الأحد، 4 ديسمبر 2022

( في هجاء المول والمولات !! )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في مطلع الأسبوع الماضي مرت مناسبة سنوية مهمة لأهل الكيمياء ولأصحاب التخصصات العلمية إجمالا وهي اليوم العلمي للمول (Mole Day) والذي تم اختياره بشكل متعمد في يوم (23) من شهر أكتوبر أي (الشهر 10) ويحتفل به من الساعة 6:02 صباحا وحتى الساعة 6:02 مساءً وكل هذه الأرقام اختيرت بعناية حتى تؤلف ما يسمى رقم أفوجادرو والذي يعرفه كل طلاب الكيمياء والفيزياء في المدارس الثانوية (6.02 x10 power of 23). طبعا لن أدخل في الأهمية العلمية لهذا الرقم أو مفهوم (المول Mole) الذي له أهمية قصوى في علم الكيمياء لكن الإشكال الذي خشيت منه أنني لو نبهت لمناسبة (اليوم العالمي للمول mole) فربما شريحة من القراء قد يعتقدون أنني أتحدث عن (المول Mall) والذي هو مجمع التسوق التجاري المعروف (Shopping Mall). الإشكال أنه قبل ذلك بعدة أيام فقط انتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي صور وأخبار الافتتاح التجريبي لمول الباحة الذي وصف بأنه أكبر سوق تجاري في جنوب المملكة ولهذا بالقطع الكلام والإشارة في هذا الأسبوع بالذات عن (يوم المول Mole Day) لن يفهم منه في الغالب إلا ثقافة الاستهلاك والتسوق وليس ثقافة العلم والمعرفة.

الالتباس والخلط بين المول الكيميائي والمول التجاري يحدث كذلك في الخلط بين المول الثقافي والمول التجاري، ولكن على نطاق أوسع. سبق أن تحدثت في مقال سابق عن مجمع المتاحف في وسط مدينة واشنطن وهي الناحية التي تسمى: المنتزه الوطني The National Mall وهي تلك المنطقة المستطيلة الواقعة ما بين مكتبة الكونجرس ونصب لنكولن التذكاري والمزدحمة بالمتاحف المحصورة بين طريق وجادة الاستقلال وجادة الدستور. هذه المنطقة الغنية بالمتاحف تعرف اختصارا (بالمول) وهنا تكمن المفارقة فعندنا لا نعرف من (المول) إلا أنه المجمع التجاري الضخم وعندما نسأل ونفتش عن (المجمعات) فنحن نسأل أين يقع (مجمع المطاعم) وفي الغالب للأسف لن يحصل أننا سوف نسأل يوما ما أين يقع (مجمع المتاحف).

الجدير بالذكر أن عدد المتاحف في منطقة المنتزه الوطني في واشنطن تقارب حوالي 24 متحفا ولهذا حتى تستطيع زيارتها بشكل كاف تحتاج لعدة أسابيع بينما أحد أكبر المولات التجارية في العاصمة الأمريكية وهو ذلك الذي يقع بالقرب من وزارة الدفاع البنتاغون هو في الواقع متوسط الحجم وقد تنتهي من زيارة محلاته في خلال ساعة. بالمناسبة الغالبية العظمى من مولات التسويق في أمريكا ليست كبيرة الحجم وإن كان عددها ضخما وقد يصل لحوالي 36 ألف مول ومركز تسويق ولهذا الشعب الأمريكي (مدمن) الهجولة والتسكع في المولات والأسواق التجارية. ومن باب الطرائف أن يشيع في المجتمع الأمريكي خصوصا والمجتمع الغربي عموما عبارة (ولد للتسوق Born to Shop) أو عبارة (تسوق حتى تقع من التعب Shop til you Drop  ). وهذا ما يحصل بالفعل فبسبب الإدمان على التسوق وشعور البهجة في التسكع في المولات تقضي المرأة الغربية ما معدله ثلاث سنوات من عمرها وهي في الأسواق.

الغريب في الأمر أن الأمريكان لم يعرفوا المولات التجارية الحالية إلا منذ فترة الخمسينيات من القرن العشرين بينما كانت معروفة قبل ذلك بحوالي قرن من الزمان في العواصم الأوروبية ومنذ البداية استنتج البعض المشاكل التي تنتج من الإسراف في التسوق والانغماس في ثقافة الاستهلاك. أول مول في التاريخ كان ذلك الذي افتتح في مدينة باريس في عام 1852م وحمل اسم (لو بون مارشيه) وعندما تمت إعادة تطويره ساهم المهندس الفرنسي غوستاف إيفل (صاحب برج إيفل) في تصميمه وإنشائه ولهذا عندما أكتمل بنائه الشاهق كان أعلى مبنى في العالم في ذلك الوقت واستحق لقب (أعجوبة العالم الثامنة). بقي أن نقول إنه بالرغم من كل مغريات وإيجابيات المولات ومراكز التسويق الكبرى إلا أنها ومنذ بواكير ظهورها أثارت حولها ضجيج النقد و(الهجاء). فهذا الأديب الفرنسي إميل زولا ينشر عام 1883م رواية أديب بطلها الأساسي (مول ضخم) في مدينة باريس يحمل اسم: من أجل سعادة النساء وهذا الاسم هو نفسه عنوان الرواية والتي عندما ترجمت للغة الإنجليزية كان عنوان الرواية واسم المول في نفس الوقت: جنة النساء. وبالرغم من العنوان المضلل للرواية نجد الأحداث في الرواية تدور حول استعراض حالة النساء العملات في المول وضغوط العمل والتنافس بينهن وكذلك تعرج الرواية على تأثير هذا المول على المحلات الصغيرة التي تسبب هذا المول في كساد أعمالها التجارية. من أشد عبارات انتقاد إدمان التسوق والتسكع في المولات أنها أصبحت وكأنها (دار عبادة) ولهذا ورد في رواية إميل زولا التوصيف الشهير السلبي ضد المولات بأنها (كاتدرائيات التجارة cathedral of commerce). في تلك الرواية يتحدث أميل زولا عن مول (لو بون مارشية) أول مول في التاريخ ويصفه وكأنه نوع جديد من الدين وبحكم أن زولا كان يكتب في نهاية القرن التاسع عشر المسمى عصر الإلحاد ولهذا لا غرابة أن يربط بين الدين وبين التسوق والمولات فيقول (بينما يتم إفراغ الكنائس تدريجيا بسبب تذبذب الإيمان، يتم استبدالها بأرواح فارغة بسبب المتجر).

ثنائية دور العبادة والأسواق والعلاقة العكسية بينهما نجدها في الإسلام كذلك ففي الحديث الشريف (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها). ولكن في حين أن المسيحية تذم مجرد أن يكون الرجل ثرياً كما ورد في إنجيل متى (لا يقدر أحد أن يخدم سيدين .. لا تقدروا أن تخدموا الله والمال) نجد أن الإسلام لم يحذر من تراكم الثروة، ولكن ينبه ويحذر من أن الاشتغال بالتجارة عن ذكر الله. ولهذا ورد في الأذكار دعاء دخول السوق وكذلك ورد التنبيه في بعض الآثار النبوية قوله صلى الله عليه وسلم (لا تكوننّ إن استطعت أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان وبها ينصب رايته).

وكما هو معلوم ورد من ضمن علامات الساعة الصغرى أنه في آخر الزمان (تتقارب الأسواق) بمعنى كثرة وجود مراكز التسوق وتقاربها المكاني وكذلك من العلامات (التطاول في البنيان) وهذا ما يُشاهد في ضخامة البناء المعماري لأغلب المولات التجارية الجديدة. وهنا نلحظ تداخل ثقافة السلوك الاستهلاكي والإسراف مع داء البذخ وحب التفاخر والذي أفرز المبالغة في التطاول في حجم المولات وهذه ظاهرة سلوكية واجتماعية واقتصادية تحدث بكثرة في المجتمعات الشرقية أكثر منها في المجتمعات الغربية. طبيعة أسلوب التفكير العاطفي غير العقلانية أحيانا لدى بعض الشعوب الآسيوية والعربية يدفعها حب التفاخر لبناء أطول برج أو أكبر مبنى ومركز تجاري لدرجة أنني أعتقد أن كل عمائر ناطحات السحب في أوروبا لا يبلغ عددها نصف تلك السامقة في سماء دبي أو شنغهاي. سبق أن أشرت إلى أن أكبر مول تجاري في العاصمة الأمريكية هو ذو حجم متوسط وحتى المولات التجارية في كندا في مدينة تورنتو أو مونتريال ليست فائقة الحجم بالرغم من أن جو الصقيع البارد هنالك يشجع كثيرا على اقتصار التسوق في المناطق المغلقة.

وقبل أكثر من 25 سنة عندما توجهت لدراسة اللغة الإنجليزية في مدينة مانشيستر البريطانية قيل لنا إن مول أرندايل بها هو أكبر مول تجاري في أوروبا كلها في ذلك الزمن وأعتقد أنه قبل إعادة توسعت الأرانديل أن مول الباحة الجديد الذي افتتح هذا الأسبوع ربما يقاربه في حجم المساحة طبعا إذا شمل ذلك مواقف السيارات. بالجملة في أغلب المدن الأوروبية وفي أمريكا الشمالية من النادر أن تجد مول تجاري يقارب حجم مول النخيل في الرياض أو مول السيف في المنامة أو مول الأفنيوز في الكويت العاصمة أو مول فيلاجيو في الدوحة هذا فضلا عن مضاهاة مول دبي البالغ الضخامة الذي يوصف بأنه أكبر مول في العالم. الشرق شرق والغرب غرب حسب مقولة الأديب الإنجليزي كبلينغ ولن يلتقيا في أشياء كثيرة منها حجم المولات والمراكز التجارية ومن واقع مشاهدة مباشرة وجدت أن مولات الفلبين وتايوان وكوالالمبور وسنغافورة وهونغ كونغ أكبر بما لا يقارن مع مولات باريس وروما ومدريد وأثينا وفينا وجنيف. وأحد الأسباب في ذلك أن القوم في الغرب يفضلون التسكع والتسوق في الهواء الطلق (على برودة الجو) من حشر أنفسهم في أقفاص زجاجية ومباني ضخمة. عادة التسوق بالمشاهدة عبر النوافذ الزجاجية window shopping بدأت قبل قرنين من الزمن في لندن ثم انتقلت لجميع البلدان الغربية ولهذا بدلا من ظاهرة المولات الضخمة ينتشر في الغرب ظاهرة (الشوارع التجارية الفخمة) كما هو حال مع شارع أكسفورد في لندن أو شارع الشانزليزيه في باريس أو شارع الجادة الخامسة في مانهاتن بمدينة نيويورك أو شارع روديو درايف في بيفرلي هيلز بمدينة لوس أنجلس.

 جناية المولات على السياحة

من أكثر جوانب الانتقاد التي توجه للمولات ومراكز التسوق أنها تشجع على الإسراف والتبذير والتفاخر والخيلاء ولهذا هي رمز للرأسمالية المتوحشة التي تمتص دماء البسطاء لتحقيق الربح الفاحش لجشع التجار. ولهذا من التناقضات الصارخة أنه زمن الحكم الشيوعي في الاتحاد السوفيتي كان أكبر مولا تجاريا موجود في روسيا (مول GUM) يقع مباشرة على الساحة الحمراء وأمام مبنى الكرملين. ولهذا لمن لا يعشق السفر وفي نفس الوقت يكره التردد على المولات سوف يقع في حرج وتناقض بأن يزور مدينة موسكو دون أن يمر على ذلك المركز التجاري المشهور والغريب. وهذا يقودنا للحديث أن المولات الحديثة ومراكز التسوق الضخمة في العديد من مدن العالم قد (تشغل) السائح عن اكتشاف معالم سياحة وحضارية وتاريخية أكثر أهمية من تسكعه وتجوله في المولات (( المتشابهة )). سبق وأن أشرت إلى أنه في بعض الأحاديث الشريفة إشارة إلى أن من علامات آخر الزمان (تقارب الأسواق) وبعض العلماء يقولون إن التقارب بينها ليس فقط في الموقع المكاني، ولكن أيضا قد يكون (تقارب) الأسواق هو (تشابه) هذه الأسواق من حيث الأسعار وكذلك نوعية البضائع المعروضة للبيع. وهذا يقودنا للحديث أن من مظاهر (العولمة) في جانبها الاقتصاد هو تشابه السلع وشيوع الماركات التجارية المتكررة في كل بلدان العالم ولهذا عندما تتجول في مول تجاري في شنغهاي أو في أبو ظبي أو في ميلانو أو في شيكاغو سوف تتفاجأ أن الماركات التجارية هي نفسها وفي الغالب أن (سلسلة) المحلات التجارية العالمية هي نفسها في جميع المراكز التجارية بالغض النظر عن المدينة التي تتسوق فيها.

ومن ناحية سياحية هذا أمر ضار وسبب ذلك أنه نتيجة لطغيان جاذبية المولات نجد أغلب الزوار لا يمانع من قضاء أوقات طويلة فيها بل قد تجد السائح الذي ربما إقامته في المدينة لوقت محدود أو أيام معدودة ومع ذلك لا يشعر بأنه يرتكب خطيئة سياحية عندما يخصص أغلب وقت إقامته الثمين في التنقل بين هذه المولات (المتشابهة) من ناحية البضائع. قارن هذا مع لو بذل السائح وقته وصرف ماله مثلا في زيارة سوق خان الخليلي الذي يعج بعبق التاريخ بدلا من زيارة مول العرب الضخم في أقصى غرب القاهرة. في التراث العربي كان للأسواق القديمة دور اقتصادي وثقافي واجتماعي بارز كما هو الحال مع سوق عكاظ بالطائف وسوق المبرد في البصره ولذا هي حاليا معالم سياحية فريدة. وهذا الإرث المزدوج في جوانبه الاقتصادية والتاريخية والسياحية للأسواق الشعبية ما زال ولله الحمد يتنامى في العصر الحديث كما نجده في الجذب السياحي لسوق واقف في الدوحة أو سوق المباركية في الكويت أو سوق الحميدية في دمشق أو سوق العطارين في مدينة فاس المغربية أو سوق الجنابي في صنعاء أو البازار الكبير في قلب مدينة إسطنبول. وفي واقعنا المحلي من الأمور المبهجة للزائر المحلي والسائح الأجنبي زيارة سوق القيصرية في مدينة الهفوف أو سوق الزل بالرياض أو سوق السبت بمدينة بلجرشي أو سوق المسوكف بمدينة عنيزة أو سوق البلد بالطائف. 

والمقصود أن إدمان التردد على المولات الحديثة والتنقل بين مقاهيها ومطاعمها ومحالّها جعل البعض منا يزهد في أي متعة في التعرف على المواقع السياحية والتاريخية الأخرى. قبل فترة من الزمن صعقت عندما اطلعت على (تقرير سياحي) لأحد الشباب الذي زار مدينة أوروبية عريقة ومع ذلك كان أغلب التقرير عن الصور التي التقطها ذلك الشاب في مولات تلك المدينة وفي محلات القهوة والمطاعم الفخمة بها دون أي تغطية كافية لمعالمها السياحية والتاريخية الهامة. وهنا تشعر بالغيض من بعض العرب الذي يخسر مبالغ طائلة لتغطية تكاليف تذاكر الطيران والإقامة في الفنادق ليصل لمدينة أوروبية عريقة ثم لا يكاد يختلف جدوله يومه في الخارج عن باقي أيام السنة في مدينته الأصلية إذ تراه يتنقل بين محلات الكوفي والتسكع في المولات التجارية. السفر ليس فقط تغيير للأمكنة الأهم من ذلك تغيير عادات الحياة اليومية وأن يكون لك إذا سافرات في رحلة خارجية (عيون جديدة) كما هي نصيحة الأديب الفرنسي مارسيل بروست.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق