي مجال الرواية والأدب يمكن كتابة مجلدات متواصلة من ذكر الامثلة التي ناقشت شؤم العاقبة وسوء الخاتمة للمرأة المتحررة أو الفتاة المتنمرة ويكفينا هنا سرد أبرز تلك الاعمال الادبية العالمية بالغة الانتشار والشهرة من مثل رواية (مدام بوفاري) للأديب الفرنسي غوستاف فلوبير أو رواية (فتاة من روما) للكاتب الايطالي ألبرتو مورافيا أو رواية (آنا كارينينا) لأديب روسيا تولستوي أو رواية (نعومي) للروائي الياباني تانيزاكي أو رواية (صورة سيدة) للكاتب الامريكي هنري جيمس أو رواية (بيت الأرواح) للكاتبة البارزة في أمريكا اللاتينية إيزابيل أيندي أو رواية (ونسيت أنني امرأة) للروائي المصري إحسان عبدالقدوس أو في واقعنا المحلي رواية (أنثى تشطر القبيلة) لإبراهيم شحبي.
لماذا كل هذا الزخم المتدفق من الاعمال الادبية العالمية والافلام السينمائية الأوسكارية لتجسيد مأساة ودراما دوامة التشرد والاستغلال والانتحار التي تقع فيه الفتاة المتنمرة أو المرأة المتذمرة، لأن قصتها في غالب هي الحبكة الروائية المثالية لإبراز الدراما والتراجيديا في أعلى تجلياتها. وهذا بكل بساطة هو بالفعل ما حصل ويحصل وسوف يحصل لأكثر حالات هروب النساء من رمضاء العنف الاسري إلى جحيم ونار المجتمع الطاحن للفريسة الشاردة من القطيع. ولو تتبع المرء منا محور أي رواية ادبية أو فلم سينمائي أو أغنية فنية تدور عن (الفتاة الهاربة) أو (الأنثى المتحررة) أو (السيدة المستقلة) فلا شك أنه سوف يجد أغلب هذه الاعمال والمنتجات الفنية والادبية سوف تركز في النهاية على الجانب الدرامي المأساوي لحياة لتلك الفتاة الساذجة وكيف سوف يتم تحطيم مشاعرها واستغلال جسدها واحتقار رعونتها وبساطة تفكيرها في عاقبة ومألات الأمور.
في الآونة الغيرة بدأت أخبار الفتيات الهاربات والنساء المتنمرات بالتزايد في مجتمعنا المحلي وبطبيعة الحال يمكن محاولة التصدي لهذه الظاهرة الكارثية بأسلوب الوعظ الديني أو استثارة بقايا الحياء القبلي لدى المرأة أو استعراض الإحصائيات الاجتماعية أو سرد الدراسات النفسية والسلوكية. ولكنني فظلت توظيف جانب حب الشغف بالروايات والقصص لدى الفتيات والنساء إجمالا لكي أحذرهن منذ (البداية) بأن (نهاية) قصتهن الشخصية واضحة المعالم ومكررة المأتم إذا أصررن على سلوك ذلك الطريق الموحش واتخاذ ذلك المصير البائس وأن الأمر لن يختلف كثيرا عما توقعه يوما ما رئيس الوزراء الانجليزي ونستون تشرشل (لا أعدكم إلا بالدم والدموع والبكاء والألم).

الجمعة، 24 يناير 2020

( اللغة العربية ما زالت تؤذن في مالطا )

لوحة أرشادية في مالطا تثبت تفوق اللغة العربية !!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

اللغة من حيث هي منتج بشري ليست فقط وعاء فكري لنقل الحضارة والثقافة ولكنها من حيث كونها (قوة ناعمة) نجدها بعد انتهاء حروب اللغات إما أن يتم تدميرها وإعطابها أو يتم استلابها وكأنها (غنيمة حرب). بعد حروب الاسترداد الاسبانية وسقوط الأندلس تم طرد الاسلام والعرب من الجزيرة الايبيرية بشكل مهين وشنيع أما اللغة العربية في تلك الديار فأصبح جزء منها مأسور ومعتقل ضمن سياج اللغة القشتالية وكأنها بذلك غنيمة حرب فضل الإسبان منذ زمن ملك قشتاله وليون ألفونسو العاشر (ألفونسو تحكيم) الاحتفاظ ببعض المفردات العربية كما غنموا وحافظوا على العلوم العربية وعلى قصر الحمراء في غرناطة وقصر المورق في إشبيلية. تذكر الباحثة الاسبانية كارمن برافو والمهتمة بدراسة تاريخ وتأثير الحضارة العربية في الأندلس أنها عندما حللت نتائج استفتاء أجرته إحدى المجلات الاسبانية عن أجمل عشر كلمات باللغة الاسبانية، وجدت أن ثماني كلمات من تلك الكلمات العشر الفائزة هي كلمات ذات أصول عربية. كلنا يعرف بشاعة محاكم التفتيش الاسبانية والتعذيب المريع لسلخ المسلمين من دينهم وطردهم من بلادهم ومع كل هذا الاقصاء الحضاري والتطهير الديني إلا إن اللغة العربية (تلك القوة الناعمة والغنيمة الثقافية) وجدت طريقها للتغلغل والبقاء في نسيج الحضارة الاسبانية لدرجة أن بعض التقديرات تشير إلى أن ربع المفردات اللغوية في اللغة الاسبانية الحالية هي عبارة عن كلمات عربية الأصل.
القوة الناعمة العربية ممثلة في اللغة بالرغم من أنها استفزت محاكم التفتيش والاقصاء في الاندلس السليب لدرجة أنه تم في عصر الامبراطور الاسباني فليب الثاني منع المسلمين من التخاطب باللغة العربية وتحريم اقتناء الكتب العربية إلا تلك (اللغة الخالدة) كُتب لها البقاء وهذا أمرر تكرر كثيرا في التاريخ والجغرافيا ففي أزمان متعددة ومواقع متنوعة تمكنت اللغة العربية بشكل أو آخر من الصمود والممانعة. بعد سقوط الخلافة العثمانية لم يكتفي الرجل الصنم مصطفى كمال أتاتورك بمحاربة الدين وفرض العلمانية ولكنه سعى وبشكل متعمد في اجتثاث اللغة العربية من المجتمع التركي ليس فقط بمنع استخدم الأحرف العربية في كتابة اللغة التركية ولكن وصل درجة الفجور به لحظر الآذان باللغة العربية حيث أعتبر رفع الآذان باللغة العربية فعل مخالف للقانون. وفي سياق سياسة التتريك الاقصائية غزى الغازي أتاتورك على بقايا النفوذ العربي في المشهد الحضاري التركي فشكل لجنة خاصة أطلق عليها أسم لجنة صيانة اللغة التركية وكان هدفها الاساسي تخليص وتنقية اللغة التركية من مفردات وكلمات اللغة العربية. ومع كل هذا الاقصاء ضد الدين الاسلامي واللسان العربي ليس فقط عاد الآذان يرفع مرة أخرى باللغة العربية من فوق مآذن المساجد بل ما زالت مفردات اللفة العربية حية وشائعة في اللغة المحكية والمكتوبة التركية حيث يُقدر أن عدد المفردات ذات الأصول العربية المستخدمة في اللغة التركية قد تصل إلى حوالي 15 ألف كلمة. وبحكم أن كل التراث التركي القديم مكتوبا في الأصل بأبجدية الحروف العربية لهذا تم في السنوات الاخيرة إدخال تدريس اللغة العربية كمادة إلزامية في المدارس التركية لتمكين الأجيال الجديدة من قراءة الإرث التركي ومدارسة الدين الاسلامي بلغته العربية الخالدة.
قبل حوالي قرن من الزمن من توقيت منع الآذان باللغة العربية في اسطنبول (في 1932عام  ميلادي) وصل الأديب والكاتب اللبناني المعروف أحمد فارس الشدياق إلى جزيرة مالطا سنة 1826م وهنالك أكتشف أن المثل الدرج (كمن يؤذن في مالطا) أصبح خارج سياق الزمن ليس فقط لأن جزيرة مالطا الصغيرة يقيم بها الاف من المسلمين بل لأن الأغرب من ذلك أن اللغة العربية متوغلة بشكل استثنائي في اللغة المالطية. لا نعلم على وجهة الدقة ما هي قصة المثل الشائع لدينا في العالم العربي (بعد خراب مالطا) لكن نعلم أنه في غابر الزمن تم محو وازالة أي معالم تدل على أن الاسلام حكم تلك الجزيرة لمدة قاربت قرنين ونصف على يد ملوك قبيلة الأغالبة العربية القادمين من تونس. بالرغم من أن جزيرة مالطا خرجت من الحكم الاسلامي في نهايات القرن الحادي عشر الميلادي إلا أن (خراب مالطا) الحقيقي والمتمثل في محو الاسلام منها حصل بسقوطها الثاني عام 1479 ميلادي تحت حكم مملكة أرغون الاسبانية والتي سوف تتحالف بعد ذلك بسنوت قليلة مع مملكة قشتالة لإسقاط آخر معقل للمسلمين في الأندلس وهي مدينة غرناطة التي أحتلت عام 1492 ميلادي كما هو معلوم. والمقصود أن تلك المملكة المسيحية (مملكة أراغون وقشتالة) المتطرفة في التعصب الديني والتي قامت بتجريف الأندلس من مظاهرة الاسلامية لتجعله كالأرض اليباب والخراب هي نفسها من تسبب في (خراب مالطا) لدرجة أنه لم يبقى فيها من يستطيع أن يجاهر بحضوره  للصلاة ولهذا قيل في وصف أي شيء بدون فائدة (كمن يؤذن في مالطا).
وتشير المراجع التاريخية الأوروبية أنه بنهاية القرن الخامس عشر تم طرد عدد كبير من المسلمين من جزيرة مالطا (الشتات العربي يتكرر في كل وقت وحين ألم يقل الشاعر الفلسطيني محمود درويش: وسنسأل أنفسنا في النهاية هل كانت الأندلس ههُنا أم هناك !!) ومن بقي منهم أجبروا جميعا على اعتناق المسيحية وتغيير اسمائهم العربية. ومع ذلك مأساة مسلمي مالطا لم تنتهي فصولا بعد فمنذ منتصف القرن السادس عشر تولى حكم مالطا طائفة دينية مسيحية اكثر تعصبا وشراسة حيث حكمها (فرسان مالطا) لمدة ثلاثة قرون. في بداية الحروب الصليبية في المشرق العربي ظهرت طائفة (فرسان المعبد) لحماية القدس المسيحية من الوقوع في يد المسلمين بعد استرجاعها وبعد ذلك بخمسة قرون سوف يقوم أحفادهم (فرسان مالطا ورودوس) بحماية مدينة روما من السقوط في قبضة الاسطول العثماني المسيطر على البحر الابيض المتوسط. أمر غريب في تاريخ فرسان مالطا تنبغي الاشارة والتنويه إليه يتمثل في كون تاريخهم مشبوه ليس فقط بسبب كونهم فلول وبقايا الحملات الصليبية ولكن توجد شبه قوية بارتباط منظمة فرسان مالطا بالماسونية العالمية والاساطيل البحرية للقراصنة. ما أود الوصول له بعد هذا التطوف التاريخي هو رسم الصورة المعادية للإسلام ورموزه الحضارية في جزيرة مالطا في القرون القديمة ومن ذلك ولا شك التضييق على المظاهر العربية مثل اللغة واللباس. ومع كل هذا العداء ما زالت اللغة المالطية متأثرة ومنذ اكثر من ألف عام باللغة العربية وقت أن حكم العرب جزيرة مالطا وصقلية ولهذا توصف اللغة المالطية بأنها مشتقة من اللهجة العربية الصقلية. بمعنى أن اللغة المالطية في الأساس ليست لغة أصيلة ذات جذور أوروبية  وإنما هي ذات أصول شرقية سامية فينيقية أو عربية على الأرجح. صحيح أن اللغة المالطية الحالية بها العديد من الكلمات والمفردات من اللغة الايطالية والانجليزية لكن اللغة المالطية الأصلية والقديمة يقال أن أكثر من ثلثي كلماتها والعديد من قواعدها النحوية مأخوذة من اللغة العربية وبلهجة تونسية واضحة. بدون مبالغة كل من يزور الجزيرة المالطية الخلابة سوف يصعق من شدة التقارب بين اللغة المالطية واللغة العربية وأشهر نص مكتوب يوثق ويناقش التقارب الغريب بين هاتين اللغتين هو ما ذكرة الأديب اللبناني السابق الذكر أحمد فارس الشدياق في كتابه الفريد (الواسطة في معرفة أحوال مالطا). تحت عنوان (فصل في لغة مالطة) ذكر الشدياق أن اللغة المالطية فرع من الدوحة العربية وشيصة من تمرها وتعجب أنها (لغة محكية) لم يتم استخدامها في الكتابة ولأن أغلب كلماتها تم اشتقاقها بشي من التحوير من اللغة العربية فلهذا كانت لغة هجينة وضعيفة وعليه (نقدها) الشدياق بقولة:
تباً لها لغة بغير قراءةٍ          وكتابةٍ عين بلا أنسانِ
أذنابها ورؤوسها عربية       فسدت وأوسطها من الطلياني
والأمر الملاحظ بشكل جلي في اللغة المالطية أنها ليس فقط تستخدم كم مهول من المفردات العربية بل أن تكوين الجمل اللغوية الطويلة بل وحتى الابيات الشعرية مبني على استخدام تركيب الكلمات العربية ومن ذلك ما ذكره الشدياق من الابيات الشعرية التي سمعها من أهل تلك الجزيرة وبلغتهم المالطية مثل قول الناظم:
المحبوب تا قلبي سافر       ليلي ونهاري نبكيح
جعلتو بدموعي البحر     وبالتنهيدات تا قلبي الريح
كما يقول أحمد فارس الشدياق أن مما سمعه من الشعر المالطي قول أحدهم في الغزل:
ينا اشتقت نجي فوق سدتك         نجي شبيهه تا عصفور
نطفي المصباح بجوانحي       نعطيك بوسه ونرجع نمور

Xi hadd jitkellem bl-Ingliz
العبارة السابقة المكتوبة بالحروف الانجليزية هي ترجمة قوقل من اللغة العربية إلى اللغة المالطية للعبارة العربية (هل يوجد أحد يتكلم الإنجليزية) والتي تصبح باللغة المالطية كالتالي (في حدا يتكلم بالانجليز). وخلال زيارتي لجزيرة مالطا هذا الاسبوع كنت في الواقع عندما أقول (كم تسوا دان إلكتيب) kemm tiswa dan il-ktieb فأن في الواقع كنت أنطق باللغة المالطية العبارة العربية التي تقول: كم تكلفة هذا الكتاب. شواطئ جزيرة مالطا جميلة جدا وإذا أردت أن أعبر عن رغبتي في السباحة في ماء البحر فسوف أنطق ذلك باللغة المالطية كالتالي: أنحوب نعوم في إيلما بحر (inhobb nghum fl-ilma bahar). العبارات الكاملة من اللغة المالطية شبة المتطابقة مع اللغة العربية يجدها الزائر بكل سهولة في اللوحات الارشادية والتحذيرية في شوارع مالطا ومن ذلك مثلا تجد أن اللافتة التحذيرية من رمي القمامة (الزبالة) في الطريق تنطق كالتالي: ترميش زبل فت تريق (tarmix zibel fit-triq). جزيرة مالطا جميلة ونظيفة ومتعة للزائرين ولهذا يحق للسائح لها أن يردد يردد المثل الدراج باللغة المالطية الذي يقول بلهجتهم: فين نحب القلب يمشو الرجلين (fejn thobb il-galb jimxu r-riglejn) والذي يقابله باللغة العربية الفصيحة: حيثما يعشق القلب تتبع الأقدام.
وبعد هذه الامثلة اللغوية السريعة ليس من المستغرب أن نعرف الان أن أكثر من 70 بالمائة من مفردات اللغة المالطية هي مشتقة أو محورة من كلمات عربية. وأوضح ما يكون ذلك في معرفة أن جميع كلمات الاعداد هي مفردات عربية فمثلا لو اردنا أن ننطق تاريخ سنة 1919 ميلادي فهي تنطق كالتالي باللغة المالطية (ألف دسعا ميا وا دسعتاش) elf disa mija u dsatax واخترنا هذا التاريخ باذات لأنه يوافق مرور مائة سنة على إقامة أهم شخصية عربية في جزيرة مالطا وهو الزعيم المصري سعد زغلول عندما قامت قوت الاحتلال الانجليزي بنفيه وبعض رفقائه من مصر إلى مالطا في ذلك التاريخ.

وفي الختام اللغة العربية بالرغم من كل محاولات (حرب اللغات) للاستنقاص من مكانتها وساحة تواجدها هي لغة محفوظة ومباركة وثرية وسوف يكتب لها بمشيئة الله الخلود. في المسيرة البشرية الطويلة عدد ملحوظ من اللغات الكبرى اندثرت (مثل اللغة الفرعونية واللغة الفينيقية) وعدد هائل انصهر في لغات أخرى. ولكن اللغة العربية ما زالت فتية ومتجددة لها كيانها الخاص كما أن لها تواجدها الطاغي والمؤثر في اللغة الفارسية واللغة التركية واللغة الهندية واللغة السواحلية في شرق أفريقيا واللغة الامازيغية في شمال افريقيا بل وحتى اللغة الانجليزية التي دخلها عدد كبير من الكلمات العلمية المستوردة من الحضارة العربية القديمة.


الأربعاء، 8 يناير 2020

( النباتات المهاجرة .. النخلة أنموذجاً )

وجود النخلة في باريس .. حيرني وحير رفاعة الطهطاوي قبلي!!

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تذكر كتب الأدب العربي أن مؤسس الدولة الأموية في الأندلس عبدالرحمن الداخل الملقب بصقر قريش، شاهد يوماً ما بالأرض الإسبانية شجرة نخيل وحيدة فاستغرب نموها في غير مرابعها وموطنها الأصلي، ولهذا هاجت أشجانه وتذكر وطنه بأرض الشام فقال:

تبدَّتْ لنا وسط الرُّصافةِ نخلةٌ         تناءتْ بأرض الغربِ عن بلدِ النخلِ

فقلت شبيهي في التغرب والنوى     وطول التنائي عن بنيَّ وعن أهلي

نشأتِ بأرض أنتِ فيها غريبة        فمثلك في الإقصاء والمنتأى مثلي

وقع ذلك المشهد قبل 1200 سنة وقد جرت مياه كثيرة تحت الجسر (جسر قرطبة وليس جسر الرصافة) منذ ذلك الحدث، فتغيرت شعوب واندثرت أمم وانطلقت من إسبانيا ذاتها كشوف جغرافية طافت الكوكب من أدناه إلى أقصاه نُقلت خلالها عادات وبضائع ونباتات. لم يعرف العرب بشكل واضح شجرة البرتقال وإن كان عرفوا أشجار النارنج الشبيه به، ولاحقاً، في زمن الانحطاط انتقلت شجرة الحمضيات تلك من أرض الأندلس إلى أغلب الدول العربية عبر الرحالة والتجار البرتغاليين، ولهذا جادت قريحة أسلافنا بتسمية تلك الفاكهة بذلك الاسم الملون الغريب (البرتقال).

   الهجرات البشرية واقع ملموس منذ الأزل، وتم خلال تيار الزمن الجراف نقل آلاف من الحيوانات والنباتات والأفكار والمخترعات عبر الحضارات والممالك المتباعدة. الحضارة الإسلامية نشرت في الآفاق مورثها الديني واللغوي والمعرفي، ولكنها بيئة شحيحة بالنباتات فلم تحرص على نقلها، ففاقد الشيء لا يعطيه، كما يقال. المنظور الثقافي للشعوب الأخرى قد يختلف عنا، ففي حين كان الملك العربي الأندلسي يتعجب من وجود النخلة في الأرض الأندلسية نجد لاحقاً ملوك الإمبراطورية الإسبانية والبرتغالية هم من نقل زراعة النخيل إلى العام الجديد في أمريكا اللاتينية. النخلة في موروثنا الثقافي الجمعي رمز للرسوخ والثبات فلم نحرص على نقلها، بينما في الموروث الكنسي المسيحي يجدون مكتوب عندهم في سفر المزامير أن الأخيار سوف يزدهرون وينتشرون مثل شجر النخيل. في الواقع فيما يخص النخيل: الثابت عندنا هو متحول عندهم، ولهذا لا غرابة أن الإسبان عندما وصلوا إلى الغابات الاستوائية في أميركا الوسطى ووجدوا نبات شبيه بالنخيل يغير مكانه مع الزمن لم يترددوا بأن يطلقوا عليه وسم شجرة النخلة الماشية (Walking Palm Tree).

لاحقاً في ثنايا هذا المقال سنعرف أن لا (خصوصية ثقافية) لشجرة النخيل ببلاد العرب وواحات الصحراء بل هي تزرع الآن في أرض الجليد وجزر المحيط، ومن هذا وذاك يجب أن نفخر أنه بالفعل (عمتنا النخلة) هي إرث حضاري مشاع بين أغلب شعوب العالم. في هذا الأسبوع من شهر يناير من عام 2019م صدر قرار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إدراج شجر النخيل والتمر ضمن قائمة التراث غير المادي للبشرية. البعد العالمي لشجرة النخلة متجذّر في التاريخ البشري منذ الأزل فالعديد من الحضارات القديمة والمذاهب الدينية تعتبر النخلة تجسيد لأسطورة (شجرة الحياة) كما نجد ذاك عند الفراعنة في أرض النيل أو الآشوريين في بلاد الرافدين، كما اعتبرت النخلة رمزاً لسر الحياة وفق عقائد القبالة اليهودية. قبل سنوات نشرت مقالاً حمل عنوان (رمزية الجَمل في الثقافات الأخرى) أشرت فيه إلى المبالغة في افتراض الخصوصية المزعومة للمجتمعات العربية ببعض المظاهر الحضارية وكأنها حكر علينا وماركة مسجلة لنا. وعلى نفس نسق مثال الجمل وقافلة الإبل، نقول هنا أن شجرة النخيل أو واحة الصحراء أو قهوة الضيافة ليست بالضرورة هي (خصوصية ثقافية) للمجتمعات العربية فقط. بكل تجرد يمكن القول إن وصول شجرة النخيل إلى (العالمية) عبر قرار اليونيسكو سالف الذكر لاقى صدى عالمي ليس فقط لجهود الدول العربية ولكن أيضاً (للجاذبية الحضارية) لشجرة النخيل عند الشعوب الأخرى لدرجة أنه في الحس الغربي فإن وصف (مدينة النخيل) يعني عندهم مدينة لوس انجلس الأمريكية وليست مدينة البصرة العراقية أو الهفوف السعودية أو مراكش المغربية.

النخلة شجرة مباركة في أرض غريبة

بعد آخر زيارة لي للعاصمة الفرنسية باريس صح العزم مني أخيراً أن أقرأ كتاب (تخليص الإبريز عن تلخيص باريز) للكاتب والرحالة المصري الشهير رفاعة الطهطاوي والذي وثّق في هذا الكتاب مشاهداته وانطباعاته وانتقاده للحضارة والثقافة الفرنسية في مدينة باريس في منتصف القرن التاسع عشر. الغريب في الأمر أن كلاً من المفكر الطهطاوي وشخصي المتواضع لفت انتباهنا وأثار استغرابنا وجود أشجار النخيل في ساحات وميادين باريس، وإن كان كل منا استغرب الحدث من زاوية مختلفة متأثراً بتصوراته القديمة. أما أنا فشخصية ذات خلفية علمية وبحكم أنني لم يسبق لي على الإطلاق أن شاهدت شجر النخيل في أي من دول شمال أوروبا إلا أشجار النخيل التي شاهدتها في البيت الزجاجي الضخم والبالغ الجمال والأناقة المسمى (بيت النخيل) في حدائق النباتات الملكية في منطقة كيو Kew  في ضواحي مدينة لندن. ولهذا ضللتني سذاجتي في طريقة التفكير العلمية للاستنتاج أن شجر النخيل لا يمكن أن يعيش في المناطق الباردة إلا تحت أجواء اصطناعية دافئة كما فعل الإنجليز. ولهذا استغربت (كما استغرب صقر قريش من قبل) وجود أشجار النخيل (المهاجرة) تلك ونموها في غير مرابعها وموطنها الأصلي. ومن جانب آخر شعرت أنا وزملائي الكرام بالفخر البالغ للاعتناء الخاص من قِبل الفرنسيين بأشجار النخيل في حدائق لكسمبورج الرائعة الجمال في الحي اللاتيني في وسط باريس حيث أبرزت بغرسها في حاوية خاصة ومنفردة ووضعت في أمكان استراتيجية حول البركة المائية الرئيسة وأمام مدخل القصر التاريخي الفاخر (وفي مناسبة سياحية أخرى رصدنا وضع النخلة في موقع مميز من الحدائق المذهلة لقصر الشنبرون في العاصمة النمساوية فيينا).

أما ما كان من استغراب رائد النهضة العربية رفاعة الطهطاوي لوجود النخيل في مدينة باريس فإنه كان قد قرأ في شبابه في كتاب (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) لشيخ الجغرافيين العرب القزويني أن النخلة شجرة مباركة وعجيبة ومن عجائبها أنها لا تنبت إلا في بلاد الإسلام، ولهذا اهتزت ثقة الطهطاوي في بعض المعارف العلمية التي عرفها سابقاً.

حقاً وصدقاً (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) ففي الوقت الذي غررت بي خلفيتي العلمية القاصرة إلى استبعاد إمكانية نمو شجر النخيل في الهواء الطلق بالمواقع الجغرافية الباردة، كان علماء أوروبا ومنذ منتصف القرن الثامن عشر يتبادلون بينهم الرسائل والتقارير في رصد ظاهرة نمو أشجار النخيل في بعض المدن الأوروبية. في العام 1764 ميلادي تم نشر مقال علمي خاص في كتاب السجل السنوي البريطاني The Annual Register حمل عنوان (تشجيع زراعة شجرة النخيل في المناطق الشمالية الباردة) نوقش فيه رصد تجارب زراعة أشجار النخيل في بعض المدن الأوروبية مثل مدينة برلين ومدينة مونبيليه الفرنسية. وبالانتقال لجنوب أوروبا نجد في القصة القصيرة (قطة في المطر) للأديب الأمريكي البارز ارنست هيمنغواي، نتبين أن شجرة النخيل حاضرة في المشهد الأدبي حيث تدور القصة في مدينة ايطالية زاخرة بشجر النخيل. بينما الجزر اليونانية وبلاد الإغريق قصة ارتباطها بشجرة النخيل المباركة عريقة وقديمة، فوفق بعض الأساطير الإغريقية تعتبر النخلة شجرة مقدسة لأن الإله الإغريقي أبولو إله الشمس ولد بزعمهم تحت شجرة نخيل في جزيرة ديلوس. ولهذا عندما انتصرت دول المدن اليونانية (المسماة دول الحلف الديلي نسبة إلى جزيرة ديلوس) بقيادة مدينة أثينا ضد الجيوش الجرارة لأعدائهم من الفرس والفينيقيين في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد تم الاحتفال بالنصر عن طريق نصب مجسم برونزي لشجرة النخيل في مدينة ديلفي اليونانية المقدسة. ومن هنا أرتبط شجر النخيل في الثقافة اليونانية والرومانية القديمة بالانتصار وتحقيق الفوز، ولهذا جرت عادة منح وتقديم سعف النخيل للفائزين في البطولات الرياضية أو للقادة العسكريين المنتصرين في الحروب. ولاحقاً، دخلت هذه العادة في الديانة المسيحية حيث كما هو مشهور أُستقبل السيد المسيح بجريد النخيل عندما دخل مدينة القدس. من عجائب الأمور أن ارتباط شجرة النخيل بالسيد المسيح تسبب بشكل أو بآخر في نقل وانتشار هذه الشجرة المقدسة عندهم (المباركة عندنا) في بقاع كثيرة من الأرض. فمثلاً، نجد أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى أن بداية زراعة النخيل في أمريكا الشمالية وبالتحديد في ولاية كاليفورنيا تم من خلال البعثات المسيحية الإسبانية في القرن السابع عشر الميلادي لاحتياج رجال الكنيسة لاستخدام سعف النخيل في طقوس المواكب الدينية التي كانت تطوف المدينة في يوم الأحد من عيد الفصح من كل سنة. ولمثل هذه الأسباب الدينية وغيرها انتشر شجر النخيل في عموم العالم الجديد في أمريكا الشمالية وأمريكا اللاتينية.

سبق وأن ذكرنا أنه في الحس الجمعي للشعوب الغربية ترمز النخلة للنصر والسمو والازدهار ولكنها في الوقت الحالي أصبحت كذلك هي رمز وأيقونة للشيء الفاتن والغريب exotic ولهذا انتشر لدى العديد من أهل الثراء والجاه في الغرب والشرق زراعة شجر النخيل في قصورهم وحدائقهم الخاصة. وهذا ما يفسر أسباب الموجة الثانية من شيوع زراعة النخيل في أغلب حدائق ومدن العالم الكبرى. في واقع الأمر، فإن الانتشار الجغرافي لزراعة النخيل واسع ومستمر ويمتد من القارة الأسترالية في أدنى الشرق وحتى القارة الأمريكية في أقصى الغرب. وعلى ذكر الولايات المتحدة الأمريكية وصل الأمر فيها لكثرة تواجد شجر النخيل بها، أن نجد أن لقب ولاية كارولاينا الشمالية هو (ولاية النخلة) في حين أن مدينة لوس أنجلس التي تحتوي شوارعها على حوالي خمس وسبعين ألف نخلة تستحق بجدارة اسم (مدينة النخيل). بالمناسبة العديد من المدن الأمريكية مثل فلوريدا وسان دييغو ولوس أنجلس ليست فقط تشتهر بكثرة النخيل في شوارعها ومنتجعاتها ولكن أيضاً بفخامة سلالة ذلك النوع من النخيل الذي يتميز بالطول الشاهق جداً، علماً بأن أطول أشجار النخيل على الإطلاق توجد في وسط دولة كولومبيا في أمريكا الجنوبية والتي قد يصل طول أشجار النخيل فيها إلى حوالي ستين مترا !!. وفي الواقع أجمل وأروع موقع للنباتات النخيل الباسقة جدا نجده في الحديقة النباتية في مدينة ريو دي جانيرو (بالمناسبة معنى اسم هذه المدينة باللغة البرازيلية: جنة الله) حيث نجد أن ما يسمى (الممر الأمبراطوري) والذي يمتد لمسافة 750 متر ويشمل على صفين من أشجار النخيل الباسقة التي يبلغ طولها حوالي ثلاثين متر وعددها 134 نخلة مما يشكل منظر مذهل جدا.

بقي أن أختم بتذكير واعتراف، فأما التذكير فهو للخطأ الذي وقع فيه قديما شيخ الجغرافيين العرب القزويني عندما قال (أن النخلة شجرة مباركة وعجيبة ومن عجائبها أنها لا تنبت إلا في بلاد الإسلام)، وإذا بنا كما علمتم نجدها تنبت وتزدهر وتنتشر في أي (أرض غريبة) وكأنها قد هاجرت من بلاد الإسلام مع من هاجر. وأما الاعتراف، فهو في جزء منه تذكير بخطأي الذي أشرت إليه سابقاً عندما كنت أعتقد أن النخلة لا تعيش في (أجواء غريبة) مثل الأجواء الأوروبية الباردة. في الواقع لو لم يغب عن ذهني عنوان كتاب القزويني لما وقعت في هذا الخطأ، فإذا كان عنوان كتابه (عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات) فلماذا العجب من احتمالية نمو النخيل في الأجواء الباردة؟ بل حتى في المناطق شديدة الزمهرير. من عجائب المخلوقات أن تجد أشجار النخيل تنمو الآن وتزدهر في مناطق تتجمد فيها الأنهار والبحيرات في فصل الشتاء كما في مدينة موسكو الروسية أو مدينة فانكوفر الكندية أو مدينة شيكاغو الأمريكية.

لقد بدأنا المقال ببلاد الأندلس وسوف نختمه بالأرض الإسبانية، حيث قامت الروائية الإسبانية لويز جاباس في عام 2012 بنشر رواية لاقت انتشاراً كبيراً ومن ثمّ تحولت لفلم سينمائي ناجح، وما يهمنا هنا أن عنوان تلك الرواية/ الفلم هو (شجرة نخيل في الثلج). وبعيداً عن الأجواء الرومانسية لتلك الرواية الطويلة جداً يبدو أن عنوان الرواية سوف يحول عالم (المجاز الأدبي) إلى دنيا (الحقيقة العلمية). فقبل أشهر قليلة مضت، تم الإعلان عن زراعة بعض أشجار النخيل في أرض الثلج والجليد أيسلندا (Iceland) في إحدى حدائق العاصمة ريكافيك، علماً بأن درجة الحرارة منخفضة جداً في غالب أيام السنة، فهل سوف تنجو تلك (النخلات الثلجية) لتصبح بالفعل من عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات.

 


الجمعة، 20 ديسمبر 2019

( عطارد .. عابر سبيل عَجِل )

مرور كوكب عطارد أمام الشمس .. لحظة فريدة في السجل الفلكي

د/ أحمد بن حامد الغامدي
لكوكب عطارد مكانة خاصة على حدا سواء في عالم الاساطير وفي دنيا العلم حيث أنه في الميثولوجيا الرومانية تجسيد  لإله العلم والحكمة بينما هو عند علماء القرن العشرين تسجيد للدليل الملموس لتفوق اينشتاين على نيوتن. ولهذا ينتظر هواة الفلك في جميع أنحاء العالم بشوق ساعة الأصيل من يوم الأثنين القادم وذلك لرصد (عبور) كوكب عطارد أمام قرص الشمس. ولقد أعلن قيام المرصد الفلكي بكلية العلوم بجامعة الملك سعود باستقبال الزوار لمشاهدة هذه الظاهرة الفلكية (Transit of Mercury) الجميلة والساحرة لحركة كوكب عطارد التي حيرة علماء الفلك قديما وعلماء الفيزياء حديثا.
قبل أربعة قرون من الزمن توصل عالم الفلك الالماني يوهان كبلر لاكتشاف قوانينه الخاصة بحركة الكواكب وما يهمنا هنا هو القانون الثاني منها والذي ينص على أن الكوكب يدور بسرعة أكبر كلما أقترب من الشمس. يبدو أن أسلافنا القدماء من أهل الجزيرة العربية قد لاحظوا أن كوكب عطارد هو بالفعل أسرع الأجرام الملحوظة في السماء ومن هنا قد تنكشف لنا سبب التسمية الغريبة لكوكب (عطارد) والتي قد تكون مشتقة من الفعل (عَطْرَدَ) بمعنى أسرع وتابع في سيرة. وعلى نفس النسق ربط الاغريق بين عطارد وسرعة الحركة ولهذا جعلوه إله السفر ومرسال الآلهة وأشهر ما كان يميزه هو أن لديه حذاء مجنح يمكنه من الطيران والانتقال الرشيق بسرعة خاطفة. منذ زمن الرومان تم الربط بين كوكب عطارد ومعدن الزئبق حيث ان كلا منهما يحمل نفس الاسم Mercury فالزئبق معدن عالي السيولة والكوكب المسمى عطارد جرم سماوي متدفق الحركة.
 إن سرعة دوران كوكب عطارد حول الشمس كل ثلاثة اشهر أربكت علماء الفلك في أرض اليونان فظنوا أنه عبارة عن كوكبين منفصلين يظهر أحدهما بعد الغروب في فترة الغسق (كوكب هيرمس) ويظهر الاخر في الشفق قبل الفجر (كوكب أبولو). بعد ذلك بعقود طويلة رصد عالم الفلك المسلم ابن باجه بقعتين مظلمتين على سطح الشمس فسرهما لاحقا قطب الدين الشيرازي بأنهما عبور عطارد والزهرة أمام الشمس. ومن هنا بدأ علماء الفلك العرب في هز عرش اساسيات كتاب المجسطي لعالم الفلك الشهير بطليموس الذي استبعد إمكانية رصد عبور كوكب عطارد أمام الشمس. مسمار آخر في نعش معلومات كتاب المجسطي غرزه عالم الفلك الاندلسي الزرقالي عندما أقترح أن مدار كوكب عطارد إهليجي يشبه البيضة في حين أن نظام بطليموس الفلكي يصوره دائما على شكل دائرة تامة. ثم جاء دور عالم الفلك الدمشقي ابن الشاطر والذي يعترف اليوم مؤرخي العلوم في أوروبا بأن حساباته ورسومات وتحديده لمسارات كوكب عطارد هي التي استفاد منها عالم الفلك البولندي نيكولاس كوبرنيكوس ليضع نموذجه الفلكي المشهور لمركزية الشمس ومن ثم يطلق فجر الثورة العلمية الاوروبية.

لاحقا ومنذ منتصف القرن التاسع عشر لاحظ العلماء أن مدار كوكب عطارد لا يتفق تماما مع قوانين المعادلات الفيزيائية لأسطورة العلم اسحاق نيوتن وهذا ما أفرز ظاهرة فلكية جديدة سمية التعجل precession حيث تزيد في مرحلة ما سرعة حركة عطارد المرصودة عما هو متوقع رياضيا. إن رصد (العبور العَجِل) لكوكب عطارد أمام قرص الشمس هذه الايام مناسبة تاريخية وفلكية مميزة لأنها تقريبا تتزامن مع مرور حوالي قرن من الزمن على تفاخر اينشتاين بأنه تفوق على نيوتن. ما حصل يا سادة أن عملاق الفيزياء اينشتاين توصل عام 1915 لطرح نظريته النسبية العامة والتي هي في جانب منها تنقيح لقوانين الجاذبية لنيوتن وهنا تباهى أينشتاين بأن نظريته النسبية وعلى خلاف نظرية نيوتن تستطيع بدقة علمية كبيرة تفسير ظاهرة (التعجل) الشاذ لسرعة حركة عطارد ويقال بأن اينشتاين ظلّ منتشيا من السعادة لأيام متواصلة وكتب إلى أحد اصدقائه يخبره (لقد تحققت أبعد أحلامي منالاً).
بقي ان نقول في الختام أن ظاهرة المرور العابر لكوكبي عطارد والزهرة أمام قرص الشمس ليس فقط ظاهرة فلكية نادرة الحدوث ولكن ايضا قد ينتج عن عملية رصدها اكتشاف أحد أغرب المعلومات العلمية. القبطان الانجليزي جيمس كوك في الوقت الذي يعتبر أحد أهم الرحالة والمكتشفين الجغرافيين على مر العصور إلا أن أحد أغرب (اكتشافاته الجغرافية) تم في السماء وليس على الأرض !!.  في واقع الامر الرحلات البحرية الجغرافية التي قام بها جيمس كوك هي في الاصل بعثات علمية لرصد بعض الظواهر الفلكية ففي عام 1769م رصد الفريق العلمي المصاحب لحملة كوك ظاهرة عبور كوكب عطارد امام الشمس وحتى اليوم تسمى المنطقة التي تم الرصد منها في نيوزلندا بجزيرة عطارد وخليج عطارد. 
الأهم من ذلك قيام جيمس كوك وفريقة العلمي في نفس تلك السنة برصد عبور كوكب الزهرة Transit of Venus ولكن هذه المرة من جزيرة هايتي في البحر الكاريبي. لقد مكن رصد عبور كوكب الزهرة من قبل كوك وبعثات علمية أخرى متعددة في كندا وروسيا والمكسيك والنرويج من حساب المسافة بين الارض والشمس وأنها تبلغ 150 مليون كيلومتر. ولقد تم ذلك من خلال استخدام هذه البينات الفلكية المتنوعة من مواقع جغرافية متباعدة على سطح الارض وتوظيفها في دراسة ظاهرة تخاطل أو تزيح الشمس solar parallax التي تعتمد على التغير الظاهري لموقع الشمس واختلاف المنظر المرئي باختلاف مكان الرؤية.
صحيح أن مرور عطارد على قرص الشمس سريع وعابر ولكن اللحظات المميزة في تاريخ العلم لا تدوم طويلا فينبغي اهتبال الفرصة وعيش الحدث. تنبيه لهواة العلم والتاريخ: لن تحصل هذه الظاهرة الفلكية النادرة التي ترتبط بعمالقة العلماء مثل بطليموس وابن الشاطر وكوبرنيكوس وإدموند هالي (رصد مرور عطارد عام 1677م) ونيوتن واينشتاين إلا بعد ردهة من الزمن فالمرور التالي لعطارد أمام الشمس لن يرصد إلا عام 2032 ميلادي.