الاثنين، 20 مارس 2023

( بدعة الاحتفال بعيد الميلاد .. وجهة نظر مسيحية !! )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

تقريبا لا جديد في موضوع النقاش الشرعي حول تحريم (احتفال) المسلمين بعيد الميلاد المسيحي (الكريسماس) وإن كان فتاوى تحريم (تهنئة) النصارى بعيد الميلاد يوجد حولها جدال متجدد. من الأمور الثابتة في الشريعة الإسلامية النفور والتحسس من (مشابهة) الأديان الأخرى في خصائصها الشرعية والملّية مثل الأعياد والمواسم الدينية. ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم عندما هاجر إلى المدينة أبدل أهلها أعياد الإسلام بدل أعياد الجاهلية كما أن خليفته عمر بن الخطاب رضي الله عنه اشترط على أهل الذمة عدم إظهار أعيادهم في دار الإسلام ومنع المسلمين ونهاهم بقولة (إياكم ورطانة الأعاجم، وأن تدخلوا على المشركين في يوم عيدهم في كنائسهم). ومن الأسباب الرئيسية لتأليف شيخ الإسلام ابن تيميه كتابه المشهور (اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم) هو موضوع التحذير من اتخاذ أعياد بدعية وما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى في أعيادهم المبتدعة. وما أود الوصول إليه أن مجرد المشابهة لشرائع دين آخر حتى ولو كان دين سماوي في موعد وزمان الأعياد والمواسم الدينية أمرا محرما فكيف لو كانت المشابهة أصلا لأعياد ومواسم أديان وثنية ضالة.

الاعتراض الأخير ليس فقط من داخل الدائرة الإسلامية، بل هو متجذر ومتجدد في داخل الدوائر المسيحية فيوجد أفراد وطوائف من القوم اعترضوا على موعد وزمان الاحتفال بعيد ميلاد المسيح عليه السلام لأنه بكل بساطة يتوافق بالضبط مع موعد أعياد وثنية قديمة. الطوائف المسيحية البروتستانتية تعتقد بحرفية الكتاب المقدس ولهذا لها نزعة أصولية سلفية وإن كانت مسيحية ولذا كما تحذر السلفية الإسلامية من (مشابهة اليهود والنصارى استنادا على الحديث الشريف: من تشبه بقوم فهو منهم) نجد أن بعض الطوائف المسيحية تلتزم تعليمات الكتاب المقدس في التحذير من التشبه بعادات الشعوب الوثنية. توجد طوائف مسيحية في الولايات المتحدة بالذات تمنع أتباعها من اتخاذ شجرة الميلاد في احتفالات الكريسماس لأنهم يطبقون حرفيا ما جاء في الإنجيل في سفر إرميا الإصحاح العاشر (هكذا قال الرب: لا تتعلموا طريق الأمم .. لأن عادات الشعوب باطلة) وبحكم أن الاحتفال بشجرة الميلاد هو من عادات الشعوب الوثنية القديمة لهذا هم يتجنبوها.

الغريب في الأمر أن الآراء الفقهية الإسلامية في أقصى مدى لها تحرم الاحتفال بالأعياد البدعية ومن ضمنها بالقطع الاحتفال بالعيد المزعوم لميلاد المسيح، بينما نجد الأمر لدى بعض النصارى يتخطى مرحلة التحريم ليصل إلى تشريع القوانين وفرض الغرامات في منع الاحتفال بعيد الكريسماس. نظرا لأن الاحتفال بعيد ميلاد المسيح في الـ 25 من شهر ديسمبر ليس له أصل في الديانة المسيحية (بمعنى أنه بدعة مستحدثة) ولذا نجد أن طائفة البروتستانت وبالذات مذهب التطهيرية puritan عندما استولوا على السلطة في بريطانيا في منتصف القرن السابع عشر بعد الإطاحة بالملك تشارلز الأول أصدروا قانونا من البرلمان البريطاني في عام 1647م (يمنع الاحتفال بعيد الميلاد) وذلك نظرا لأن الكريسماس هو في الأصل عيد وثني. ليس هذا فحسب بل كان من توابع هذا القانون أنه يمنع إغلاق المحلات في هذا اليوم فهو ليس يوم عطلة وفي المقابل تم إصدار أوامر مشددة للكنائس أن تغلق أبوابها في هذا اليوم بالذات حتى لا يأتي أحد للصلاة خصيصا في هذا اليوم (المبتدع). وبالرغم من أن إسكتلندا في ذلك الزمن كانت مملكة مستقلة إلا أنه وبتأثير من الكنيسة الأسكتلندية (المشيخية Presbyterian) فقد تم قبل ذلك بقرن من الزمن اتخاذ مواقف مشابهة فيما يتعلق بمنع الاحتفال بعيد ميلاد المسيح بل وصل الأمر لدرجة أن يطلب من الجنود أن يزيلوا أي زينات أو علامات توضع على أبواب المنازل دلاله على الابتهاج والاحتفال بعيد الكريسماس.

أما على الطرف الآخر من المحيط الأطلسي وبالتحديد على الأراضي الأمريكية فنجد أنه في عام 1651م أصدرت محكمة مستعمرة ماساتشوستس قرارا بفرض غرامة مالية لمن يقيم أو يحضر حفل عيد الكريسماس وكان المسوغ لهذه الغرامة كما ورد في نص هذا القانون لأن هذا الفعل (عار عظيم ضد الله وإساءة للآخرين). وبالجملة تم تشريع قوانين مشابه لمنع الاحتفال بالكريسماس في العديد من المستعمرات والمدن الأمريكية ولم يبدأ الأمر بالتغير الملموس إلا بعد الثورة الأمريكية والاستقلال عن التاج البريطاني.

أدلة مسيحية في النهي عن الاحتفال بالكريسماس

قد يظن البعض أن منع الاحتفال بعيد ميلاد المسيح من قبل بعض الطوائف المسيحية هو أمر حدث قديما في التاريخ وتلاشى مع الزمن لكن الواقع يشهد أن العديد من طوائف والمذاهب والكنائس المسيحية المعاصرة لا تقوم بالاحتفال بعيد الكريسماس لأسباب دينية وعقائدية مختلفة. من ذلك مثلا طائفة الكويكرز وطائفة شهود يهوه وتشكيلة من تجمعات الكنائس البروتستانتية كرابطة كنائس المسيح وكنيسة اليسوع الحقيقي وجمعية مملكة الرب وكنيسة الجماعة المسيحية.

وهذا يعنى أنه لو أخذنا في عين الاعتبار أنه ما زال يوجد بعض أتباع مذهب التطهيرية والطائفة المشيخية المسيحية السابق ذكرهم ما زالوا يتوافقون في الرؤى مع هذه الطوائف البروتستانتية المعاصرة فلذا ربما نجد عشرات الملايين من المسيحيين (المتدينين) لا يمارسون الاحتفال بعيد الكريسماس لموانع دينية في شريعتهم. اللطيف في الأمر أن طريقة تفكير بعض أفراد هذه الطوائف الدينية في حظر ومنع هذه (البدعة المسيحية) مشابهة لطريقة التفكير السلفية التي أرى أنا شخصيا أنها منطقية تمام. فمثلا لتحريم ابتداع أي أمر جديد في الشرع تكون الحجج المتبعة: إنه لا دليل على شرعية تلك الأمور المبتدعة، وأنه لم يفعلها الرسول صلي الله عليه وسلام ولا صحبة الكرام وأنها ظهرت بعد القرون المفضلة وكذلك أن فيها أحيانا مشابهة للكفار. وإلى حدا ما هذا ما نجده في تسلسل الحجج الفقهية لدى طائفة شهود يهوه المسيحية في منع أتباعها من ممارسة الاحتفال بعيد الكريسماس. فبمراجعة الموقع الإلكتروني لهذه الطائفة المسيحية نجدهم يبررون عدم الاحتفال بعيد ميلاد المسيح أنه لا يوجد دليل في الإنجيل أن المسيح قد ولد بالفعل في يوم 25 ديسمبر كما أن المسيح نفسه وحوارييه وأتباعه لم يحتفلوا بحدث الولادة. وبحكم أنه من ناحية تاريخية لم يثبت احتفال أي جماعة مسيحية بعيد الكريسماس قبل عام 243 ميلادي (والبعض يقول بل لم يحصل ذلك لأول مرة إلا في عام 352 ميلادي) ولذا هذه البدعة حصلت في القرون الميلادية المتأخرة. أما التشبه بالكفار من وجهة نظر طائفة شهود يهوه فهم يقولون إن عيد الميلاد (الكريسماس) الذي يقام في يوم 25 ديسمبر هو في الأصل من تقاليد ومناسك الشعوب الوثنية والتي كانت قديما تقدس الآلهة المسؤولة عن الزراعة ونمو المحاصيل ولهذا اختير موعد هذا (العيد الوثني) بالتحديد في يوم 25 ديسمبر لأنه يتوافق مع ولادة الشمس في توقيت الانقلاب الشتوي.

ونختم بمقايسة ومقارنة أخرى بين طريقة التفكير والحكم في مواضيع الاحتفال بالأعياد المبتدعة وكيف يتم التحذير والنهي عنها من فضيلة العلماء والمشايخ في الوقت المعاصر مع بعض رجال الدين من النصارى قديما في زمن مهد ظهور المسيحية. مرة أخرى تتشابه الحجج الدينية والعقلية في إصدار موقف تشريع حيال حضور أو الاحتفال بعيد ديني مخالف فمثلا الفتوى الشريعة الإسلامية تستند على أن الاحتفال بعيد الميلاد (الكريسماس) فيه تشبه بالنصارى والذين هم في الغالب لا يشاركوننا الاحتفال بأعيادنا الدينية فلماذا هذا الهوان وحب تقليد الآخر. في التاريخ المسيحي القديم وبالتحديد في نهاية القرن الثاني الميلادي ظهر عالم ديني نصراني يدعى ترتيانوس يشتهر بأنه أول من كتب كتابات مسيحية لاهوتية وقد كان مهتما بالدفاع عن المسيحية ومعاداة الهرقطات والسلوك المخالف. وما يهمنا هنا أن ترتيانوس كان مستاء جدا من إهمال بعض نصارى عصره حضور صلاة يوم السبت في الكنيسة في حين أنهم في فترة أعياد الشتاء الرومانية يندفعون لحضور هذه الأعياد الوثنية مثل عيد الإله زحل في الانقلاب الشتوي والذي سوف يتحول مع الزمن لعيد الكريسماس.  كذلك فإن ترتيانوس مستاء جدا من قيام بعض النصارى بحمل الهدايا وإعطائها للرومان في يوم عيدهم الوثني ومشاركتهم ولائمهم ومآدبهم الصاخبة وألعابهم الرياضية المصاحبة لهذا الاحتفال. كما يوبخ ترتيانوس نصارى عصره لانضمامهم إلى مثل هذه لاحتفالات الوثنية مشيرا إلى أنه لا يوجد وثني يحترم نفسه ينضم إلى الاحتفالات الدينية المسيحية. ويختم ترتيانوس نقده لمن يتشبه بالوثنيين في أعيادهم أن هؤلاء الوثنيين لا يشاركون المسيحيين يوم الرب لأنهم يخشون أن يظهروا كمسيحيين في حين أن المسيحيين نفسهم لا يخشون أن يبدو كوثنيين عندما يشاركون الآخرين في حضور أعيادهم الوثنية.

ما أشبه الليلة بالبارحة فكم من المسلمين يشاركون المسيحيين احتفالاتهم الصاخبة بعيد الميلاد ولا يخشون بأن يظهروا كمسيحيين في حين أن المسيحيين أنفسهم لا يشاركون المسلمين احتفالاتهم الدينية لأنهم يغشون أن يظهروا وكأنهم مسلمين !!.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق