السبت، 22 أغسطس 2026

( غاز الأوكسجين وإشعال جائزة نوبل !! )

 


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/2/18 الموافق 1 أغسطس 2026

 اليوم السبت هو الأول من شهر أغسطس وفي العادة هو من الأيام البهيجة من أيام الصيف المشمسة التي قد تتوافق مع بداية موسم حصاد القمح ولهذا لا غرابة أن تتخذ بعض الدول يوم الأول من أغسطس لكي يتزامن مع اليوم الوطني لها مثل دولة سويسرا. وعبر التاريخ كان شهر أغسطس موسم حصاد لعدد من أبرز الاكتشافات العلمية والاختراعات التقنية من مثل اختراع الترانزستور واختراع التلفزيون وكذلك محرك الاحتراق الداخلي في السيارات بالإضافة لاكتشاف ظاهرة الانشطار النووي واكتشاف جسيم النيترون في نواة الذرة. ومع ذلك تبقى لحظة اكتشاف عنصر الأوكسجين في يوم الأول من أغسطس من عام 1774م هي واحدة من المحطات الفاصلة في تاريخ علم الكيمياء الحديث ولهذا بلا شك يستحق الكيميائي الذي حقق هذا الإنجاز العلمي التاريخي أن ينال أعرق الجوائز العلمية.

كما هو معلوم تعتبر جائزة نوبل هي أهم وأبرز جائزة علمية على الإطلاق، ولكن من شروط هذه الجائزة الدولية العريقة أن يكون الشخص المرشح لها على قيد الحياة وهي بهذا لا تعطى بأثر رجعي. وكنوع من التسلية الذهنية وشحذ المهارات الفكرية وتحفيز الإبداع الأدبي اجتمع عالم الكيمياء (والشاعر) الأمريكي والبولندي الأصل روالد هوفمان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1981م مع عالم الكيمياء (والأديب والمسرحي) الأمريكي والبلغاري الأصل كارل دجيراسي (المشهور بتطويره الصيدلاني لحبوب منع الحمل) وذلك لكي يشتركا في تأليف مسرحية حملت عنوان (الأوكسجين). الفكرية الأساسية لهذا العمل الأدبي قائمة على عرض مناظرة ومحاججة علمية خياليه يديرها أعضاء لجنة جائزة نوبل في الكيمياء ويكون محورها الجدال حول ما إذا أُفترض أن أكاديمية نوبل السويدية في العاصمة ستوكهولم قررت مخالفة سياستها ومنهجها القديم في عدم منح جائزة نوبل لأشخاص ليسوا على قيد الحياة وأنها في حال أرادت أن تكريم عالم كيمياء قديم قام بإنجاز بارز ساهم في تطوير علم الكيمياء الحديث فمن يكون ذلك الفائز بأثر رجعي بجائزة نوبل التكريمية في الكيمياء؟

يبلغ عدد العناصر الكيميائية الموجودة بشكل طبيعي في الكون 92 عنصرا كيميائيا وصحيح أن عنصر الهيدروجين أكثرها انتشارا على الإطلاق وأن عنصر البلاتين من أغلى المعادن الفلزية في حين أن عنصر اليورانيوم من أثقل العناصر وأخطرها إلا أنه من ناحية التأثير في تطور علم الكيمياء الحديث لا يوجد عنصر كيميائي يقارب أهمية لحظة اكتشاف عنصر (الأوكسجين). ولهذا حسب مخطط مسرحية (الأوكسجين) أتفق عالمي الكيمياء والأديبين روالد هوفمان وكارل دجيراسي على أن أكاديمية نوبل لن تختلف على أن (مكتشف عنصر الأوكسجين) سوف يكون صاحب أهم إنجاز علمي في تاريخ الكيمياء قبل بداية منح جوائز نوبل عام 1901م ولكن السؤال الصعب والشائك الذي تدور عليه بقية أحداث مسرحية (الأوكسجين) المكونة من 128 صفحة هو: من الأحق بلقب (مكتشف عنصر الأوكسجين)؟. وفي الجزء الأول من المسرحية يتجادل ويتخاصم ثلاثة من علماء الكيمياء البارزين حول أحقية كل منهم لكي ينسب له شرف اكتشاف عنصر الأوكسجين وهم الكيميائي الفرنسي المعروف أنطوان لافوازييه والكيميائي البريطاني جوزيف بريستلي وعالم الكيمياء السويدي البارون كارل فلهام شيله. بينما في الجزء الثاني من المسرحية يتجادل ويتناقش أعضاء لجنة جائزة نوبل في الكيمياء بأنه في عام 2001م وبمناسبة مرور مئة سنة على جائزة نوبل وكحالة استثنائية سوف يمنحون جائزة نوبل تكريمية وبأثر رجعي (Retro-Noble Prize) لواحد فقط من هؤلاء العمالقة الثلاثة في تاريخ الكيمياء، ولكن من يكون؟

وبدون الدخول في التفاصيل التاريخية والدقائق العلمية المتعلقة بالتجارب الكيميائية المؤدية إلى اكتشاف وعزل عنصر الأوكسجين نقول إن كلا من علماء الكيمياء الثلاثة يستحق جائزة نوبل الاستثنائية فأولا ونحن في يوم الأول من أغسطس ففي مثل هذا اليوم من عام 1774م توصل عالم الكيمياء شبه الهاوي جوزيف بريستلي (مهنته الأصلية قسيس ورجل لاهوت) لعزل غاز عنصر الأوكسجين بعدما أن سلط أشعة الشمس بواسطة عدسة مكبرة على مركب كيميائي هو أوكسيد الزئبق مما تسبب في تكسير ذلك المركب وتحرير غاز الأوكسجين. ومع ذلك يستحق عالم الكيمياء السويدي كارل شيله جائزة نوبل الاستثنائية لأنه قام بالضبط بإجراء نفس هذه التجربة لتحرير الأوكسجين بسنتين أو ثلاث قبل بريستلي وبحكم أنه كان هو الآخر كان كيميائيا هاويا فلم يحرص على نشر نتائج تجاربه لإنتاج الأوكسجين من خلال تسخين بعض المركبات الكيميائية مثل أوكسيد الزئبق أو نترات البوتاسيوم.

وفي المقابل يستحق عالم الكيمياء الفرنسي البارز لافوازييه جائزة نوبل الاستثنائية ليس لأنه كان أول من عزل وأكتشف عنصر الأوكسجين حسبما زعم في صفاقة وكذب علمي صريح، ولكن لأنه كان أول من فهم أهمية ودورغاز الأوكسجين في عملية الاحتراق وتفاعلات الأكسدة وتكوين بعض أنواع الأحماض غير العضوية ولهذا يلقب لافوازييه بأبي الكيمياء الحديثة. وهنا نحتاج وقفة لمعرفة لماذا خلد التاريخ اسم لافوازييه لدرجة أن يعرف اسمه طلاب المدارس بينما لم يعد يعرف إسهامات الإنجليزي بريستلي والسويدي كارل شيله (Scheele) ألا القلة من هواة تاريخ الكيمياء.

 الأوكسجين وإحراق نظرية الّلاهوب

من الناحية التاريخية ربما يعتبر الكيميائي السويدي كارل شيله هو أول من عزل وأكتشف عنصر الأوكسجين وذلك في حدود عام 1772م ولكنه لم ينشر نتائج بحوثه في هذا المجال إلا في عام 1777م وبهذا خسر أحقيته في أن ينسب اكتشاف عنصر الأوكسجين له كما سبق وأن خسر أحقيته في نسبة اكتشاف عناصر كيميائية أخرى له (مثل الكلور والمنجنيز والباريوم) لأنه كان يتأخر كثيرا في النشر العلمي. في الواقع مشكلة كارل شيله أنه كان (هاوي) كيمياء ولم يتلق تعليما نظاميا فيها بل كان أشبه بمتدرب صيدلاني (صبي صيدلي) ولهذا وقع في حبال نظرية (الفلوجستون). وبدون الدخول في التفاصيل الكيميائية فإن نظرية الفلوجستون كانت تفترض وجود مادة كيميائية خفية شبيه بالنار تخرج من المواد عند احتراقها ولهذا عندما عزل كارل شيله عنصر الأوكسجين توقع أنه حصل على تلك المادة المتوهمة في نظرية الفلوجستون ولهذا أطلق على تلك المادة أو العنصر الغازي اسم (الهواء الناري). وبالمناسبة نجد كذلك أن الكيميائي البريطاني جوزيف بريستلي كان من مناصري نظرية الفلوجستون ولهذا أطلق على عنصر الأوكسجين عندما عزله اسم (الهواء منزوع الفلوجستون) !!.

وأود التنبيه هنا أن كلا من كارل شيله وجوزيف بريستلي وبسبب خبرتهما ومعرفتهم الكيميائية المتوسطة لم يدركا تماما طبيعة غاز الأوكسجين الذي تم عزله ففي نظرهما هو مجرد (هواء) أي مادة غازية أو مركب كيميائي وليس عنصرا مستقلا. ولعل من الملائم الإشارة هنا أن عالم الكيمياء البريطاني هنري كافنديش عندما اكتشف الهيدروجين في عام 1766م لم ينتبه في البداية أنه عنصر مستقل ولهذا أطلق عليه اسم (الهواء القابل للاشتعال). والغريب في الأمر أنه حتى أبو الكيمياء الحديثة السيد لافوازييه (وهو بالمناسبة هاوي للكيمياء ولم يدرسها بشكل نظامي) وقع في البداية في نفس الخطأ حيث أطلق على غاز الأوكسجين اسم (الهواء الحيوي vital air) لأنه لاحظ من خلال تجاربه أنه الغاز الضروري وجودة في عملية الاحتراق والتنفس. ثم لاحقا ومع استمرار تجارب لافوزييه المتنوعة والدقيقة في تفاعلات غاز الأوكسجين وخواصه الكيميائية لاحظ أنه يوجد في جميع الأحماض غير العضوية (مثل حمض الكبريتيك H2SO4 أو حمض النيتريك HNO3) ولهذا غير لافوازييه تسمية هذا العنصر الجديد إلى اسم (الأوكسجين Oxygen) وذلك بدمج واختصار كلمتين من اللغة الإغريقية هما كلمة (oxys) بمعنى حمض وكلمة (genes) وهي بمعنى ينتج أو يولد وبهذا الترجمة الحرفية لأسم (الأوكسجين) هي: منتج الحمض !!.

بقي أن نقول إنه في تاريخ العلم يحصل أنه في بعض الحلات تكون بعض النظريات العلمية (الخاطئة) معيقة لتطور العلوم مثل فلسفة أرسطو أن الكون مؤلف من أربعة عناصر فقط ومثل نظرية بطليموس حول مركزية الأرض في الكون ولهذا إذا تم إزالة هذه النظريات الخاطئة من المناهج العلمية تحصل قفزات ملموسة في تطور العلوم. وهذا ما حصل مع لافوازييه عندما أثبت خطأ نظرية الفلوجستون وبالتالي حصلت قفزة هائلة في مجال الكيمياء الفيزيائية وفي نفس النسق عندما أثبت عالم الكيمياء الألماني فريدريش فولر خطأ نظرة (القوة الحيوية) التي كانت تزعم أنه لا يمكن تصنيع المركبات الكيميائية الموجودة في الكائنات الحية حصلت طفرة مذهلة في علم الكيمياء العضوية. الطريف في الأمر أن عالم الكيمياء والطبيب الألماني جورج شتال (طبيب الملك فريدريش الأول ملك بروسيا) قام بتطوير نظرية الفلوجستون التي وضعها في الأساس عالم الكيمياء الألماني يوهان بيتشر. كما أن جورج شتال كان من أهم مؤيدي نظرية القوة الحيوية والمذهب الحيوي ولهذا كان له تأثير مهيمن على المشهد العلمي في ألمانيا وكان من نتيجة ذلك أن تم رفض قبول نظرية لافوازييه الجديدة في تفسير دور عنصر الأوكسجين في الاحتراق والتنفس. بل وصل الامر في ألمانيا أن بعض العلماء والغوغاء الذين عارضوا نظرية لافوازييه صنعوا تمثال على هيئة لافوازييه ثم قاموا بحرق تلك الدمية بعد أن اتهموا لافوازييه بأنه كان يهرطق في العلم وما جاء به هو تجديف وزندقة علمية تستحق الإعدام حرقا في مشابهة لمن يهرطق في الدين أن مصيره الحرق.

ولاحقا في عام 1789م وهو تاريخ بداية الثورة الفرنسية تصاحب ذلك مع ثورة علمية كبرى عندما تم أخيرا الإثبات النهائي والحاسم على صحة نظرية لافوازييه في دور الأوكسجين في الاحتراق والاشتعال وخطأ نظرية الفلوجستون (البعض يسميها نظرية الّلاهوب) وفي هذه الأجواء الملتهبة سياسيا وعلميا حصلت حادثة طريفة. حيث قام تلاميذ ومؤيدو نظرية لافوازييه بإقامة احتفال درامي لانتصار الكيمياء الفرنسية المتطورة على الكيمياء الألمانية المتخلفة وذلك من خلال تمثيل مسرحية يتم فيها إجراء محاكمة علمية لنظرية الفلوجستون. لقد قام بعض رفقاء وأتباع لافوازييه بتمثيل دور لجنة التحكيم في حين تم اختيار شاب وسيم لكي يؤدي دور عنصر (الأوكسجين) والذي أخذ يقرأ لائحة الاتهام ضد نظرية الفلوجستون والتي أوكلت مهمة الدفاع عنها لرجل عجوز ومنهك يمثل شخصية الكيميائي الألماني جورج شتال السالف الذكر. وأخيرا تلت لجنة التحكيم حكمها بأن أصدرت حكم: الموت حرقا على نظرية اللاهوب وهنا جاء دور زوجة لافوازييه ومساعدته العلمية السيدة ماري آن بولز التي أُلبست ملابس الكهنة البيضاء ومن ثم قامت برمي وحرق كتب علماء الكيمياء المؤيدين لنظرية الفلوجستون. ولهذا تم بواسطة غاز الأوكسجين إشعال وإحراق كتب علماء الكيمياء الألمان الذين تخطاهم الزمن مثل جورج شتال ويوهان بيتشر.

ومع ذلك من غرائب أخبار تاريخ العلوم في تلك الفترة أنه حتى علماء الكيمياء الذين كان لهم دور في اكتشاف وعزل عنصر الأوكسجين مثل الإنجليزي جوزيف بريستلي والسويدي كارل شيله كانوا مقتنعين تماما بصحة نظرية الفلوجستون (وكذلك الكيميائي الإنجليزي كافنديش مكتشف الهيدروجين) وقد استمروا في دعم تلك النظرية البائدة حتى آخر حياتهم. فهذا مثلا جورج بريستلي والذي توفي في عام 1804م أي بعدما اكتشف عنصر الأوكسجين بثلاثين سنة ومع ذلك كان آخر مقالتين علميتين كتبها قبل وفاته خصصهما في الدفاع المستميت في إثبات صحة نظرية الفلوجستون. وهكذا بعد وفاة العلماء القدماء المتحجرين العقول مثل بريستلي وشيله وبيتشر وشتال وكافنديش زالت المعارضة العلمية للكيمياء الحديثة التي جاء بها لافوازييه وربما هذا يكون تصديقا للمقولة التي تتردد أحيانا في كتب تاريخ العلوم وهي (إن العلم يتقدم على طريقة الجنائز المتتالية) بمعنى أن العلم يتقدم خطوة مع تشييع جنازة كل عالم عتيق. وفي الواقع تلك العبارة المختصرة هي انعكاس للعبارة المطولة والتي أطلقها العالم الألماني الشهير ماكس بلانك مكتشف نظرية الكم حيث يقول: (من النادر أن يشق أي ابتكار علمي مهم طريقة عن طريق الفوز التدريجي على المعارضين له وتحويلهم إلى صالحه. فما يحدث بالفعل هو أن المعارضين لأي ابتكار علمي يهلكون تدريجيا وبالتالي تعتاد الأجيال الجديدة على أفكار هذا الابتكار العلمي منذ البداية).

وقبل أن نغادر لعلنا نعود ونعرج على مسرحية (الأوكسجين) التي بدأنا بها المقال ونذكر هنا أن المؤلفين علماء الكيمياء روالد هوفمان وكارل دجيراسي تركا نهاية المسرحية مفتوحة حيث لم تتوصل لجنة جائزة نوبل المتخيلة لإعطاء حكم نهائي وحاسم لمن سوف تمنح جائزة نوبل الاستثنائية والتذكارية لمكتشف عنصر الأوكسجين وهما بهذا يريدان أن يستمر لهب النقاش بين الجمهور والخبراء والعلماء حول (غاز الأوكسجين وإشعال جائزة نوبل).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق