د/ أحمد بن حامد الغامدي
ومن الأمثلة الطريفة التي يمكن ذكرها في هذا
السياق أنه في عام 1967 كانت الحرب الأهلية في دولة نيجيريا تحصد الأرواح وتتلف
الممتلكات ولهذا طُرحت مبادرة أن يتم استدعاء اللاعب البرازيلي الأسطورة بيليه مع
أفراد فريقه البارز نادي سانتوس (Santos FC) لكي يلعب مباراة ودية استعراضية في العاصمة
النيجرية لاوس وفي مدينة أخرى. وهذا ما حصل في يوم 26 يناير من عام 1967م حيث
أُعلنت هدنة حربية لمدة يومين لكي يتمكن الشعب النيجيري من مشاهدة النجم بيليه وهو
يسجل الأهداف ويراوغ ويناور في ملعب كرة قدم يقع في منطقة النزاع وكان يتعاون على
حراسته جنود من الأطراف المتقاتلة.
في يوم 8 أكتوبر عام 2005م تأهل منتخب دولة
ساحل العاجل لبطولة كأس العالم التي سوف تقام في ألمانيا في عام 2006م ولكن نظرا
لأن ساحل العاج في تلك الفترة كانت تعاني من كارثة الحرب الأهلية، وهنا أستغل قائد
الفريق اللاعب ديديية دروغبا هذا النصر الوطني للشعب الإيفواري وألقى خطابا عاطفيا
من داخل غرفة خلع الملابس نقلته الشاشات الفضائية ناشد فيه كافة أطراف الصراع في
الحرب الأهلية إلى ألقاء السلاح ووقف الحرب. وبالفعل تم التوصل لعقد هدنة حربية
بين المتقاتلين وبعد بطولة كأس العالم استمر قائد الفريق دروغبا في مساعيه لتوحيد
البلاد وتأكيد استمرارية إيقاف الحرب الأهلية لدرجة أنه قام بتنظيم مباراة ودية
بين الفريق الوطني لساحل العاج وبين فريق منتخب مدغشقر بحيث أُقيمت المباراة في
المدينة التي هي معقل ثوار الشمال الانفصاليين وهذا ما أدى في خاتمة المطاف
للتقارب بين الحكومة والثوار والتوصل لاتفاق سلام دائم.
المدخل السابق يخالف عنوان هذا المقال
فبالرغم من أن كرة القدم قد تساهم بشكل أو آخر في إحلال السلام وتعزز الوئام بين
الشعوب والدول، ولكن في مقابل ذلك كثيرا وكثيرا جدا ما يتسبب (التعصب الكروي) في
نشوب الصراع والقتال في بعض المواقع الجغرافية والأوقات الزمنية التي تشهد حالة
احتقان بين بعض الدول المتناحرة أو الشعوب المتنافرة. وطبعا أوضح مثال على ذلك
نشوب ذلك الصراع الحربي الدامي بين دولة هندوراس ودولة السلفادور الذي أصبح يسمى
بـ (حرب كرة القدم) والذي نشب لعدة أيام خلال الفترة 14-18 يوليو 1969م
ولهذا تعرف تلك الحرب الخاطفة كذلك باسم (حرب الـ 100 ساعة). في الواقع لسنوات طويلة كانت توجد
حالة احتقان سياسي بين هندوراس والسلفادور بسبب النزاع على بعض الأراضي الحدودية
وهجرة مئات الآلاف من السلفادور الفقيرة إلى هندوراس الأكثر غنى ولهذا في مباريات
التصفيات لبطولة كأس العالم في عام 1970 تم لعب مباراة حاسمة بين منتخب هندوراس
ومنتخب السلفادور يتم من خلاها تحديد الفريق الذي سوف يصل إلى بطولة كأس العالم.
ومن المصادفات أن بطولة كأس العالم 1970 أقيمت في المكسيك وكذلك تلك المباراة
الحاسمة بين السلفادور وهندوراس التي كان يجب أن تقام في بلد محايد ولهذا في يوم
26 يونيو 1969م استضافت مدينة مكسيكو ستي تلك المباراة الفاصلة والتي انتصر فيها
منتخب السلفادور وحقق التأهل لبطولة كأس العالم وما كان من حكومة هندوراس بعد تلك
المباراة الكروية إلا أن أعلنت مباشرة قطع العلاقات السياسية مع السلفادور وطرد 12
ألفا من المهاجرين السلفادوريين. وفي الأيام التالية تصاعد التوتر السياسي بين
الدولتين حتى وصل لمرحلة قيام طيران الهندوراس بقصف أراضي السلفادور وتوغل جيش
الهندوراس في اتجاه عاصمة السلفادور وذلك في يوم 14 يوليو من ذلك الصيف الساخن.
وهكذا بسبب التنافس على التأهل للمشاركة في المونديال الكروي في كأس العالم في
المكسيك حصل ذلك الصراع الدامي الذي نتج عنه مصرع 4000 شخص وطرد 300 ألف مهاجر من
أهل السلفادور.
وبالانتقال من النزاع المسلح بين دول أمريكا
الوسطى بسبب نتائج مباريات كرة القدم إلى دول البلقان حيث نشب بينها كما هو معلوم
نزاع عسكري لأسباب متعددة من بينها حصول هزيمة كروية. وهنا نجد مرة أخرى أن نتيجة
مباراة كروية تسببت في اندلاع حالة شغب في الملعب كأن لها تأثيراتها السياسية
والتي وصلت إلى استقلال كرواتيا من الاتحاد اليوغسلافي. حصل ذلك في يوم 13 مايو
1990م عندما تقابل أفضل فريق كرواتي (نادي دينامو زغرب) ضد أفضل فريق صربي (ريد
ستار بلغراد) وذلك بعد أسابيع قليلة من انتخابات محلية فازت فيها الأحزاب المؤيدة
لاستقلال كرواتيا. ونظرا لحالة الاحتقان السياسي الحادة حصلت حالات شغب خطيرة جدا
بين مشجعي الفريق الكرواتي مع مشجعي النادي الصربي نتج عنها إصابة 60
شخصا وحصل إطلاق نار وطعن بالسكاكين ولهذا لا غرابة أن هذه المباراة يقال إنها
كانت بداية تفكك الاتحاد اليوغسلافي حيث بعد ذلك بأشهر أعلنت كرواتيا الاستقلال.
والغريب أن حالة الاحتقان والشحناء بين
الدول التي تفككت من الاتحاد اليوغسلافي ما زالت حتى والآن والأغرب من ذلك أن
مباريات كرة القدم أحيانا قد تتسبب في مزيد من التهييج والعداء بين هذه الدول.
فمثلا في مباريات التصفيات لبطولة أمم أوروبا (Euro 2016)
أقيمت في يوم 14 أكتوبر 2014م مباراة حاسمة بين ألبانيا وصربيا بحيث إن الذي يفوز
فيها يتأهل للبطولة، ولكن في الشوط الأول من المباراة تم إيقافها نتيجة لحصول صدام
وشجار بين اللاعبين والطاقم الفني وكذلك بين المشجعين من كل الدولتين الذين نزلوا
إلى أرض الملعب وذلك بعد أن قام لاعب صربي بنزع علم ألبانيا الذي كان معلقا على
طائرة درون كانت تحوم فوق الجمهور الصربي.
مونديال كأس العالم الحالي يعتبر حالة فريدة
في تاريخ بطولات كرة القدم لأنه لأول مرة في التاريخ تشارك في هذه الفعالية
الرياضية الكبرى دولتين هما فعليا في حالة حرب والمقصود طبعا الولايات المتحدة
الأمريكية المنظم الرئيس لبطولة كأس العالم 2026 وخصمها اللدود الجمهورية
الإسلامية الإيرانية. في الواقع سبق أن تقابل منتخب أمريكا الكروي مع منتخب إيران
في بطولات كأس العالم السابقة حيث كان أول لقاء بينهما في بطولة كأس العالم 1998
في فرنسا في زمن ولاية الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي والرئيس الأمريكي
الديمقراطي بيل كلينتون ولهذا علّق العديد من المراقبين الآمال أن (دبلوماسية
الرياضة) يمكن أن تساعد في تخفيف التوتر السياسي بين الدولتين. في عام 1971م نجدت
دبلوماسية تنس الطاولة (دبلوماسية البينغ بونغ) في كسر حاجز الجليد والعداء
المستمر بين أمريكا والصين وذلك بعد سلسلة من المباريات والزيارات الودية لفرق تنس
الطاولة بين أمريكا والصين. ولهذا في عام 1998م شاع نوع من التفاؤل أن تنجح
(دبلوماسية كرة القدم) في تخفيف العداء المستمر بين أمريكا وإيران وبالفعل بدأت
تلك المباراة بأن قدم اللاعبون الإيرانيون ورودا بيضاء لنظرائهم الأمريكان. الجدير
بالذكر أنه في تلك المباراة التي أقيمت في يوم 21 يونيو 1998م حققت إيران أول فوز
لها على الإطلاق في بطولة كأس العالم على حساب المنتخب الأمريكي الذي خسر بنتيجة
2-1 ثم بعد ذلك تقابل منتخب كرة القدم الأمريكي مع منتخب إيران في بطولة كألس
العالم 2022 في قطر، ولكن هذه المرة كان النصر الكروي من نصيب الأمريكان بهدف
وحيد.
ومن الأمثلة المشهورة لمباريات كرة القدم في
بطولة كأس العالم التي أقيمت بين دول كانت في حالة حرب تلك المباراة بالغة الشهرة
في بطولة كأس العالم 1986 في المكسيك وذلك عندما تمكن اللاعب الأرجنتيني مارادونا
من تسجيل هدف قاتل (بيده) في مرمى منتخب إنجلترا. ذلك الهدف الذي يلقب (بهدف
القرن) والذي جاء عن طريق الغش تتسبب في اشتعال مزيد من الشحناء بين الشعبين
الإنجليزي والأرجنتيني بعد الأحقاد التي ما زالت في القلوب والذاكرة نتيجة حرب
الفوكلاند التي اندلعت بين بريطانيا والأرجنتين في عام 1982 ميلادي. وما زلنا مع
المنتخب الإنجليزي في بطولة كأس العالم حيث حصل على كأس العالم مرة واحدة فقط وذلك
في عام 1966م وذلك بين جمهوره في ملعب ويمبلي الشهير في مدينة لندن، ولكن ما يهمنا
هنا أن المباراة الختامية كانت مع المنتخب الألماني وكما هو معلوم حاولت ألمانيا
النازية أن تغزو الجزر البريطانية في الحرب العالمية الثانية. ولهذا عندما انتصر
المنتخب الإنجليزي على المنتخب الألماني في المباراة النهائية وذلك في يوم 30
يوليو 1966م حصل نوعا من الاحتقان الشعبي بين البلدين لأن فوز إنجلترا بالكأس ربما
جاء بشيء الخداع لأن الهدف الثالث الحاسم لإنجلترا لم تدخل الكرة بكاملها في
المرمى بينما الهدف الرابع دخل الشباك في اللحظات الأخيرة من المباراة وذلك بعد أن
حصلت حالة من الفوضى في الملعب ودخل الجمهور الإنجليزي للأرض المستطيل الأخضر مما
سبب حالة إرباك ساعدت في تسجيل الهدف الرابع!!. والغريب أن حالة الشحناء بين جمهور
كرة القدم الإنجليزي (المشهور عالميا بشغب الملاعب) والجمهور الألماني ما زالت
راكدة تحت رماد أحقاد الحرب العالمية الثانية فأثناء الدراسة في مرحلة الدكتوراه
في بريطانيا تابعت في صيف عام 1996م بطولة أمم أوروبا Euro 1996
حيث رصدت الحالة الهستيرية لبعض صحف التابلويد البريطانية التي وصفت بعضها مباراة
نصف النهائي بين إنجلترا وألمانيا بأنها حرب على النازية وتم رسم صور بعض اللاعبين
الألمان وعلى ملامحهم شنب هتلر في حين أن بعض اللاعبين الإنجليز تم تصويرهم وهو
يرتدون الخوذة العسكرية التي كان يلبسها جنود الإنجليز في حروبهم ضد الألمان أثناء
الحربين العالميتين الأولى والثانية.
ومن منظور آخر كثيرا ما يحصل أن يتقابل
أثناء مباريات كأس العالم دولا في حالة عداء سياسي حاد حتى ولو لم تقع بينهم حرب
عسكرية وإن كانت قد نشبت بينهما حرب فكرية ضروس ومن ذلك مثلا اللقاء الكروي الفريد
بين (الإخوة الأعداء) فريق منتخب ألمانيا الشرقية ضد فريق منتخب ألمانيا الغربية.
حصل ذلك في بطولة كأس العالم 1974 والتي أقيمت في ألمانيا الغربية ولهذا اضطرت (كما
اضطرت أمريكا بالسماح بدخول منتخب إيران) دولة ألمانيا الغربية الرأسمالية في
استضافة منتخب ألمانيا الشرقية الشيوعية. وهكذا في يوم 22 يونيو 1974م وفي مدينة
هامبورغ الألمانية تقابل منتخب ألمانيا الشرقية مع منتخب ألمانيا الغربية في
مباراة حاسمة تحدد الفريق الذي سوف يتصدر المجموعة الأولى وقد كان النصر في هذه
المباراة من صالح ألمانيا الشرقية (بنتيجة 0-1) لكن هذا الإخفاق المؤقت والمحرج للألمان
الشقر ضد الألمان الحمر ساعد كثيرا في إثارة الحمية الوطنية لمنتخب ألمانيا
الغربية لكي يحقق بطولة كأس العالم 1974 على أرضه وأمام شعبه المنقسم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق