الأحد، 4 ديسمبر 2022

( مصارع العشاق على المستطيل الأخضر )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 مع أجواء المونديال التي نعيشها هذه الأيام يمكن توصيف لعبة كرة القدم بأنها مزيج من المشاعر وكتلة من الانفعالات ما بين الحماس والابتهاج والنشوة والإحباط والصدمة والغضب والتعصب والتنمّر. ومع ذلك بالنسبة لي أبرز ما يميز لعبة كرة القدم يمكن اختصاره باستعارة تعبير السير أليكس فيرجسون المدرب وللاعب الأسكتلندي المعروف (كرة القدم هي الجحيم الدموي). المشكلة أن الطابع الرجولي الخشن والصراع الحاد العنيف هو ما يجعل كرة القدم (الإنجليزية) هي اللعبة الشعبية الأولى في العالم كله وكرة الرُّغبي (كرة القدم الأمريكية) هي اللعبة الشعبية في أمريكا الشمالية. من الناحية التاريخية يمكن اعتبار كرة القدم التقليدية هي وليدة لعبة كرة الرغبي والتي كانت حتى منتصف القرن التاسع عشر هي لعبة النخبة والأرستقراطيين ولهذا كانت كرة القدم محاولة احتجاجية لتمكين عامة الشعب من ممارسة لعبة أسهل في القوانين والتجهيزات. والطريف في الأمر أن الأديب الإنجليزي المثير للشغب أوسكار وايد كان ثاقب النظر عندما ربط بين كرة القدم وكرة الرغبي بقوله (كرة الرغبي لعبة للبرابرة يلعبها السادة وكرة القدم هي لعبة للسادة يلعبها البرابرة !!).

وبحكم ارتباط نشأة كرة القدم بالجزر البريطانية يحصل أحيانا أن يتم تداول مقول الشاعر الأرجنتيني الثائر خورخي بورخيس (كرة القدم من أفدح جرائم إنجلترا) وقد ُيفهم من ذلك أن جريمة الإنجليز المساهمة في نشر هذه اللعبة في مستعمراتها وبقية بلدان العالم وقد يفهم أمر أبعد عمقا في التاريخ. التاريخ الدموي والعنيف لكرة القدم (الإنجليزية) ربما يعود كما يقول البعض إلى زمن الاحتلال الروماني للجزر البريطانية فبعد ثورة دموية لمقاومة الوجود الروماني بدأت أول مباراة لكرة القدم عندما أخذ الثوار السلتيون (سكان بريطانيا الأصليون) في تبادل ركل ومناقلة رأس جندي روماني. هذا ما حدث في الزمن قبل الميلاد أما في القرن الثالث بعد الميلاد فتوجد إشارات تاريخية إلى أنه وقعت حادثة دموية عرفت باسم (ركل رأس الدنماركي) متعلقة بغزو جيش من فايكنغ الدنمارك لمحاولة احتلال الجزر البريطانية وبعد هزيمة هذا الجيش قام البريطانيون بقطع رأس الأمير الهولندي قائد الجيش وركل رأسه في شبه لعبة حماسية.

منذ آلاف السنين والارتباط بين الكرة وحضارة المايا وثيق ومتجذر وبالرغم من أن لعبة كرة المايا لا تستخدم فيها القدم بل الورك لكن أصولها الأسطورية لها طابع دموي وقريب مما حصل في الجزر البريطانية. تقول الأسطورة الهندية المكسيكية إن الأخوين التوأمان بعد أن استخدما الأرض كملعب لكرة القدم وذلك أزعج الآلة ولهذا تم قطع رأس أحد الأخوين واستخدم ككرة قدم. ومن الخرافة إلى الواقع الصاعق والمرعب للعبة كرة القدم لشعوب أمريكا الوسطى في زمن حضارة المايا عندما كان يقع الحكم على الفريق المهزوم أن تتم التضحية بهم بأن تقطع رؤوسهم داخل نفس تلك الملاعب والتي من المصادفات أن لها شكل مستطيل وبهذا يمكن أن تسمى (المستطيل الأحمر). في الزمن الحاضر من قواعد كرة القدم أن المهزوم ليس فقط يمضي وحيدا ولكن ربما يخسر كل شيء وحتى روحه ففي قديم القارة اللاتينية المهزوم في كرة القدم يتم قتله كما أشرنا وللأسف قد يكون هذا مصير بعض اللاعبين في الوقت الحالي.

الجميع يعلم مصير لاعب كرة القدم الكولومبي أندريس إسكوبار عندما تسبب في هزيمة منتخب بلده في بطولة كأس العالم 1994م وذلك بتسجيله عن طرق الخطأ هدفا في مرمى فريق بلادة. المهزوم إسكوبار لم يكن مصيره القتل بقطع الرأس، ولكن بتلقي وابل من رصاص من مسدسات أفراد المافيا الكولومبية التي خسرت مبالغ طائلة في صفقات المراهنة نتيجة فوز الولايات المتحدة بذلك الهدف (القاتل). الجدير بالذكر أنه قبل هزيمة كولومبيا على (رجل) المنتخب الأمريكي في كأس العالم حصلت قبلها هزيمة ثقيلة للمنتخب الكولومبي على يد فريق منتخب رومانيا. وهنا تلقى اللاعب الكولومبي باراباس تهديدات بالقتل بسبب اتهام عصابات المافيا له أنه سبب تلك الهزيمة ولذا سوف يكون الرد بتفجير منزله إذا لعب في المباراة القادمة أمام الولايات المتحدة.

كرة القدم مشحونة بالعواطف الثائرة في وقت الابتهاج وفي وقت التعاسة قد ترفع الجماهير لاعب الفريق فوق الأعناق وقد تكسر عنقه في ظرف آخر. وهذا ما حصل تقريبا مع لاعب كرة القدم الكاميروني ألبير إيبوسي فبعد خسارته لمباراة مع فريقه الجزائر رجمهم الجمهور بالحجارة أصيب على إثر ذلك بحجر قاتل في الرأس توفي بعدها بساعات قليلة وبهذا كان مصرع هذا العاشق للكره على أرض المستطيل الأخضر. في بطولة كأس العالم 1966م التي أقيمت في إنجلترا استطاع فريق كوريا الشمالية المجهول تماما في تلك الفترة من الانتصار على الفريق الإيطالي وإقصائه من البطولة. في رحلة العودة لأرض الوطن رتب الفريق الإيطالي أن يعود في وقت متأخر جدا من الليل وإلى مطار مدينة صغيرة وذلك تحاشيا لغضب الجمهور ومع ذلك استقبلهم حوالي 700 مشجع ثائر بقذائف من ثمار الطماطم الفاسدة.وقد علق أحد لاعبي المنتخب الإيطالي للصحافة (لحسن الحظ تقرر في النهاية أن نصل إلى جنوه في اللحظة الأخيرة وليس إلى ميلانو أو روما، هناك كنا سنتعرض بالتأكيد للقتل).

وقبل ذلك بسنوات حصلت مباراة حاسمة وحماسية في نهائي كأس العالم بين منتخب البرازيل ومنتخب الأوروغواي وبحكم أن المباراة كانت على الأراضي البرازيلية شعرت حشود الجماهير المتعصبة بالإهانة والغضب الشديد نتيجة هزيمة منتخب بلادهم وعلى أرضه. وبالرغم من أن أعضاء الفريق البرازيلي غادروا الملعب تحت حراسة أمنية مشددة إلا أن مدرب الفريق فلافيو كوستا كان في حالة خوف شديدة من أنه سوف يتعرض للقتل لو خرج من الملعب وبعد أن الاحتماء لمدة يومين كاملين في غرفة تبديل الملابس استطاع أخير الفرار بجلده بعد أن تسلل من الملعب بشكل متخف وهو يرتدي ملابس امرأة.

 الموت المفاجئ وصافرة النهاية

من العشق ما قتل خصوصا في لعبة كرة القدم التي قد تقود للقتل أو حتى الانتحار وبهذا نردد مع طيب الذكر المتنبي (فمن المطالب القَتيلُ القاتلُ) فالجمهور الغاضب أو المحبط من الهزيمة قد يقتل الحكم أو أعضاء الفريق أو ينتحر. في عام 1950م استضافت البرازيل لأول مرة بطولة كأس العالم على أراضيها وبالرغم من وصول الفريق البرازيلي للمباراة النهائية في المونديال إلا أنهم خسروا أمام فريق الأوروغواي وهي المباراة التي سبق لها الإشارة بالأعلى. في ليلة هزيمة فريق السامبا انتشرت في المدن البرازيلية رقصة الموت حيث تشير تقارير الشرطة أنه حصلت في تلك اللية حوالي مائة حالة انتحار، بل وصل الأمر أن المهاجم البرازيلي دانيلو حاول هو الآخر أن ينتحر. الغريب في الأمر أن الموت وقع في تلك الليلة في معسكر الفريق الأوروغواي الفائز ونظرا لحالة الانفعال العصبي الرهيب لتلك المباراة التاريخية فقد توفي في الأوروغواي نفسها حوالي ثمانية أشخاص بالسكتة القلبية من شدة الفرح بفوز منتخب بلادهم.

هذا ما حصل في دولة الأوروغواي بينما في الملعب الشهير لمدينة ريو دي جانيرو قال أطباء ملعب ماراكانا إنهم اضطروا إلى معالجة 169 شخصا عانوا من مشاكل في القلب نقل العديد منهم للمستشفى وهم بحالة حرجة ولهذا نالت بحق المباراة النهائية لكأس العالم 1950م بين البرازيل والأوروغواي لقب (مباراة السكتة القلبية). لعلنا الآن وفي سياق ما سبق نفهم بعض أبعاد جحيم الضغط النفسي الذي قصده المدرب الإنجليزي أليكس فيرجسون ويبدو أن هذه الحكمة أخذها من معلمة المدرب الأسكتلندي جون ستين الذي كان له مقولة مشهورة هي (كل مدرب يموت لوقت ما في كل مباراة). والغريب في الأمر أن هذا ما حصل بالفعل مع المدرب جون ستين ففي يوم العاشر من سبتمبر لعام 1985م وفي المباراة الحاسمة بين إسكتلندا وبين ويلز والتي سوف تحدد من هو الفريق الذي سوف يتأهل للمشاركة في بطولة كأس العالم 1986م في المكسيك. وبعد أن تقدمت أسكوتلندا في الدقائق الأخيرة من المباراة ومع صفارة الحكم النهائية تعرض جون ستين في تلك اللحظة لذبحة صدرية سقط بعدها ميتا داخل المستطيل الأخضر.

وهذا يقودنا للظاهرة الرياضية والطبية التي أخذت في التزايد في العقود الأخيرة وهي ما تسمى (الموت القلبي المفاجئ للرياضيين) والتي ترتبط بحصول وفاة مفاجأة بالذبحة الصدرية لممارسي الرياضة وكرة القدم وذلك أثناء المشاركة في المباراة أو التدريب الرياضي المجهد. وفي دراسة طبية ممولة من الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) تم إصدار تقرير خاص عن هذه الظاهرة المؤلمة للاعب والمحزنة لعشاق الكرة تبين أنه خلال مدة خمس سنوات (2014-2018) تم رصد وفاة 617 لاعب كرة قدم فجأة على أرض الملعب (وهذا ما يعزز عنوان المقال: مصارع العشاق على المستطيل الأخضر) أو في صالات التدريب. ونظرا لأن أغلب حالات الوفاة هذه هي بسبب الذبحة الصدرية المرتبطة بأمراض القلب لذا نجد أنه ومنذ عام 2009م ألزمت منظمة الفيفا وجوب إجراء اختبارات تخطيط القلب لجميع لاعبي كرة القدم المسجلين في الاتحادات الكروية.

والجدير بالذكر كذلك أن حالات الوفاة على المستطيل الأخضر تشمل كذلك الإصابات القاتلة التي يتعرض لها المئات من لاعبي كرة القدم نتيجة لحصول تهتك في أحشاء الجسم والنزيف الداخلي أو الارتجاج في الرأس ونزيف الدماغ. بقي أن نقول إن الجميع تقريبا يتذكر حالة الهلع التي أصابت لاعبي كرة القدم وجمهور المشجعين عندما انتشرت بشكل غريب العام الماضي ظاهرة الموت المفاجئ لشباب الرياضيين وهم في ملاعب كرة القدم. ولهذا حاول البعض تعليل سبب هذه الزيادة المرصودة في حالات الوفاة المفاجأة في تلك السنة أنها مرتبطة بالتطعيمات واللقاحات الجديدة لمرض الكورونا !!.

 وفي الختام أعتذر مسبقا لمن أفسدت عليه بهجة أجواء المونديال الكروي بالربط بين الموت ورياضة كرة القدم ومع ذلك لا مفر من إنهاء المقال بصدمة كشف العلاقة بين ملعب كرة القدم القتل الجماعي والتعذيب الدموي. في عام 1973م حصل انقلاب عسكري في دولة تشيلي وتولى مقاليد الحكم الجنرال سيئ السمعة بينوشيه والذي قام بحشر حوالي عشرين ألف شخص من المعتقلين والنشطاء السياسيين في معسكر للقتل والتعذيب والذي لم يكن سوى أكبر ملعب في العاصمة التشيلية (ملعب سانتياغو الوطني). ولقد تعرض في هذا الملعب المئات للتعذيب توفي منهم عدد كبير ولهذا بدل أن يتذكر أهل تشيلي وبقية العالم هذا الملعب بأنه استضاف فعاليات بطولة كأس العالم في سنة 1962م أصبح يشتهر بأنه الملعب الوحيد في العالم الذي يوجد به جزء من مدرجات الجمهور لا يسمح بالجلوس فيها لأنها تستخدم الآن كشاهد وذكرى لتلك المجزرة الأثيمة. وكما يحصل الآن في الاحتجاجات السياسية في إيران أنه يشارك بها بعض الرياضيين مثل اللاعب الإيراني علي كريمي كذلك حصل قبل نصف قرن أن شارك بعض الرياضيين التشيليين في معارضة الجنرال بيونشيه. لقد تم اعتقال وقتل بعض لاعبي كرة القدم في معسكر التعذيب التشيلي في ملعب سانتياغو الوطني ولم ينج منهم إلا البعض مثل المدافع أوغو ليبي أول رئيس لنقابة كرة القدم المحترفين في تشيلي الذي اعتبر شخصية معارضة بسبب نشاطه النقابي وقد تدخل قائد المنتخب التشيلي بشكل مباشر عند بيونشيه لكي يتوسط في إنقاذ حياة زميلة الكروي. 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق