د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1447/12/27
يوم غد الأحد سوف تبدأ (الاختبارات
النهائية) لجميع المراحل الدراسية للتعليم العام في المملكة ولعل أكثرها أهمية هي
اختبارات الصف الثالث الثانوي لأن نتائجها تحدد جزئيا مستقبل أكثر من 200
ألف طالب وطالبة وفرص قبولهم في جامعات أو تخصصات جامعية مرموقة. صحيح أن قلق
الآباء والأمهات وهلع الطلاب والطالبات في الدولة الشقيقة مصر من أجواء ونتائج
(اختبار الثانوية العامة) وخصوصا فيما يسمى (شبح المجموع) الناتج من التوتر الحاد
في الإخفاق في تحصيل الدرجات الكافية، صحيح أن هذا القلق من المظاهر المشهورة في
المسلسلات التلفزيونية المصرية قديما وحديثا إلا أن الظواهر النفسية المتعلقة بـ
(قلق الامتحانات) أشد أبرز ما تكون في المجتمع الصيني.
في الواقع الأسبوع الماضي بدأت في الصين
المأساة والملحمة الدراسية السنوية التي تسمى (اختبارات غاوكاو) حيث يتنافس أكثر
من 13 مليون طالب وطالبة من خريجي المرحلة
الثانوية في الصين لدخول اختبار القبول الجامعي الوطني الصيني (Gaokao
Exam). ودون مبالغة يعتبر هذا الاختبار الطلابي هو أكبر وأصعب اختبار
أكاديمي تنافسي على وجه الأرض حيث تستمر هذه الملحمة الاختبارية لمدة ثلاثة أيام
(نحو 9 ساعات من الاختبار) وتُحدد درجات الطلاب فيها وحدها مسارهم التعليمي
والمهني المستقبلي حيث فقط يحق للطلبة الحاصلين على أعلى الدرجات دخول جامعات
النخبة في الصين. وكما يحدد هذا الاختبار طبيعة مستقبل ملايين الطلاب في الصين فهو
في المقابل يفرز نخبة الطلاب الذين سوف يعملون لاحقا في أفضل المواقع والمناصب
المفصلية في المجتمع الصيني ولهذا يقول البعض بأن الأمة الصينية تحكم بهذا
الاختبار وهذا التأثير تم ترجمته في كتاب حمل عنوان (الامتحان الأعلى .. يكيف يشكل
امتحان غاوكاو الصين).
وطبعا كما نعرف من تجربة معاناة الأسر مع
اختبارات القدرات والتحصيلي في واقعنا المحلي فإن التجهيز لهذا الاختبارات يحتاج
جهد نفسي وصرف مالي لفترة زمنية طويلة فكذلك الأمر مع هذه الاختبارات الصينية التي
يستمر التجهيز لها لعدة سنوات وتتطلب تكاليف مالية وتكاتفا أسريا لتهيئة الطلاب
للامتحان. وبالجملة يقال إن للتجهيز لهذا الاختبارات الصعبة والمفصلية قد يقضي بعض
الطلاب 3-4 ساعات من المذاكرة اليومية لمدة ثلاث سنوات
وليس هذا وحسب بل بعض العائلات تبدأ في تجهز الطلاب لهذا الاختبار وهم بعد في سن
الثامنة !!. ولإعطاء لمحة لصعوبة وغرابة بعض أسئلة الاختبارات المدرسية الصينية
تكفي الإشارة للضجة الإعلامية التي انتشر صداها في عام 2018م عندما طرح السؤال التالي
للطلبة في سن 11 في إحدى المقاطعات في غرب الصين (سفينة تحمل
26 خروف و 10 عنزات فكم يون عمر قبطان السفينة ؟!!). للوهلة الأولى يبدو هذا
السؤال لغز غير قابل للحل ولهذا أخفق غالبية الطلاب في معرفة الحل الصحيح وهذا أمر
متوقع إلا أن طالبا واحدا استخدم مفهوم التفكير خارج الصندوق حيث خمّن وحدس أن
أوزان هذه الماشية ربما يكون حوالي 7700 كيلوجرام وبحكم أن النظام المتبع في الصين
أنه يجب على من يقود أي قارب شحن يحمل شحنة يفوق وزنها 5000 كيلوجرام أن يحصل على
رخصة قيادة خاصة لا تمنح إلا لمن عمره 23 سنة فأكثر وبهذا توصل ذلك الطفل الصيني
النابغة والنابه أن عمر القبطان يجب ألا يقل عن 23 سنة !!.
وكما سبق الإشارة له من شهرة صعوبة اختبارات
الثانوية العامة في مصر (اختبار البكالوريا) بينما في الولايات المتحدة يلزم جميع
الطلاب قبل الدخول للجامعة للجلوس للاختبار المرعب (اختبار SAT)
والذي يتميز أحيانا بطبيعة بعض الأسئلة المخادعة أو أسئلة الرياضيات التي يجب أن
تحل بشكل سريع بينما في قسم اللغة الإنجليزية لهذا الاختبار قد يتم استخدام كلمات
ومفردات معقدة في قطعة نصوص طويلة. بينما في نظام التعليم البريطاني كان لسنوات
طويلة يعاني الطلاب والآباء من صعوبة اختبارات (A Level test)
وللدلالة على صعوبة وصرامة هذا الاختبار الإنجليزي لعلنا نشير لتجربة الكاتب
والعالم البريطاني سيمون وينشستر الذي يذكر عن نفسه أنه في عام 1962م تقدم إلى
جامعة أكسفورد لي يؤدي فيها اختبار (A Level). وقد جلس لمدة 90 دقيقة لكي يجيب عن سؤالين
فقط لم يكن قد سبق أن درسهما، ولكن كان هدف الاختبار تقييم قدرته على الكتابة
الناقدة المصحوبة بالحجج والأفكار المترابطة عن هذين السؤالين (السؤال الأول: نقد فكرة
المقال السياسي للأديب الإنجليزي إدوارد فوستر الذي عنوانه: تحية مزدوجة
للديمقراطية Two
cheers for democracy بينما كان السؤال الثاني: هل الأسلوب
الأمريكي في الحياة قابل حقا للتصدير للمجتمعات الأخرى !!).
وبهذا تتضح الصورة أن اختبارات القبول في
الجامعات في الزمن القديم كانت على درجة عالية من الصعوبة خصوصا إذا كانت الرغبة
للدراسة في الجامعات المرموقة. وفي هذا السياق ربما نفهم لماذا في حياة بعض مشاهير
العلماء تكثر القصص والأخبار أن بعضهم قد أخفق في بداية شبابه في النجاح في
اختبارات القبول لدخول الجامعة فمثلا الشاب اينشتاين وهو في سن 16 رسب في امتحان
القبول لجامعة زيورخ. بينما عالم الكيمياء الفرنسي البارز لويس باستور أخفق في عام
1842م في اختبارات القبول لكلية باريس العريقة بل حتى بعض العلماء الذين حصلوا على
جائزة نوبل أخفق بعضهم في اختبارات القبول الجامعية فهذا الفيزيائي الفرنسي
رونتجين مكتشف أشعة إكس وأول عالم يحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1901م فشل
في اختبار القبول للجامعة. وهذا كان مصير عالم الكيمياء الفرنسي هنري ماوسان
الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1906م الذي لم يستطع في البداية تحقيق
الدرجة المطلوبة لأحد لاختبارات اللازمة لدخول الجامعة والطريف في الأمر أنه تكرر
إخفاقه في الالتحاق بالجامعة لأربع سنوات متتالية من عام 1870م وحتى عام 1874
ميلادي.
الاختبارات الصينية تغزو العالم
للحضارة الصينية تأثير ملموس على شعوب
وثقافات دول منطقة جنوب آسيا والتي يبدو أنها منذ عقود طويلة أصابتها عدوى الثقافة
الصينية المهووسة بالاختبارات بحيث تصبح امتحانات القبول محور حياة المجتمعات
الشرقية وهذا ما أفرز ظاهرة ثقافة مركزية الامتحانات (exam-centric
cultures). فبالإضافة لشبح صعوبة امتحان غاوكاو الصيني نجد نفس تلك المأساة
والمعاناة التعليمية توجد في دول ذلك الإقليم مثل تايوان وهونغ كونغ وسنغافورة بل
يصل الأمر في اختبارات القبول الجامعي في كوريا الشمالية أن الاختبار المرعب (Suneung
test) يستمر لمدة ثماني ساعات متواصلة !!. وبصورة ما ربما يرتبط اعتياد
الشعوب الصينية في الأراضي الصينية الأم وفي تايوان وهونغ كونغ وما حولها على
الاهتمام البالغ بالاختبارات التعليمية إلى أن الحضارة الصينية القديمة في الأصل
كان لها تاريخ عريق مع مثل هذا النوع من (الاختبارات الموحدة Standardized
testing) التي تفرز وتميز بين الطلاب وتحدد أي منهم جدير بالمكانة
الاجتماعية الأسمى. تشير كتب التاريخ إلى أن الإمبراطور الصيني يانغ غوانغ في حدود
عام 605 ميلادي أمر بتطبيق أول اختبار موحد شامل لجميع الأقاليم والمناطق الصينية
بحيث يتنافس شباب جمع الطبقات الاجتماعية على شغل المناصب الإدارية المرموقة في
البلاط الإمبراطوري بعد تحقيقهم لأعلى الدرجات في الاختبار الموحد المسمى (Keju).
والجدير بالذكر أن هذه الاختبارات الوطنية المبكرة كانت تتم على مستويات متتابعة
حيث كانت تبدأ المنافسة أولا بين الشباب في هذه الاختبارات الإمبراطورية الصينية
في مستوى الأقاليم المحلية الصغيرة ثم أفضل الفائزين يترشحون إلى المستوى الثاني
على مستوى المقاطعات الرئيسية ثم أخيرا أفضل من بينهم يتم حشدهم للتنافس الأخير في
العاصمة القديمة للصين مدينة لويانغ. والغريب في الأمر أن هذا الاختبار
الإمبراطوري أو نظام امتحانات الخدمة المدنية استمر بصورة شبه متواصلة لمدة 1300
سنة وفي جميع سلالات الإمبراطوريات الصينية منذ عام 605م ميلادي وحتى تم إلغاؤه
عام 1905م وذلك بالتزامن مع إرهاصات سقوط سلالة تشينغ آخر السلالات الإمبراطورية
الحاكمة للصين.
وبينما نجد أن الأمة الصينية في مطلع القرن
العشرين تهجر وتلغي الاختبار الوطني الموحد (بتأثير من قوى الاحتلال الأجنبية) نجد
في المقابل أن أمم الشعوب الأخرى تتلقف هذا التقليد الصيني العريق وتطبقه في
بلدانها. وبالرغم من أن بعض الجامعات الغربية وخصوصا الجامعات البريطانية كانت لها
تاريخ فريد في اختبارات القبول الخاصة بها فمثلا جامعة كيمبردج والتي في عام 1702م
بدأت في استخدام اختبارات القبول الكتابية (writing exams)
بديلا عن الاختبارات الشفهية (Viva Voce) المستخدمة قديما في الجامعات الإيطالية مثل
جامعة بولونيا، إلا أن الدول الغربية لم تشهد ظاهرة (الاختبارات الوطنية الموحدة)
إلا مع مطلع القرن العشرين. في عام 1901م اجتمعت 12 جامعة وكلية أكاديمية أمريكية
لتشكيل كيان أطلق عليه (مجالس الكليات College Boards) كانت مهمته الأساسية تجهيز اختبارات قبول
موحدة للجامعات والكليات الأمريكية وفي الغالب استلهموا الفكرة من الاختبارات
الصينية القديمة حيث كان العديد من رجال الفكر الأمريكي يطالبون من نهاية القرن
التاسع عشر باستنساخها. والغريب في الأمر أنه بعد الحرب العالمية الأولى طلب الجيش
الأمريكي من خبراء علم النفس في مجالس الكليات السالف الذكر أن يطوروا اختبارا
ملائما لفرز وتحديد الشباب اللائق أكثر للقبول في صفوف الجيش ومن هذا الاختبار شبه
العسكري بدأت فكرة تجهيز اختبار على مستوى كامل الوطن الأمريكي لتحديد أفضل الطلاب
المؤهلين أكثر للقبول في الجامعات الأمريكية المرموقة. ومن هنا بدأت تتشكل قصة
الاختبارات الطلابية الموحدة الحديثة للقبول في الجامعات فقبل 100
عام بالضبط وبالتحديد في مطلع شهر يوليو من صيف 1926م بدأ لأول مرة اختبار قبول
الجامعات الأمريكية الموحد والمسمى (SAT test) أو اختبار القدرات الدراسية (Scholastic
Aptitude Test) وهو أحد أشهر الاختبارات القياسية والمعتمدة عالمياً للقبول
الجامعي. ولاحقا في عام 1951م بدأ دور نظام التعليم البريطاني في تطوير اختبارات
قبول موحدة تعرف باسم (A Level Test) أصبح لها كذلك شهرة عالمية ومن تأثير
الحضارة الغربية ممثلة في الثقل السياسي والاقتصادي والثقافي الأمريكي والبريطاني
تسربت لكل دول العالم فكرة التنظيم السنوي للاختبار موحد للقبول الجامعي.
وفي الختام دعاء بالتوفيق لأبنائنا وبناتنا
الطلبة في اختباراتهم النهائية التي تبدأ صباح يوم غد الأحد 28 من شهر ذي الحجة
لعام 1447 هجري.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق