الأربعاء، 28 أغسطس 2019

( الحج .. سيرة ذاتية )

لماذا تأخر أدب رحلات الحج لأكثر من أربعة قرون ؟

د/ أحمد بن حامد الغامدي

الأمة العربية في مجملها أمه بادية كثيرة التنقل والترحال والأمة الاسلامية ركنها الخامس فريضة الحج ومع الزخم الوافر لرحلات الحج إلا أن عدد قليل جدا من الحجيج من حرص على توثيق مشاهدات وذكريات (رحلتهم الحجازية). هل يكفي عذرا أن العرب أمه أمية لا تقرأ ولا تكتب لكي نفهم الفارق الحضاري بيننا وبين الامم السابقة ففي حين كان المؤرخ الاغريقي هيرودوت يوثق في القرن الخامس قبل الميلاد مشاهدات رحلاته في كتابه (تاريخ هيرودوتس) نجد أن أول توثيق للرحلات العربية (رسالة ابن فضلان) لم يقع إلا في القرن الثلاث الهجري - القرن العاشر الميلادي - بمعنى أننا تخلفنا 1500 سنة عن تقليد الاغريق في جانب أدب الرحلات. ليس هذا فحسب فحين نجد أن أول سرد موثق في كتاب مخصوص عن رحلة الحج في الحضارة الاسلامية هو ما قام به الرحالة الفارسي ناصر خسرو شاه في منتصف القرن الخامس الهجري (منتصف القرن الحادي عشر الميلادي) نجد أن الشعوب الأخرى قد قامت قبل ذلك بقرون عديدة في توثيق رحلاتها الدينية. كما هو معلوم ظهرت المسيحية كدين رسمي معترف به عام 325م زمن الإمبراطور الروماني قسطنطين وبعد ذلك بسنتين أرسل ذلك الإمبراطور والدته العجوز هيلينا لحج الأراضي المقدسة المسيحية في القدس. ونظراَ لأهمية هذه الرحلة الدينية أهتم المؤرخ الروماني يوسيبيوس من القرن الرابع الميلادي على توثيق جميع مراحلها وهي بهذا أول حجة دينية مسيحية إلى القدس لها سجل تاريخي غني وشامل. قد تكون الهند هي مهد نشوء الديانة البوذية لكن انتشارها الوسع تم في الاراضي الصينية ولهذا عبر التاريخ قام عشرات الاف من الرهبان البوذيين برحلات دينية غرباَ نحو الأماكن المقدسة البوذية في الهند. ومن أقدم الوثائق التاريخية المسجلة لهذه الرحلات البوذية رحلة الراهب الصيني شوانتسانغ التي استمرت لمدة ستة عشرة سنة والمثير في قصته أنه يتوفر مصدران كبيران لرحلات شوانتسانغ أحدهما من تأليفه نزولا عند رغبة الامبراطور الصيني والآخر من تأليف أحد مريدية ومرافقية.
وعَودُ على بدء نُذّكر بأن العرب شعب من سجيته الارتحال والسفر كما إن من عاداته المستأصلة الحديث عما حصل معه في سفره ولهذا شعر العرب في الجاهلية وصدر الاسلام مشحون بالقصائد والابيات الشعرية الطوال التي تصف الناقة أو الخيل التي يمتطيها الفارس العربي والأهوال التي طرأت عليه في اجتيازه للمفاوز والفيافي والقفار. ولكن اللغز التاريخي المحير هو لماذا أنصرف الأعراب الاقحاح لقرون طويلة عن تدوين وتوصيف رحلاتهم للحج إلى البيت الحرام حيث كما ذكرنا كان الرحالة والشاعر الفارسي ناصر خسرو هو أول شخص في التاريخ الاسلامي يصف معالم وأحداث رحلته إلى الأرض الحرام عام 439 هـ وذلك في كتابه المشهور والبالغ الاهمية (السفرنامه) والذي كتب باللغة الفارسية. لماذا لم يدّون أي من حجاج البيت العتيق من العلماء والادباء في القرون الاربعة الاسلامية تفاصيل رحلاتهم الدينية هل ذاك بسبب الورع وعدم الرغبة في الرياء والسمعة أم هو الخوف من الوقوع فيما حذر منه المؤرخ والرحالة اليوناني القديم سترابو عندما قال (كل متحدث بقصة رحلاته متبجّح).
وكالعادة في واقعنا العرب سرعان ما ننتقل من طرف إلى طرف ومن نقيض إلى نقيض، فطلب تفسير شح وقلة تسطير ذكريات ويوميات ومشاهدات الحاج في العصور الاسلامية القديمة لا يزاحمه إلا طلب تبرير طوفان سيل الحبر المسكوب والورق المكتوب لتوصيف تفاصيل رحلات الحج الحجازية التي نشرها كم غفير جدا من الرحالة والحجاج منذ مطلع القرن السادس الهجري. علما بأن اشهر الرحلات العربية مثل رحلة ابن جبير أو رحلة ابن بطوطة كان مبدأها في الاصل رحلة لأداء فريضة الحج . بكل ثقة نستطيع القول انه لا يوجد الان في تاريخ البشرية كتب مؤلفة لسرد تفاصيل الزيارة الدينية والرحلة الايمانية لأي بقعة دينية او سياحية على سطح الأرض كما هو موجود في كتب مشاهدات الاعلام إلى البلد الحرام. ولتدليل على الكثرة الوافرة من كتب أدب السفر والتحليق إلى البلد العتيق يكفي ان نشير إلى أن المؤرخ المغربي المعاصر عبدالهادي التازي عندما أهتم فقط بتوثيق الرحلات الحجازية المنطلقة من الديار المغربية استطاع سرد أخبار أكثر من مائة مستند وكتاب ووثيقة لرحالة وحجاج من بلاد المغرب سطروا ذكرياتهم المكية وتفاصيل رحلاتهم الحجازية. وهذا ما نجده في الكتاب الموسوعي الضخم الذي ألفه العلامة الدكتور التازي وحمل عنوان (رحلة الرحلات .. مكة في مائة رحلة مغربية ورحلة).
بقي أن اقول أنه من وجهة نظري الشخصية أن عنوان موسوعة الرحلات المكية للعلامة التازي (رحلة الرحلات) جانبه بعض الصواب فالشطر الثاني منه (مائة رحلة .. ورحلة) هو استدعاء ولا يشك للموروث القصصي القديم (ألف ليله وليله) وما فيه من غرائب الاخبار ومخاطر الارتحال وربما كان الاولى تنزيه ربط رحلة الحج الايمانية بتهويمات الخيال الخرافية. الجدير بالذكر أنه قبل سنوات معدودة من نشر كتاب رحلة الرحلات المغربي نُشر كتاب هام عن رحلات الحج باللغة الانجليزية للكاتب والشاعر الامريكي المسلم مايكل وولف وبحكم أن الكتاب موجهة للقارئ الغربي في الاساس ولهذا يبدو أن عنوان الكتاب أُريد به (توظيف) جاذبية العنوان السحري لألف ليله وليله مع تحوير طفيف ليصبح: ألف طريق إلى مكة (One thousand roads to Mecca). في هذا الكتاب الأجنبي دلالة إضافية على وفرة الكتب المؤلفة في القرون الاخيرة عن رحلة الحج ففي حين ركز عبدالهادي التازي على الرحالة المغاربة نجد أن مايكل وولف يخصص كتابه تقريبا بالكامل لسرد أخبار سفر الرحالة غير العرب (بل وربما غير المسلمين) من الأصول الاوربية. في هذا الكتاب الضخم (656 صفحة) يوثق مايكل وولف الرحلات المكية لحوالي عشرين شخصية منحدرة من دول غربية مختلفة مثل بريطانيا وايطاليا وامريكا واسبانيا وسويسرا والنمسا واستراليا عبر فترة زمنية متطاولة تمتد لخمسة قرون تبدأ من مطلع القرن السادس عشر (عام 1503م عندما قام الرحالة الايطالي فارتيما المعروف بالحاج يونس بزيارة مكة) وحتى نهايات القرن العشرين (سنة 1990م عندما أدى المؤلف مايكل وولف مناسك الحج).
من الاخبار إلى الخواطر
بالرغم من أن مناسك و شعائر الحج ثابتة أبد الدهر إلا إن أحاسيس ومشاعر الحجاج التي تم توثيقها في الكتب يبدو أنها قد تغيرت عبر الزمن. كما لاحظنا في بداية الأمر ولمدة تزيد عن أربع قرون متواصلة لم يسطر أحد من الحجاج المسلمين أي شيء ذي بال عن رحلة الحج ثم وبظهور أدب الرحلات في ديار الاسلام كان اهتمام رواد (( الجغرافيين العرب)) ممن وثق وسجل رحلته الحجازية ينصب على (الدراسة الوصفية) لأبرز أحوال وطباع المسالك والممالك التي يمرون بها أثناء رحلة الحج. بمعنى أن الرحالة الحاج كان يركز على زيادة المعلومات الجغرافية والتاريخية عن الديار الاسلامية والبقاع المكية والاثار الحجازية.  بالمناسبة يشير علامة الجزيرة العربية الشيخ حمد الجاسر في مقدمة كتابه الماتع (رحلات حمد الجاسر) أنه استفاد بشكل كبير من كتب رحلات الحج في الحصول على المعلومات المتنوعة عن تاريخ بلادنا وجغرافيتها وأحوالها وربما هذا ما شجعه لاحقا لبذل جهد خاص في تقصي وتجميع كل المخطوطات التراثية عن الرحلات الحجازية ونشر كتابه الفريد (أشهر رحلات الحج).
ما سبق كان هو مساق الاخبار والمعلومات والرصد في أجواء الحج أما ما نحتاج إليه في إثبات أن الحج هو (سيرة ذاتية) وليس فقط (دراسة وثائقية) فنحتاج أن نفتش وننبش عن مشاعر الحاج وليس عن مشاهدات الحاج. الحج كما هو معلوم رحلة مشحونة بالعواطف والاحاسيس والتأملات والنقاشات وتبادل الافكار ورحلة الحج بحق كما وصفها الشيخ محمد الغزالي (رحلة روحية وسياحة عاطفية). من هذا وذاك نجد أنه ومنذ مطلع القرن العشرين اختلفت وبشكل حاد سمات ومعالم كتب رحلات الحج المكية فلم تصبح تركز علي (السرد المُجَرَد) للأخبار والمعلومات ولكن على (السبر المُجرِد)  عن أعمق مشاعر الروح عندما توجد في المشعر الحرام الذي  تسكب عند العبرات وترتفع في محيطه أنين الشهقات.
في زمن الشاشات الفضائية وطوفان معلومات الشبكة العنكبوتية في الغالب نحن لسنا بحاجة إلى كتب الرحلات القديمة لأنها تعطي وصف لمعالم جغرافية غير موجودة الان ولهذا نادر جدا من يقرأ (من غير المتخصصين) رحلة الحج للصفدي أو العبدري أو القيسي أو الجزيري أو البكري أو العياشي أو الهشتوكي فهؤلاء رحمة الله عليهم لا يعرفهم (وفي الغالب لن يعرفهم) جيل اليوم حتى وأن ذكرهم العلامة حمد الجاسر ووصف رحلاتهم الحجازية بأنها من (أشهر) رحلات الحج. في المقابل نجد أن لرحلات الحج ذات طابع الوصفي الروحاني أو الرونق الادبي أو العمق الفلسفي لها سوق رائجة وشهرة ذائعة. وبعد أن كانت عناوين الرحلات القديمة للبيت المعمور لها اسماء متكلفة ومسجوعة فمثلا كتاب رحلة الحج للعالم للفقيه المغربي ابن رشيد السبتي وهو من أعلام القرن الثامن الهجري حمل عنوانا صعب الفهم (ملأ العيبة بما جُمع بطول الغيبة في الوجهة الوجيهة إلى الحرمين مكة وطيبة) نجد أن عناوين كتب الزمن المعاصر قصيرة وحكيمة. فهذه رحلة علامة الهند الكبير وحيد الدين خان إلى الديار المقدسة نتج عنها أحد اهم كتب الفكرية المعاصرة وهو كتاب حمل عنوان بسيط ولكن عميق (حقيقة الحج) ركز فيه على (روح) الحج ورسالته الكبرى.
الشيخ الجليل علي الطنطاوي وضع قاعدة جميلة في أدب الرحلات عندما قال (.. وأنا حين أهم بالكتابة عن بلد لا أصف أرضه ولا تحديد مساحته وحاصلاته، ولكن أحاول أن اصف مدى شعوري به ومبلغ ما له في نفسي). ولهذا نجد شيخنا الطنطاوي يختار أن يكتب خواطره الحجازية بأسلوب أدبي رفيع والأهم من ذلك أنها جاءت في سياق استخراج معاني الحج  الايمانية ودروسه التربوية ولهذا كان عنوان كتاب الشيخ الطنطاوي عن الحج (من نفحات الحرم). ومن الكتب التي نسجت على منوال الخواطر الفكرية والتأملات الروحية أثناء الزيارة لمهوى الافئدة المكي كتاب (أرض المعجزات) للكاتبة الكبيرة عائشة عبدالرحمن (بنت الشاطئ) وكتاب (في منزل الوحي) للدكتور الاديب محمد حسين هيكل. وبمناسبة ذكر الروائي المصري الكبير محمد حسين هيكل فكما أنه خلّد أسمه في تاريخ الأدب العربي بكونه أول من ألّف قصة عربية حديثة (رواية زينب) فهو كذلك أول أديب معاصر يوثق رحلة حجه في كتاب ثقافي بأسلوب أدبي رفيع. صحيح أن الأديب العملاق عباس العقاد عندما سأل عن وصفه لمشاعره في الحج فكان رده (هي تُحس أكثر ما توصف) وكذلك عبر طه حسين عن أحاسيسه في أرض الحجاز بأنها (لا يمكن أن تصور في حديث أو أحاديث) وربما لهذا لم يتسنى للعقاد أو طه حسين تأليف كتاب خاص عن رحلتهم للبلد الحرام. ومع ذلك نجد كوكبة أخرى من كبار الادباء يثرون المكتبة العربية بعدة كتب غاية في الروعة والثراء الأدبي تتعلق بأدب الرحلات إلى المشاعر المقدسة. ويمكن في هذا السياق ذكر كتاب (رحلة الحجاز) للأديب الظريف إبراهيم عبدالقادر المازني وكتاب (حَمَام الحمى .. يوميات حاج) للروائي المصري المعاصر جمال الغيطاني وكتاب (إسلام بلا ضفاف) لرائد القصة القصيرة العالمي يوسف إدريس. من أغرب الأمور في مجال أدب رحلات الحج أنه على خلاف الشعراء نجد أن الروائيين وكتاب القصة وإن كانوا تواجد في الحج إلا أن الحج لم يتواجد في رواياتهم الأدبية. دفق الاحاسيس وسمو العاطفة الوجدانية اثناء تأدية شرائع الحج والتواجد في أرض النسك أنتجت كم هائل من القصائد الشعرية في القرون المتأخرة وإن كانت البدايات شحيحه (كما ذكرنا ذلك العام  الماضي في مقال: الصور الشعرية للحج .. وشح البدايات). وفي المقابل هذه البيئة العاطفية الخصبة أثناء الحج لم تنتج أي عمل روائي مهم في مجال القصة أو المسرح لها ارتباط بالحج والحجيج. للأسف الشديد التاريخ يعيد نفسه فكما لم يطلع (العرب) على أدب الرحلات الحجازية إلى من خلال اللغة الفارسية في كتاب سفرنامه السابق الذكر فكذلك  لم نعرف حتى الان  أي رواية أدبية عن أجواء الحج إلا تلك التي كتبت باللغة الفرنسية وحملت عنوان (لبيك حج الفقراء) والتي هي الرواية الأدبية الوحيدة للمفكر الجزائري البارز ماك بن نبي. سبق وأن اشرنا ان الصور الشعرية عن الحج كانت شحيحة ونادرة ثم جادت القرائح بالقصائد والمطولات الشعرية فهل الأمر كذلك فيما يتعلق بالروايات والاعمال القصصية المرتبطة بالحج فهي مفقودة اليوم موجودة في الغد القادم. علم ذلك عند ربي لكننا في قمة التخلف في هذا الشأن مقارنة بالأدب العالمي فمنذ بواكير ظهور الرواية والقصة الادبية على المستوى العالمي كان للحج  ورحلة الحجيج وجود ملموس وحضور محسوس. بعض النقاد يشير إلى إن المجموعة القصصية (حكايات كانتربري) للأديب الانجليزي جيفري تشوسر والمنشورة قبل حوالي ستة قرون ربما هي أقدم الاعمال الأدبية في صورتها الحديثة وما يهمنا هنا أنها تدور عن رحلة عدد من الحجاج إلى ضريح القديس توماس في كاتدرائية كانتربري. في وقتنا الحالي يعتبر الروائي البرازيلي باولو كويلو (صاحب رواية الخيميائي ذائعة الصيت) أشهر وأهم كاتب قصة على قيد الحياة ومع ذلك كانت أول رواية ناجحة له والتي جلبت له شهرة دولية طاغية هي رواية (حاج كومبوستلا). وهي رحلة روحية وفلسفية عميقة تتقمص طريق الحج الموجود في اسبانيا المسمى مارا يعقوب وهي الطريق التي يسلكها الحجاج المسيحيون منذ القرون الوسطى إلى كاتدرائية سانتياغو دي كومبوستلا في شمال اسبانيا. بقي أن نقول في الختام أنه في الفترة الأخيرة يعاني (الأدب السلامي) من تعثر في جودة الانتاج وغموض في المفهوم والابعاد وربما مساهمة كتاب القصة من رواد الرواية الاسلامية المعاصرة في سد النقص في فضاء (الحج في الادب الروائي) يكون لها صدى إيجابي لتفعيل روح ورسالة هذا الفرع الثقافي والفني الواعد.



السبت، 3 أغسطس 2019

( قفزة كبرى نحو القمر )

الهبوط على القمر .. خطوة صغيرة لإنسان وقفزة كبيرة للبشرية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

الفلك دوّار والزمن سيّار وها نحن ذا تتردد في آذاننا العبارة الأسطورية (إنها خطوة صغيرة لرجل ولكنها قفزة كبرى للإنسانية) وهي تلك الكلمات التي نطق بها رائد الفضاء الامريكي المشهور نيل آرمسترونغ في مثل هذا اليوم قبل خمسين سنة شمية أو حوالي 52 سنة قمرية. كان ذلك في حدود الساعة الثالثة حسب التوقيت العالمي الموحد من  يوم 20 يوليو من عام 1969م عندما خطى آرمسترونغ بأول خطوة لإنسان على أرض القمر منهيا بذلك الشوط الأهم في سباق الفضاء space race بين الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. بصورة حاسمة أثبت الأمريكان تفوق التقنية الغربية على منافسيها ليس فقط بالوصل والهبوط مرة واحدة فقط على القمر ولكن بالوصول المتتالي لست مرات إلى أرض القمر التي درج ومرج على ثراها اثنى عشر رجل فضاء وكان أخر من رفع قدمه منهم عن تراب القمر رائد الفضاء الامريكي يوجين سيرنان بعد أن خط اسم ابنته تراسي على ثرى القمر وذلك في نهاية عام 1972 ميلادي.
يقال أن (الرابح يبقى وحيداً) وهذا ما حصل مع الامريكيان في سباق الفضاء فقد أنسحب الروس تماما من المشهد وعلى نفس النسق يقال (الفائز ينال كل شيء) وهذا ما حصل مرة أخرى مع رواد فضاء العم سام الامريكي الذين حازوا التاريخ مع المجد. عندما فاز رجال الفضاء الزرق (الأمريكان) في الشوط النهائي والحاسم على رجال الفضاء الحمر (الروس) نسى التاريخ كل الأمجاد العظيمة والمذهلة التي حققها الروس في بواكير عصر الفضاء فهم أول من أرسل قمر صناعي للفضاء (سبوتنك 1) وهم أول من أرسل رائد فضاء (جاجارين) وأول رائدة فضاء من النساء (تيريشكوفا).  كلنا نتوقع أن أول من وصل وهبط على سطح القمر هي مركبات الفضاء الامريكية في عام 1969م وهذا خطأ تاريخي شائع فأول مربكة فضاء (غير مأهولة unscrewed mission) هبطت على  القمر هي مركبة الفضاء السوفييتية لونا 2 وأول الصور الفوتوغرافية لسطح القمر تمت من خلال عدسات الكاميرات الروسية بواسطة مركبة الفضاء لونا 9. والأغرب من ذلك أن عينات التربة والصخور التي تم أخذها من سطح القمر ونقلها إلى الارض لم تكن فقط من خلال رحلات برنامج الفضاء الشهير أبولو ولكن أيضا عن طريق مركبة الفضاء الروسية لونا 16 التي هبطت على سطح القمر ثم أقلعت مرة أخرى بعد التحكم بها عن بعد.
الذاكرة التاريخية للبشر قصيرة وتميل للاختصار والاختزال ولهذا أغلبنا توقف المشهد عنده لوصول البشر إلى القمر عند لحظة هبوط نيل ارمسترونغ وتم نسيان بقية  الرواد الاخرين الذين انحدروا من بعده وكما صعدوا على سلم المجد هبطوا في غياهب الغفلة وفقدان الذاكرة تم نسيانهم كما حصل تماما مع نسيان عشرات المركبات الفضائية التي هبطت على سطح القمر. لحظة هبوط أول انسان على سطح القمر تمت في شهر يوليو 1969م بينما أول هبوط ناجح لجهاز أو مركبة من صنع الانسان تم قبل ذلك التاريخ بعشر سنوات كاملة حيث هبطت المركبة الفضائية الروسية لونا 2 عام 1959م في شهر سبتمبر بينما آخر محاولة حتى الان للهبوط على سطح القمر تمت قبل عدة شهور عندما فشلت مركبة الفضاء الاسرائيلية بيراشت في منتصف شهر مارس الماضي من الهبوط بسلام على سطح القمر. المحاولات العلمية الجادة (للوصول) للقمر بدأت قبل حوالي ستين سنة وبالتحديد في صيف عام 1958م وخلال هذا الزمن تم محاولة أرسال أكثر من ثمانين مركبة فضاء مستقلة إلى القمر. في بداية الأمر العشرات منها تحطمت لحظة الاقلاع ولاحقا العشرات منها نجحت في تحقيق مهام بسيطة مثل المرور والتحليق flayby  حول القمر أو الدوران حوله. بينما حققت 15 مركبة الهدف العلمي المنشود منها وهو (ويا للغرابة) مجرد الاصطدام بالقمر بينما لم تكن المركبة الامريكية المسماة النسر (التي هبطت بأرمسترونغ وزميل باز ألدرين)  هي الوحيدة التي هبطت بسلام على تخوم القمر وإنما تمكنت كذلك اثنى عشر مركبة فضائية أخرى في تحقيق هذا الخلود العلمي الكبير.
الجدير بالذكر أن مركبات الفضاء التي تدلّت ونزلت على أرض القمر ليست فقط من صنع التقنية الامريكية والروسية المتقدمة فقبل عدة سنوات نجح علماء الفضاء الصينيين في إنزال مركبة فضاء متحركة rover على سطح القمر كما نجحوا قبل عدة أشهر فقط في إنزال مركبة أخرى على الجانب المظلم والبعيد من سطح القمر. يبدو أن الشعب الهندي على موعد قريب من تحقيق الفخر العلمي فبعد أن تم قبل عشر سنوات ارسال مركبة الفضاء الهندية شاندرايان 1 التي اصطدمت بشكل متعمد impact على سطح القمر يتوقع هذه الايام هبوط فعلي lunar landing  لمركبة الفضاء الهندية شاندريان 2 على سطح القمر والتنقل عليه لإجراء التجارب العلمية القمرية.
حقاً وصدقاً لقد دار الفلك دورته وعاد سيرته فكما انطلق قبل نصف قرن من الزمن سباق الفضاء بين الروس والامريكان للوصول إلى القمر نجد اليوم العديد من الدول تطلق كلا منها مركبات الفضاء الخاصة بها لتمخر بروج السماء ولتهبط على أديم القمر. وكما تم الاشارة له سابقا نجحت الصين قبل اشهر في انزال مركبة على سطح القمر بينما تحطم غير مأسوفاً علية مسابر الفضاء القمري الاسرائيلي في حين أن مركبة الفضاء الهندية في طريقها ألان إلى القمر وكذلك أعلنت وكالة الفضاء الروسية انها تخطط لإرسال مركبة فضاء إلى القمر في نهاية هذه السنة. أما عن أخبار أسياد الفضاء في وكالة الفضاء الامريكية ناسا فلم تنقطع مركباتهم الفضائية من الوصول إلى القمر وإن كان آخر مركبة امريكية هي تلك التي قصف بها القمر عام 2013ميلادي. في واقع الأمر الوصول للقمة (أو القمر) قد يكون سهلا لكن البقاء على القمة هو الاصعب ولهذا لم تحقق وكالة الفضاء الامريكية ناسا وعد الرئيس الامريكي جورج بوش الأبن عندما أعلن في عام 2004م بأن الأمة الأمريكية على موعد مع التاريخ في عام 2019م عندما يتم إعادة ارسال رواد الفضاء الامريكيان إلى أرض القمر مرة أخرى. وفي الوقت الحالي يبدو ان سياسية الرئيس الامريكي دونالد ترامب مرتبكة على جميع الاصعدة فبعد أن صرح قبل عدة اسابيع بحماسة لعودة الامريكان إلى القمر حيث غرّد على تويتر قائلا (سنعود إلى القمر) وإذا به بعد ذلك بثلاثة اسابيع فقط  يهاجم وكالة الفضاء الامريكية ناسا ويسخف من خططها للعودة للقمر ويطلب منها عوضا عن ذلك أن تركز على التجهيز للرحلات إلى المريخ. وليس هذا فقط بل أذهل ترامب العالم بمعلوماته العلمية كما اذهله بتخبطه السياسي عندما قال في تغريدة له (إن القمر جزء من المريخ !!!).

القمر بعيد عن العين قريب من القلب
هذا صحيح فمنذ فجر الإنسانية تعلقت قلوب البشر بهذا الرفيق السماوي ولهذا نُسجت عنه الاساطير وفُتن به الشعراء وشُغل به الفلاسفة وكَشف أسراره العلماء. في عماء الاساطير القديمة أسندت للقمر قدسية سماوية سامقة فهو إما تمثيل للإلهة أو محل سكن وإقامة بعض ربات السماء مثل إلهة الصيد ديانا في الاساطير الرومانية أو الإله المنير نانا إله القمر في الحضارة السومرية. وبسبب هذا السمو المكاني والروحي للقمر كان الصعود إلية مستحيلا untouchable إلا على الكائنات الروحانية الشفافة وبسبب استحالة الوصول إلى القمر في المخيلة البشرية كان الهبوط أخيرا على القمر يعتبر أعظم إنجاز علمي بلا منازع في تاريخ البشرية. الغريب في الأمر أنه فيما بحثت وفتشت لم أجد أي إشارة لخبر من خيال الانسان القديم للوصول إلى القمر إلا ما ذكر عند شعوب الاسكيمو فمن اساطيرهم أنه يمكن لأي شخص أن يسافر إلى القمر إذا اختارته الاله ان يصعد معها إلى القمر عبر زلاجة تجرها الكلاب. في واقع الأمر زخم تدفق الخيال والأحلام بالسفر إلى القمر لم يظهر إلا في القرون القريبة الماضية ومن ذلك أن الكاتب الإنجليزي فرانسيس قودوين ألّف في مطلع القرن السابع عشر قصة خيالية حملت عنوان (رجل في القمر) تدور حول رجل هارب وجد في جزيرة نوع كبير من طيور الإوز والتي ربطها بعربة وحلق بها لمدة اثنى عشر يوما حتى وصل إلى سطح القمر.
في نهاية القرن الثامن عشر بدأت تظهر القصص والأعمال الادبية الأكثر منطقية وعقلانية في كيفية الوصول للقمر فبدلا من خرافات السفر عبر زلاجات الكلاب أو عربات طيور الإوز نجد أن الأديب الالماني رودولف راسبي ينشر روايته بالغة التشويق عن مغامرات البارون الالماني مانشهاوزن والتي من ضمنها محاولته الهرب عن طريق تصنيع منطاد كبير والذي حلق به في عالياً في السماء حتى وصل إلى القمر لتبدأ مغامرة جديدة له هنالك مع ملك القمر الغضوب. الملفت للنظر أن الحبكة الروائية حول شخص هارب يفر إلى القمر تكررت مرة أخرى في منتصف القرن التاسع عشر عندما نشر الكاتب الأمريكي الشهير إدغار آلان بو قصة قصيرة عن قاتل يدعى هانس بافال حاول الهرب باستخدام نوع خاص من المناطيد والذي حلق به لمدة ثمانية عشر يوما حتى هبط  به على سطح القمر.
كما هو متوقع فإن الخيال البشري للعديد من الكتاب والروائيين قادهم لتأليف عشرات القصص للسفر إلى القمر باستخدام وسائل سحرية مثل سفن شراعية أسطورية أو جسور وأنفاق غير مرئية أو حذاء سحري أو اختراعات علمية غريبة مثل نوع من المعادن أو الأصباغ المضادة للجاذبية أو نوع من المغناطيسات العجيبة. ومع ذلك تبقى الحبكة العلمية والأدبية الصحيحة هي أن تكون القصة أو الرواية قائمة على استخدام طاقة النار والاشتعال الكيميائي لتحقيق الرحلات القمرية إما في شكل مدفع عملاق أو على هيئة صواريخ الفضاء. لعل أقدم وأهم قصة خيالية في هذا النسق يمكن تتبعها إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما قام الأديب الفرنسي البارز  جول فيرن (صاحب رواية: حول العالم في ثمانين يوما) بنشر روايته بالغة التأثير في ولادة أدب الخيالي العلمي إلا وهي القصة التي حملت عنوان (من الأرض إلى القمر). الغريب في أمر هذه القصة أنه بالرغم من أن مؤلفها روائي فرنسي إلا أنها بالغة الارتباط بالتاريخ الامريكي فهي قد نشرت في عام 1865 أي في نفس سنة نهاية الحرب الأهلية الامريكية وهي بالتالي في جزء من حبكتها تستند إلى هذه الحرب حيث ان أحداث الرواية تدور في مدينة بالتيمور. القصة تدور عن ثلاثة رجال من أمريكا يقمون بمغامرة جريئة وخطيرة للسفر إلى القمر وهو ما سوف يحصل تقريبا بعد مائة عام بوصول آرمسترونغ وزميليه إلى مدار القمر. الاختلاف الجوهري ما بين الرحلة الخيالية والرحلة الحقيقة أن انطلاق المغامرين الثلاثة القدماء كان عبر استخدام مدفع ضخم بينما تم في رحلة الفضاء الحقيقة نقل رواد الفضاء عبر صاروخ ضخم جدا يدعى ساترون 5.
وما ينبغي الإشارة له هنا إلى أن كل من جاء بعد جول فيرن (مثل كتاب روايات الخيال العلمي الكبار مثل إسحاق عظيموف وآرثر كلارك) تأثر به بشكل كبير فيما يتعلق بمزج الابداع الادبي بخيال الرحلات العلمية إلى القمر وبقية الكواكب. بل اننا نجد في الرواية الشهيرة (أوائل الرجال على القمر) عن استشراف المستقبل لرائد روايات الخيال العلمي الكاتب الانجليزي المعروف هربرت جورج ويلز (صاحب روايات آلة الزمن والرجل الخفي)، نجد أن بطلي الرواية رجل الاعمال السيد بيدفورد والعالم السيد كارفور يتناقشان عن مدى احتمالية السفر إلى القمر بالاستناد إلى تفاصيل رواية جول فيرن السابقة الذكر. الأغرب من ذلك أن ذكر رواية جول فيرن والاشادة بها من قبل رواد الفضاء وهم في مركبة الفضاء الصاروخية حصل في الخيال وفي الحقيقة. أما في الخيال فهو ما سبق ذكره من الحوار بين ابطال رواية (أوائل الرجال على القمر) أما في الحقيقة فهو ما حصل مع طاقم رحلة ابولو 11رائد الفضاء آرمسترونغ وزميليه حيث أنهم في رحلة العودة من السفر من القمر قاموا بإرسال بث تلفزيوني في يوم 23 يوليو تحدثوا فيه عن رحلتهم التاريخية الكبرى وكيف أنها تأتي بعد حوالي مائة سنة من نشر رواية (من الأرض إلى القمر). وقد ذكر رواد القمر أن جول فيرن تخيل سفينة فضاء تدعى كولومبيا أطلقت من فلوريد ثم سقطت في رحلة العودة في المحيط الهادئ وهو ما سوف يحدث مع سفينة الوقت الحالي كولومبيا الجديدة التي هم فيها والتي سوف تلتقي مع الارض يوم غد (24 يوليو 1969م) في المحيط الهادئ.
يشتهر عن أدباء الخيال العلمي قدرتهم العجيبة على (استشراف المستقبل) وهذا ما حصل مع الفرنسي جول فيرن والانجليزي هـ. ج. ويلز فرواياتهم زاخرة بتوقع المخترعات العلمية التي لم تظهر بعد في زمانهم من مثل الطائرات والغواصات والصواريخ والدبابات والليزر والتلفزيون وما يهمنا هنا هو ما توقعه الروائي البريطاني المثير للاهتمام أرثر كلارك في روايته (اوديسة الفضاء 2001). ظهرت هذه الرواية الرائعة والفلم المصاحب لها في عام 1968م أي قبل سنة واحدة فقط من هبوط البشر على سطح القمر وهي وإن كانت تتحدث عن القمر ووجود مسلة غريبة مدفونة تحت سطح القمر منذ ملايين السنين إلا ما يهمنا في الواقع هو بداية الراوية حيث يتم وصف الرحلة الفضائية الخاصة التي سوف يقوم بها بطل الرواية الدكتور فلويد على متن مركبة فضاء مخصصة للرحلات السياحية للفضاء وزيارة القمر تتسع لعشرين راكب. في الوقت الحالي مفهوم (سياحة الفضاء) هو واقع حقيقي وليس خيال علمي محض فمنذ عام 2001م تم بدأ قص التذاكر وبطاقات الصعود
(boarding pass) لسياح الفضاء لكن تبقى (القفزة الكبرى الثانية إلى القمر) والمتمثلة في ارسال سياح في نهاية المطاف إلى محطة القمر destination moon وهذا بالمناسبة أسم لفلم ورواية أدبية شهيرة.
قبل حوالي سنيتن أعلن رجل الاعمال المشهور إليون مسك صاحب شركة مركبات الفضاء العملاقة SpaceX أنه سوف يتم ارسال سياح إلى القمر في حدود مطلع هذه السنة وذلك بعد أن دفع هؤلاء السياح جزء من قيمة تذكرة السفر الباهظة التكاليف والتي تبلغ 70 مليون دولار امريكي. الأمر الصادم أن هذا المبلغ الضخم هو فقط لرحلة سياحية تشمل (لفه حول القمر) اي بمعنى الدوران حول سماء القمر دون الهبوط عليه لأن إنجاز مثل هذا الأمر يحتاج إلى مبالغ مالية إضافية طائلة تصل لخانة مئات الملايين من الدولارات التي يجب أن يدفعها كل سائح قمري. وبكشف الحساب المالي هذا أجدني اكرر إعجابي ببعد نظر كتاب روايات أدب الخيال العلمي واستشرافهم للمستقبل ومن ضمنهم الكاتب السوري المعاصر الدكتور طالب عمران (رئيس رابطة كتّاب الخيال العلمي العرب) الذي نبهنا منذ سنوات انه لن يصل ويهبط على القمر إلا أغنى الاغنياء ولهذا أعتقد أنه نجح ووفق في اختيار عنوان روايته الشيقة (ليس في القمر فقراء).


الثلاثاء، 9 يوليو 2019

( موسكو في الذاكرة العربية )

على خطى أنيس منصور نقول لكم (أطيب تحياتي من موسكو)

د/ أحمد بن حامد الغامدي
الذاكرة والذائقة العربية منذ القديم غربيّة الهوى ومسلوبة النّوى أمام الغرب وأهله مقارنة بالشرق ونسله ومن ذلك مثلا الفرق الشاسع في عمق الذكريات العربية لمدينة موسكو الشرقية بالمقارنة والمقابلة مع مدينة باريس الغربية. في بدايات النهضة العربية الحديثة أرسل حاكم مصر الوالي محمد على باشا البعثات شرقا وغربا ولكن شتان ما بين الجهتين في ندى الذاكرة وثراء التواصل. في منتصف القرن التاسع عشر وخلال فترة زمنية متقاربة تم ارسل الطهطاوي إلى باريس والطنطاوي إلى موسكو ولأسباب مختلفة ومعقدة لاقت رحلة رفاعة رافع الطهطاوي إلى باريس اهتماما فائقاً  من الناحية الفكرية والأدبية في حين تلاشت في غياهب النسيان رحلة محمد عيّاد الطنطاوي إلى موسكو. لقد كان كتاب الطهطاوي الذائع الصيت (تخليص الإبريز في تلخيص باريز) الدليل الإرشادي وبوصلة التوجيه لفكر النهضة الغربية في حين بقي كتاب الطنطاوي (تحفة الأذكيا بأخبار بلاد الروسيا)على هامش كتب أدب الرحلات بالرغم من أنه كان جديرا بأن يفيد الأمة العربية الفتية في ذلك الزمن في تلمس دروب الادارة المدنية والاقتصادية والعسكرية من خلال التجربة الشرقية الروسية.
تنبيه جدير بالذكر وبالبيان أنه بالرغم من الأهمية الحضارية الفائقة لروسيا القيصرية إلا أن الاهتمام العربي ضئيل وخافت بتلك الامبراطورية الشرقية التي كانت ولا زالت تناطح الامبروطوريات الغربية. وبحكم أننا في سياق أدب الرحلات وخواطر الذكريات كم من الادباء والمفكرين العرب في بواكير عصر النهضة أرتحل للأراضي الروسية وكم منهم جعل المدن السلافية والحواضر السوفيتية محور روايته وأعماله الادبية. بينما في المقابل نجد كبار الادباء والمفكرين يخرجون عشرات الكتب والروايات عن مدن ودول الغرب فهذا رائد الأدب اللبناني أحمد فارس الشدياق يؤلف عن إقامته الطويلة في لندن وباريس كتابه الشيق (كشف المخبا عن أحوال أوروبا) وعلى نفس النسق سطر كبار أدباء الديار المصرية ذكرياتهم البارسية كما في كتاب الشاعر والاديب البارز زكي مبارك (ذكريات باريس) وكتاب شيخ العروبة أحمد زكي باشا (الدنيا في باريس). بينما السياحة والترحال في المدن الايطالية يمكن معرفة اخبارها من كتاب محمد بيرم التونسي (صفوة الاعتبار بمستودع الأمصار والأقطار) وكتاب (غرائب الغرب) للمؤرخ والرحالة السوري محمد كرد علي والذي هو ايضا الخيار المناسب لمعرفة دول أوروبية أخرى مثل ألمانيا واليونان وسويسرا. أما فاتنة وشاغلة الدنيا امريكا فكتب عنها كما هو معلوم (أمريكا التي رأيت) لسيد قطب وقبل ذلك نشر فيليب حتي (أمريكا في نظر شرقي) بينما وثق الروائي المصري الشهير يوسف إدريس زيارته لأمريكا في روايته الأدبية (نيويورك 80). وعلى ذكر الروايات الأدبية قد يكون عنوان رواية يوسف إدريس واضح الدلالة بارتباطه بأدب الرحلات لكن الغريب في الأمر أن بعض أهم وأشهر الروايات في الأدب العربي الحديث هي عن رحلة الأديب إلى الغرب والاقامة فيه. ويكفي أن نشير لروايات (عصفور من الشرق) لتوفيق الحكيم و(أديب) لطه حسين و(قنديل أم هاشم) ليحي حقي و(موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح و(الحي اللاتيني) لسهيل إدريس.
 
بدايات التواصل الروسي
ما سبق ذكره قد يعطي انطباع خاطئ حول (انقطاع) التواصل مع الآخر الروسي لكنه بحق يعزز (هامشية) الرحلات الروسية في الواقع العربي ومع ذلك فإن جغرافية وتاريخية الأمور ليست متماثلة دائما. من غرائب الأمور أن نقص نصيب بلاد الجليد الروسية في مجال (جغرافيا) السياحة يقابله نصيب موفور ومميز في مجال (تاريخ) الرحلات العربية. من المعلوم أن عصر الرحلات العربية تم تدشينه بالرحلة المشهورة لأحمد بن فضلان إلى بلاد الروس والصقالبة زمن الخليفة العباسي المقتدر بالله وبهذا كانت الأراضي الروسية هي وجهة أول رحله موثقة في تاريخ العرب عندما وصف ابن فضلان تفاصيلها في كتابه المعروف باسم (رسالة ابن فضلان). وبحكم أن وصف ابن فضلان للديار الروسية هو أقدم وثيقة تاريخية موجودة للتاريخ المبكر لتك البقاع من العالم ولهذا لا غرابة أن رسالة ابن فضلان لاقت اهتمام بالغ من المؤرخين الروس ومن المستشرقين على حدا سواء. لدرجة أن بن فضلان أثر على من جاء بعده من المؤرخين حيث قبل زيارته لتلك الاصقاع الشمالية كانت تعرف باسم بلاد الخزر أو بلاد الصقالبة وعندما وصف ابن فضلان القبيلة السلافية التي كانت تعيش هنالك بقبيلة الروس اشتهر هذا الاسم وبدأ في حجب الأسماء القديمة.
بالمناسبة يوجد تقاطع وتشابه كبير بين أسباب رحلة ابن فضلان للبلاد الروسية في القديم ورحلة محمد عيّاد الطنطاوي في العصر الحديث حيث أن كلا منهما ذهب لتعليم أهل تلك الديار القصية سواءً لأمور الدين الإسلامي أو معارف اللغة العربية. فأما ابن فضلان فالمشهور أنه سافر على رأس وفد من العلماء والفقهاء أرسلهم الخليفة العباسي المقتدر بالله من بغداد استجابة لملك الصقالبة في البقاع الروسية أن يبعث لهم من يعلمهم شعائر الإسلام ويبنى لهم مساجد العبادة. في حين سفر الرحالة الطنطاوي كانت استجابة هي الأخرى لطلب القيصر الروسي نيقولاي الأول من حاكم مصر محمد علي أن ترسل بلاده أحد أساتذة اللغة العربية للتدريس في قسم اللغات الشرقية بوزارة الخارجية الروسية. وكنوع من رد الجميل من قبل القيصر الروسي للوالي المصري تم تقريبا في نفس الفترة من منتصف القرن التاسع عشر استقبال أثنين من شباب مصر هما علي محمد وعيسى الدهشوري لدراسة علم المعادن واستخراج الذهب وهو ما حصل على يد خبراء هندسة التعدين في مناجم جبال الاورال الروسية.
الجدير بالذكر أن أواصر التعاون والتقارب بين الأسرتين الحاكمتين في مصر وروسيا (الأسرة الخديوية وأسرة رامانوف الإمبراطورية) تعززت في نهاية القرن التاسع عشر عندما قام أبناء الخديوي توفيق وهما الأمير عباس حلمي (حاكم مصر لاحقا) والأمير محمد علي بزيارة روسيا وتم استقبالهم بشكل رسمي من قبل الإمبراطور الكسندر الثالث الذي منحهما أرفع الأوسمة التشريفية. ويبدو أن تعلق الامير محمد على بروسيا كان جارفاً لدرجة أنه كرر زيارته لروسيا ثلاث مرات وفي عام 1909 قام بزيارة مطولة في أغلب أرجاء روسيا قادته بعد ذلك إلى اليابان. ومن هنا سطّر الأمير الخديوي محمد على ذكرياته الشخصية في روسيا في كتاب حمل عنوان رحلة إلى اليابان. وبعد ذلك بعدة عقود من الزمن سوف تثير زيارة أمير عربي آخر لروسيا اهتمام كبير ليتم توثيقها في كتاب خاص وهذا ما حصل مع زيارة الأمير فيصل بن عبدالعزيز آل سعود لروسيا عام  1932م والذي أصدر مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الاسلامية كتاب خاص عن هذه الزيارة حمل عنوان (الفيصل في روسيا) من تأليف الباحث الروسي المشهور فيتالي نعومكين.
بهذه المناسبة لعل من الملائم التنويه بأن العديد من الكتب العربية التي تتعلق بالتواجد العربي في روسيا هي لشخصيات سياسية ودبلوماسية عاشت في روسيا لفترة من الزمن وبالتالي رغب أولئك الاشخاص في تسجيل ذكرياتهم الشخصية والسياسية على هيئة كتب منشورة سواءً  في أدب الرحلات أو كتب العلاقات الدولية. ومن ذلك مثلا كتاب الوزير والمستشار الفلسطيني نبيل عمرو (1000 يوم في موسكو) والذي خصصه لسرد مذكراته عندما كان ممثلا لمنظمة التحرير الفلسطينية في موسكو. ويبدو أن الوزير الفلسطيني كان إلى حداً ما يسير على خطى وخارطة سلفه في الدبلوماسية العربية وزير الخارجية السوري الأسبق جمال الفرّا والذي كان في فترة الخمسينات الميلادية سفير  الجمهورية السورية في موسكو ولهذا قام بتوثيق مذكراته الدبلوماسية في كتاب حمل عنوان (ثلاث سنين في بلد لينين).

رواد السياح العرب في الساحة الحمراء
كما هو متوقع الباعث الحثيث على مشاق السفر الغثيث في الزمن ما قبل الحديث هو أن يكون الرحالة والمسافر مبعوث في مهمة رسمية ذات أبعاد سياسية أو أهداف استكشافية علمية وهذا ما كان عليه حال رواد (الرحالة) العرب. أما المفهوم الحديث نسبيا (للسياحة) وهو السفر بهدف الترفيه والاستجمام فهو أمر لم يكن شائعاً فيما مضى وبحكم حديثنا عن الذكريات العربية عن البلاد الروسية فربما يكون أول سائح عربي زار الاراضي القيصرية هو رائد السياح العرب الرحالة المصري محمود رشاد بك والذي بعد اعتزاله للعمل في سلك القضاء كرئيس لمحكمة مصر كرّس وقته وجهدة وماله للسفر شرقا وغربا. ومن ذلك قيامه في عام 1913م برحلة سياحية إلى الامبراطورية القيصرية سجل ذكرياتها في كتاب حمل عنوان (سياحة في الروسيا) سرد فيه مشاهداته وذكرياته السياحية منذ أنطلق من مدينة الاسكندرية وحتى ختم رحلته الطويلة والشاقة بمدينة موسكو. في الواقع أبرز ما يميز هذه الرحلة السياحية عن غيرها أن محمود رشاد بك كان في الأصل أديب ومفكر ولهذا أعتنى كثيرا في كتابه بوصف الاجواء الثقافية في روسيا في ذلك الزمن الذي شهد ظهور أباطرة الادب الروسي الكبار مثل تولستوي الذي حظي بمقابلته وتلقى منه دعوة أن يزوره في مزرعته الخاصة. كما أنه ساهم في الحث على ترجمة رائعة الأدب الروسي (الجريمة والعقاب) لدستوفيسكي من اللغة الروسية إلى اللغة العربية.
الجدير بالذكر أنه أثناء ما كان يقوم بعض الأدباء العرب بالترجمة من الروسية إلى العربية نجد أن المفكر والأديب اللبناني المعروف ميخائيل نعيمة كان يستطيع ان يؤلف الكتب باللغة الروسية وذلك لأنه تلقى عام 1905م دراسته الجامعية في روسيا والتي اقام فيها لمدة ستة  سنوات. من المشهور أن ميخائيل نعيمة من أشهر شعراء المهجر العربي بعد جبران خليل جبران ولهذا هو حاصل على الجنسية الامريكية وأقام فيها لفترة طويلة وبسبب تنقل ميخائل نعيمة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب لا غرابة على مفكر مثله أن يسطر فلسفته وافكاره التي استفادها في حياته الطويلة في كتاب حمل عنوان معبر (أبعد من موسكو ومن واشنطن).
يبدو أن جسور التواصل بين الادباء الروس والادباء العرب ممتدة ومتعددة ولعل من أهمها على الاطلاق قيام اتحاد الكتاب السوفييت بتنظيم مؤتمر أدباء أسيا وافريقيا عام 1958م وقد شارك فيه لفيف من أبرز أدباء مصر حيث كان رئيس الوفد المصري الكاتب الكبير على أحمد باكثير والذي حضر المؤتمر بمعية شوقي ضيف و ومحمد سعيد العريان وعبدالرحمن الشرقاوي وغيرهم. وكما هي العادة في رحلات الادباء غالبا ما تكون على درجة علية من الثراء الثقافي والمعرفي فإن تفاصيل هذه الرحلة الشيقة التي قام بها الأديب المخضرم على أحمد باكثير سطرها في كتاب خاص حمل عنوان (يوميات على أحمد باكثير في روسيا) ولعل من أبرز ما ذكر فيه قيام باكثير بإلقاء كلمة وفود المؤتمر أمام الرئيس الروسي خرتشوف في قصر الكرملين المشهور.
وبمناسبة ذكر الحديث عن العلاقات بين روسيا السوفيتية والجمهورية المصرية زمن القومية العربية الاشتراكية لا غرابة أن نجد أن أكثر من زار الديار الروسية من الرحالة والسياح العرب هم الأخوة المصريين. ولهذا نجد أنه كوسيلة لتوثيق الصلات بين الاتحاد السوفيتي وبين الجمهورية المصرية تم ارسال العديد من مشاهير رجال الصحافة المصرية لزيارة روسيا وكتابة التقارير الصحفية عنها والتي تم تحويلها لاحقا إلى كتب شيقة ذائعة الانتشار مثل الكتاب اللطيف (أطيب تحياتي من موسكو) للصحفي والكاتب البارز أنيس منصور والذي ذكر فيه أنه تقابل في موسكو مع الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش. ومن الكتب الصحفية عن البلاد الروسية كتاب (شهر في روسيا) للصحفي أحمد بهاء الدين رئيس تحرير جريدة الأهرام ولاحقا ألّف المفكر المصري المعروف يوسف القعيد آخر الكتب المهمة عن الاتحاد السوفيتي قبل ان ينهار (الكتاب الأحمر: رحلاتي في خريف الحلم السوفييتي) وهو عبارة عن مجموعة مقالات تتناول مشاهدات القعيد أثناء رحلاته الاربع إلى روسيا الشيوعية.
من أوجه ودعائم توثيق الصلات بين الاتحاد السوفيتي الروسي وبين أنظمة الدول العربية الاشتراكية في القديم زمن شيوع الشيوعية حصول عشرات الالف من الشباب العربي على منح دراسية في روسيا والعديد منهم تعلم في موسكو بجامعة الصداقة بين الشعوب. وبمناسبة ذكر دور روسيا في مد نفوذها عبر القوة الناعمة يقال أن موسكو كانت تفخر في فترة ما بأن بها نصف مليون طالب جامعي نسبة لا بأس بها منهم من خارج البلاد. وبالرغم من أن عشرات الاف من الشباب العربي تم ابتعاثهم في فترة الستينات والسبعينات وما بعدها إلى روسيا وخصوصا من الدول العربية التي كانت تدور في الفلك السوفييتي مثل سوريا واليمن الجنوبي ومصر والعراق وليبيا إلا أن الغالبية الساحقة منهم للأسف لم يخلدوا ذكرياتهم بنشر كتب أو مقالات صحفية عن تجربتهم الخاصة تلك. الشاعر العراقي المعاصر حسب الشيخ جعفر يشير إلى أنه أول مره التقى فيها الشاعر العراقي البارز عبدالوهاب البياتي كان ذلك في موسكو عام 1960م عندما كان يدرس بها وكان البياتي يعمل كملحق ثقافي في السفارة العراقية. وما يستحق الاشارة له هنا هو التجربة الأدبية للشاعر والروائي نزار دندش وهو أكاديمي لبناني متخصص في علم الفيزياء وعاش تجربة الابتعاث والدراسة الجامعية في مدينة موسكو في فترة السبعينيات الميلادية. قد تكون رواية (الحي اللاتيني) هي أهم رواية ادبية على الاطلاق في تاريخ لبنان وهي من تأليف الروائي اللبناني سهيل أدريس وتعكس الرواية تجربته الشخصية للابتعاث والدراسة في باريس في فترة الخمسينيات الميلادية وتدور الرواية حول العلاقة بين الشرق والغرب وحال وواقع الطلبة العرب في الغربة. وعلى نفس النسق تماما قام الروائي المعاصر نزار دندش بسرد (ذكريات ويوميات) تجربته في الدراسة بمدينة موسكو في فترة السبعينيات الميلادية وعالم الطلبة العرب المبتعثين للدراسية في الديار الروسية. كما يشي عنوان الرواية من خلال التماهي بين ليالي ويوميات موسكو الحمراء نجد الرواية مثخنة بالأجواء العاطفية المتوقعة للشباب الغر وغير المحصن لكن أهم ما تفردت به الرواية من وجهة نظري إعطاء لمحة للحراك السياسي للشباب العربي المبتعث والصراعات والخصومات السياسية والفكرية التي نشبت بينهم جراء اندلاع الحرب اللبنانية الاهلية وتدخل الجيش السوري في لبنان. وقد لمحت الرواية بشكل طفيف للنشاط السياسي لروابط واندية الطلبة العرب المبتعثين وناقشت بمزيد توسع نشاط أتحاد الطلبة اللبنانيين. الأهم من ذلك أن المؤلف اشار بشكل عام لتوسع اهتمام السفارة العراقية بالطلاب العرب ومحاولة استقطابهم.

وفي الختام بقي أن نقول أنه في الوقت الذي كان للعديد من الدول العربية نوع تواصل مع الشعب الروسي من خلال العلاقات الدبلوماسية الرسمية أو التغطية الصحفية المستمرة أو من خلال البعثات الطلابية كنا في واقعنا المحلي في قطيعة تامة مع ذلك العالم الاشتراكي الماركسي. ولهذا لا غرابة أنه بعد بداية التواصل المعاصر مع الشعب الروسي المجهول والمنسي في عام 1986م من خلال زيارة الراحلة الشيخ محمد العبودي للأصقاع الروسية (على رأس وفد لرابطة العالم الإسلامي) وثق الشيخ رحلته التاريخية الهامة تلك بكتاب حمل عنوان لمّاح (في بلاد المسلمين المنسيين). هذا النسيان للجالية الاسلامية في روسيا والتجاهل للشعب الروسي بدأ يتغير منذ سنوات بشكل ملموس فمنذ لحظة سقوط الشيوعية وحتى يوم الناس هذا قام ويقوم عشرات الالف من العرب والخليجيين بزيارة روسيا (خصوصا العام الماضي  وقت بطول كاس العالم 2108) أرض الجليد والبأس الشديد.



الجمعة، 7 يونيو 2019

( ماذا خسر العرب من فتح الأندلس !!! )

هل يمكن تصور الحضارة الاسلامية من دون روائع العمارة الاندلسية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بالإذن من المحرر النّحوي والمدقق اللغوي تعمدت ختم عنوان المقال بعلامة تعجب ! بدلاً من استخدام أداة الاستفهام ؟. من أصعب الاسئلة التي قد تجاوب عليها هي تلك الأسئلة البديهية أو الساذجة. ولهذا عندما يثار التساؤل حول هل كان فتح بلاد الأندلس نكسه على الاسلام أو سبب في تخلف العرب فمثل هذه التساؤلات الغريبة أقل ما تقابل به علامات التعجب !! وزفرات التسخط. لا يصح في الافهام شيء إذا احتاج غزو العرب للأندلس إلى تبرير وتعليل فضلا عن اعتبار فتح الفتوح هذا مصدر نكسه وسبب تخلف. الغريب في الأمر أن إحدى أهم وأقوى الامبروطوريات على مدار التاريخ وهي الامبراطورية الرومانية لم تكتمل عظمتها وقوتها إلا بعد السيطرة على الاراضي الاسبانية ولهذا نجد أن القيصر الروماني أغسطس يترك عاصمة ملكه في مدينة روما ويتجه على رأس حملة عسكرية ضخمة استمرت عشر سنوات حتى يسيطر على أرض الأندلس. صحيح أن سلة غذاء الامبراطورية الرومانية كانت حقول القمح المصرية وسهول حوران الشامية لكن أهم مناجم المعادن بالنسبة لتلك الامبراطورية كانت المناجم الاسبانية لدرجة أنه توجد بها مدينة اسمها (المعدن Almaden) اشتهرت من زمن الرومان بكثرة مناجمها. الأهمية الاقتصادية والسياسية للأندلس جعلت القيصر يرابط فيها لمدة عشر سنوات حتى يفتتحها بينما الاهمية الدينية لها جعلت القديس بولس في بواكير ظهور الدين المسيحي الجديد يكتب رسالة خاصة لأهل روما يحثهم على تحويل إسبانيا للديانة المسيحية ليس هذا فحسب بل قام هذا القديس الذي يعتبر ثاني أهم شخصية في المسيحية بعد السيد المسيح بجولة دعوية طويلة في أرض الاندلس.

بلا أدنى شك كان لأرض الاندلس أهمية كبرى في التاريخ ولهذا كسب العرب الكثير والكثير بضم هذا (الفردوس الأرضي) إلى حاضرة الاسلام. إن من علامات احترام ثقافة القارئ الكريم أن لا أكرر عليه معلومات راسخة وذائعة عن تأثير حضارة الاندلس في التاريخ العربي والاسلامي. وبدلا من ذلك سوف نلجأ لحكمة (الحق ما شهد به الأعداء) ونعطي لمحة لأثر حضارة الاندلس على العالم الغربي والثقافة الأوروبية وهو الأمر الذي كتبت فيه العديد من المؤلفات والدراسات. من ذلك مثلا أن المستشرق الانجليزي المشهور مونتغمري وات ألف كتاب هام حمل عنوان (أثر الاسلام على أوروبا في القرون الوسطى) ولقد كان المحور الاساسي لهذا الكتاب ذكر أهمية بلاد الاندلس كجسر تواصل بين الحضارة الاسلامية والحضارة المسيحية ودورها في نقل العلوم إلى أوروبا بل وتأثيرها على الادب الغربي المسيحي. بلاد الأندلس كانت البوتقة التي صُنعت وسُبكت فيها علوم وحضارة الغرب المسيحي وهذا ما يفهم من كتاب (بوتقة الإله) God's Crucible للمؤرخ الامريكي المعاصر ديفيد لويس الذي كان العنوان الفرعي لكتابه السابق الذكر (الاسلام وصناعة أوروبا) وفي هذا الكتاب سرد تاريخي مطول جدا لدور بوتقة الاندلس في سبك وصناعة اوروبا . مصباح علاء الدين لم يخرج منه الجني الخرافي بل شعّ منه نور العلم وشعلة الحضارة ولهذا في مجموعة كتب المؤرخ الامريكي جون فريلي (مصباح علاء الدين) وكتاب (نور من الشرق) اشار لدور الاندلس وبالذات مدينة طليطلة (بعد إعادة استردادها reconquista من قبل أهل الصليب) وكونها الموقع الحضاري الذي استلم فيه العالم الغربي المسيحي شعلة الحضارة والعلوم من العالم العربي المندثر.

تاريخ عربي شاحب من دون الأندلس
لقد كان لإقليم الاندلس بالغ الاثر في تشكيل معالم الحضارة الاسلامية ولهذا السؤال (الصحيح) ليس عنوان المقال ولكن سؤال  الذي يطرح نفسه ( لماذا تاريخ العرب باهت من دون الفردوس المفقود؟). في واقع الأمر تكمن إجابة هذا السؤال في التنبيه لخصوصية إقليم الاندلس ضمن منظومة الحضارة الاسلامية فمجتمع الاندلس لم يكن مجتمع إسلامي خالص بل كان مزيج من المسلمين (عرب أو بربر) ونسلهم من النساء الاسبانيات (المولدون) بالإضافة  لنصارى ويهود إسبانيا المُستعرِبين Mozarabs المتأثرين بالحضارة العربية في الملّبس واللسان. وبسبب التداخل والتمازج والتصارع بين هذه المكونات المختلفة كان للعرب والاسلام في الاندلس حضارة وثقافة إسلامية مختلفة نوعا ما  عن بقية النسيج الحضاري العربي.
هل ندرك أنه لو لم يدخل الاسلام إلى الأندلس فقطعا كنا سوف نخسر أهم وأجمل وأرقى فنون العمارة الاسلامية ألا وهو فن العمارة الاندلسية البديع. من أبرز خصائص الفن المعماري الاندلسي الفريد هو استخدام أقواس الاعمدة التي تحمل شكل حذوة الفرس horse-shoe arch ومع ذلك يشير المستشرق الانجليزي مونتغمري وات في كتابه السابق الذكر عن اثر الاسلام على أوروبا أن هذا النوع من فن العمارة دخل إلى الحضارة الاسلامية من خلال استعارة العرب لأسلوب البناء الخاص بالعمارة القوطية القديمة والتي كانت منتشرة في اسبانيا.
إذا كان أجمل وأرقى تراث الاندلس الحضاري والمادي هو فنون العمارة الاندلسية فإن من أروع وأعذب تراث الأندلس الثقافي والأدبي هو شعر الموشحات والذي لخصوصية أرض الاندلس لم يظهر إلا فيها. بسبب وجود شريحة كبيرة من النصارى واليهود المتداخلين في صلب النسيج العربي في الاندلس تم تسميتهم بالمستعربين ونتج من ذلك نشوء لهجة شعبية خاصة لأهل الاندلس تميزت باللحن في النطق وكثرة الالفاظ الاعجمية اللاتينية فيها وهذا الاعوجاج في اللسان العربي الاندلسي أثار اهتمام العديد من العلماء مثل ابن خلدون وابن الخطيب. لكن ما يهمنا في مجال الأدب أن فن الشعر الغنائي الاسباني القديم المعروف بالتروبادور وفن شعر الزجل العربي الاندلسي ظهرا معاً بصورة متقاربة وأثر كل واحد منهما بالآخر لدرجة أنه يقال أن الشعراء العرب المحترفين لفن الزجل كانوا يتنقلون بين الدويلات الاسلامية والممالك المسيحية على حداً سواء. وعلى نفس النسق تقريبا وفي مثل هذه الاجواء الأدبية المختلطة بين الثقافات المتنوعة وبسبب ولع أهل الاندلس بالغناء والموسيقى تم تطوير فن (الشعر الغنائي) لكي ينتج شعر الموشحات الذي تأثر بالثنائية اللغوية بين العربية واللغة الاسبانية وهذا ما أشار له الاديب ابن بسام في كتابة (الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة) عندما تحدث عن نشأة الموشحات وأن مخترعها كان (يأخذ اللفظ العامي والعجمي ويسميه المركز، ويصنع عليه المُوشحة).
إذا كانت المؤثرات الفكرية والديمغرافية في الاندلس أنتجت شعر الموشحات فكذلك نجد أن المؤثرات البصرية وجمال الطبيعة في الاندلس أثمر ما يسمى بشعر وصف الطبيعة الذي اختص به شعراء الاندلس عن غيرهم من شعراء العربية. ومن هنا لا عجب أن نجد الشاعر الرقيق ابن خفاجة الاندلسي ركز في شعره على وصف الطبيعة وجمالها كيف لا وهو يعيش في الفردوس الارضي وجنة الله في أرضه التي قال عنها:
يا أهل أندلسٍ لله دركمُ             ماءٌ وظلٌ وأشجارُ
ما جنة الخلد إلا في دياركمُ      ولو تخيرت هذا كنت أختارُ
وبحكم أن رغد العيش لا يدوم ولهذا تكثر حالة التفجع من فقد الشيء الجميل والنفيس ومن هنا نفهم لماذا كان تفجع الأمة الاسلامية من فقد الأندلس يفوق كل بلاد اخرى أنحسر عنها حكم الاسلام. عبر التاريخ تعرضت اقاليم ومدن اسلامية كثيرة للخراب والدمار من  سمرقند شرقاً وحتى إشبيلية غرباً ومع ذلك نجد مره أخرى أن للأندلس امتياز وتأثير خاص على الادب في تدبيج القصائد الطوال من عيون الشعر العربي (الباكية) لتشكل دواوين ما تم تسميته (شعر رثاء البلدان والمدن). وقد لا توجد مدينة أندلسية كبرى إلا وقد سطرت فيها الابيات الشعرية الخالدة كما نجد ذلك في شعر بكائيات الديار الاندلسية مثل قرطبة وطليطلة وإشبيلية وغرناطة وجيان وبلنسية وتوجد دراسات أدبية مطولة وكتب خاصة بموضوع (رثاء المدن في الاندلس).

ولعلنا نختم الحديث عن بيان خسائر العرب فيما لو لم تفتح ديار الاندلس أنه بالإضافة لخسارة النقوش والمنمنمات الاندلسية والموشحات الأدبية  والبكائيات الشعرية لربما خسرنا كذلك بيئة الحرية الفكرية الفريدة للجزيرة الايبيرية. لقد كانت الاندلس معزولة جغرافيا عن الامة العربية كما أنها كانت مستقلة سياسيا عن الخلافة الاسلامية وهذا ما جعل لها بنية اجتماعية وبيئة فكرية خاص بها. كثيرا ما توصف الاندلس بأنها جنة التعايش الديني وبؤرة التسامح الفكري ولهذا سمح فيها بانتشار الافكار الدينية والشطحات الفلسفية والاستنباطات الفكرية ما لم يسمح بها في غيرها. لهذا لا غرابة ان كان الفيلسوف اليهودي البارز موسى بن ميمون المولود في قرطبة ليس فقط أتاحت له الأجواء الفكرية المتسامحة في الاندلس لأن يصبح أحد أهم فلاسفة القرون الوسطى بل كذلك أن يؤلف أهم الكتب على الاطلاق في شرح التوراة والشريعة اليهودية. وعلى ذكر الفلسفة تجدر الاشارة إلى أنه في الوقت الذي كانت تندثر فيه الفلسفة في المشرق العربي نجدها تصل لقمة وهجها في المغرب العربي على يد فلاسفة الاندلس الكبار مثل ابن رشد في قرطبة وابن الطفيل في غرناطة وابن باجة في مدينة شاطبة الاندلسية.
وفي تاريخ الفقه الاسلامي ظهرت مذاهب ومدارس فقهية متعددة (مثل فقه الليث بن سعد والشعبي والثوري وعطاء وغيرها) لكن تلاشى أغلبها بسبب سطوة أتباع المذاهب الفقهية الاربعة المشهورة. وبحكم أن أرض الاندلس كانت أرض تعايش وتسامح ولهذا خفت فيها التعصب المذهبي بشكل مقبول وهذا يفسر لماذا استطاع الامام ابن حزم الاندلسي أن يعيد احياء ونشر المذهب الظاهري في الاندلس بالرغم من الأذى المشهور الذي وقع عليه من فقهاء المالكية وتحريض الحاكم عليه.

بقي أن نقول أن ذكرى الأندلس أو الفردوس المفقود ما زالت تشحذ قريحة كبار الشعراء للتحسر على خسارة الاسلام لأرض الاندلس ولهذا العديد من الشعراء ليس فقط كتبوا قصائد عن الاندلس (مثل قصيدة أندلسية لأحمد شوقي وقصيدة غرناطة لنزار قباني أو قصيدة مسجد قرطبة لمحمد إقبال أو قصيدة غادة من الاندلس لعمر أبو ريشة أو قصيدة قصر الحمراء لمعروف الرصافي أو قصيدة تحية الأندلس للشاعر القروي) بل العديد منهم زار الاندلس بالفعل. ومن هذا المقام نطالب الشاعر الرقيق الاحساس علي الهويريني وكنوع من تصحيح الخطأ الشنيع عن استنقاص دور الاندلس في التراث الاسلامي أن يكتب قصيدة خاصة عن الأندلس السليب.
  

السبت، 18 مايو 2019

( القياسات العلمية .. السهل الممتنع )

دعونا نقيس عجائب وطرائف القياسات العلمية !!

بالرغم من أن الطريقة العلمية أو المنهجية العلمية تتكون من خطوات ومكونات عدة إلا أنه تنتشر في الأوساط العلمية مقولة (العلم هو القياس) Science is Measurement وهذا وإن كان لا يلغي أهمية بقية (خطوات التفكير العلمي) الاخرى مثل التساؤل العلمي ووضع الفرضية والتنبؤ الاستنباطي، إلا إن تلك المقولة ترسخ لمكانة القياس في دنيا العلم. الكل يعلم أن المقصود من الحديث الشريف (الحج عرفة) توكيد أهمية هذا الركن العظيم وهذا قطعا لا يعني حصر مناسك الحج فيه وكما أنه ليس لمن لم يقف بمشهد عرفه حج فكذلك لا نصيب في العلم لمن لم يقم بإجراء القياسات التجريبية. القياسات ليست فقط حجر الزاوية في صرح العلم الشامخ بل لها ابعاد فلسفية شغلت عقول الفلاسفة والمفكرين من زمن أرسطو وحتى أمانويل كانت لدرجة انه أصبح لها اليوم كيان مستقل تحت عنوان (نظرية القياسات).
ينقل عن عالم الفيزياء البريطاني البارز اللورد كالفن قوله (أن تقيس يعني أن تعرف) to measure is to know ومن هذه الحكمة العميقة لعلنا نوظف ولع العلماء بالقياس لمحاولة (معرفة) بعض خفايا السلوك البشري للعلماء والباحثين وكيف يسوقهم إدمانهم لإجراء القياسات ليس فقط لإنجاز الاعاجيب في دنيا العلوم ولكن أيضا قد يكون ذلك الدافع سبب في  اجتراح الحماقات البحثية بالتزوير في سبيل ذلك أو حتى بخلق الأوهام العلمية وخداع النفس بالإيحاء باكتشاف ظواهر علمية وهمية. لقد ذكرنا في عنوان هذا المقال أن القياسات العلمية قد تكون في بعض الحالات سهلة وميسرة بالرغم من أن الأصل في بعض تلك القياسات والتقديرات العلمية أنها غاية في الصعوبة ولا أوضح مثال يمكن ذكره في هذا السياق من القياسات العلمية الباهرة للعلماء القدامى قبل اختراع الأجهزة العلمية الحديثة.

قياسات علمية مذهلة لرواد العلم
قدرة الذهن البشري على الاكتشاف والاختراع مذهلة منذ فجر التاريخ وحينما قد يتعجب البعض كيف تمكن الفراعنة مثلا من بناء أعجوبة الدهر الخالدة (الاهرامات) نجد فئام من علماء اليوم يتعجبون كيف استطاع عالم الرياضيات الاغريقي إراتوستينس قبل أكثر من ألفي سنه من (( قياس )) محيط الارض وأنه يبلغ حوالي 24 ألف ميل بنسبة خطأ في حدود 4% فقط . بينما في تاريخ الحضارة الاسلامية توصل أبناء موسى بن شاكر في نهاية القرن الثاني الهجري لقياس محيط الارض بدقة وصلت 99.62% أي بنسبة خطأ أقل من نصف في المائة. وهذا عالم الفلك العربي الكبير البيروني يتوصل لحساب أن نصف قطر الأرض يبلغ حوالي 6325 كيلومتر في حين أن القيمة العلمية الدقيقة حاليا هي 6371 كم مما يعني توصله لدقة (قياس) مذهلة جدا. وربما القصة الاغرب من كل ما سبق تمكن عالم الفلك الاغريقي هيباركوس (عاش في القرن الثاني قبل الميلاد) من توظيف علم حساب المثلثات لقياس المسافة الفاصلة بين الارض والقمر وتقديرها بأنها تبلغ 378 ألف كيلومتر ولا يزيد الفرق بين (قياساته) الفلكية وتلك التي يمتلكها العلم المعاصر عن 2 في المائة. وفي الوقت الذي كانت العديد من الشعوب تنكر كروية الأرض نجد أن عالم الفلك الإغريقي أوينوبيديس يتوصل في حدود عام 450 قبل الميلاد أن كوكب الأرض ليس فقط كروي وإنما هو كذلك مائل عن محوره بزاوية انحراف تبلغ 24 درجة (القيمة العلمية الصحيحة لميل محور الأرض 23.4 درجة). ومن (القياسات) العلمية المذهلة التي تجعل الواحد منا تبلغ منه الحيرة منتهاها تمكن عالم الكيمياء الانجليزي الشهير هنري كافنديش (مكتشف عنصر الهيدروجين) من التوصل في نهايات القرن الثامن عشر من حساب وزن كوكب الأرض وأنه يبلغ ستة بليون ترليون طن أي بنسبة خطأ حوالي 1% فقط عن الرقم العلمي الحقيقي. وفي عام 1862م تمكن عالم الفيزياء الفرنسي ليون فوكو من (قياس) سرعة الضوء وأنها تبلغ حوالي 298000 كيلومتر بالثانية الواحدة وهذه سرعة أقل بحوالي واحد في المئة من السرعة الحقيقية للضوء. وأخيرا قبل نهاية القرن التاسع عشر وفي حين أن العديد من العلماء في تلك الفترة لم يكونوا مقتنعين بحقيقة وجود الذرات وأنها فكرة تخيلية وليست واقع حقيقي نجد أن عالم الفيزياء البريطاني الشهير جوزيف طمسون ليس فقط يكتشف الالكترون ولكنه كذلك وبصورة مذهلة (نظرا لضعف الامكانات والاجهزة العلمية لذلك العصر) يتمكن من (( قياس )) كتلة الالكترون وأنها أخف بحوالي ألفين مرة من كتلة ذرة الهيدروجين والتي هي (ويا للعجب) أقل من الجرام بمليون مليون مليون مليون مرة !!!.

القياسات والأمانة العلمية المفقودة
كما إن القياسات العلمية المذهلة السابقة الذكر رسخت في المجتمع العلمي التقدير والانبهار بتلك الثلة من رواد العلم نجد أن قائمة أخرى من قياسات علمية (مشبوهة) تسببت في إضفاء ظلال من الشك والريبة عن الأمانة العلمية لبعض كبار مشاهير أهل العلم. على نسق المقولة المشهورة (أنت ما تأكله) نجد أن بعض أهل التنظير في دنيا العلم يقول (أنت ما تقيسه) you are what you measure لأنه ليس فقط من المهم ان تكون قياساتك العلمية صحيحة لكن أيضا ينبغي أن تكون توصلت لها من طريق صحيح وأمين لأنه يقال ايضا في مجال النصائح الاخلاقية في مجتمع العلم (الطريقة التي تقيس بها لا تقل أهمية عن الشيء الذي تقيسه). بالفعل القياسات العلمية يصح عليها توصيف (السهل الممتنع) فكما تمكن رواد العلماء القدماء من إجراء قياسات علمية نتعجب من دقتها لكن في المقابل بعض مشاهير العلماء تعسرت عليهم بعض القياسات المختبرية لدرجة أن منهم من لم يتردد في التحايل والغش والتلاعب بالنتائج العلمية.
ومن أشهر الامثلة التي يمكن ذكرها في هذا السياق أن العلم الايطالي الأسطورة جاليليو يوصف في كتب تاريخ العلم بأنه مؤسس الطريقة العلمية الحديثة وبالخصوص فيما يتعلق بفكرته العلمية في استنباط قانون الحركة للأجسام الساقطة. لقد زعم جاليليو أنه توصل لهذا القانون عندما أجرى تجربته المشهورة بدحرجة عدد من كرات الرصاص فوق سطح مائل وقياس سرعة تحركها. وبعد عدة سنوات من نشر هذه الافكار العلمية حاول بعض العلماء تكرار هذه التجربة ولكنهم لم يتوصلوا تماما لنفس تلك النتائج مما جعل بعض المؤرخين يتهمون جاليليو بأنه قام بشكل متعمد بتعديل وتلفيق fabricate بيانات تجاربه لتصبح متوافقة مع القانون الذي توصل له.
بلا شك قد يكون اسحاق نيوتن أكثر شهرة وأهمية في تاريخ العلم من جاليليو جاليلي ولكنه في نفس الوقت أكثر منه جرأه في التزوير وتلفيق نتائج القياسات العلمية. قبل عدة عقود أثار المؤرخ الامريكي ريتشارد ويستفال ضجة كبرى في الاوساط العلمية عندما نشر كتابه المخصص عن سيرة حياة نيوتن. في هذا الكتاب تتبع وستفال قيام نيوتن عبر السنوات بتلفيق وتزوير النتائج العلمية في كتاب نيوتن الشهير: المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية وهو أهم كتاب على الاطلاق في تاريخ العلم. وحيث أنه صدرت ثلاث طبعات من هذا الكتاب الهام (في الأعوام: 1687م و1713م و1726م)  وهنا وجد ذلك المؤرخ أن نيوتن كان في كل طبعة (منقحة ومزيدة !!) من كتابه ذلك يقوم بتعديل وتغيير البيانات العلمية لتصبح متوافقة أكثر مع النظريات والقوانين العلمية لكن بدون ان يكون هذا التغيير مبنى على تجارب أو قياسات جديدة ولكن فقط على تعديل متعسف من قبل نيوتن. ولهذا لا غرابة أن الابحاث والتقارير والكتب العلمية الحديثة اصبحت لا تتردد على الاطلاق في وصف نيوتن بأنه (مزور أو محتال أو مفبرك ...الخ).
أحد الاسباب القوية التي قد تدفع كبار العلماء للتزوير وتعديل نتائجهم العلمية هي تعرضها للنقد العلمي وهذا بالضبط ما حصل مع نيوتن فبعد أن نشر كتابه العلمي السابق الذكر تعرضت افكاره العلمية لنقد حاد من بعض علماء ألمانيا وفرنسا وبالأخص من عالم الرياضيات الالماني لايبنتز (بين نيوتن ولايبنتز تنافس علمي همجي أشرت لطرف منه في مقال: صراع ديكة العلم) ولهذا كان نيوتن في كل طبعة جديدة من كتابة (ينقح) النتائج العلمية بشكل غير مهني فقط ليسكت تلك الاصوات المعارضة.
أمر مشابه إلى حدا ما حصل مع العالم البريطاني المعروف تشارلز دارون الذي أضطر هو الاخرى لإضافة تعديلات للطبعات المتلاحقة من كتابه المشهور (أصل الانواع). التزوير العلمي الذي وقع فيه داروين يتمثل في أنه تعمد في البداية عدم الاشارة بأمانة علمية كافيه إلى المصادر التي استفاد منها في ( تطوير ) نظرية التطور. ومن ذلك أنه ربما قام باقتباس (أو ربما سرقة) بعض الافكار والامثلة العلمية من بحث عالم بريطاني مجهول يدعى إدوارد بليث وهو الذي نشر أوراق علمية في موضوع الانتقاء الطبيعي والتطور قبل ان ينشر دارون كتابه بحوالي 24 سنة. عندما ظهر كتاب دارون في عام 1959م لم يذكر على الاطلاق في مراجعه العلمية أبحاث إدوارد بليث بالرغم من التشابه في الصياغة بينهما في بعض مواضع الكتاب وكذلك في استخدام الكلمات النادرة واختيار الامثلة. ولكن بعد ما أثار بعض العلماء المعاصرين لدارون فضيحة اتهامه بالسرقة العلمية اضطر دارون في الطبعات الجديدة من الكتاب أن يشير للمصادر العلمية التي استفاد منها وتعمد في السابق اغفالها لكي تظهر نظرية التطور وكأنها من نتائج ابحاثه العلمية فقط.

أنا لا أكذب لكنِ أتجمل
عنوان هذه الفقرة لا يقصد بها الدراما التليفزيونية المشهورة التي كتبها احسان عبدالقدوس ولكن نقصد بها مزيد أمثلة كاشفة للطبيعية البشرية لشريحة من العلماء الذين كبقية بني آدم يعرض لهم الضعف والفتنه. بعض كبار العلماء لم يقعوا في كبيرة التزييف والتحريف ولكنهم بكل بساطة قاموا بعملية (تجميل وتشذيب) لقياساتهم ونتائجهم العلمية حتى تكون في هيئة اكثر اتساقا مع النظريات والافكار العلمية التي يطرحونها. من أبرز الأمثلة التي يمكن سردها في الشأن الشائن الفيزيائي الامريكي روبرت ميليكان الحاصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1923م نظير (قياسه العجيب) لشحنة الالكترون بالرغم من ضعفها الشديد جدا والبالغ جزء من بليون بليون بليون من الكولمب. اثناء قيام ميليكان بإجراء تجربة قطرة الزيت الشهيرة لقياس شحنة الالكترون كان عليه أن يكرر التجربة عدة مرات لكي يتأكد من دقة القياسات العلمية. وحسب دفتر ملاحظات التجارب العلمية لروبرت ميليكان الذي فحصه العلماء بعد وفاته تبين أنه قام بتكرار التجربة حوالي 140 مرة. وبدل من ان يستخدم ميليكان نتائج جميع هذه التجارب كما هي الحال مع ارشادات الامانة العلمية قام ميليكان (بتجميل) نتائجه بأن حذف حوالي 49 قراءة منها بدون مبرر علمي دقيق ومنضبط. المحرج في الأمر أن ميليكان في بحثه العلمي المنشور عن هذا الاكتشاف أشار بشكل صريح بأنه نتائجه المعروضة تم بنائها من جميع نتائج تجربة قطرة الزيت التي استمرت لمدة ستين يوما بل أنه في كتاب سيرته الذاتية زعم أن تجاربه وقياساته تلك لم يتم اغفال أو إهمال ولا قطرة واحدة منها. بقي أن نقول أنه في الوقت الحالي يعتبر مثل هذا التصرف مخالف للقيم والاخلاق العلمية التي تنص أنه على الباحث أن يذكر ويوثق جميع النتائج التي يحصل عليها وأن لا يقوم باستبعاد أي نتائج شاذه outlier إلا بعد أن يجري لها اختبارات احصائية معينة (Q-test) يعرفها جميع طلاب الدراسات العليا فضلا عن كبار ومشاهير العلماء.
العالم البريطاني الشهير جون دالتون حقق خلود الذكر له في كتب التاريخ بكونه مؤسس النظرية الذرية الحديثة ولكن أهل الكيمياء يعرفونه أكثر نتيجة ما يسمى (قانون دالتون للنسب المتضاعفة). ولكن يبدو للمحققين في تاريخ العلوم الذين دققوا في نتائج وقياسات دالتون أنه هو الآخر قد اختار بيانته بشكل انتقائي وقام فقط بنشر النتائج التي تدعم نظريته حيث أنه استبعد النتائج الضعيفة أو المشكوك فيها. ذكرت قبل قليل (الاختبارات الاحصائية) التي تطبق على النتائج والبيانات العلمية ومن ذلك أن جميع القياسات العلمية (( يستحيل )) أن تخلو من الاخطاء العشوائية وهنا نجد الورطة التي وقعت فيها شخصية علمية شهيرة ومحبوبة هو مؤسس علم الوراثة الراهب النمساوي غريغور مندل. لقد أثارت الدقة المتناهية لبيانات تجارب مندل الشهيرة على نبتة البازلاء اهتمام عالم الاحصاء الانجليزي رولاند فيشر (له اهتمام بعلم الوراثة ومطور الاختبار الاحصائي F-test) الذي فحص بشكل دقيق نتائج تجارب مندل ومن ثم توصل للنتيجة التالية: لقد تم تزوير بيانات أغلب التجارب بحيث تتفق مع توقعات مندل المسبقة. في الواقع هذا حكم قاسي جدا ضد ذلك القسيس المجتهد ولهذا حاول العديد من علماء الوراثة الدفاع عن سلوك مندل وأنه فقط قام (بإنتقاء) نتائج التجارب المناسبة وليس تزويرها تماما والأمر لا يعدو أنه وقع في أخطاء عرضيه لا واعية ولا شعورية باختيار النتائج التي تحقق القانون العلمي الذي اكتشفه. ظاهرة الانتقاء الا شعوري وغير الواعي من قبل العالم للقياسات والنتائج العلمية التي تناسب أكثر نظريته العلمية ربما هي ما أطلق عليها عالم الكيمياء الامريكي لانجمير الحاصل على جائزة نوبل مصطلح العلم الرغبوي wishful science (على نسق المصطلح المشهور: التفكير الرغبوي أو التفكير بالتمني wishful thinking) وبهذا يقع العالم والمكتشف في فخ انتقاء فقط النتائج التي يرغب فيها ويتمنى وجودها بدلا من أن يكون على الحياد.

وفي الختام قد نعتقد أنه في الزمن الحديث قد يصعب كثيرا على العلماء المعاصرين أن يتجرؤوا ويغامروا بالوقع في حماقة التلاعب وتزوير نتائج القياسات والابحاث العلمية ولكن للأسف هذا ما تكرر ويتكرر في دنيا العلم في الزمن القديم كما في الحديث. عالم الفيزياء الايطالي كارلو روبيا والحاصل علي جائزة نوبل في الفيزياء عام 1984م للإثباته لوجود القوة الذرية الضعيفة وبعد أن شغل منصب المدير العام لمختبر CERN (المركز الأوروبي للأبحاث الذرية) إلا أنه ومع كل هذا البريق كان شخصية انتهازية وغير نزيهة. توجد شواهد بأن روبيا وتحت دفع رغبته في إثبات نتائج علمية محددة في مجال فيزياء الجسيمات الأولية كان يتعمد تغيير نتائج الاختبارات التي كان يجريها مع فريقة البحثي. العالمة الامريكية لندا بيوك الحاصلة على جائزة نوبل في الطب عام 2004م تبين أن بعض أبحاثها المنشورة في مجلات علمية مرموقة جدا مثل مجلة العلوم الامريكية ومجلة الطبيعة البريطانية بها مشاكل قد تصل لحد التحايل والتزوير والتعديل المتعمد للنتائج. وقبل ذلك تعرض عالم الاحياء الامريكي ديفيد بالتيمور الحاصل علي جائزة نوبل في الطب عام 1975م لسقطة علمية كبرى اشتهرت في الصحافة باسم (فضيحة بالتمور) Baltimore Affair وذلك بعد أن تم توجيه اتهام رسمي لفريقه العلمي بجريمة التحايل والتزوير المتعمد مما أضطر بالتيمور للتقدم بالاستقالة من منصبه كمدير لجامعة كالتيك العريقة جدا.
الغريب في الامر أنه لأسباب تتعلق بمشاكل تسجيل براءة الاختراع أو النزاع حول الامور المالية تعرض بعض علماء نوبل لرفع دعوى قضائية ضدهم وتم جرهم إلى ساحات المحاكم. لقد رفعت جامعة ييل المشهورة دعوة قضائية ضد عالم الكيمياء الامريكي جون فين الحاصل على جائزة نوبل عام 2002م  الذي تم تغريمه من قبل المحكمة بدفع نصف مليون دولار لتلك الجامعة !!. وكذلك عالم الميكروبات الامريكي واكسمان الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1952م تعرض هو الآخر لفضيحة رفع دعوى قضائية ضده من أحد تلاميذه يتهمه فيه أنه سرق منه اكتشافاته العلمية ونسبها لنفسه فقط  وأنه خدعه وغرر به حتى يتنازل له عن براءة الاختراع !!.
قديما قيل: ليس كل ما يلمع ذهب، والمظاهر أحيانا قد تكون خداعة وهذا ما ينطبق على حياة واخبار وقصص مشاهير العلماء التي نجد فيها العجائب والغرائب والسهل والممتنع.


الأحد، 28 أبريل 2019

( التدرج في الانزلاق ... مشايخ الطرب نموذجاً )

ظاهرة اجتماعية محيرة .. من التشدد الديني إلى الانفتاح والرخاوة السلوكية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

ظاهرة غريبة في تاريخ الغناء العربي الحديث تتمثل في أنه ولد من رحم التواشيح الدينية والهمهمات الصوفية وإنشاد قصائد المديح النبوية. المفارقة هنا أنك تصاب بالحيرة في الحكمة التي أطلقها أبو العتاهية في أرجوزته ذات الأمثال عندما قال (ما طاب فرعُ لا يطيب أصله) فهل السماع والإنشاد الديني طيب الأصل والأرومة أم أنه منحرف في أصله وعليه فثمرته المرة (الغناء) غير مستغربة. من المعروف عن المغنية الشهيرة أم كلثوم ليس فقط نشأتها في أجواء حفلات الذكر في المولاد والإنشاد الديني ولكن اكتشافها وتقديمها لساحات ومسارح الغناء تمت على يد عدد من رجال الدين وقراء القرآن الكريم من (مشايخ الطرب) مثل الشيخ أبو العلا والشيخ زكريا أحمد.
المجتمعات والبيئيات المحافظة بل وحتى المتحجرة فكريا هي عرضه لحصول التغير الاجتماعي والتحول السلوكي والتذبذب الفكري بسبب تأثير عوامل متداخله متعددة ونتيجة لتصارع مؤثرات داخلية وخارجية متنافرة. في الغالب موجة التغيير ودورة التبديل تحتاج لعقود متطاولة من الزمن لتنتج تأثيرها في حين قد يحصل التغير في غفلة من الزمن. وعلى ذكر مشايخ الطرب ومسيرة بعضهم المنزلقة في وهدة الانحدار لعل من الملائم الإشارة للحالة الغريبة للشيخ سيد الصفتي الذي كان برنامج حفلاته المسائية في السنوات الأولى من القرن العشرين  (يبدأ أمسياته بالقراءة المجودة للقرآن الكريم ثم ينتقل لإنشاد التواشيح الدينية ثم يختم مع ساعات الفجر الأولى بغناء الألحان العاطفية بمصاحبة العود). 
كنت أعلم مسبقا بارتباط بعض مشايخ الدين ببدايات الغناء في أرض مصر المحروسة من مثل الشيخ سلامة موسى والشيخ أبو العلا ولكن لم أكن أدرك أن تلك الظاهرة النشاز متعمقة لدرجة أنه قد شارك فيها بشكل أو آخر بعض شيوخ  الأزهر أو من تولى منصب مفتي الديار المصرية وكذلك عدد من قراء المشايخ ومؤذني المساجد. أطلعت قبل فترة على كتاب صادم يناقش ظاهرة ( مشايخ الطرب ) وهم رجال الدين في أرض مصر الذين كانوا ولا زالوا يتميزون باعتمار العمامة ولبس الجبة والقفطان ولهذا كان عنوان ذلك الكتاب (المُعمّمون في ساحة الغناء والطرب) من إصدارات دار الهلال المصرية وتأليف الناقد الفني والصحفي المصري خليل عبدالنور.
كما هو معلوم من بدايات التاريخ العربي وجدت الظاهرة الاجتماعية المتعلقة بحفلات الغناء ولكنها لم تكن منتشرة في جميع شرائح المجتمع حيث أنها كانت شبه محصورة في قصور الأمراء وكبار الأثرياء أو موجودة بالخفاء في أوساط الدهماء. الغريب في الأمر أن (التقاليد الاجتماعية والأصول المرعية) المتبعة في المجتمع المصري عند بداية انتشار ظاهرة (السماع العام) للاغاني في الأفراح والليالي الملاح كانت تمنع المرأة إذا أرادت الغناء من الظهور المباشر أمام الرجال. غناء المرأة من وراء الستار هو بداية تساهل المجتمع المصري في شيوع الطرب في المسارح والافراح وهذا ما حصل مع اشهر مغنية في الزمن البائد وهي (الست ألمظ) زوجة رائد الغناء العربي عبده الحامولي والذي بعد زواجه منها منعها بشكل تام من الغناء حتى ولومن وراء حجاب.
الشيخ سلامة حجازي ذاع صيته في بداية شبابه كمقرئ مجود للقرآن الكريم ومؤذن ومنشد جميل الصوت ولاحقا أصبح من مشايخ الصوفية لدرجة أنه تولى مشيخة الطريقة الصوفية المسماة بالراسية. ولكن في أواخر عمره انتهى به الحال ان يعمل كمطرب وممثل علي خشبة مسارح القاهرة والاسكندرية لدرجة انه أصيب بالشلل وسقط علي خشبة المسرح وهو يؤدي أحد ادواره الغنائية علماً بأنه في اوائل شبابه رفض التمثيل وقال (أنا شيخ طريقة صوفية ولا يصح أن انزل إلي مستوى المشخصاتية). وعلى نفس النسق كان المغنى والملحن المصري ( الشيخ أبو العلا ) في الاصل من أشهر القراء في القاهرة إلى أن احترف في مجال انشاد قصائد المديح النبوي والتواشيح الدينية المصحوبة بما يسمى فرقة ( التخت الشرقي ) والتي في وقتها لم تكن تتجاوز وجود عازف على الربابة وآخر يعزف على الناي. ولاحقا أصبح هذا الشيخ المعمم هو من أكتشف أم كلثوم وصقل موهبتها كما يقال ولحن لها أشهر أغانيها العاطفية القديمة والتي كان منها قصيدة غزلية قديمة لشيخ الأزهر الفقيه والأديب الشيخ عبدالله الشبراوي الذي لو كان حياً لمنع مهزلة أن تغنى قصائده.
الشيخ المعمم زكريا أحمد يعتبر ثاني أهم شخصية أثرت في مستقبل أم كلثوم ولكن بحكم كونه حافظاً للقرآن الكريم بالقراءات السبع ومن مشاهير القراء الشباب في القاهرة لهذا عندما بدأ شغفه بالموسيقى والطرب يسوقه للجلوس على بعض مقاهي القاهرة للاستماع للألحان والأغاني أُستهجن هذا الفعل منه ولهذا  تم إحالة الشيخ زكريا أحمد إلى مجلس تأديبي أصدر قراراً بحرمانه من دخول الأزهر وايقاف صرف المكافآت المالية له. أما أهم ملحن أغاني في مشوار أم كلثوم وهو (الشيخ) محمد القصبجي الذي لحّن لها حوالي 120 أغنية فلا عجب أن نعلم بعد ما سبق ذكره أنه في صباه قد أتم حفظ القرآن الكريم وهو في سن التاسعة ثم ألتحق بعد ذلك بالدراسة في الجامع الأزهر وحمل لقب الشيخ عندما كان يرتدي زي الازهريين المميز.
بقي أن نقول أنه لا أدل على صلة القرابة بين موجة الغناء العربي الحديث وبين الجذور الدينية ذات الطابع المحافظ من الاشارة إلى أن أساطين وسلاطين الطرب العربي ولدوا في بيوت وأسر متدينة. فهذه سيدة الغناء العربي كما توصف أم كلثوم والدها الشيخ أبراهيم البلتاجي هو امام جامع قرية طماي القريبة من السنبلاوين بينما الموسيقار محمد عبدالوهاب نجده هو الآخر أبن أمام جامع الشيخ الشعراني العريق بل وصل الأمر أن محمد عبدالوهاب في صباه ربما قام برفع صوت الآذان من فوق مأذنة جامع الشعراني بحي  باب الشعرية في قلب القاهرة الفاطمية. أم رائد الغناء العربي الحديث سيد درويش فقد ظل فترة من الزمن في أوائل حياته وهو يعرف باسم (الشيخ سيد) وذلك عندما كان طالب علم في الجامع الأزهر وكان يرتدي الجبة والقفطان ويعتمر العمامة الازهرية.

ماذا حدث للمصريين !!؟
سؤال محير ومربك يطرح نفسه (كيف تنزلق المجتمعات المحافظة والمتدينة إلى بيئات رخوة أخلاقياً ومتذبذبة فكرياً) ولمحاولة تلمس الاجابة عن هذا التساؤل عما حدث للمصريين ومن في حكمهم لعلنا نستلهم (جزء من الجواب) من أهم دراسة على الاطلاق عن المجتمع المصري وهو كتاب (شخصية مصر) للكاتب والمفكر المصري الكبير جمال حمدان. يوافق جمال حمدان بشيء من التحفظ على وجهة نظر عدد من المؤرخين والمستشرقين بأن الشخصية المصرية (معزولة) وأنها بصورة أو بأخرى عالم كامل وحده قائم ومكتفي بذاته. وهنا تكمن المشكلة أن المجتمعات المعزولة (عزلة حماية) والمستقلة بذاتها عندما تتعرض لمرحلة احتكاك حضاري مع قوى أكثر تطوراً وتقدماَ (في حالة مصر الغزو الفرنسي زمن نابليون والنفوذ التركي زمن حكم الاسرة الخديوية والاحتلال البريطاني الطويل) يكون من توابع ذلك تعرض الأمة إلى حالة سيولة حضارية واستلاب ثقافي. يصف الدكتور جمال حمدان هذه المرحلة بأنها مرحلة الانبهار الحضاري والانهيار النفسي مما يجعل فئام من الشخصية المصرية في القديم تفقد الثقة في تاريخها وتراثها وتتهافت إلى النقل والتقليد للأفكار والاخلاق الغربية المتفرنجة. هل هذا يفسر تقبل المجتمع المصري اثناء بداية الاحتلال الانجليزي تحوله من مجتمع محافظ ينتشر فيه الحجاب ويمنع فيه الاختلاط إلى تقبل فتح أوكار الدعارة المرخصة رسمياً في حي الأزبكية السيء السمعة وافتتاح المسارح والكبريهات والخمرات في شارع الهرم وشارع عماد الدين.
بعد مرحلة الانبهار والانهيار السالفة الذكر يرصد الدكتور جمال حمدان مرحلة تالية في المجتمع المصري يصفها بأنها مرحلة جاءت في الاصل كردة فعل عكسي لمرحلة الاستلاب الحضاري وهي مرحلة رافضة للغرب والتفرنج وتجنح إلى العودة للماضي واشتداد الحركات السلفية. اللافت في الأمر أن جمال حمدان ينتقد هذه المرحلة العكسية ويعتبر أن المجتمع أنقلب من مشكلة (مركب النقص) إلى ضدها وهي (مركب العظمة). الغريب في الأمر أنه توقع بأن المجتمع المصري في منتصف القرن العشرين سوف يجنح إلى ما سماه (مرحلة الاعتدال) وبالتالي توقع أن تتعدل مسيرة الحراك الاجتماعي في الشعب المصري ولكن ما حصل هو عكس ذلك تماما لدرجة أن الكاتب والمفكر المصري المعاصر جلال أمين حاول أن يرصد التغيرات الكارثية الهائلة التي حصلت في المجتمع المصري وعلية نشر كتابه ذائع الصيت وواسع الانتشار (ماذا حدث للمصريين). لقد نشر هذا الكتاب في السنوات الاخيرة من القرن العشرين وكان هدفه أن يرصد بالدرجة الاولى التغييرات الاجتماعية (السلبية) التي حصلت في المجتمع خلال نصف القرن الأخير وكأنه بطريقة غير مباشرة يحاكم حكم العسكر وتأثيره الشنيع على المجتمع المصري.
بالمناسبة كتاب (ماذا حدث للمصريين) كتاب جيد من ناحية محاولة تفسير أسباب الحراك المجتمعي والمؤثرات المفصلية فيه بينما نجد الكتاب المحلي المقلد له (ماذا حدث للسعوديين) وإن كان ليس فقط استعار عنوان كتاب جلال أمين بل وحتى صورة غلافة إلا أنه كأي عمل مقلد كان أضعف منه بكثير بالإضافة لأنه أصابه الشطط في التركيز على نقد تشدد وانغلاق المجتمع في مقابل التنظير والتعزيز لظاهرة الانفتاح الفكري والسيولة السلوكية. للأسف الشديد في حين نجد بعض الشعوب العربية الشقيقة ينبري من أبنائها من يحاول وضع نظريات وافكار تقدمية في تطوير مجتمعها المحلي بالانطلاق من ثوابتها الدينية والقومية كما في كتب المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي مثل كتاب (من أجل التغيير)  وكتاب (ميلاد مجتمع) نجد بعض الكتب والدراسات الاجتماعية عندنا تركز على التنظير للتحديث والتطوير في منظور مصادم للأصالة والتراث كما نجد ذلك في كتاب مي يماني (هويات متغيرة .. تحدي الجيل الجديد في السعودية) وكتاب جهاد الخنيزي (الاصلاح والممانعة في المجتمع السعودي) وكتاب (السعودية البديلة) لأحمد عدنان.