الجمعة، 1 أبريل 2022

( الغرب .. إذا خاصم فجر )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بعد قرون طويلة في دياجير العصور الوسطى المظلة خرج العالم الغربي والشعوب المسيحية من أغلال التخلف والجهل والطغيان وتدرج تقدمه من عصر النهضة في القرن الخامس عشر إلى عصر الأنوار في القرن الثامن عشر إلى عصر العقل في القرن التاسع عشر الميلادي. ومسلحين بالثورة العلمية والثورة الصناعية وحملات الاستكشاف الجغرافية شعر ملوك وفلاسفة وأدباء العالم الأوروبي أنهم أسياد العالم ومنقذوه وأن عليهم التصدي لمهمة (عبء الرجل الأبيض White Man Burden) بأن يستعمروا ويحتلوا بقية الشعوب والحضارات (الهمجية) والقيام بعد ذلك بدورهم الأخلاقي في نشر الحضارة والنظام في هذه الأمم المتخلفة.

ثم في بداية القرن العشرين أصبحت أخلاقيات الرجل الغربي الأبيض على المحك عندما بدأ التنازع والتنافس يتنامى بين الإمبراطوريات الأوروبية وعندما اندلعت (الحرب العظمى) انكشف زيف النهضة والتنوير والعقل لتلك الحضارة الغربية المادية والملحدة. ونتيجة للفظائع والجرائم المشينة التي قامت بها قوّات وحكومات العالم الغربي في أثناء تلك الحرب العالمية الأولى حاول العديد من المفكرين والعلماء والفلاسفة تفسير تلك (الهمجية) الخبيثة التي وقع فيها الرجل الأبيض.

ومن هنا ظهرت المحاورات المشهورة بين عالم النفس المشهور سيغموند فرويد والعالم الفيزيائي الأكثر شهرة ألبرت أينشتاين لمحاولة تفسير سيكولوجية العنف والتحليل النفسي والتحليل العلمي لسؤال (لماذا الحرب) ولماذا يتحول الرجل المسالم والمتحضر إلى قاتل ذو شخصية شريرة همجية. أما من الناحية الفلسفية لتفسير سلوك العنف والقتال فقد تصدى له الفيلسوف البريطاني المعروف برتراند راسل الذي نشر في منتصف الحرب العالمية الأولى كتابه المهم في هذا المجال (لماذا يتقاتل الرجال .. طريقة لإلغاء الحروب الدولية). علما بأن برتراند وبالرغم من مكانته وشهرته العالمية في دنيا الفكر والعلم حيث كان من أهم علماء الرياضيات إلا أنه تعرض لمضايقة شديدة بسبب معارضته للحرب لدرجة أن تم سجنه لمدة ستة أشهر كما تم فصله من جامعة كامبريدج.

وعلى نفس النسق دخل عالم الأدب ودنيا الفنون مسار الاحتجاج الأدبي والاعتراض الفني لكارثة (انحطاط الغرب) التي كشفتها ويلات وجرائم الحرب (العظمي) الأوروبية ومنها كان شعار الحركة الثقافية المعرفة باسم (الدادائيةDada ) الذي أطلق أثناء الحرب العالمية الأولى (لقد فقدا الثقة في ثقافتنا .. سنبدأ من جديد بعد أن نمحي كل شيء). ومن تحت عباءة هذه الحركة الثقافية المتمردة خرجت منظومة التيارات العبثية مثل السريالية والتجريدية والحداثة والتفكيكية والبنيوية وغيرها.

هذا ما كان من محاولة التحليل النفسي والتفسير العلمي والنقد الفلسفي لسقوط الغرب أثناء الحرب الكبرى ولكن محاولة تصحيح المسار كانت خجولة بل ومتناقضة. فهذا أبو التحليل النفسي فرويد أشبه ما يكون مصاب بانفصام الشخصية فهو يداوي الناس وهو عليل لأنه مدمن على الكوكائين بينما أينشتاين الذي حاول أن يحد من تكرار العنف والهمجية الذي حصلت في الحرب العالمية الأولى (حرب الكيميائيين) إذا به هو نفسه يحث ويدفع لوصول الحرب العالمية الثانية (حرب الفيزيائيين) إلى أقصى مدى بشع لها بتصنيع القنبلة الذرية. أما عالم الرياضيات برتراند راسل فقد أخطأ في الحساب حيث نشر الإلحاد بكتابة (لماذا أنا لست مسيحيا) فلم يكن يعي ويفهم أن الدين وليس الإلحاد هو من يفعّل الضمير العالمي الحاث لعدم استخدام القنابل الذرية.

من كان منكم بلا خطيئة فليرم الروس بأول حجر

تتعالى هذه الأيام ومع الاجتياح الأثيم والإجرامي للجيش الروسي الأحمر للدولة المستقلة والمسالمة أوكرانيا، تتعالي صيحات الاستنكار والاستهجان الأوروبية والأمريكية بأن هذا الفعل الشنيع مضاد للقانون الدولي وخلاف الأعراف السياسية. ويتناسى قادة الغرب أنهم هم أول من شرّع وسنن الخروج على القانوني الدولي بجرائمهم المتواصلة. فالولايات المتحدة مثلا وفق ما يقرره المؤرخ الأمريكي كريستوفر كيلي في كتابه (غزوات أمريكا) فإنها اعتدت عسكريا وغزت حربيا على 84 دوله بينما لو تم حساب الدول التي شاركت القوات الأمريكية في قتال عسكري فيها (بموافقة تلك الدول) فإنها تصل إلى 191 دولة من دول العالم المعترف بها. بمعنى أن الدول التي لم تدخلها القوات الأمريكية هي ثلاث دول فقط لا يعرف مكانها على الخارطة ولم يسمع بها أحد: أندورا وبوتان وليختنشتاين. أما عدد الدول التي تورطت الولايات المتحدة في محالة تغيير أنظمتها السياسية والإطاحة بحكوماتها المسيطرة وذلك من خلال الاستخبارات الأمريكية التي تمويل الانقلابات العسكرية وتثير القلاقل السياسية والاقتصادية فقد بلغت حوالي خمسين دولة. والعديد من هذه الدول المنكوبة بالتدخل الأمريكي تورطت الاستخبارات والقوات الأميركية في محاولة تغير النظام فيها أكثر من مرة وفي حقب زمنية مختلفة فمثلا تدخلت أمريكا في إسقاط النظام الحاكم في دولة نيكاراجوا في العام 1909م وعام 1912م وعام 1981 ميلادي.  

وبما أن سيرة التدخل السافر للولايات المتحدة في نيكاراجوا انفتحت فهذا مجال مناسب لتوضيح (فجور أمريكا) عندما تخاصم وتعادي غيرها من الدول. في فترة الثمانينات من القرن العشرين أعلنت الولايات المتحدة عن شن حملة كبرى (للحرب على المخدرات) ومع ذلك وكما بينت بالتفصيل في مقال حمل عنوان (أمريكا .. أرض النفاق السياسي) فإن الحكومة الأمريكية تكذب في زعمها الحرب على المخدرات أو الحرب على النازية أو معاداة بؤرة محور الشر الثورة الإيرانية الخومينية. النفاق الأمريكي فيما يخص الحرب على المخدرات ليس فقط استخدامها (كما سوف يحصل لاحقا مع الحرب على الإرهاب) كذريعة وغطاء للتدخل في شؤون بعض الدول المستقلة، ولكن بلغت الوقاحة والفجور أن الولايات المتحدة كانت من جانب خفي تدعم وتنشر زراعة وتجارة المخدرات في بلدان أخرى كما حصل في نيكاراجوا. وكمحاولة من الاستخبارات الأمريكية CIA لإسقاط الحكومة الشيوعية في نيكاراجوا لهذا سمحت بزراعة وتجارة المخدرات في المناطق التي تحت سيطرة قوات الكونترا المدعومة من أمريكا. الفضيحة الكبرى أنه تم استخدام القواعد الجوية العسكرية الأمريكية وسلاح الجو الأمريكي في نقل وتهريب المخدرات إلى داخل أمريكا لبيعها وتحويل النقود القذرة للمخدرات إلى أسلحة ترسل لقوات الكونترا المعارضة.

في زمن الخصام والقتال لن يتردد الغرب وبالذات القوات الأمريكية عن اقتراف أي خطيئة بقتل البشر أو تدمير البنية التحتية بل وحتى (تجريف البيئة) وهذا ما حصل في الحرب الفيتنامية السيئة الذكر لسمعة أمريكا أمام العالم. بحكم أن جغرافية دولة فيتنام يغلب عليها الغابات الكثيفة ولهذا كان جنود المقاومة المسلحة الفيتنامية الفيتكونغ يتمتعون بحماية غطاء الأشجار ويستطيعون مفاجأة القوات الأمريكية. ولهذا كان الحل الأثيم من قبل جنرالات الجيش الأمريكي أن تتم عملية إزالة تلك الغابات deforestation إما باستخدام مواد كيميائية سامة ومبيدة مثل تلك المادة الشنيعة المسماة (العامل البرتقالي) أو استخدام نيران (النابالم) المريعة. وكما تضافرت جهود فرويد وأينشتاين لمحاولة تفسير جرائم وفظائع الحرب العالمية الأولى نجد أن الفيلسوف البريطاني برتراند راسل والمفكر الفرنسي جان بول سارتر اجتمعت جهودهما مع آخرين لتدشين (محكمة الضمير) للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في دولة فيتنام.

وبالرغم من أن أمريكا خرجت مدانة تلك المحكمة وكل مدان مصيره التوقيف والخضوع للقانون إلا أن السلوك المتعجرف للحكومة الأمريكية حولها من المجرم المدان إلى (رجل شرطة العالم) وهذا ما انعكس بوضوح في العقود القريبة الماضية عندما شنت الولايات المتحدة (الحرب على الإرهاب). وهنا توالت الاختراقات الفجة من قبل الأمريكان للقانون الدولي من بدعة (الحرب الاستباقية) والتكييف القانون المخادع وغير القانوني للمعتقلين في سجن غوانتنانامو السيئ الذكر.

هذه الأيام وأنا أتابع تطورات الحرب الروسية الأوكرانية صعقت عندما علمت بأن العديد من الحكومات الغربية وكمحاولة للتصدي وإضعاف روسيا الاتحادية بعد هجومها الغاشم والأثيم على ذلك البلد المنكوب، قامت تلك الدول بفرض عقوبات اقتصادية على روسيا. قد يكون من المفهوم فرض عقوبات مالية على رجال الأعمال الروس المتعاملين مع الحكومة الروسية أما أن يصل الأمر لدرجة تجميد أرصدة بعض رجال الأعمال بل وحتى مصادرة أموالهم وممتلكاتهم بما فيها اليخوت الفاخرة والطائرات الخاصة والشقق والعقارات الفخمة فهذه بلطجة دولية غير مسبوقة. في بداية الأمر تشككت من احتمالية صحة هذه الأخبار لأنه يفترض ألا تتم المصادرة إلا بحكم قضائي كما هو المتوقع من (سيادة القانون) في تلك الدول المتقدمة والديمقراطية (زعموا) إلا أنني انتبهت أنه بعد كل ما سبق ذكره فأنه في زمن (الخصام) فإن الغرب بالفعل هو من النوع الذي (إذا خاصم فجر).


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق