الاثنين، 20 مارس 2023

( عشاق العمارة الإسلامية )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 

قبل أيام قليلة تم الإعلان عن الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية في شتى فروع الجائزة ومن المفارقات أنه تم لأول مرة توافق الإعلان عن فوز أول امرأة بجائزة الملك فيصل في العلوم (من الموافقات كذلك أنها كانت محجبة) مع الحالة النادرة بأن يكون الفائز في جائزة الملك فيصل للدراسات الإسلامية باحثا غير مسلم. وكان ذلك من نصيب الدكتور روبرت هيلينبراند المتخصص في الفنون الإسلامية والباحث الأكاديمي البريطاني الذي عمل بجامعة كمبريدج وجامعة أدنبرة والمشرف السابق على كرسي الفن الإسلامي. من المحتمل أنه لو وجدت جائزة الملك فيصل وما شابهها من الجوائز العربية المهتمة بالدراسات الإسلامية، لو وجدت قبل عقود طويلة من الزمن لربما فاز بها عدد من المستشرقين المنصفين الذي كرسوا حياتهم لهذا النوع المعرفة العلمية. ولكن بعد قرون من الدراسات الإسلامية اللغوية والتاريخية والدينية يبدو أن علوم الاستشراق تقلصت ولم يبق منها ما هو جدير بالاهتمام إلا تلك المتعلقة بالفنون الشرقية والعمارة الإسلامية.

وبعيدا عن الاستشراق والمستشرقين فقد كان العالم العربي والإسلامي بؤرة إلهام وإعجاب لطوائف وفئات متنوعة من الطبقة المثقفة في الغرب فسحر الشرق قد جذب له مشاهير الأدباء الأوروبيين من مثل لامارتين وفلوبير وأجاثا كريستي ومارك توين. في الواقع أولئك أغواهم الغموض وجمال الصحراء لعشق أرض العرب في حين أن البعض الآخر أكثر ما جذبهم لحضارتنا هو افتتانهم بقطع الفنون الإسلامية والتحف الشرقية فهذا البارون الإنجليزي هانز سلون الذي عاش في القرن الثامن عشر لم يسافر قط لأي بلد عربي لكنه كان عاشقا لجمع وشراء التحف وقطع الفنون الإسلامية. وقبل وفاته أوصى هانز سلون أن تؤول ملكية مجموعته الضخمة (من الكتب والتحف والقطع الفنية والرسومات والعملات التي جمعها عبر السنوات من كل أنحاء العالم) إلى الأمة الإنجليزية بشرط أن ينشأ لها مبنى خاص أصبح لاحقا هو نواة المتحف البريطاني العريق والذي يعتبر من أوائل المتاحف في التاريخ.

ونحن ما زلنا في العاصمة البريطانية لندن ونقابل معلم حضاري وعمراني ضخم وهام غير المتحف البريطاني وهو كاتدرائية سانت بول التي تعتبر أول مبنى بروتستانتي هائل من نوعه في القارة الأوروبية. وما يهمنا هنا أن هذا البناء الفريد يدين بالفضل للمهندس البريطاني وشيخ المعماريين في العصور الحديثة كريستوفر رين الذي بدوره وباعترافه يدين الكثير والكثير لفنون العمارة الإسلامية. لقد عمّر المهندس المعماري كريستوفر رين حتى تخطى سن التسعين وخلال سنوات الحياة المهنية في علم العمارة درس المئات من أشهر وأبرز الروائع العمرانية الأثرية أو الحديثة في مختلف البلدان في الشرق والغرب. عندما شرع كريستوفر رين في تصميم أكبر كاتدرائية (بروتستانتية) في أوروبا وهي كاتدرائية سانت بول أراد أن تكون متوجة بقبة هائلة وضخمة تقارب في عظمتها أكبر قبة (كاثوليكية) أي تلك التي تتوج كاتدرائية فلورنسا في إيطاليا. ومن هنا بدأ كريستوفر رين دراسة مكثفة لطريقة تصميم وبناء القبب الضخمة في العصور القديمة سواء قبة كنيسة/مسجد آيا صوفيا في إسطنبول وكذلك نضام قبب المساجد التركية وقبة الصخرة. من هذا وذاك وفي سن 81 توصل كريستوفر رين لنظرة فريدة في علم وتاريخ العمارة وهي أن الكاتدرائيات الأوروبية البارزة مثل كاتدرائية نوتردام في باريس أو كاتدرائية كولونيا في ألمانيا أو كاتدرائية ميلانو في إيطاليا وغيرها كثير والمبنية على نمط العمارة القوطية  Gothic architecture هي في الواقع مبنية على نمط عمارة سبق أن استخدمه العرب والمسلمين في بناء مساجدهم وجوامعهم.

وبحكم أن نمط المعارة القوطي مستعار في الأصل من الحضارة الإسلامية ووصل إلى أوروبا عن طريق الصليبين أو من خلال الاحتكاك بالمسلمين في أسبانيا وصقلية وغيرها. ولهذا وهنا كانت القنبلة الكبرى أن أهم وأبرز مهندس معماري في العصور الحديثة وهو كريستوفر رين يطلب تصحيح اسم فن العمارة السائد في أوروبا من فن العمارة القوطية وتعديله إلى اسم (العمارة الإسلامية) أو العمارة الموريسكية. كما هو معروف أن الموريسكيون هم العرب الذين بقوا في إسبانيا بعد سقوط الأندلس في حين أن المستعربين الإسبان الذين يطلق عليهم: الموزراب Mozarab هم نصارى الأندلس الذين تقبلوا الحضارة واللغة العربية والملابس والعادات العربية. وبالإذن من كريستوفر رين فإن من أدخل بعض فنون العمارة الإسلامية إلى أوروبا هم الإسبان الموزراب وليس المسلمون الموريسكيون فعن طريق أولئك النصارى الذين تشربوا الحضارة الإسلامية أمكن من خلال من عمل منهم في البناء والعمارة، أمكن نقل أسرار العمارة الإسلامية من جنوب إسبانيا من إقليم أندلوسيا إلى شمال إسبانيا ولاحقا إلى فرنسا ومنها إلى بقية المناطق الأوروبية.

 من أجمل ما في مسجد قرطبة وقصور مدينة الزهراء الأندلسية المندثرة من ناحية الفنية تلك التحف المعمارية المسماة أقواس حدوة الحصان horseshoe arch التي دخلت في بناء دير مسيحي فرنسي قرب مدينة ليون وما يهمنا هنا أن من قام ببناء هذا الدير في عام 913م هم مجموعة من الرهبان الإسبان القادمين من مدينة قرطبة. وربما كنوع من الاعتراف بفضل العمارة الإسلامية تسمي أقواس حدوة الحصان الشائعة الاستخدام في بريطانيا بالأقواس المغربية (Moorish arch). ليس هذه فحسب فدرة تاج العمارة القوطية وهي الأقواس الأوجية Ogee arches الموجودة تقريبا في أغلب الكنائس الأوروبية والمباني الأوروبية التاريخية هي ليست في الواقع أقواس قوطية وإنما أصلها من العمارة الإسلامية الهندية كما نجده في بوابات مدخل مجمع تاج محل أو في الأقواس الخلابة في القلعة الحمراء في مدينة دلهي القديمة. في عام 2007 أصدر الدبلوماسي والكاتب الأمريكي مايكل مورجان كتابه الماتع ذا العنوان المميز (تاريخ ضائع) ويقصد بذلك تاريخ الإسهامات العلمية والطبية والفنية التي قدمتها الحضارة الإسلامية للعالم الغربي. لقد وصف مورجان التراث العلمي الإسلامي بأنه تراث خالد وأنه تم بشكل متعمد تجاهله من قبل الأوروبيين حتى ضاع من ذاكرتهم الجمعية.

وبالرغم من أن إسهام الحضارة الإسلامية في مجال العمارة الأوروبية ليس بتلك الدرجة الحاسمة من الوضوح إلا أننا نجد أن الباحثة البريطانية دايانا دارك المهتمة بتاريخ الحضارة الإسلامية تؤلف عام 2020م كتاب بعنوان صادم (السرقة من المسلمين .. كيف شكلت العمارة الإسلامية أوروبا). ويبدو أن الكاتبة دايانا دارك تستخدم إستراتيجية الصدمة كمحاولة منها لكي يفيق المتلقي والقارئ الأوروبي من خديعة (مركزية الحضارة الأوروبية) ولهذا تصف دايانا عملية (الاقتباس) والإلهام من قبل الأوروبيين من الحضارة الإسلامية (الضائعة) أنها أشبه بعملية السرقة والسطو. في يوم 15 أبريل  2019م حصل حريق ضخم في كاتدرائية نوتردام في باريس وبحكم أن هذه الكنيسة الشهيرة من أبرز المعالم العمرانية المسيحية كتبت دايانا دارك في صباح اليوم التالي إن تصميم كاتدرائية نوتردام قد استلهم من كنيسة عربية أثرية في محافظة إدلب السورية. وبعد نشر تلك التغريدة واجهت دايانا دارك بعض الاحتجاج والاعتراض وعاصفة من الاهتمام بذلك الإرث الضائع وهل فعلا للمباني المسيحية البارزة أي ارتباط بالعرب والإسلام. وكردة فعل لهذا الجهل بدور الحضارة الإسلامية في تشكيل أوروبا قامت المستعربة Arabist دايانا دارك وبشكل سريع في إنتاج كتابها الضخم ذاك في أكثر من ثلاثمائة صفحة كما أنتجت مقطع فيديو مختصر عن (كيف شكلت العمارة الإسلامية أوروبا) أصبح له ذيوع وانتشار واسع في عالمنا العربي.

 قصر الحمراء وعشق الغرباء

كما لاحظنا أن تكليف المعماري البريطاني كريستوفر رين ببناء أكبر قبة بروتستانتية في الدول الغربية قاده إلى دراسة فنون العمارة الإسلامية ثم الاعتراف بفضلها وتفوقها على العمارة الأوروبية وكذلك نجد معماريا بريطانيا آخر يكلف بهمهمة معمارية تكون سببا في عشقه الدائم بجماليات العمارة الإسلامية. هذا ما حصل مع المعماري أوين جونز الذي كلف في عام 1851م بتجهيز محتويات القصر الزجاجي للمعرض الدولي الكبير الذي استضافته مدينة لندن وكانت الفكرة تجهيز أجنحة لفنون العمارة للحضارات القديمة وتم تمثيل الحضارة الإسلامية من خلال (جناح قصر الحمراء). ولتنفيذ هذه المهمة سافر أوين جونز إلى مدينة غرناطة وقضى ستة أشهر وهو يرسم معالم الأناقة المعمارية في قصر الحمراء وبعد عودته لمدينة لندن ظل حوالي عشر سنوات وهو يجهز في كتابه الضخم المؤلف من 12 مجلدا وحمل عنوان (مخططات قصر الحمراء). وإن كان العاشق الإنجليزي المعماري أوين جونز ساهم في تعريف أوروبا بقصر الحمراء فينبغي ألا نغفل أن العاشق للفن الإسلامي المؤرخ والروائي الأمريكي إيرفنغ واشنطن قد سبق وأن عرّف المجتمع الأمريكي والعالم الغربي بقصر الحمراء وذلك بعد أن عاش فترة من الزمن في مدينة غرناطة وألّف بها كتابه المميز (حكايات قصر الحمراء). 

يقال إنه لا شيء في الحياة أكثر قسوة من أن يكون المرء أعمى وهو في قصر الحمراء وفي المقابل ربما أكثر الناس متعة وإثارة عند زيارة قصر الحمراء هم علماء الرياضيات !!.  قبل قرن من الزمان وبالتحديد في عام 1922م زار الرسام الشاب الهولندي موريتس إيشر قصر الحمراء وهنا تغيرت حياته بشكل جذري حيث أثارت الزخارف الباذخة في القصر اهتمامه وخصوصا نماذج الفسيفساء وتشكيلات البلاط. ومن هنا تنبّه إيشر إلى الترابط الوثيق بي علم الرياضيات وبين أشكال الزخارف التي رصدها ورسمها في قصر الحمراء ومن ثم (اخترع) إسهامه الفني والرياضي الضخم ألا وهو إبداع لوحات ورسمات فنية مستوحاة رياضيا وبهذا أصبح إيشر له شهرة عالمية مدوية على حدا سواء بين علماء الرياضيات وبين مشاهير الرسامين وأهل الفنون.

ونختم بالإشارة إلى أن بعض أهم معالم العمارة الإسلامية من روعتها الجمالية وشدة إتقان تصميمها الهندسي حسدنا الآخرين عليها وحاولوا الزعم أنها من نتاج ثقافات وحضارات غير إسلامية. فهذا الباحث الأمريكي المعاصر فريدريك برجبوهر يؤلف كتابا في أكثر من 400 صفحة عن قصر الحمراء ويزعم فيه أن أناقة وألق ذلك القصر الخالد الفضل فيها لشاعر يهودي أندلسي قديم يدعى سليمان بن جبريول القرطبي. وعلى نفس النسق في الافتراء والمحاولات الفاشلة لسلب الحضارة الإسلامية من شرف وفخر خصوبتها لولادة تلك المعجزات المعمارية نجد كذلك بعض الحاسدين من الكتاب الغربيين يزعمون بالباطل أن تحفة تاج محل المزخرف جدرانه بالآيات القرآن الكريم هو ليس من نتاج الحضارة الإسلامية. وهكذا زعموا وافتروا أن ذلك الصرح الأنيق الذي بناه الملك المغولي المسلم ملك شاه هو من هندسة وتصميم شخص إيطالي يدعى جيرونيمو فيرونيو. بقي أن نقول إن ذلك الإيطالي لم يعرف عنه إلا أنه تاجر مجوهرات من مدينة البندقية زار الهند بغرض التجارة ولهذا هو أبعد الناس عن فن العمارة كما هو حال الشاعر اليهودي القرطبي الذي زعموا بالبطل والحسد أنه هو من أبدع تحفة قصر الحمراء !!.


( الاحتفالات بهزيمة الإسلام وأهله !! )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في التاريخ الإسلام حصلت معركة مرج راهط قرب دمشق بين مروان بن الحكم وبين جيش عبدالله بن الزبير والذي كان بقيادة أمير قنسرين زفر بن الحارث الكلابي الذي فرّ من أرض المعركة بعد الهزيمة التي وقعت بهم. وبحكم أن زفر بن الحارث كان من الشعراء الأمراء فقد تعاظم عليه أن يهزم وأن يفرّ من المعركة وأن يفقد فيها بعض أولاده ولهذا توعد بني أمية بقصيدة بديعة منها البيت المشهور:

فقد ينبت المرعى على دمن الثرى      وتبقى حزازات النفوس كما هيا

 وبالمعذرة من القارئ الكريم فإن الداعي لاستحضار هذه القصة وذلك البيت الشعري الطنّان هو ما حصل قبل أيام قليه وفي الأدوار النهائية لبطولة كأس العالم عندما أخذ فريق كرة القدم للمنتخب المغربي الشقيق يتقدم بخطى متوالية نحو الكأس وبعد كل انتصار على الفريق الإسباني والبرتغالي تذكرنا جميع لحظات التاريخ المجيد بفتح الأندلس. وعندما انهزم أخيرا المنتخب المغربي على (يد/رجل) المنتخب الفرنسي تذكر الفرنجة المعاصرين انتصارهم على المسلمين في معركة بلاط الشهداء ولذا بالفعل قد تمر الأعوام ويتطاول الزمن ويكون المظهر العام لعلاقات البشر بينهم البين براقا، ومع ذلك حقا وصدقا: تبقى حزازات النفوس كما هيا.

ربما لأغلب الشعب العربي المتحمس للنصر المؤقت للمنتخبات العربية في كأس العالم سرعان ما نسيان حالة (استرجاع واستجرار) تاريخ الفتوحات الإسلامية للفردوس المفقود أرض الأندلس بعد انتهاء المونديال. ولكن في المقابل الله أعلم كيف كانت مشاعر الشعب الإسباني يوم الإثنين الماضي (الثاني من شهر يناير) عندما احتفل على عادته السنوية بمهرجان (Moros y Cristianos) وهذه المرة ربما كانوا مشحونين بانكسار منتخبهم على يد المغاربة الغزاة ولهذا كان للاحتفال على هزيمة المسلمين العسكرية لها طعم مختلف. في هذا المهرجان الشعبي السنوي يحتفل الإسبان بالانتصارات في المعارك التي تمت قبل أكثر من خمسة قرون بين المسلمين (moros) وبين المسيحيين (cristianos) والتي نتج عنها طرد الإسلام وأهله من الفردوس المفقود.

بعد عدة قرون من الحروب المتواصلة التي تعرف في التاريخ الإسباني بحروب الاسترداد Reconquista سقط أخير آخر معقل للإسلام في الجزيرة الأيبيرية وذلك بالتحديد في اليوم الثاني من يناير من عام 1492م حيث انتهى الحكم الإسلامي في الأندلس مع احتلال الجيوش المسيحية لمدينة غرناطة. ومن ذلك التاريخ (توارث) الإسبان جيلا بعد جيل عادة إقامة الاحتفالات الشعبية لاستعادتهم لجميع المدن والأقاليم التي فتحها المسلمون ثم طردوا منها. ولهذا في ذلك الاحتفال السنوي الذي يقام في تاريخ الثاني من يناير تقوم فرق من الممثلين الإسبان بالانقسام إلى قسمين لتأدية مشاهد تمثيلية وقتالية بين أفراد منهم يلبسون الملابس العربية (موروس moros) يكون لهم النصر في بداية المعارك ويحتلون المدن الإسبانية. ثم مع استمرار فعاليات الاحتفاليات التمثيلية تصل المرحلة الحاسمة عندما ينقلب الحال ويبدأ الجنود المسيحيين (كريستيانوس cristianos) بتحقيق الانتصار العسكري وهزيمة المورو(العرب) ببركة معجزة أحد القديسين المسيحيين مثل القديس جرجس أو القديس يعقوب.

بالمناسبة القديس يعقوب (أو سانت جيمس أو بالإسبانية: سانتياغو) هو من يزعم الإسبان أنه تسبب في معجزة انتصارهم الكبير ضد العرب في معركة العٌقاب في منتصف شهر يوليو من عام 1212ميلادي. وفي تاريخ سقوط الأندلس تعتبر معركة العُقاب هي المرحلة المفصلية التي انقلبت فيها الموازين لصالح النصارى ضد المسلمين وكانت هزيمة مهينة لأن الجيش (العربي) البالغ حوالي 30 ألف جندي قتل وجرح منه حوالي 20 ألف مقاتل بالرغم من أن الجيش المسيحي بالكاد يصل أعداد جنوده لنصف عدد جيش المسلمين !!. ولهذا لا غرابة أن يعتبر الإسبان يوم 16 يوليو هو (عيد النصر) وتقام فيه سنويا وبشكل متواصل منذ ثمانية قرون مهرجانات النصر على العرب وذلك بالتحديد في المدينة الإسبانية لا كارولينا الملاصقة لحصن العقاب.

الجدير بالذكر أن (الاحتفالات) السنوية التي تقام في إسبانيا والبرتغال ابتهجا واستحضارا للتاريخ بطرد المسلمين متعددة وكثيرة جدا ومتفاوتة في الموعد عبر أشهر السنة فالعديد من المدن والأقاليم كلا على حدة تحتفل في التاريخ الذي أعادوا انتزاع مدينتهم من سلطة الحكم الإسلامي. ولذا بالإضافة للاحتفالات بسقوط مدينة غرناطة ومعركة العقاب تقام احتفالات ومهرجانات أخرى سنوية في عشرات المواقع الأخرى لدرجة أن إقليم بلنسية في شرق إسبانيا يحتوي على حوالي 16 بلدة ومدينة صغيرة كلا منها تقيم مهرجان Moros y Cristianos الخاص بها للاحتفال بهزيمة الإسلام وأهله من العرب والبربر.

ما سبق ذكره يوضح بشكل جلي الدرجة العميقة في الوجدان الديني للمسيحيين الإسبان حيال صراعهم الحضاري الحاد مع الأمة الإسلامية لدرجة أنهم ومنذ عام 1130م وحتى الآن أي خلال تسعة قرون من الزمن ما زالوا يحافظون وبشكل مستمر ومتزايد على إقامة هذه المهرجانات الفلكلورية التي تخلد انتصار الأمة والدين المسيحي على الأمة والدين الإسلامي. ليس هذا فحسب فلقد أخذ الغزاة الإسبان هذه التقاليد المترسخة فيهم إلى مستعمراتهم الجديدة في أمريكا الجنوبية وشرق آسيا فمثلا بعد سنوات قليلة من احتلال الإسبان لأراضي إمبراطورتي الأزتيك والمايا في القرن السادس عشر نشروا احتفالات Moros y Cristianos في العديد من المدن المكسيكية، بل إنها تقام كذلك في العديد من دول أمريكا اللاتينية مثل البيرو وكولومبيا وغواتيمالا وبرتوريكو.

والغريب في الأمر أنك حتى اليوم تجد بعض المدن الفلبينية تحتفل بهزيمة المسلمين على يد النصارى الإسبان والسبب في ذلك أن الإسبان بعد أن احتلوا جزر أرخبيل الفلبين زمن الملك الإسباني فيليب الثاني (ومن هنا اشتق اسم الفلبين نسبه لذلك الملك) أدخلوا عادتهم الشعبية المتجذرة باحتفالات النصر على الإسلام وأهلة. وعلى خلاف أمريكا اللاتينية التي لم تقع تحت حكم الإسلام لذا خفتت بعض الشيء فيها إقامة تلك المهرجانات بالانتصار على المسلمين نجد أن جزر الفلبين كانت تقع تحت سيطرة أهل الإسلام من خلال التجار المسلمين (العاصمة مانيلا يقال إن اسمها مأخوذة من الكلمة العربية: في أمان الله) ولهذا بعد وصول الإسبان حصل بالفعل طرد للمسلمين من تلك الجزر كما طردوا قبل ذلك من شبه الجيرة الإيبيرية. بقي أن نقول أنه بعد جلاء الإسبان عن حكم الفلبين على يد الأمريكان ما زالت تلك المهرجانات تقام حتى اليوم في الفلبين ولكن تغير أسمها من (موروس –  كريستيانوس Moros y Cristianos) إلى اسم مورو –  مورو (Moro - Moro).

على كل حال ينبغي القول أن بعض هذه الاحتفالات بهزيمة الإسلام وطرد العرب من الأندلس أصبحت مع الزمن نوع من الفلكلور والمورث الشعبي خصوصا لدى الشعوب المتأثرة بالحضرة الإسبانية والتي لا صلة لها مباشرة مع الإسلام كما في أمريكا الجنوبية. ومع ذلك ينبغي في نفس المقام ألا نقلل من (رمزية) هذه الاحتفالات والمهرجانات وأنها مع شيوع النظرة السلبية للإسلام وأهله ووصمهم في الزمن الحالي بالتطرف والتخلف قد تجعل الآخر يتقبل بكل أريحية أي موقف معادي ومجافي للمسلمين.

وقبل أن نغادر شبة الجزيرة الإيبيرية ينبغي ألا يفوتنا ونحن في مقام الحديث عن استحضار أهل الصليب النصر العسكري على أهل الهلال وتناقل ذلك عبر الأجيال أن نشير إلى أن علم دولة البرتغال يحتوي تصميمه ومنذ العصور الوسطى وحتى الآن على بعض الرموز المرتبطة بحروب الاسترداد الاسبانية وطرد المسلمين من الأندلس. يحتوي تصميم علم البرتغال في وسطه على خمسة دروع مرتبه على هيئة صليب يحوط بها سبعة قلاع ومن الناحية التاريخية تمثل الدروع الخمسة الملوك العرب الخمسة الذين انتصر عليهم ملك البرتغال أفونسو الأول في معركة أوريك التي نشبت بينهم في عام 1139م في حين أن القلاع السبع يقال إنها ترمز لانتصارات الملك أفونسو الثالث ضد العرب وانتزاعه إقليم الغرب Algarve الذي يقع أقصى جنوب أرض البرتغال.

 قهوة وكروسان للاحتفال بهزيمة بني عثمان

استمرارية الاحتفالات السنوية لمدة خمسة قرون بهزيمة المسلمين وطردهم من الأندلس هو سلوك كاشف عن ثقل التحدي الحضاري الذي كان يستشعره أهل الصليب في إسبانيا عندما حكم الإسلام تلك الديار لمدة ثمانية قرون. تحدي حضاري آخر من الإسلام وأهله لا يقل خطورة عما سبق استشعره أهل الصليب في قلب أوروبا هذه المرة وذلك عندما غزت جيوش الدولة العثمانية واكتسحت العديد من الأقاليم والدول المسيحية الغربية. الجميع قد سمع بالقصة التي تقول إنه عندما فشل الحصار العثماني على مدينة فيينا عاصمة ما كانت تسمى في ذلك العصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة احتفل المسيحيون بانتصارهم على المسلمين باختراع خبز (الكروسان). بعض المصادر الغربية تقبل بكل أريحية قصة ظهور خبز الكروسان بعد الانتصار في (معركة فيينا) وذلك لأن الرايات والأعلام العثمانية في تلك المعركة كانت تحمل شكل الهلال دلالة على الديانة الإسلامية (أهل الهلال في مقابل أهل الصليب) ولذا بعد المعركة وكطريقة لتخليد لحظة هزيمة الأتراك يقال إنه في هذه الأجواء الاحتفالية بالنصر على أهل الهلال ظهر لأول مرة خبز الكروسان. كلمة الكروسان croissant في اللغة الفرنسية تعني (الهلال) وبما أن بعض المصادر التاريخية تشير إلى خبز الكروسان وصل إلى فرنسا من النمسا وبالتحديد من مدينة فيينا Vienna فيما يعرف بمخبوزات فيينا (فينوازري viennoisrie). وهذا التقارب في ألفاظ الكلمات ربما يشي بصحة تلك القصة المشهورة بارتباط الكروسان بهزيمة الأتراك (هزيمة الإسلام وأهله) تحت أسوار مدينة فيينا. كما توجد احتمالية أخرى لصحة قصة شائعة تقول إن مشروب القهوة دخل للقارة الأوروبية بعد أن انسحب الجيش التركي من فيينا مخلفا وراءه أكياس عديدة من حبوب القهوة. ويبدو أن الجيش العثماني كان في عجلة من أمره بعدما انسحب من تحت أسوار فيينا فقد ترك خلفه أيضا بعض الأدوات الموسيقية مثل نوع خاص من المزامير التركية الخشبية يسمى تاروغاتو ولهذا يقال مرة أخرى إن هذه الآلة الموسيقية استخدمت كنوع من الاحتفال وتخليد الانتصار على الأتراك حيث إنها أصبحت الرمز الوطني للحرية للشعب المجري.

الجدير بالذكر أن الاحتفال بهزيمة الإسلام وأهلة ممثلا في تقهقر الأتراك انتقل هذا الاحتفال كما لاحظنا من النمسا إلى المجر ونكمل المسيرة الآن لنصل إلى الدولة المجاورة لهما وهي بولندا والتي وبشكل غريب نجد فيها احتفالا مسيحيا ضخما قريبا في فكرته للاحتفالات التي استعرضناه بالأعلى وتحدث سنويا في إسبانيا. على نسق الاحتفال السنوي الإسباني (Moros y Cristianos) بطرد المسلمين من الأندلس نجد في بولندا احتفال مسيحي سنوي يحمل اسم: صلاة المسبحة الوردية على الحدود (Rosary on borders) والذي يقام في اليوم السابع من شهر أكتوبر ويشترك فيه حرفيا الملايين من الشعب البولندي. في ذلك التوقيت (October 7th )  من عام 1571م حصلت الهزيمة البحرية الكبرى للإسلام وأهله في معركة ليبانتو أو كما سماها العثمانيون معركة (الحظ العاثر). ربما نحن العرب نسينا تماما هذه المعركة الحاسمة بين الإسلام والمسيحية، ولكن المتعصبين من النصارى لم ينسوها أبدا ولذا تجدر الإشارة إلى أن السفاح النيوزلندي الذي قتل قبل عدة سنوات العشرات في صلاة الجمعة حرص أن يكتب اسم معركة ليبانتو على بندقيته. السبب في ذلك أن هذه المعركة الحربية أنهت الهيمنة الإسلامية على البحر الأبيض المتوسط ولهذا حتى الآن يحتفل كل سنة الشعب البولندي بالملايين أنه في ذلك اليوم السابع من أكتوبر عندما بزعمهم خلص المخلص اليسوع الأمة البولندية وحماها من هيمنة المسلمين والأتراك. في ضوء القناعة التي سرت بين أهل الصليب قبل تلك المعركة بسنوات أن السلطان سليمان القانوني قام بتجهيز جيش ضخم وأسطول ضارب لغزو إيطاليا واحتلال روما وتحويل كنيسة القديس بطرس إلى مسجد (كما حصل في احتلال روما الشرقة: القسطنطينية وتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد)، في ضوء ذلك يمكن أن نفهم لماذا في نظر النصارى كان النصر في معركة ليبانتو هو لحظة جديرة بالاحتفال السنوي.


( الجوائز العلمية العالمية والتحيز ضد الالتزام الديني )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

مساء الأمس تم الإعلان عن الفائزين بجائزة الملك فيصل العالمية وما يميز هذا الخبر الهام أنه لأول مرة تحصل سيدة (محجبة) على جائزة علمية مرموقة فكما هو معلوم كثيرا ما يحصل الفائزون على جائزة الملك فيصل في التخصصات العلمية على جائزة نوبل وهذا ما حصل حتى الآن مع 20 فائزا بجائزة الملك فيصل ثم بجائزة نوبل. في المجالات العلمية تقف جائزة الملك فيصل في مصاف الجوائز العلمية المرموقة مثل جائزة قلادة العلوم الأمريكية وجائزة وولف العلمية وميدالية فيلدز في الرياضيات وجائزة وولش الأمريكية ولكن هل يمكن أن تحصل سيدة محجبة على أي من هذه الجوائز العلمية المرموقة أتوقع أن الإجابة معروفة.

من ضمن الجوائز العلمية الدولية المرموقة جائزة تورنغ Turing Award وهي تنسب إلى أبي عالم الكمبيوتر البريطاني البارز آلان تورنغ وتعرف هذه الجائزة في الأوساط العلمية بأنها (جائزة نوبل للحوسبة). وبالرغم من أن العالم تورنغ قدم خدمة علمية هائلة أثناء الحرب العالمية الثانية لدرجة أن تشرشل مدحه بقوله (إن آلان تورنغ قدم أكبر مساهمة فردية في انتصار الحلفاء في الحرب ضد ألمانيا النازية) إلا أنه عندما أُكتشف بمحض الصدفة أنه كان شاذا جنسيا لذا صدر عليه حكم المحكمة إما أن يسجن عدد من السنين أو تتم له عملية الإخصاء الكيميائي.

وبالرغم من أن أغلب المجتمعات الغربية كانت حتى منتصف القرن العشرين لا تتسامح مع الشذوذ الجنسي إلا أنه كان للقائمين على لجان جائزة نوبل موقف مخالف وشاذ عن المجتمع. فمثلا بالرغم من الفضائح المتعددة التي وقع فيها الروائي الفرنسي أندريه جيد بسبب شذوذه الجنسي الذي كان يحصل مع الأطفال أحيانا إلا أنه تم منحه جائزة نوبل في (الأدب !!) وذلك في عام 1947م ولكن قارن ذلك مع تعصب وتحيز وتحجر هذه الجائزة مع الأشخاص الذين لهم التزاما بالدين.

عالم الكيمياء الأمريكي هنري إيرنج Eyring كانت له شهره وريادة مميزة في مجال حركية التفاعلات الكيميائية ولذا حصل على تطويره لنظرية (الحالة الانتقالية) العديد من الجوائز العلمية المرموقة مثل التي ذكرناها بالأعلى ومنها جائزة وولف Wolf Prize في الكيمياء وقلادة العلوم الأمريكية كما قد تم انتخابه ليتولى مهام رئيس الجمعية الكيميائية الأمريكية.  وبالرغم أن اكتشافه العلمي هذا يعد واحد من أبرز الاكتشافات الكيميائية في الكيمياء في القرن العشرين وقد نال بعض زملائه العلماء جائزة نوبل في الكيمياء عن تطوير نظرية الحالة الانتقالية transition state إلا أن هنري إيرنج تم حرمانه من هذه التكريم. أحد الأسباب حيال هذا التصرف (غير العلمي) أن جائزة نوبل يطغى عليها التوجهات العلمانية وبحكم أن هنري إيرنج كان في الواقع قسيس وفي أواخر عمره أصبح له منصب شبه رسمي في إدارة شؤون إحدى الطوائف الكنسية الأمريكية لهذا حصل (التميز ضده) وحرمانه من جائزة نوبل التي يستحقها بكل جدارة.

مثال آخر يتعلق بعالم أكثر شهرة ولكنه أقل تدينا وهو عالم الفيزياء البريطاني فريد هويل Fred Hoyle والذي كان له إسهام علمي كبير في تطوير نظرية علمية تشرح كيفية تكون العناصر الكيميائية داخل الشمس نتيجة التفاعلات النووية. وبالرغم من أن عددا من تلاميذ هويل الذين عملوا معه على تطوير تلك النظرية حصلوا على جائزة نوبل إلا أنه تم حرمانه منها بالرغم من شهرته العالمية المدوية فقد كان أحد (نجوم العلوم) وله تواصل دائم مع وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية. هذه المرة لم فريد هويل قسيسا ولا متدينا ولكنه دعم من الناحية العلمية أن الكون مصمم بشكل مقصود وذو غاية معينة وهذا يتناقض من النظرة العلمانية أن الكون والحياة ظهرت بمحض الصدفة. ونظرا لأن هذه الفكرة العلمية التي يطرحها فريد هويل حول نشأة الكون يمكن أن تكون مؤيدة لما يطرح في الغرب باسم (نظرية الخلق) التي تصادم نظرية التطور لدارون لذا تم تجاهل عالم الفيزياء فريد هويل من الحصول على جائزة نوبل.

في العصر الحالي ينتشر الإلحاد بشكل حاد في التخصصات العلمية المرتبطة بعلم الفيزياء وعلم الفلك وعلم الأعصاب ولهذا من السهل أن يجاهر العالم بين زملائه في هذه التخصصات بأنه شاذ جنسيا من أن يقول إنه يؤمن بوجد الخالق هذا فضلا عن الاعتزاز بتعاليم دينه مثل التردد على الكنيسة أن كان مسيحيا أو لبس الحجاب أن كانت سيدة مسلمة.

بقي أن نقول إن عالمة الكيمياء السيدة المحجبة جاكي ينغ التي فازت مساء أمس بجائزة الملك فيصل في الكيمياء عملت لفترة من الزمن في معهد MIT الأمريكي العريق وهي حاليا مديرة معهد الهندسة الحيوية وتكنولوجيا النانو في سنغافورة وقد اعتنقت الإسلام منذ أن كانت في أوائل الثلاثينات من عمرها وهي امرأة مسلمة ملتزمة بدينها ومعتزة بحجابها ثبتها الله على ذلك ورفع قدرها في الدنيا والآخرة.


( تجارب علمية في إجازة رأس السنة الميلادية )


 

د/ أحمد ن حامد الغامدي

بعد شهور متطاولة من العمل الدؤوب والمتواصل البعض من الناس قد يتعرضون لحالة حادة من الإرهاق الجسدي والإنهاك النفسي خصوصا قبل اقتراب موعد الإجازات في نهاية العام ولذا ظاهرة انتهاء رصيد الطاقة الدافعة للعمل هذه تعرف باسم: إرهاق أو احتراق نهاية العام (end of year burnout). صحيح أنه يمكن أن يوجد في المقابل شخصيات مدمنة بشكر مفرط للعمل (إدمان العمل workaholic) وقد يصاب بعضهم بالضرر من العمل المتواصل ولهذا يعدّ علماء النفس إدمان العمل بشكل مفرط نوع من اختلال السلوك والاضطرابات النفسية. على كل حال مما يساعد على تحمل الإنهاك والإرهاق في العمل ويؤدي لحالة من إدمان العمل الإيجابي أن يكون الشخص له (شغف) وافتنان بما يعمل. وهذا يقودنا إلا أن العاملين في مجال الأبحاث العلمية يتمتعون بهذه الميزة العاشقة للعمل بالإضافة إلى صفة وخصيصة أخرى تؤزّهم وتكون قوة دافعة لمواصلة العمل المرهق وهي: حب الاستطلاع والفضول لمعرفة الأشياء ولقد لخص عالم الفيزياء أينشتاين ما سبق ذكره عندما قال: ليس لدي موهبة خاصة، أنا فقط فضولي بشغف. ولا شك أن من أبرز ملامح الشغف والإدمان على البحث وإجراء التجارب لدى العلماء أنهم ربما يستمرون في البقاء في مختبراتهم العلمية لساعات طويلة من الليل وفي أيام العطل وحتى وإجازات الأعياد.   

وهذه المقدمة تقودنا لمحولة حصر بعض الأخبار والأحداث المميزة في تاريخ تطور العلم التي وقع فيها اكتشافات علمية حصلت بالذات في إجازة (رأس السنة الميلادية) وهو الوقت الذي يكون غالبية الناس يغشاهم الخمول في بيوتهم (مشابهه للظاهرة التي تشتهر عندنا باسم: الغيبوبة الجماعية ظهر أول يوم من عيد الفطر المبارك) بينما نجد أفرادا من عشاق العلوم يقودهم شغف العلم والفضولية المعرفية للمرابطة في مختبراتهم البحثية.

في الأول من شهر يناير من عام 1833م وبينما الجميع يتمتع بإجازة رأس السنة الميلادية كان الكيميائي الإيرلندي السير روبرت كين يعمل في مختبره البحثي في مدينة دبلن. وفي هذا اليوم المميز توصل روبرت كين لاكتشاف كيميائي مميز حيث أقترح وجود (الجذور الحرة free radicals) وهي نوع من الذرات أو الجزيئيات الكيمائية لها إلكترون حر غير مرتبط وبالتالي تكون هذه المركبات نشطة جدا وتدخل في عدد هائل من التفاعلات الكيميائية. هذا الاكتشاف فتح (آفاق) واسعة لعلم الكيمياء كما حصل مع عدة اكتشافات أخرى في مجال علم الفلك فتحت مجالات وأبعاد شاسعة للعلم كلها حدثت في توقيت إجازة رأس السنة الميلادية.

تعتبر الكويكبات أحد المكونات المهمة والشيقة في المجموعة الشمسية، ولكن حتى مطلع القرن التاسع عشر الميلادي لم يكن علماء الفلك على معرفة فعليه بوجودها وإن كان انتشرت بينهم فكرة غريبة أنه يوجد كوكب (مفقود) يحتمل وجودة بين كوكب المريخ وكوكب المشتري. وكحال العشرات من علماء (وهواة) الفلك الذين سهروا الليالي في (البحث والتفتيش) عن هذا الكوكب المفقود (ولهذا أطلق عليهم لقب: الشرطة السماوية) نجد أن عالم الفلك الإيطالي والقسيس الكاثوليكي جوزيبه بيازي انشغل لفترة طويلة في محاولة رصد هذا الجسم السماوي المفقود. ولعدة ليالي متواصلة بعد عيد الكريسماس بدأ الفلكي بيازي يخمن أنه اكتشف نجم جديد في السماء والذي أتضح أنه أول وأكبر مجموعة الكويكبات وكان ذلك كويكب سيريس. الطريف في الأمر أن ضوء هذا الكويكب أخذ يخفت ليلة بعد أخرى ولهذا اضطر بيازي أن يستمر في رصده كل ليله وفي الليلة الخامسة والتي وافقت مساء اليوم الأول من شهر يناير من عام 1801 أي مساء يوم رأس السنة الميلادية الجديدة في مطلع القرن الميلادي الجديد وفي ذلك الزمن المميز بدل أن يكون جوزيبه بيازي يحتفل مع أسرته أو زملائه بهذه المناسبة النادرة كان يقضى تلك الليلة الباردة وحيدا في مرصده الفلكي في مدينة باليرمو.

الطريف في الأمر أن علماء الفلك (خمّنوا) وجود كواكب إضافية في المجموعة الشمسية ليس اعتمادا على رصد السماء بالتليسكوب في الليل، ولكن بناءً على حسابات رياضية بالورقة القلم صباحا وهم على طاولات أبحاثهم. ولهذا توقع علماء وجود الكوكب المفقود بين المريخ والمشتري والغريب في الأمر أنه بعد مرور حوالي قرن من الزمن من اكتشاف حزام الكويكبات ما زال علماء الفلك يشكون في وجود كوكب مفقود آخر (يسمى أحيانا الكوكب أكس Plant X). وبالفعل مرة أخرى وفي يوم رأس السنة الميلادية أي في الأول من شهر يناير من عام 1909م أعلن عالم الفلك الأمريكي ويليام بيكرينغ من المرصد الفلكي بجامعة هارفارد أنه بناءً على بعض الشذوذ المرصود في مواقع كوكبي يورانوس ونبتون وما تبع ذلك من حسابات رياضية فإنه من المحتمل وجود (كوكب تاسع) ضخم في المجموعة الشمسية. كما هو معلوم لاحقا أكتشف علماء الفلك في عام 1930م وجود كوكب صخري صغير الحجم هو كوكب بلوتو ووالذي ظل لمدة 76 سنة وهو يوصف بأنه الكوكب التاسع ولكن منذ عام 2006م اسقط علماء الفلك كوكب بلوتو من قائمة كواكب المجموعة الشمسية لترجع بقوة مرة أخرى فرضية وجود كوكب ضخم مفقود في السماء التي فوق رؤوسنا !!.

ولادة الاكتشافات العلمية مع ولادة أول يوم بالسنة

الأخبار والأحداث الفلكية السابقة التي تزامن الإعلان عنها مع توقيت إجازة رأس السنة الميلادية ربما من الملائم التنبيه أن هذه الاكتشافات العلمية لم تتم في لحظة خاطفة من الزمن وإنما هي نتائج أيام وأزمان متواصلة من الرصد الفلكي يحصل في نهاية الأمر أن يصادف الإعلان عن هذه المكتشفات العلمية في توقيت مميز: اليوم الأول من السنة الميلادية الجديدة. ومن جانب آخر وبسبب طبيعة التنافس بين العلماء ورغبتهم في سرعة الإعلان عن اكتشافاتهم العلمية قبل أن يسبقهم لها العلماء المنافسون ربما نفهم لماذا تم الإعلان عن بعض أهم الاكتشافات العلمية في يوم الأول من يناير ولم ينتظر العلماء انتهاء إجازة رأس السنة لكي يعلنوا عمّا توصلوا له من سبق علمي فريد. وبما أن سيرة علم الفلك ما زالت قريبة منا في الفقرة التي بالأعلى لعلنا الآن نذكر أن عالم الفلك الأمريكي إدوين هابل نشر بحث علمي في تاريخ الأول من شهر يناير لعام 1925م يذكر فيه أن نتائج أرصاده الفلكية تثبت أن المجموعة النجمية ألمسماه أندروميدا هي بعيد جدا عن طرف مجرة درب التبانة وبالتالي هي في الواقع مجرة مستقلة وبهذا تم لأول مرة في التاريخ البشري معرفة أن (حجم الكون) أكبر بكثير من مجرتنا الصغيرة. الطريف في الأمر أن نشر هذا الاكتشاف الفلكي التاريخي حصل أثناء اجتماع للجمعية الفلكية الأمريكية ولا أعلم هل اجتماع هؤلاء العلماء بمدينة واشنطن بذلك التاريخ أي إجازة رأس السنة الميلادية حصل لأن شغفهم العلمي دفعهم للاجتماع حتى ولو وافق وقت الإجازة أو أن هذا الوقت كان هو فقط المتاح لهم للاجتماع بسبب ارتباطاتهم في أوقات العمل العادية.

 في تاريخ العلم أول جائزة تمنح من جوائز نوبل للفيزياء كانت من نصيب العالم الألماني فيلهلم رونتجين في عام 1901م وذلك نظير اكتشافه العلمي فائق الأهمـية (اكتشاف الأشعة السينية X-rays) وبقي أن نقول إن رونتجن أعلن للمجتمع العلمي عن هذا الاكتشاف الثوري وذلك في صبيحة يوم الأول من يناير لعام 1896ميلادي. وكما يعتبر اليوم الأول من شهر يناير هو موعد (ولادة) أي سنة ميلادية جديدة يعتبر هذا اليوم موعد مناسب لولادة العديد من الأحداث العلمية المميزة وكذلك كثيرا ما كان يتم اتخذه كتوقيت لموعد (تدشين) مناسبة سياسية أو اقتصادية أو حتى قانونية فكثرا ما نسمع أن القانون الفلاني سوف يأخذ حيز التنفيذ ابتداء من مطلع السنة القادمة. على كل حال لا غرابة الآن أن نعلم أن إجازة رأس السنة الميلادية سوف لن تكون عطلة هادئة إذا تم الاتفاق المبدئي أن يتم في أول يوم من السنة الجديدة تدشين فعالية كبيرة أو إطلاق مشروع علمي ضخم وهذا بالفعل ما حصل بشكل متكرر مع عصر العلوم الإلكترونية الحديث. يعتبر اليوم الأول من شهر يناير من عام 1983م هو لحظة ولادة (شبكة الانترنت) والتي تمت في مختبرات البحوث المتطورة لوزارة الدفاع الأمريكية وبحكم أنه حصلت عملية (ولادة) لهذا التقنية المذهلة فمن الملائم أن نذكر أن عالم الكمبيوتر الأمريكي فينت سيرف كثيرا ما يطلق عليه لقب (أبو شبكة الانترنت). وبما أننا في سياق ذكر تاريخ علوم الحاسب الآلي فهذا مسوغ أن نذكر أن أول كمبيوتر فعلي ناجح في التاريخ وهو الكمبيوتر الأمريكي المشهور بـ ENIAC تم الانتهاء من التجميع المرهق للقطع الضخمة له في الأول من يناير من عام 1946 ميلادي. وهذا يعني أن المهندس وعالم الفيزياء الأمريكي جون ماكلي الملقب بأبو الكمبيوتر بدل أن يقضي إجازة رأس السنة في منزله وبين أسرته كان في الواقع في ذلك التوقيت يعمل في مختبرات كلية الهندسة بجامعة بنسلفانيا لكي يسطر التاريخ بتدشين ولادة عصر الكمبيوتر.

ونختم هذا المقال وكذلك الحديث عن تاريخ تطور علوم الحاسب بذكر بدايات الثورة والطفرة الهائلة في صناعة الكمبيوترات والتي تتركز اليوم فيما يسمى (وادي السيلكون silicon valley) وهي منطقة تقع جنوب مدينة سان فرانسيسكو كانت في الأساس منطقة مزارع لفواكه المشمش والكرز وذلك حتى يوم الأول من شهر يناير من عام 1939 ميلادي. في ذلك التاريخ وفي إجازة رأس السنة وفي مكان متواضع جدا هو كراج سيارة المهندس الأمريكي دايفيد باكارد الذي تعاون مع زميلة المهندس ويليم هويليت في تدشين الشركة التقنية الكبرى HP company الحاضنة التي (ولدت) منها مختلف شركات الكمبيوتر.

بقي أن أقول قبل أن أغادر أنني يوم غد الأحد الموافق الأول من يناير لعام 2023م وفي حين أن غالبية العلماء والمحاضرين في مختلف دول العالم سوف يستلقون باسترخاء في منازلهم في إجازة رأس السنة الميلادية سوف أكون أنا بمشيئة الله بكل جد واجتهاد أقدم محاضرتي الأكاديمية لطلابي بالجامعة والله يجزاني الخير (هههههه).


( بدعة الاحتفال بعيد الميلاد .. وجهة نظر مسيحية !! )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تقريبا لا جديد في موضوع النقاش الشرعي حول تحريم (احتفال) المسلمين بعيد الميلاد المسيحي (الكريسماس) وإن كان فتاوى تحريم (تهنئة) النصارى بعيد الميلاد يوجد حولها جدال متجدد. من الأمور الثابتة في الشريعة الإسلامية النفور والتحسس من (مشابهة) الأديان الأخرى في خصائصها الشرعية والملّية مثل الأعياد والمواسم الدينية. ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة أبدل أهلها أعياد الإسلام بدل أعياد الجاهلية كما أن خليفته عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترط على أهل الذمة عدم إظهار أعيادهم في دار الإسلام ومنع المسلمين ونهاهم بقولة (إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين في يوم عيدهم في كنائسهم). ومن الأسباب الرئيسية لتأليف شيخ الإسلام ابن تيميه كتابه المشهور (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) هو موضوع التحذير من اتخاذ أعياد بدعية وما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى في أعيادهم المبتدعة. وما أود الوصول إليه أن مجرد المشابهة لشرائع دين آخر حتى ولو كان دين سماوي في موعد وزمان الأعياد والمواسم الدينية أمرا محرما فكيف لو كانت المشابهة أصلا لأعياد ومواسم أديان وثنية ضالة.

الاعتراض الأخير ليس فقط من داخل الدائرة الإسلامية، بل هو متجذر ومتجدد في داخل الدوائر المسيحية فيوجد أفراد وطوائف من القوم اعترضوا على موعد وزمان الاحتفال بعيد ميلاد المسيح عليه السلام لأنه بكل بساطة يتوافق بالضبط مع موعد أعياد وثنية قديمة. الطوائف المسيحية البروتستانتية تعتقد بحرفية الكتاب المقدس ولهذا لها نزعة أصولية سلفية وإن كانت مسيحية ولذا كما تحذر السلفية الإسلامية من (مشابهة اليهود والنصارى استنادا على الحديث الشريف: من تشبه بقوم فهو منهم) نجد أن بعض الطوائف المسيحية تلتزم تعليمات الكتاب المقدس في التحذير من التشبه بعادات الشعوب الوثنية. توجد طوائف مسيحية في الولايات المتحدة بالذات تمنع أتباعها من اتخاذ شجرة الميلاد في احتفالات الكريسماس لأنهم يطبقون حرفيا ما جاء في الإنجيل في سفر إرميا الإصحاح العاشر (هكذا قال الرب: لا تتعلموا طريق الأمم .. لأن عادات الشعوب باطلة) وبحكم أن الاحتفال بشجرة الميلاد هو من عادات الشعوب الوثنية القديمة لهذا هم يتجنبوها.

الغريب في الأمر أن الآراء الفقهية الإسلامية في أقصى مدى لها تحرم الاحتفال بالأعياد البدعية ومن ضمنها بالقطع الاحتفال بالعيد المزعوم لميلاد المسيح، بينما نجد الأمر لدى بعض النصارى يتخطى مرحلة التحريم ليصل إلى تشريع القوانين وفرض الغرامات في منع الاحتفال بعيد الكريسماس. نظرا لأن الاحتفال بعيد ميلاد المسيح في الـ 25 من شهر ديسمبر ليس له أصل في الديانة المسيحية (بمعنى أنه بدعة مستحدثة) ولذا نجد أن طائفة البروتستانت وبالذات مذهب التطهيرية puritan عندما استولوا على السلطة في بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر بعد الإطاحة بالملك تشارلز الأول أصدروا قانونا من البرلمان البريطاني في عام 1647م (يمنع الاحتفال بعيد الميلاد) وذلك نظرا لأن الكريسماس هو في الأصل عيد وثني. ليس هذا فحسب بل كان من توابع هذا القانون أنه يمنع إغلاق المحلات في هذا اليوم فهو ليس يوم عطلة وفي المقابل تم إصدار أوامر مشددة للكنائس أن تغلق أبوابها في هذا اليوم بالذات حتى لا يأتي أحد للصلاة خصيصا في هذا اليوم (المبتدع). وبالرغم من أن إسكتلندا في ذلك الزمن كانت مملكة مستقلة إلا أنه وبتأثير من الكنيسة الأسكتلندية (المشيخية Presbyterian) فقد تم قبل ذلك بقرن من الزمن اتخاذ مواقف مشابهة فيما يتعلق بمنع الاحتفال بعيد ميلاد المسيح بل وصل الأمر لدرجة أن يطلب من الجنود أن يزيلوا أي زينات أو علامات توضع على أبواب المنازل دلاله على الابتهاج والاحتفال بعيد الكريسماس.

أما على الطرف الآخر من المحيط الأطلسي وبالتحديد على الأراضي الأمريكية فنجد أنه في عام 1651م أصدرت محكمة مستعمرة ماساتشوستس قرارا بفرض غرامة مالية لمن يقيم أو يحضر حفل عيد الكريسماس وكان المسوغ لهذه الغرامة كما ورد في نص هذا القانون لأن هذا الفعل (عار عظيم ضد الله وإساءة للآخرين). وبالجملة تم تشريع قوانين مشابه لمنع الاحتفال بالكريسماس في العديد من المستعمرات والمدن الأمريكية ولم يبدأ الأمر بالتغير الملموس إلا بعد الثورة الأمريكية والاستقلال عن التاج البريطاني.

أدلة مسيحية في النهي عن الاحتفال بالكريسماس

قد يظن البعض أن منع الاحتفال بعيد ميلاد المسيح من قبل بعض الطوائف المسيحية هو أمر حدث قديما في التاريخ وتلاشى مع الزمن لكن الواقع يشهد أن العديد من طوائف والمذاهب والكنائس المسيحية المعاصرة لا تقوم بالاحتفال بعيد الكريسماس لأسباب دينية وعقائدية مختلفة. من ذلك مثلا طائفة الكويكرز وطائفة شهود يهوه وتشكيلة من تجمعات الكنائس البروتستانتية كرابطة كنائس المسيح وكنيسة اليسوع الحقيقي وجمعية مملكة الرب وكنيسة الجماعة المسيحية.

وهذا يعنى أنه لو أخذنا في عين الاعتبار أنه ما زال يوجد بعض أتباع مذهب التطهيرية والطائفة المشيخية المسيحية السابق ذكرهم ما زالوا يتوافقون في الرؤى مع هذه الطوائف البروتستانتية المعاصرة فلذا ربما نجد عشرات الملايين من المسيحيين (المتدينين) لا يمارسون الاحتفال بعيد الكريسماس لموانع دينية في شريعتهم. اللطيف في الأمر أن طريقة تفكير بعض أفراد هذه الطوائف الدينية في حظر ومنع هذه (البدعة المسيحية) مشابهة لطريقة التفكير السلفية التي أرى أنا شخصيا أنها منطقية تمام. فمثلا لتحريم ابتداع أي أمر جديد في الشرع تكون الحجج المتبعة: إنه لا دليل على شرعية تلك الأمور المبتدعة، وأنه لم يفعلها الرسول صلي الله عليه وسلام ولا صحبة الكرام وأنها ظهرت بعد القرون المفضلة وكذلك أن فيها أحيانا مشابهة للكفار. وإلى حدا ما هذا ما نجده في تسلسل الحجج الفقهية لدى طائفة شهود يهوه المسيحية في منع أتباعها من ممارسة الاحتفال بعيد الكريسماس. فبمراجعة الموقع الإلكتروني لهذه الطائفة المسيحية نجدهم يبررون عدم الاحتفال بعيد ميلاد المسيح أنه لا يوجد دليل في الإنجيل أن المسيح قد ولد بالفعل في يوم 25 ديسمبر كما أن المسيح نفسه وحوارييه وأتباعه لم يحتفلوا بحدث الولادة. وبحكم أنه من ناحية تاريخية لم يثبت احتفال أي جماعة مسيحية بعيد الكريسماس قبل عام 243 ميلادي (والبعض يقول بل لم يحصل ذلك لأول مرة إلا في عام 352 ميلادي) ولذا هذه البدعة حصلت في القرون الميلادية المتأخرة. أما التشبه بالكفار من وجهة نظر طائفة شهود يهوه فهم يقولون إن عيد الميلاد (الكريسماس) الذي يقام في يوم 25 ديسمبر هو في الأصل من تقاليد ومناسك الشعوب الوثنية والتي كانت قديما تقدس الآلهة المسؤولة عن الزراعة ونمو المحاصيل ولهذا اختير موعد هذا (العيد الوثني) بالتحديد في يوم 25 ديسمبر لأنه يتوافق مع ولادة الشمس في توقيت الانقلاب الشتوي.

ونختم بمقايسة ومقارنة أخرى بين طريقة التفكير والحكم في مواضيع الاحتفال بالأعياد المبتدعة وكيف يتم التحذير والنهي عنها من فضيلة العلماء والمشايخ في الوقت المعاصر مع بعض رجال الدين من النصارى قديما في زمن مهد ظهور المسيحية. مرة أخرى تتشابه الحجج الدينية والعقلية في إصدار موقف تشريع حيال حضور أو الاحتفال بعيد ديني مخالف فمثلا الفتوى الشريعة الإسلامية تستند على أن الاحتفال بعيد الميلاد (الكريسماس) فيه تشبه بالنصارى والذين هم في الغالب لا يشاركوننا الاحتفال بأعيادنا الدينية فلماذا هذا الهوان وحب تقليد الآخر. في التاريخ المسيحي القديم وبالتحديد في نهاية القرن الثاني الميلادي ظهر عالم ديني نصراني يدعى ترتيانوس يشتهر بأنه أول من كتب كتابات مسيحية لاهوتية وقد كان مهتما بالدفاع عن المسيحية ومعاداة الهرقطات والسلوك المخالف. وما يهمنا هنا أن ترتيانوس كان مستاء جدا من إهمال بعض نصارى عصره حضور صلاة يوم السبت في الكنيسة في حين أنهم في فترة أعياد الشتاء الرومانية يندفعون لحضور هذه الأعياد الوثنية مثل عيد الإله زحل في الانقلاب الشتوي والذي سوف يتحول مع الزمن لعيد الكريسماس.  كذلك فإن ترتيانوس مستاء جدا من قيام بعض النصارى بحمل الهدايا وإعطائها للرومان في يوم عيدهم الوثني ومشاركتهم ولائمهم ومآدبهم الصاخبة وألعابهم الرياضية المصاحبة لهذا الاحتفال. كما يوبخ ترتيانوس نصارى عصره لانضمامهم إلى مثل هذه لاحتفالات الوثنية مشيرا إلى أنه لا يوجد وثني يحترم نفسه ينضم إلى الاحتفالات الدينية المسيحية. ويختم ترتيانوس نقده لمن يتشبه بالوثنيين في أعيادهم أن هؤلاء الوثنيين لا يشاركون المسيحيين يوم الرب لأنهم يخشون أن يظهروا كمسيحيين في حين أن المسيحيين نفسهم لا يخشون أن يبدو كوثنيين عندما يشاركون الآخرين في حضور أعيادهم الوثنية.

ما أشبه الليلة بالبارحة فكم من المسلمين يشاركون المسيحيين احتفالاتهم الصاخبة بعيد الميلاد ولا يخشون بأن يظهروا كمسيحيين في حين أن المسيحيين أنفسهم لا يشاركون المسلمين احتفالاتهم الدينية لأنهم يغشون أن يظهروا وكأنهم مسلمين !!.


( كلمات عربية في القاموس اللغوي العالمي )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 قبل سنتين وفي المناظرة الانتخابية بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب سأل مدير تلك المناظرة الرئيس ترامب عن حجم أموال الضرائب التي دفعها فكان رد الرئيس ترامب بأنه سوف يكشف عن سجلاته الضريبية وسيطلع الجميع عليها. وهنا دخل على مسار الحوار السابق الرئيس الحالي بايدن فقال باللغة الإنجليزية (when inshallah ?) أي : متى إن شاء الله وهنا كانت الصدمة الكبرى للجميع في أمريكا وفي العالم العربي فكيف لمتحدث أمريكي بارز يخاطب متحدثا آخر من نفس مجتمعه وفي مناظرة موجهة لعشرات الملايين من الأمريكان ومع ذلك يستخدم كلمة عربية هي (إن شاء الله inshallah). يبدو أن هذه الكلمة (إن شاء الله) تسربت للمجتمعات الغربية في سياقها السلبي الذي نستخدمه نحن في بعض الأحيان من أن عبارة (متى إنشاء الله سوف تعمل الشيء الفلاني ؟!!) بمعنى أنك تستبعد أن من تحدثه سوف يقوم بذلك الأمر وهذا غالبا ما قصده بايدن عندما خاطب ساخرا ترامب (متى إن شاء الله) سوف تكشف عن سجلاتك الضريبية.

كلمة عربية أخرى تسربت للبيئة الأمريكية سببت نوع من البهجة والدهشة والاستحسان من قبل وسائل الإعلام وهي كلمة (هبوب) وقبل سنوات انتشرت مقاطع فيديو تبين استحسان بعض مقدمي برامج الطقس في القنوات الأمريكية استخدام كلمة هبوب في وصف عاصفة ترابية ضربت مدينة فينيكس بولاية أريزونا. وفي المقابل أعترض البعض الآخر قيام هيئة الأرصاد الجوية في ولاية تكساس الأمريكية استخدام كلمة (هبوب بلفظها العربية ولكن بالأبجدية الإنجليزية Haboob) لتسمية عاصفة ترابية غطت مطار ليبوك، فالنشرات الجوية وغيرها من التقارير الإخبارية حسب وجهة نظر المعترضين يجب أن تكون بلغة انجليزية خالية من أي كلمات دخيلة من لغة أخرى.

وإذا كان دخول كلمة هبوب العربية في المصطلحات المستخدمة من قبل هيئة الأرصاد الجوية ونشرات الأخبار (أثارت موجة) من القبول والتعجب لدى مقدمي نشرات الأحوال الجوية وقبل عدة أشهر أثيرت موجه أخرى من التعجب والاستحسان عندما أُعلن أن موقع الشبكة العالمية الرياضية ESPN وبمناسبة قرب انطلاق بطولة كأس العالم في قطر طرح موقعه الإلكتروني مجموعة من الكلمات ذات الارتباط بلعبة كرة القدم ومنها كلمة (جحفلة jahfala)  التي يبدو أنه حصل نوع من شيوع استخدامها على مستوى عالمي لتوصيف حصول فوز كروي أو تغير حاد في الأحداث في اللحظات الأخيرة.

ما سبق كان مدخل (حديث ومعاصر) لظاهرة لغوية قديمة جدا تتعلق باللغة العربية بالذات وببقية اللغات العلمية المؤثرة. عندما تقوى أي حضارة وتفرض هيمنتها وسلطانها تنشر معها لغتها ولهذا انتشرت اللغات الأوروبية الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والروسية في أصقاع مختلفة من العالم في حين أن بعض اللغات تغزو غيرها ليس بقوة السلاح، ولكن بقوة النفوذ المعرفي والفكري كما هو شأن اللغة اللاتينية قديما وحال اللغة العربية في الزمن المعاصر. ومع ذلك ينبغي أن نعترف أنه بسبب ضعف الأمة الإسلامية المخزي في الوقت الحالي أصبح انتشار وتغلغل الكلمات العربية في اللغات الأخرى محدودا وأحينا ذا طابع سلبي كمثال دخول كلمات الجهاد والحجاب والشريعة والانتفاضة والقاعدة في بعض قواميس اللغات الدولية أو كلمات الأطعمة (مثل فلافل وشاورما وكباب) في بعض سيناريوات الحوار في بعض الأفلام السينمائية الهوليوودية.

في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كان للغة العربية تأثير وتواجد في الثقافات وقواميس اللغة للحضارات والشعوب الأخرى وقد سبق قبل فترة من الزمن وعند مناسبة الهجرة النبوية أن كتبت مقالا حمل عنوان (الهجرة النبوية بعيون غربية) أشرت فيه إلى أن كبار أدباء أوروبا استخدموا مفردة كلمة (الهجرة) كما تنطق في اللغة العربية ولكن بالأبجدية والحروف اللاتينية لتلك اللغات الغربية. فمثلا الأديب الألماني يوهان غوته عندما كتب مؤلفه الهام (الديوان الغربي الشرقي) لا غرابة أن أول قصيدة شعرية في هذا الديوان حملت عنوان (الهجرة) وقد كتب غوته عنوان هذه القصيدة بلفظها ومنطوقها العربي Hejira وليس بالترجمة الألمانية لكلمة هجرة (Einwanderung). ولعل المقصود بذلك أن الأديب الألماني الكبير وهو حائر في مرحلة الشباب وبعد قراءته المبكرة للقرآن الكريم ومعرفته لسيرة الرسول الكريم أراد أن يعبر بعنوان هذه القصيدة عن رغبته في أن (يهاجر) من حال الاغتراب الروحي إلى حالة الاستقرار النفسي. ومن شاعر ألمانيا النجم إلى أديب فرنسا الأوحد فيكتور هوغو والذي نجده هو الآخر يؤلف ديوان شعر حمل عنوان (مشرقيات) وكما استخدم غوته اللفظة العربية (الهجرة) ولم يترجمها للغة الألمانية نجد أن هوغو يجاريه في ذلك ويستخدم كلمة الهجرة في عنوان قصيدتها وهي في لفظها العربي ولم يترجمها للفرنسية. في عام 1858م قام فيكتور هوغو بنشر قصيدة حملت عنوان (السنة التاسعة من الهجرة) L’an Neue De L’Hegire استعرض في ثناياها خصال الرسول الكريمة ومواقفه النبيلة. ولا شك أن استخدام كل من يوهان غوته وفيكتور هوغو لكلمة ومفردة (الهجرة) في لفظها العربي Hejira/Hegire وعدم ترجمتها هذا يشير إلى أن المتلقي والقارئ الأوروبي في القرن التاسع عشر في الغالب كان يدرك معنى كلمة Hejira لأنها واسعة الاستخدام في ثقافتهم كما أصبحت كلمة جهاد  Jihadفي الزمن المعاصر منتشرة في وسائل الإعلام الغربية.

وهذا يقودنا للغوص في التاريخ لأزمان أبعد وأعمال أدبية أوروبية أقدم وأكثر أهمية من مثل الملحمة الشعرية الأبرز في الأدب الإيطالي وهي (الكوميديا الإلهية) لشاعر مدينة فلورنسا دانتي أليغيري. وما يهمنا هنا أن المستشرق الإسباني آسين بالاسيوس وضمن أدلته على تأثير الحضارة الإسلامية وأبو العلاء المعري على دانتي ذكر أن الكوميديا الإلهية تحتوي على بعض الكلمات بصيغتها العربية ومكتوبة بأبجدية لاتينية. ومن أهم عملي أدبي في اللغة الإيطالية إلى أهم عملي أدبي في اللغة الإسبانية (بعض النقاد يشيرون أن هذا العمل الأدبي أكثر كتاب بعد الإنجيل تم تأليف كتب عن دراسته وتحليله) وهو رواية دون كيشوت (البعض ينطقها: دون كيخوته) لأديب الإسباني ميغيل دي سيرفانتس. في الأصل نجد أن سيرفانتس في شبابه سجن لعدة سنوات في الجزائر وعليه في هذه الرواية الأدبية الإسبانية لا نحتاج كثيرا للبحث عن مواضع التأثير العربي والإسلامي عليها فأصلا في بداية الرواية يسرد سيرفانتس على لسان راوي القصة أنه وجدها في مدينة طليطلة على هيئة مخطوط مكتوب باللغة العربية مؤلفها مؤرخ عربي متخيل يدعى حامد بن الجيلي. وعلى خلاف الأعمال الأدبية الغربية الكبرى التي يبذل الباحثون جهدا مضنيا لاستخراج ما ورد فيها من كلمات عربية (فكر لو أردنا أن نعرف كمْ كلمة عربية وردت في مسرحيات شكسبير) نجد أننا لا نحتاج أي جهد لتحقيق هذا المطلب فيما يخص رواية دون كيشوت. في الفصل 67 من الجزء الثاني من تلك الرواية نجد الحوار بين دون كيشوت ورفيق دربه وتابعة سانشو بانزا حول العلاقة اللغوية بين اللغة العربية وبين اللغة الإسبانية (أو القشتالية بشكل أدق) حيث يذكر دون كيشوت أن أي كلمة إسبانية تبدأ بـ (أل) هي في الأصل كلمة عربية ثم أخذ دون كيشوت يسرد قائمة طويلة من أمثلة تلك الكلمات العربية.

 حصر الكلمات العربية في القواميس اللغوية

كما هو معلوم بعد سقوط الأندلس وطرد عشرات الآلاف من المسلمين إلى خارج الجزيرة الإيبيرية ثم ولعقود طويلة من الزمن تم وبشكل مجرم وأثيم محو أي أثر للدين الإسلامي واللغة العربية وحرق الكتب الشرعية. ومع ذلك وبالرغم من مرور أكثر من قرن من الزمن عن سقوط الأندلس وفي وقت نشر ميغل دي سيرفانتس لرواية دون كيشوت في مطلع القرن السابع عشر تشير الدراسات التاريخية واللغوية أنه لا يزال يوجد في إسبانيا آلاف المواقع الجغرافية التي تحمل أسماء عربية وعدة آلاف من أسماء الأشخاص أو أسماء العوائل الأسبانية ذات النطق العربي.

وبالعودة لعنوان هذا المقال (كلمات عربية في القاموس اللغوي العالمي) وفي ضوء ما سبق ذكره ليس من المستغرب أن نعلم الكتب الحديثة المنشورة في تاريخ اللغة الإسبانية تقدر عدد الكلمات ذات الأصول العربية التي دخلت قاموس الكلمات الإسبانية بأنها تزيد عن أربعة آلاف كلمة. الطريف في الأمر أن هذه الكلمات العربية المتوشحة باللهجة والأبجدية الإسبانية سهلت دخول المئات من الكلمات العربية إلى اللغة الفرنسية بطريقة غير مباشرة في حين أن البعض الآخر من الكلمات العربية دخلت اللغة الفرنسية بالاحتكاك المباشر بين الحضارتين من خلال الفرنسيين الذين احتلوا البلاد العربية أو من خلال العرب الذين هاجروا للديار الفرنسية. صحيح أن عدد الكلمات العربية التي دخلت القاموس الفرنسي أقل بكثير ممن هي في القاموس الإسباني حيث تقدر تقريبا بحوالي 500 كلمة ذات أصول العربية. ومع ذلك نجد جان بروفوست أستاذ علم المعاجم بالجامعة الفرنسية سيرجي بونتواز في أحد كتبه عن قواميس اللغة الفرنسية وضع اللغة العربية كثالث لغة في التأثير على اللغة الفرنسية بعد الإنجليزية والإيطالية.

أما فيما يخص استعارة اللغة الإنجليزية للكلمات العربية فيبدو أن عملية التلاقح والتبادل بين هذه اللغات قديمة ومستمرة فوفقا لتقدير الباحث اللغوي غارلاند كانون أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة تكساس إي أند أم الأمريكية فإن أقدم كلمة عربية وجدت في الوثائق الإنجليزية هي كلمة المرة والتي وجدت في مخطوطة طبعت في بداية القرن التاسع الميلادي. أي بعد حوالي قرن واحد من فتح الأندلس وبالتالي في الغالب كانت هي الجسر (مع مخطوطات الإنجيل والتوراة والاحتكاك زمن الحروب الصليبية) الذي انتقلت منه الكلمات العربية إلى اللغات الأوروبية. لعقود طويلة من الزمن تخصص الباحث غارلاند كانون في دراسة علاقة وأثر اللغة العربية على اللغة الإنجليزية وقد أثمرت أبحاثه عن حصر حوالي 318 كلمة عربية دخلت اللغة الإنجليزية في الفترة الزمنية التي عاش بها شكسبير ولهذا تسربت بعض الكلمات العربية إلى بعض مسرحياته مثل كلمة (صفر) التي وردت في مسرحية: خاب سعي العشاق. الجدير بالذكر أن غارلاند كانون قام منذ فترة طويلة بتأليف معجم تاريخي حمل عنوان (إسهامات اللغة العربية في اللغة الإنجليزية) وثّق من خلاله وجود حوالي 2338 كلمة عربية موجودة في أمهات قواميس اللغة الإنجليزية مثل معجم أكسفورد البريطاني ومعجم ويبستر الأمريكي.

وفي الختام من الأمور المحسومة أن للحضارة الإسلامية تأثيرا كبيرا وملموسا على الحضارة الغربية من ناحية إسهام العلماء العرب والمسلمين في مجالات الطب والفلك والرياضيات والعلوم مثل الكيمياء ولهذا لا غرابة على الإطلاق أن نجد مئات الكلمات العربية (مثل أسماء النجوم وأسماء المركبات الكيميائية) تجد طريقها إلى قواميس تلك اللغات الأوروبية. وعبر السنوات الماضية جمعت وقرأت عشرات الكتب باللغة الإنجليزية التي توثق دور العلوم العربية والإسلامية في تقدم الحضارة الغربية ثم حصل أن لفت نظري وجود كتاب يحمل عنوان (الدور العربي في تاريخ الأدب في العصور الوسطى، تراث منسي) من تأليف ماريا مينوكال أستاذة اللغة في جامعة ييل الأمريكية العريقة. ولهذا حرصت مباشرة على اقتناء هذا الكتاب وقراءته وهو ما فتح لي آفاق جديدة أن إسهام الحضارة العربية تخطى مجرد إعارة كلمات عربية لقواميس اللغات الأخرى وإنما كان للغة والآداب العربية تأثير في تشكيل ملامح الآداب الأوروبية وبالخصوص من خلال تأثير الموشحات الأندلسية في شعر التروبادور الغنائي المشهور في أسبانيا وفرنسا وغير ذلك من التأثير العربي على أدب البلاط وشعر الغزل في الأدب الغربي.

الانتقال للمستوى الأكثر عمقا في الطرح في مدى سمو اللغة العربية وفنون الأدب الإسلامية وتفوقها على الثقافات الأخرى ودورها الأكثر تأثيرا من مجرد كلمات عربية مبعثرة نفذت إلى قواميس اللغة العالمية. ولكن هذا الأمر يحتاج مساحة أوسع من هذا المقال المحدود ولعل ذلك يحصل بمشيئة الله في مستقبل الأيام عندما تعود مناسبة (اليوم العالمي للغة العربية) التي يحول موعدها هذا العام يوم غد الأحد 18 ديسمبر. وحتى ذلك الحين أترك القارئ الكريم مع رابط لمقال قديم له علاقة بموضوع اليوم وكيف أن اللغة المالطية المعاصرة ليست فقط تستخدم (مفردات) معزولة من الكلمات العربية ولكن جملا كاملة وعبارات متطاولة في ظاهرة لغوية غريبة وفريدة سبق أن ناقشتها في مقال حمل عنوان (اللغة العربية ما زالت تؤذن في مالطا).


( شهر ديسمبر وبداية ونهاية الأدب النسوي )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

يتداول أهل الأدب مقولة (بدأت الكتابة بعبد الحميد وختمت بابن العميد) والمقصود أن صناعة الكتابة وفن البلاغة في مجال النثر العربي ابتدأ ظهورها بشكل متفوق ومبدع مع الأديب الأموي عبد الحميد الكاتب وأختمت مع الوزير البويهي الملقب بذي الكفايتين (السيف والقلم) ابن العميد. الجدير بالذكر أن الأمة العربية هي أمة شعر وليس أمه نثر ولهذا ليس فقط تأخر ظهور النشر العربي لكن أيضا فترة ازدهاره كانت قصيرة نسبيا فالفترة الزمنية الفاصلة بين عبد الحميد وابن العميد لا تزيد عن قرنين من الزمن. في المقابل دولة الشعر العربي أقوى وأطول ومتواصلة ولم تنقطع حتى وإن تداول أهل الأدب مقولة (بدأ الشعر بملك وختم بملك) ويقصدون بذلك أن الشعر كانت بدايته على يد الملك الضليل القتيل امرؤ القيس ونهاية مجده على يد الأمير الأسير أبي فراس الحمداني.

والمقصود مما سبق أن الأدب الذي يأتي على السليقة ومن دون تكلف مثل الشعر العربي يكون أصيلا ومؤثرا وممتدا عبر التاريخ على خلاف النثر وفن كتابة الرسائل الذي لا تعرفه العرب من قبل فما أسرع أن تلاشى وأندثر. وهذا يقودنا إلى مقارنة الأدب النسوي (المستحدث والمتكلف) مع الأدب (الإنساني !!) الطبيعي والضارب في عراقة التاريخ البشري. في مجال الأدب الإنجليزي (والآداب الأوروبية إجمالا) نبغ ولمع من الرجال كثير وكثير بينما لا تحفظ الذاكرة أي شاعرة نسائية مشهورة. الحال يختلف طبعا في مجال الرواية والقصة القصيرة فلا شك أن من الأسماء النسائية البارزة في دنيا وسماء الأدب يمكن أن نذكر الروائية البريطانية فرجينيا وولف (صاحبة رواية: السيدة دالواي) أو أجاثا كريستي أو الأديبة الأمريكية مارغريت ميتشل (مؤلفة رواية: ذهب مع الريح) أو هيريت ستو (كوخ العم توم) أو لويزا ألكوت (نساء صغيرات) أو ماري شيلي (فرانكشتاين) أو جين وبيستر (صاحب الظل الطويل) أو الروائية التشيلية إيزابيل اللندي (بيت الأرواح) أو حتى كاتبة قصة (هاري بوتر) المؤلفة البريطانية جي كي رولينغ.

على كل حال الأسماء الأدبية النسائية السابقة الذكر لامعة وهامة وأنتجت بعض أهم (روائع الأدب العالمي) وفي الواقع أغلب هذه الروايات نشرت في بدايات القرن العشرين ومع ذلك ينبغي أن لا نغفل أن أهم وأشهر الروايات الأدبية التي أنتجتها النساء كانت في القرن التاسع عشر وكانت شبه محصورة في ثلاث نساء جميعهن لهن ارتباط بشهر ديسمبر !!. وبشيء من المقايسة والمقاربة كما بدأت صنعة الكتابة في الأدب العربي بعبد الحميد وختمت بابن العميد نجد أن زخم وهج وأوج ألق أدب الروايات النسائية كان قصيرا نسبيا فقد ابتدأ بالروائية الإنجليزية جين أوستن واختتم بالأديبة الإنجليزية إيميلي برونتي وبقي أن نقول إن جين أوستن بداية ولادتها في 16 ديسمبر (1775م) في حين أن خاتمة وفاة إيميلي برونتي كانت في 19 ديسمبر (1848م). كمتذوق لجماليات الأعمال الكلاسيكية في الأدب الإنجليزي لا مقارنة في روعة الإبداع والعمق الفني لروايات ذلك العصر الذهبي في القرن التاسع عشر بما جاء بعد ذلك من روايات القرن العشرين أما الروايات الحديثة في العقود والسنوات الأخيرة فهي باهتة الإبداع وخافتة التألق لأدبي. ويكفي أن نشير إلى أن أشهر الروايات الأدبية الإنجليزية الذائعة الصيت والمؤلفة من قبل نساء هي لجين أوستن (مثل روايات: كبرياء وهوى / مانسفيلد بارك / إيما) بينما للكاتبة إيميلي برونتي الرواية الرائعة (مرتفعات ويذرينغ). العصر الذهبي للرواية الأدبية النسائية يمكن أن يتوقف عند إيميلي برونتي أو يمكن تمديده قليلا ليقف عند وفاة أختها الكبرى شارلوت برونتي التي توفيت عام 1855م ولها الرواية الرومانسية المذهلة (جين أير) بينما التمديد المنطقي للعصر الذهبي يجب ألا يغفل الروائية البريطانية البارزة جورج إليوت (هذا اسمها المستعار أما اسمها الحقيق فهو ماري آن إيفانس). وبحكم إن رواية (مدل مارش) للروائية جورج إليوت قد انتخبت ضمن أفضل مائة رواية أبية في كل العصور فهذا أحد المسوغات على تمديد العصر الذهبي للروايات النسائية لكي يشمل هذه الكاتبة المميزة والأمر الآخر أن لها ارتباط بشهر ديسمبر كما كان لكلا من جين أوستن وإيميلي برونتي ارتباطا بهذا الشهر فهي قد توفيت في يوم 22 من شهر ديسمبر. حتى الآن قصرنا الحديث عن الأدب الإنجليزي فيما يخص الروايات القصصية ولو فتحنا المجال لذكر القصائد الشعرية فربما من الملائم أن أهم وأبرز امرأة كتبت الشعر باللغة الإنجليزية هي الشاعرة الأمريكية إيملي ديكنسون. والتي لن نستغرب الآن أن نعلم أنها عاصرت العصر الذهبي للإبداع النسوي في القرن التاسع عشر ومع ذلك الغريب في أمرها أنها مثل من سبق ذكره من السيدات الأديبات لها هي الأخرى ارتباط بشهر ديسمبر فقد ولدت في العاشر منه وذاك في سنة 1830 ميلادي.

التحيز غير النبيل من جائزة نوبل ضد أو مع المرأة

وبحكم أن سيرة يوم العاشر من شهر ديسمبر انفتحت وحيث إننا حاليا في اليوم العاشر من شهر ديسمبر وهذا يوم مميز كل سنة لأنه يحصل فيه توزيع جوائز نوبل بحكم أنه اليوم الذي توفي فيه السيد النبيل نوبل. الليلة وبعد ساعات سوف تحصل الكاتبة الفرنسية غير المعروفة آني أرنو على ميدالية ومكافأة جائزة نوبل في الأدب والغريب في هذا الحدث أنه بالرغم من أن الأدباء الفرنسيين (الرجال) هم أكثر من فائز بجائزة نوبل في الأدب (15 فائزا بالمقارنة مع 10 فائزين بريطانيين أو أمريكان) إلا أن أول امرأة فرنسية تفوز بها وهي العجوز آني أرنو ليست ذات شهرة كبيرة مثل أديبات فرنسا البارزات مثل سيمون دي بوفوار أو فرانسواز ساغان. بالمناسبة في مقابل الكم الهائل من الروائيين والشعراء الرجال البارزين الناطقين والمؤلفين باللغة الفرنسية نجد أن أشهر روائية فرنسية هي السيدة جورج ساند (اسمها الحقيقي أمانتين دوبين صاحبة رواية فالنتاين) والتي نجدها مرة أخرى تكتب في فترة العصر الذهبي للأدب النسوي أي في القرن التاسع عشر. والمقصود أننا وإن كنا في زخم مرحلة التمكين للمرأة وتقديمها بالحق أو بالمجاملة ينبغي عندما نشاهد صور السيدة آني أرنو وهي تستلم جائزة نوبل للأدب أن نستشعر أن الجيل الذهبي لسيدات الأدب الرفيع قد انتهى قبل أكثر من قرن من الزمن.

طبعا سوف يكون الكلام مكرورا في الحديث عن عدم حيادية بل وأحيانا عدم مهنية طريقة منح جائزة نوبل بل وصل الأمر لوقوع فضيحة الجنسية تسببت بشكل أو آخر في حجب جائزة نوبل لأدب لعام 2018م واستلزمت تغييرات في تشكيلة اللجان الأدبية بالأكاديمية السويدية الجهة المسؤولة عن جائزة نوبل في الأدب. وقبل ذلك بسنتين أي في عام 2016م حصلت ضجة (وفضيحة) كبرى في الأوساط الثقافية والأدبية في العالم بعد الإعلان عن منح جائزة نوبل في الأدب للمغني الشعبي الأمريكي بوب ديلان وهذا أشبه في واقعنا العربي بمنح الجائزة العالمية للرواية العربية (جائزة البوكر العربية) للمغني الشعبي المصري أحمد عدوية !!. وفي الوقت الذي يُتساهل فيه إعطاء هذه الجائزة الكبرى للرعاع من أهل المغنى (المطرب الشعبي الأمريكي بوب ديلان كان من الصفاقة أنه حتى لم يحضر حفل تسليم جوائز نوبل) نجدها تحجب عن مشاهير الأدباء المعاصرين مثل البرازيلي باولو كويلو (صاحب رائعة رواية الخيميائي) أو الأديب الإيطالي أومبيرتو إكو (مبدع رواية اسم الوردة).

الجدير بالذكر أنه منذ بدايات توزيع جوائز نوبل واجهتها الكثير من الفضائح والقبائح من مثل المحاباة والشللية في اختيار الفائزين أو في المقابل تأثير العداوات الشخصية بين سكرتير الأكاديمية السويدية وبين المرشحين في حرمانهم من أحقية الفوز. الطريف في الأمر أن التحيز والتمكين المبالغ فيه للمرأة موجود في تاريخ جائزة نوبل المبكر وأشهر الأمثلة على ذلك أن أول امرأة في التاريخ تحصل على جائزة نوبل في الأدب هي شخصية أدبية مجهولة وهي السيدة سلمى لاغرلوف والتي حصلت عليها في تاريخ مبكر جدا من تاريخ الجائزة إي في عام 1909م. حصول السيدة سلمى لاغرلوف على جائزة نوبل كان بكل تأكيد بسبب (التحيز الإيجابي لصالحها) وذلك لأنها كانت بكل بساطة سويدية الجنسية ولهذا رغبت الأكاديمية السويدية أن تمنح هذا الشرف لامرأة من بلد السيد ألفريد نوبل. في حين أن لجنة الجائزة كانت (ويا للفضيحة) تتعمد حجب هذه الجائزة المرموقة عن عمالقة الأدب العالمي الروسي من مثل تولستوي ودوستويفسكي وتشيخوف ومكسيم غوركي بل وحتى مشاهير الأدب الإنجليزي مثل مارك توين وجيمس جويس وجورج أورويل وفرجينيا وولف والقائمة تطول وتطول !!.

وفي الختام نود أن نؤكد أن المرأة مثل الرجل يمكن أن تنتج أعمال أدبية رفيعة المستوى بشكل مذهل فالأخوات برونتي الثلاث (إيملي وشارلوت وآن) نادرا ما كن يغادرن المنزل وعشن أغلب حياتهن في مدينة صغيرة في يوركشاير وتوفين في سن مبكرة وبالرغم من قصر تجربتهن في الحياة إلا أن تنوع الشخصيات وعمقها في رواياتهن الأدبية أمر محير. في حين نجد أن الروائية الأمريكية المعاصرة توني موريسون (الحاصلة على جائزة نوبل في الأدب لعام 1993م) صدمت وأبكت تقريبا جميع من قرأ روايتها الحزينة (محبوبة) التي تناقش معاناة العبيد في أمريكا علما بأن العديد من الروايات الطنانة ناقشت هذا الأمر مثل معاناة العبد كونتا كونتي في رواية الجذور للكاتب الأمريكي أليكس هيلي أو معاناة العبدة إليزا في رواية كوخ العم توم. والمقصود أن الأدب النسوي في زمن عصره الذهبي أي في القرن التاسع عشر كان على درجة عالية من الجودة والتميز بينما هو في الوقت الحالي أدب ضعيف لأنه مؤدلج وصدامي يهدف لمناكفة الرجل والانشقاق عنه. مساء اليوم سوف تستلم لأول مرة امرأة فرنسية جائزة نوبل في الأدب بعد مرور 121 سنة على هذه الجائزة الرفيعة المستوى. حتى الآن عدد النساء الآتي حصلن على جائزة نوبل 17 امرأة فقط وفي حين حجبت هذه الجائزة عن أبرز أديبات القرن العشرين مثل الإنجليزية فرجيينا وولف والروسية آنا أخماتوفا والفرنسية سيمون دي بوفوار والتشيلية إيزابيلا أللندي إذا بنا في العشر سنوات الأخيرة نلاحظ ظاهرة متزايدة لمنح الجائزة وبشكل متكرر ومتسارع لكاتبات شبه مجهولات لأسباب لا تخفى !!.