الاثنين، 20 مارس 2023

( كلمات عربية في القاموس اللغوي العالمي )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 قبل سنتين وفي المناظرة الانتخابية بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس السابق دونالد ترامب سأل مدير تلك المناظرة الرئيس ترامب عن حجم أموال الضرائب التي دفعها فكان رد الرئيس ترامب بأنه سوف يكشف عن سجلاته الضريبية وسيطلع الجميع عليها. وهنا دخل على مسار الحوار السابق الرئيس الحالي بايدن فقال باللغة الإنجليزية (when inshallah ?) أي : متى إن شاء الله وهنا كانت الصدمة الكبرى للجميع في أمريكا وفي العالم العربي فكيف لمتحدث أمريكي بارز يخاطب متحدثا آخر من نفس مجتمعه وفي مناظرة موجهة لعشرات الملايين من الأمريكان ومع ذلك يستخدم كلمة عربية هي (إن شاء الله inshallah). يبدو أن هذه الكلمة (إن شاء الله) تسربت للمجتمعات الغربية في سياقها السلبي الذي نستخدمه نحن في بعض الأحيان من أن عبارة (متى إنشاء الله سوف تعمل الشيء الفلاني ؟!!) بمعنى أنك تستبعد أن من تحدثه سوف يقوم بذلك الأمر وهذا غالبا ما قصده بايدن عندما خاطب ساخرا ترامب (متى إن شاء الله) سوف تكشف عن سجلاتك الضريبية.

كلمة عربية أخرى تسربت للبيئة الأمريكية سببت نوع من البهجة والدهشة والاستحسان من قبل وسائل الإعلام وهي كلمة (هبوب) وقبل سنوات انتشرت مقاطع فيديو تبين استحسان بعض مقدمي برامج الطقس في القنوات الأمريكية استخدام كلمة هبوب في وصف عاصفة ترابية ضربت مدينة فينيكس بولاية أريزونا. وفي المقابل أعترض البعض الآخر قيام هيئة الأرصاد الجوية في ولاية تكساس الأمريكية استخدام كلمة (هبوب بلفظها العربية ولكن بالأبجدية الإنجليزية Haboob) لتسمية عاصفة ترابية غطت مطار ليبوك، فالنشرات الجوية وغيرها من التقارير الإخبارية حسب وجهة نظر المعترضين يجب أن تكون بلغة انجليزية خالية من أي كلمات دخيلة من لغة أخرى.

وإذا كان دخول كلمة هبوب العربية في المصطلحات المستخدمة من قبل هيئة الأرصاد الجوية ونشرات الأخبار (أثارت موجة) من القبول والتعجب لدى مقدمي نشرات الأحوال الجوية وقبل عدة أشهر أثيرت موجه أخرى من التعجب والاستحسان عندما أُعلن أن موقع الشبكة العالمية الرياضية ESPN وبمناسبة قرب انطلاق بطولة كأس العالم في قطر طرح موقعه الإلكتروني مجموعة من الكلمات ذات الارتباط بلعبة كرة القدم ومنها كلمة (جحفلة jahfala)  التي يبدو أنه حصل نوع من شيوع استخدامها على مستوى عالمي لتوصيف حصول فوز كروي أو تغير حاد في الأحداث في اللحظات الأخيرة.

ما سبق كان مدخل (حديث ومعاصر) لظاهرة لغوية قديمة جدا تتعلق باللغة العربية بالذات وببقية اللغات العلمية المؤثرة. عندما تقوى أي حضارة وتفرض هيمنتها وسلطانها تنشر معها لغتها ولهذا انتشرت اللغات الأوروبية الإنجليزية والفرنسية والبرتغالية والروسية في أصقاع مختلفة من العالم في حين أن بعض اللغات تغزو غيرها ليس بقوة السلاح، ولكن بقوة النفوذ المعرفي والفكري كما هو شأن اللغة اللاتينية قديما وحال اللغة العربية في الزمن المعاصر. ومع ذلك ينبغي أن نعترف أنه بسبب ضعف الأمة الإسلامية المخزي في الوقت الحالي أصبح انتشار وتغلغل الكلمات العربية في اللغات الأخرى محدودا وأحينا ذا طابع سلبي كمثال دخول كلمات الجهاد والحجاب والشريعة والانتفاضة والقاعدة في بعض قواميس اللغات الدولية أو كلمات الأطعمة (مثل فلافل وشاورما وكباب) في بعض سيناريوات الحوار في بعض الأفلام السينمائية الهوليوودية.

في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كان للغة العربية تأثير وتواجد في الثقافات وقواميس اللغة للحضارات والشعوب الأخرى وقد سبق قبل فترة من الزمن وعند مناسبة الهجرة النبوية أن كتبت مقالا حمل عنوان (الهجرة النبوية بعيون غربية) أشرت فيه إلى أن كبار أدباء أوروبا استخدموا مفردة كلمة (الهجرة) كما تنطق في اللغة العربية ولكن بالأبجدية والحروف اللاتينية لتلك اللغات الغربية. فمثلا الأديب الألماني يوهان غوته عندما كتب مؤلفه الهام (الديوان الغربي الشرقي) لا غرابة أن أول قصيدة شعرية في هذا الديوان حملت عنوان (الهجرة) وقد كتب غوته عنوان هذه القصيدة بلفظها ومنطوقها العربي Hejira وليس بالترجمة الألمانية لكلمة هجرة (Einwanderung). ولعل المقصود بذلك أن الأديب الألماني الكبير وهو حائر في مرحلة الشباب وبعد قراءته المبكرة للقرآن الكريم ومعرفته لسيرة الرسول الكريم أراد أن يعبر بعنوان هذه القصيدة عن رغبته في أن (يهاجر) من حال الاغتراب الروحي إلى حالة الاستقرار النفسي. ومن شاعر ألمانيا النجم إلى أديب فرنسا الأوحد فيكتور هوغو والذي نجده هو الآخر يؤلف ديوان شعر حمل عنوان (مشرقيات) وكما استخدم غوته اللفظة العربية (الهجرة) ولم يترجمها للغة الألمانية نجد أن هوغو يجاريه في ذلك ويستخدم كلمة الهجرة في عنوان قصيدتها وهي في لفظها العربي ولم يترجمها للفرنسية. في عام 1858م قام فيكتور هوغو بنشر قصيدة حملت عنوان (السنة التاسعة من الهجرة) L’an Neue De L’Hegire استعرض في ثناياها خصال الرسول الكريمة ومواقفه النبيلة. ولا شك أن استخدام كل من يوهان غوته وفيكتور هوغو لكلمة ومفردة (الهجرة) في لفظها العربي Hejira/Hegire وعدم ترجمتها هذا يشير إلى أن المتلقي والقارئ الأوروبي في القرن التاسع عشر في الغالب كان يدرك معنى كلمة Hejira لأنها واسعة الاستخدام في ثقافتهم كما أصبحت كلمة جهاد  Jihadفي الزمن المعاصر منتشرة في وسائل الإعلام الغربية.

وهذا يقودنا للغوص في التاريخ لأزمان أبعد وأعمال أدبية أوروبية أقدم وأكثر أهمية من مثل الملحمة الشعرية الأبرز في الأدب الإيطالي وهي (الكوميديا الإلهية) لشاعر مدينة فلورنسا دانتي أليغيري. وما يهمنا هنا أن المستشرق الإسباني آسين بالاسيوس وضمن أدلته على تأثير الحضارة الإسلامية وأبو العلاء المعري على دانتي ذكر أن الكوميديا الإلهية تحتوي على بعض الكلمات بصيغتها العربية ومكتوبة بأبجدية لاتينية. ومن أهم عملي أدبي في اللغة الإيطالية إلى أهم عملي أدبي في اللغة الإسبانية (بعض النقاد يشيرون أن هذا العمل الأدبي أكثر كتاب بعد الإنجيل تم تأليف كتب عن دراسته وتحليله) وهو رواية دون كيشوت (البعض ينطقها: دون كيخوته) لأديب الإسباني ميغيل دي سيرفانتس. في الأصل نجد أن سيرفانتس في شبابه سجن لعدة سنوات في الجزائر وعليه في هذه الرواية الأدبية الإسبانية لا نحتاج كثيرا للبحث عن مواضع التأثير العربي والإسلامي عليها فأصلا في بداية الرواية يسرد سيرفانتس على لسان راوي القصة أنه وجدها في مدينة طليطلة على هيئة مخطوط مكتوب باللغة العربية مؤلفها مؤرخ عربي متخيل يدعى حامد بن الجيلي. وعلى خلاف الأعمال الأدبية الغربية الكبرى التي يبذل الباحثون جهدا مضنيا لاستخراج ما ورد فيها من كلمات عربية (فكر لو أردنا أن نعرف كمْ كلمة عربية وردت في مسرحيات شكسبير) نجد أننا لا نحتاج أي جهد لتحقيق هذا المطلب فيما يخص رواية دون كيشوت. في الفصل 67 من الجزء الثاني من تلك الرواية نجد الحوار بين دون كيشوت ورفيق دربه وتابعة سانشو بانزا حول العلاقة اللغوية بين اللغة العربية وبين اللغة الإسبانية (أو القشتالية بشكل أدق) حيث يذكر دون كيشوت أن أي كلمة إسبانية تبدأ بـ (أل) هي في الأصل كلمة عربية ثم أخذ دون كيشوت يسرد قائمة طويلة من أمثلة تلك الكلمات العربية.

 حصر الكلمات العربية في القواميس اللغوية

كما هو معلوم بعد سقوط الأندلس وطرد عشرات الآلاف من المسلمين إلى خارج الجزيرة الإيبيرية ثم ولعقود طويلة من الزمن تم وبشكل مجرم وأثيم محو أي أثر للدين الإسلامي واللغة العربية وحرق الكتب الشرعية. ومع ذلك وبالرغم من مرور أكثر من قرن من الزمن عن سقوط الأندلس وفي وقت نشر ميغل دي سيرفانتس لرواية دون كيشوت في مطلع القرن السابع عشر تشير الدراسات التاريخية واللغوية أنه لا يزال يوجد في إسبانيا آلاف المواقع الجغرافية التي تحمل أسماء عربية وعدة آلاف من أسماء الأشخاص أو أسماء العوائل الأسبانية ذات النطق العربي.

وبالعودة لعنوان هذا المقال (كلمات عربية في القاموس اللغوي العالمي) وفي ضوء ما سبق ذكره ليس من المستغرب أن نعلم الكتب الحديثة المنشورة في تاريخ اللغة الإسبانية تقدر عدد الكلمات ذات الأصول العربية التي دخلت قاموس الكلمات الإسبانية بأنها تزيد عن أربعة آلاف كلمة. الطريف في الأمر أن هذه الكلمات العربية المتوشحة باللهجة والأبجدية الإسبانية سهلت دخول المئات من الكلمات العربية إلى اللغة الفرنسية بطريقة غير مباشرة في حين أن البعض الآخر من الكلمات العربية دخلت اللغة الفرنسية بالاحتكاك المباشر بين الحضارتين من خلال الفرنسيين الذين احتلوا البلاد العربية أو من خلال العرب الذين هاجروا للديار الفرنسية. صحيح أن عدد الكلمات العربية التي دخلت القاموس الفرنسي أقل بكثير ممن هي في القاموس الإسباني حيث تقدر تقريبا بحوالي 500 كلمة ذات أصول العربية. ومع ذلك نجد جان بروفوست أستاذ علم المعاجم بالجامعة الفرنسية سيرجي بونتواز في أحد كتبه عن قواميس اللغة الفرنسية وضع اللغة العربية كثالث لغة في التأثير على اللغة الفرنسية بعد الإنجليزية والإيطالية.

أما فيما يخص استعارة اللغة الإنجليزية للكلمات العربية فيبدو أن عملية التلاقح والتبادل بين هذه اللغات قديمة ومستمرة فوفقا لتقدير الباحث اللغوي غارلاند كانون أستاذ اللغة الإنجليزية في جامعة تكساس إي أند أم الأمريكية فإن أقدم كلمة عربية وجدت في الوثائق الإنجليزية هي كلمة المرة والتي وجدت في مخطوطة طبعت في بداية القرن التاسع الميلادي. أي بعد حوالي قرن واحد من فتح الأندلس وبالتالي في الغالب كانت هي الجسر (مع مخطوطات الإنجيل والتوراة والاحتكاك زمن الحروب الصليبية) الذي انتقلت منه الكلمات العربية إلى اللغات الأوروبية. لعقود طويلة من الزمن تخصص الباحث غارلاند كانون في دراسة علاقة وأثر اللغة العربية على اللغة الإنجليزية وقد أثمرت أبحاثه عن حصر حوالي 318 كلمة عربية دخلت اللغة الإنجليزية في الفترة الزمنية التي عاش بها شكسبير ولهذا تسربت بعض الكلمات العربية إلى بعض مسرحياته مثل كلمة (صفر) التي وردت في مسرحية: خاب سعي العشاق. الجدير بالذكر أن غارلاند كانون قام منذ فترة طويلة بتأليف معجم تاريخي حمل عنوان (إسهامات اللغة العربية في اللغة الإنجليزية) وثّق من خلاله وجود حوالي 2338 كلمة عربية موجودة في أمهات قواميس اللغة الإنجليزية مثل معجم أكسفورد البريطاني ومعجم ويبستر الأمريكي.

وفي الختام من الأمور المحسومة أن للحضارة الإسلامية تأثيرا كبيرا وملموسا على الحضارة الغربية من ناحية إسهام العلماء العرب والمسلمين في مجالات الطب والفلك والرياضيات والعلوم مثل الكيمياء ولهذا لا غرابة على الإطلاق أن نجد مئات الكلمات العربية (مثل أسماء النجوم وأسماء المركبات الكيميائية) تجد طريقها إلى قواميس تلك اللغات الأوروبية. وعبر السنوات الماضية جمعت وقرأت عشرات الكتب باللغة الإنجليزية التي توثق دور العلوم العربية والإسلامية في تقدم الحضارة الغربية ثم حصل أن لفت نظري وجود كتاب يحمل عنوان (الدور العربي في تاريخ الأدب في العصور الوسطى، تراث منسي) من تأليف ماريا مينوكال أستاذة اللغة في جامعة ييل الأمريكية العريقة. ولهذا حرصت مباشرة على اقتناء هذا الكتاب وقراءته وهو ما فتح لي آفاق جديدة أن إسهام الحضارة العربية تخطى مجرد إعارة كلمات عربية لقواميس اللغات الأخرى وإنما كان للغة والآداب العربية تأثير في تشكيل ملامح الآداب الأوروبية وبالخصوص من خلال تأثير الموشحات الأندلسية في شعر التروبادور الغنائي المشهور في أسبانيا وفرنسا وغير ذلك من التأثير العربي على أدب البلاط وشعر الغزل في الأدب الغربي.

الانتقال للمستوى الأكثر عمقا في الطرح في مدى سمو اللغة العربية وفنون الأدب الإسلامية وتفوقها على الثقافات الأخرى ودورها الأكثر تأثيرا من مجرد كلمات عربية مبعثرة نفذت إلى قواميس اللغة العالمية. ولكن هذا الأمر يحتاج مساحة أوسع من هذا المقال المحدود ولعل ذلك يحصل بمشيئة الله في مستقبل الأيام عندما تعود مناسبة (اليوم العالمي للغة العربية) التي يحول موعدها هذا العام يوم غد الأحد 18 ديسمبر. وحتى ذلك الحين أترك القارئ الكريم مع رابط لمقال قديم له علاقة بموضوع اليوم وكيف أن اللغة المالطية المعاصرة ليست فقط تستخدم (مفردات) معزولة من الكلمات العربية ولكن جملا كاملة وعبارات متطاولة في ظاهرة لغوية غريبة وفريدة سبق أن ناقشتها في مقال حمل عنوان (اللغة العربية ما زالت تؤذن في مالطا).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق