الجمعة، 1 أبريل 2022

( السياحة وساحات المعارك )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

الأحداث الأخيرة في دولة أوكرانيا تثير الغضب وتولد الحسرة، والشعور الأول ناتج من الرفض القاطع للاعتداء الروسي السافر على شعب مسالم أما إحساس الحسرة فبسبب فقدان وجهة سياحية مميزة أصبح من المحظور السفر لها بسبب الحرب. في صيف العام الماضي قامت صحيفة سبق الإلكترونية بإجراء استقراء لأكثر المناطق السياحية التي يسافر لها السائح السعودي وقد حصلت أوكرانيا على موقع متقدم في قائمة أكثر خمس وجهات سفر خارجية. وبالرغم من أن خيارات السفر (مفتوحة) أمام السائح السعودي حيث يمكن مثلا السفر إلى حوالي ستين دولة حول العالم بدون الحصول على تأشيرة فيزا مسبقة، إلا أن فقدان بعض الوجهات السياحية المميزة مثل أوكرانيا تعتبر خسارة مؤلمة لعشاق السياحة والسفر. الجدير بالذكر أن مرارة الحرمان من السفر لبعض الوجهات السياحية بسبب تحولها إلى ساحة قتال ومعركة حرب أمر قديم ومتكرر للأسف في تاريخ السائح السعودي. ظاهرة (السفر بهدف المتعة والسياحة) ظاهرة حديثة نسبيا في ثقافة المجتمع السعودي وتقريبا لم تظهر وتنتشر إلا بعد حصول طفرة النفط في بداية سنوات السبعينات من القرن الماضي. وصحيح أن التواصل بين أهل الحجاز وأم الدنيا في الديار المصرية قديم وعريق لكن ربما كان أول بلد عربي سافر له السائح السعودي بهدف السياحة المحضة هو بلد (سويسرا الشرق) وأقصد بذلك أرض لبنان.

في تاريخ الحركة الثقافية بالمملكة كان من أشهر رواد (أدب الرحلات) علاّمة الجزيرة الشيخ حمد الجاسر وكذلك الأديب المعروف الشيخ عبد الله بن إدريس. وبالرغم أن كلا منهما قد حمل (عصا التسيار) حسب وصف ابن إدريس وطاف عشرات البلدان إلا أنهما كثيرا ما كان يجمعهما قضاء الصيف في لبنان حيث كانا يسافران بزوجاتهم وأبنائهم ويتزاورون في بيروت خصوصا بعد أن أقام فيها بشكل متواصل الشيخ حمد الجاسر لعدة سنوات. وطبعا الأمر تغير بشكل جذري بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية والتي اكتوى بنارها الشيخ حمد الجاسر. فقد تم نهب شقته المطلة على ساحة البرج وحرقت مكتبته بما فيها من مخطوطات نادرة بينما قتل ابنه الأكبر محمد رحمة الله الذي توفي في حادثة قصف الطائرة التي كانت تستعد للهبوط في مطار بيروت.

والمقصود أن السائح السعودي والخليجي ظل لسنوات طويلة يفضل السفر إلى لبنان حتى حصلت الكارثة المعروفة عندما اشتعلت الحرب الأهلية اللبنانية في منتصف السبعينات وحرم العرب لسنوات طويلة من السفر إلى لبنان. وعلى ذكر السائح الخليجي فقد كان بحكم الجوار أحد أكثر المزارات السياحية لأهل الكويت وأهل المنطقة الشرقية السفر إلى المدن العراقية وخصوصا البصرة وبغداد والزبير. ثم حصلت مصيبة غزو الكويت فتم شطب المدن العراقية من قائمة الوجهات السياحية بعد أن تحولت أرض العراق إلى ميدان حرب وأرض حصار بعد حرب الخليج الثانية. وإذا كان العلامة حمد الجاسر كان أشهر أدباء المملكة المقيمين في لبنان فمن أشهر من أقام من أدباء الجزيرة العربية في العراق الروائي البارز عبد الرحمن منيف والذي وإن تعدد به المطاف والسفر بين الدول العربية في مطلع حياته إلا أنه استقر به المقام لسنوات طويلة في بغداد حيث عمل كرئيس تحرير لمجلة اقتصادية عراقية (بحكم حصوله على شهادة الدكتوراه في علم الاقتصاد) حتى عام 1981ميلادي.

وبالعودة لموضوع حيرة وتحسر السائح السعودي من خسارته لوجهات سياحية تحولت إلى جبهات قتال وحروب من نافلة القول التذكير بانقطاع السفر إلى البلدان العربية الشقيقة التي عاشت ويلات الحرب مثل سوريا العروبة واليمن الحزين مهد العرب. ويكفي للإشارة لمدى الزخم السابق لسفر السعوديين إلى سوريا الطبيعة والتاريخ أنه وفقا لإحصاءات وزارة السياحة السورية أنه في شهر يوليو من صيف عام 2008م وصل حوالي سبعين ألف سائح سعودي إلى سوريا. وفي نفس تلك الفترة كان يتدفق عشرات الآلاف من السعوديين إلى المدن التاريخية في اليمن السعيد مثل صنعاء وعدن وتعز وإب. وحاليا بسبب الحرب لم يعد السائح العربي يستطيع السفر لمدينة تدمر السورية لأن آثارها الرومانية تم تدميرها كما لا يستطيع الوصول لسد مأرب لأن قوافل الجيوش تسد الطريق بينما لو حاول السائح العربي صيد الغزلان في محمية الردوم بمنطقة دارفور بالسودان الشقيق فربما يتم قنصه وصيده هو بدلا من الوعول.

وبما إن سيرة السياحة الإفريقية انفتحت فقد شهدت السنوات القليلة الماضية تزايد كبير في عدد السياح الخليجيين الذين يقصدون زيارة إثيوبيا إما بهدف زيارة براكين منطقة عفار أو مشاهدة الكنائس التاريخية المحفورة تحت الأرض أو حتى تفقد أحوال الجالية المسلمة الحبشية في إقليم عفر وكل هذه المناطق يصعب الوصول لها حاليا مع اندلاع الحرب الأهلية الأثيوبية العام الماضي. وبالانتقال جنوبا إلى دولة كينيا والتي تعتبر حاليا من أهم وأشهر المناطق في العالم لسياحة سفاري الحيوانات البرية إلا أن هذا البلد يشهد في السنوات الأخيرة أحداث شغب متكررة والعديد من التفجيرات التي تقول بها حركة الشباب الصومالية ولهذا لو انزلق هذا البلد في حرب أهلية هو الآخر فقطعا سوف يخسر محبي السفر أحد أهم الوجهات السياحية الساحرة.

سياحة الحروب في ثقافة الشعوب

الجدير بالذكر أن الحيلولة دون وصول السائح إلى جهة سفرة المفضلة بسبب الحرب أمر شائع ومتكرر في تاريخ العديد من الشعوب العالمية فمثلا في زمن الإمبراطورية البريطانية كانت منطقة وادي كشمير في شمال القارة الهندية يلقبها الإنجليزي بسويسرا الهند.  ومنذ القدم كانت توصف أرض كشمير بأنها جنة الله في الأرض أو الجنة الصغيرة ولهذا بعد اندلاع الحرب حول إقليم كشمير بين الهند وباكستان وتعذر الوصول لهذه الجنة التي أصبحت تلقب (بالفردوس المفقود). وكما فتنت جنة كشمير السائح البريطاني أغرت وفتنت السائح والمغامر الفرنسي بقعة سحرية عجيبة وسط الرمال والملح وهي مدينة تمبكتو الملقبة بجوهرة الصحراء والتي تقع في شمال دولة مالي. ومنذ سقوط دولة مالي تحت الاحتلال الفرنسي نهاية القرن التاسع عشر جذبت هذه المدينة العجيبة السياح والبحاثة والمستشرقين من مختلف الدول الغربية لاستكشاف كنوز مخطوطاتها الضخمة والإعجاب بجمال عمارة مساجدها الطينية المذهلة. وعلى نفس النسق من التصور الغربي لوادي كشمير أنه تمثيل للجنة كذلك نجد أن كلمة (تمبكتو) هي لدى التصور الغربي تجسيدا (للفردوس) أو المكان السحري التي تذهب له الأرواح في العالم الآخر وذلك ما وجدته في رواية (تمبيكتو) للروائي الأمريكي بول أوستر وإن كان صعقت عندما وجدت أن بطل الرواية كلب وأن أحداثها تقع في حي بروكلين.

وبما أننا وصلنا لسواحل الأراضي الأمريكية فمن الجدير الإشارة إلى أن السائح الأمريكي بدوره فقد هو الآخر وجهة سياحية مميزة تعذر عليه لفترة من الزمن السفر إليها بسبب الحرب. قبل اندلاع الحرب الأهلية في جمهورية السلفادور عام 1979م كان ذلك البلد الصغير في وسط أمريكا الوسطى هو إحدى أكثر الوجهات السياحية للأمريكان في القارة اللاتينية ولا ينافسها في ذلك إلا جزيرة كوبا قبل وقوعها في يد الشيوعيين بقيادة فيدل كاسترو. وقد ساعد انتعاش سوق السياحة الأمريكية في السلفادور وكوبا وغيرها من دول أمريكا اللاتينية في طغيان الثقافة الأمريكية على هذه المنتجعات السياحية وبهذا أصبحت وكأنها ملهى ليلي للكاوبوي الأمريكي. ومع ذلك وبسبب حالة الرهاب المبالغ فيها من قبل الأمريكيان من انتشار الشيوعية في الحديقة الخلفية لأمريكا (أي دول أمريكا الوسطى) لم تترد الحكومة الأمريكية في إطالة أمد الحرب الأهلية السلفادورية لمدة 12 سنة وبهذا ضحت الولايات المتحدة برفاهية السائح الأمريكي في جنة الغابات المطيرة تلك مقابل الطمأنينة السياسية للعم سام.

وفي الختام نقفل هذا المقال بذكر ملاحظتين على الهامش، الأولى أنه كما أن رأس المال جبان ينفر من مواقع القتال فكذلك السائح الفطن والعاقل ومع ذلك توجد نوعية خاصة من السوّاح الباحثين عن روح المغامرة وقد تجذبهم أكثر مخاطرة السفر السياحي لساحات القتال. الغريب أن مصطلح (سياحة الحرب war tourism) موجود ومتداول منذ عقود من الزمن ويصف الرغبة الفجة عند بعض البشر في التواجد (كسائح) ومشاهد في ساحات القتال وبالقرب من أرض المعارك. وطبعا الدافع لذلك هو الرغبة في الشعور بالإثارة وحب المغامرة وهو بهذا على نسق مفهوم (سياحة الكوارث) والذي يرتبط بالأشخاص المهووسين بزيارة الأماكن الخطرة مثل البراكين النشطة أو الغابات المحترقة أو مواقع الأعاصير والفيضانات.

ومن حماقات سياحة الحروب أن بعض شركات السياحة والسفر قد تساهم في توفير الحماية المسلحة لبعض السيّاح الراغبين في زيارة المواقع الخطرة مثل الصومال وأفغانستان وكولومبيا. وربما ما زلنا نذكر الضجة الكبرى عام 2004م في عز حالة القتال والفوضى في العراق عندما أعلن عن اختطاف وقتل بعض السياح اليابانيين المغامرين في أرض الرافدين. وصدق أو لا تصدق أيه القارئ العزيز أن الإحصاءات الرسمية الصادرة من الحكومة الأفغانية تشير إلى أن ذلك البلد المنكوب كان يصدر سنويا تأشيرة دخول لحوالي عشرين ألف سائح.

الأمر الآخر الذي أود أن أشير إليه في خاتمة موضوع (ثنائية السياحة والحرب) هو أن ما سبق ذكره كان يركز على ظاهرة أن بعض الوجهات السياحية قد تتحول إلى جبهات حربية بينما قد يحصل العكس من ذلك تماما. بحكم أن نشرات الأخبار كثيرا ما تذكر ساحات المعارك والحروب الأهلية ونتيجة للاستمرار هذه الصرعات لفترة طويلة من الزمن لذا تألف الأذن ذكر أسماء تلك المناطق المنكوبة. وبعد انتهاء موجة الحرب الدموية قد تتحول تلك الجبهات الحربية إلى وجهات سياحية ذات جاذبية ملموسة. وهذا ما نجده في حالة تدفق السياح إلى فيتنام وكمبوديا والبوسنة وروندا وبورما وسيرلنكا وغيرها كثير حيث نجد أن من التقليعات الجديدة لظاهرة (سياحة الحرب) أن يحرص السياح على زيارة مواقع القتال القديمة وأماكن حدوث المجازر البشرية والمقابر الجماعية ومراكز التعذيب وخنادق وملاجأ الحماية. قبل عدة سنوات وعندما زرت مدينة سراييفو وشاهدت وفد سياحي يزور موقع مجزرة بشرية في سوق الخضار بتلك المدينة المنكوبة وعندما وقفت أمام فندق هوليدي إن الذي كان له شهرة في نشرات الأخبار في زمن حرب البلقان لذا كتبت مقال خاص عن هذه الظاهرة حمل عنوان (فندق سياحي على خط النار).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق