د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 1448/2/25
قبل حوالي شهر، وفي يوم السبت 4 من يوليو 2026 وبالتزامن مع احتفال الأمريكان بمرور 250 سنة على الثورة الأمريكية وإعلان الاستقلال عن التاج البريطاني نشرت مقالا في ذلك التوقيت أشرت في مقدمته للفرق الكبير بين الجنرال جورج واشطن الذي رفض أن يكون (الملك جورج الأول) الأمريكي بدلا من (الملك جورج الثالث) البريطاني في حين أن الرئيس ترامب أثار حفيظة الملايين من الأمريكيين بأسلوب حكمه السلطوي والعنجهي مما دفع مئات الآلاف للتظاهر ضدة في 2500 بلدة ومدينة أمريكية وهم يرفعون لافتات كتاب عليها (لا للملوك No Kings). هذه كانت قصة مقارنة الرئيس ترامب مع أسلافه من الرؤساء في مجال الحكم والسياسة أما في مجال المال والنقود فعندما استقلت أمريكا عن الإمبراطورية البريطانية لم يحرص الرئيس الأول لأمريكا جورج واشنطن أن يضع صورته (على عادة الملوك والحكام) على أول قطعة نقدية يتم إصدارها وصكها في أمريكا في حين أن الرئيس الحالي كان يضغط بكل صفاقة على وزارة المالية الأمريكية بأن تصدر عملة نقدية ورقية جديدة من فئة 250 دولارا بشرط أن تحمل صورته البهية عليها.
لقد كان الرعيل الأول من رؤساء أمريكا وكبار
أهل السياسة فيها (ممن يطلق عليها الآباء المؤسسين) على درجة مشرفة من التفاني في
خدمة الأمة الأمريكية دون الحرص على تحقيق مجد شخصي لهم فعلى خلاف الرئيس ترامب
الذي يصر أن يوضع توقيعه العجيب على الأوراق المالية الجديدة التي تطبع في أمريكا
نجد أنه خلال 170 سنة الماضية منذ ظهور أول عملة ورقية
أمريكية لم يكن يوضع على ورقة الدولار إلا توقيع وزير المالية. وصحيح أنه يوجد
العديد من الرؤساء والآباء المؤسسين لأمريكا الذي تم وضع صورهم على العملات
النقدية المعدنية والورقية للدولار مثل جورج واشنطون وتوماس جيفرسون وبنجامين
فرانكلين وإبراهام لينكون، ولكنهم جميعا كانوا ضمن القانون الفيدرالي الذي أصدره
الكونجرس الأمريكي منذ فترة طويلة والذي ينص على أنه يمنع وضع صورة أي شخص على قيد
الحياة على العملات النقدية الأمريكية وطبعا الشخص الوحيد الذي خاف هذا القانون
الصريح هو الرئيس ترامب. وبمناسبة فتح موضوع صور رؤساء الولايات المتحدة الذين تم
وضعهم عبر السنوات على العملات الورقية نجد أن بعضهم على خلاف الرئيس ترامب الذي
لا تهمه إلا مصالحه الشخصية نجد أن البعض منهم يحرص في مجال السياسة النقدية
والمالية على المصلحة العامة حتى وإن كانت أفكاره غير دقيقة تماما مثل الرئيس
الأمريكي السابع أندرو جاكسون والذي كان يعارض إنشاء بنك ومصرف مركزي. وبالرغم من
معارضة الرئيس أندرو جاكسون الصارمة لإصدار أوراق نقدية ورقية (banknote)
وإصراره أن النقود يجب أن تصك فقط من الذهب أو الفضة وليس من الأوراق عديمة القيمة
من وجهة نظره إلا أن الشعب الأمريكي أراد تكريمه بمناسبة مرور 100 سنة على تسلمه
الحكم لأنه لمسوا فيه الإخلاص ولهذا في عام 1928 تم إصدار عملة (ورقية) من فئة 20
دولار عليها صورة هذا الرئيس المعارض أصلا للعملات الورقية.
وعلى كل حال حديثنا اليوم عن العملة النقدية
الأمريكية (الدولار) في سياق احتفالات الولايات المتحدة بمرور قرنين ونصف على
إنشائها، يأتي لأن اليوم السبت (الثامن من أغسطس) وقبل حوالي قرنين ونصف
(وبالتحديد في عام 1786م) أقر الكونغرس الأمريكي بالإجماع اختيار الدولار كعملة
رسمية بعد استقلال أمريكيا ولهذا يحتفل في يوم 8 أغسطس باعتباره اليوم الوطني للدولار. صحيح
أنه في التاريخ البشري الطويل كان لبعض العملات النقدية تأثير هائل في حركة
التاريخ مثل عملة الديناريوس (الدينار الفضي) زمن الإمبراطورية الرومانية القديمة
والدينار الذهبي زمن الخلافة العباسية والجنيه الإسترليني (البوند Pound)
زمن الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس. ومع ذلك ربما يعتبر
(الدولار الأمريكي) هو أهم وأقوى عملة نقدية وجدت في التاريخ حتى الآن وذلك لأنها
العملة النقدية الوحيدة التي قبلت أغلب دول العالم الحديثة أن تستخدم بمثابة (عملة
الاحتياط العالمي) وذلك قبل نهاية الحرب العالمية الثانية وفق اتفاقية بريتون وودز
(Bretton
Woods) الشهيرة. وللمقارنة جميع العملات التاريخية القوية تلاشت حاليا
باستثناء الجنيه الإسترليني الذي يتداول حاليا منه حوالي 100 بليون جنية إسترليني نصفها موجودة خارج
الجزر البريطانية. وفي المقابل وللدلالة على القوة والهيمنة الدولية للدولار
الأمريكي في المنظومة المالية الدولية يكفي أن نشير إلى أن كمية عملة الدولار
المجودة حاليا هي حوالي 1.5 ترليون دولار (1500 بليون دولار) بمعنى أن العملة الأمريكية
أقوى من العملة البريطانية بأكثر من 1125 مرة، وليس هذا فحسب ففي حين فقط 50%
من عملات الجنية الإسترليني تتداول خارج بريطانيا فإن حوالي 70% من الدولارات الأمريكية (1000 بليون دولار)
يتم تداولها خارج الولايات المتحدة مما يدل أنها بالفعل عصب الاقتصاد العالمي.
من هذا وذلك قد نجد مسوغا أن نستعرض في هذا
المقال شيئا من المسيرة المالية لعملة الدولار الأمريكي وذلك خلال تاريخ السياسية
الأمريكية الداخلية والخارجية وانعكاس ذلك على قيمة الدولار الذي إذا عطس أصيبت
بقية العملات النقدية في العالم بالزكام !!.
بداية قصة صعود الدولار
قبل 250 سنة تم الإعلان عن استقلال الولايات
المتحدة وذلك في عام 1776م ومع ذلك لم يصاحب هذه الثورة السياسية ثورة أو استقلال
مالي واقتصادي بدليل أن عملة الدولار الأمريكي لم يتم الإعلان عن صدورها إلا بعد
عشر سنوات كاملة أي في عام 1786ميلادي. والسبب في هذا التأخر الكبير في تاريخ
(ميلاد الدولار) عن تاريخ (ميلاد الدولة) أن حرب الاستقلال الأمريكية استمرت في
الواقع لمدة ثماني سنوات ولم تنته إلا في عام 1783م ولهذا كانت جميع الجهود منصبه
أولاً لإكمال الثورة وكسب الحرب كما أنه في تلك الفترة لم تكن الحكومة الجديدة
تملك دار سك النقود المعدنية (U.S. Mint) والتي لم تظهر إلا في عام 1792ميلادي.
وبحكم إن أمريكا قبل 250 سنة كانت ما زالت أمة ناشئة وفتية لهذا لم يكن لها النجاح
في ثورة الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية المهيمنة لو لا دعم الإمبراطوريات
الأوروبية المنافسة لها. فمثلا حصلت أمريكا على دعم سياسي واقتصادي من فرنسا بدليل
أن بنجامين فرانكلين أحد أبرز الآباء المؤسسين كان سفير أمريكا في باريس وقت سنوات
حرب الاستقلال وبالمناسبة فبالرغم من أن بنجامين فرانكلين لم يصبح رئيسا للولايات
المتحدة إلا أنه لأثره السياسي والثقافي الكبير أصبحت صورته موجودة على أكبر عملة
أمريكية متداولة حاليا (فئة 100 دولار).
طبعا بعد استقلال أمريكا عن العرش البريطاني
كان يجب أن تستقل كذلك عن استخدام العملة النقدية الذهبية البريطانية وهي الجنية
الإسترليني ولهذا لم يوجد خيارا لأمريكا الفتاه Young America
إلا أن تعتمد على العملة المالية للإمبراطورية الإسبانية المسيطرة على أمريكا
اللاتينية والتي لها احتياطات هائلة من الفضة ولهذا كان لـ (الدولار الإسباني)
مكانة كبرى وثقة عالية كعملة نقدية تستخدم بكثافة في التجارة الدولية عبر
الأمريكيتين وأوروبا وآسيا. ومن هنا نفهم لماذا بعد الاستقلال كانت العملة
المستخدمة في أمريكا هي الدولار الإسباني الفضي بسبب قوته الاقتصادية وضعف اقتصاد
أمريكا كما كان الحال في واقعنا المحلي قديما حيث مثلا عندما شاع استخدام الروبية
الهندية في دول الخليج والريال الفرانسي (العملة الفضية النمساوية) في بقية
الجزيرة العربية. وهكذا كما تم تبني استخدام عملة الريال الفرانسي وتحول ليصبح
(الريال العربي) نجد أنه قبل قرنين ونصف من الزمن تم تبني استخدام الدولار
الإسباني ليصبح (الدولار الأمريكي). علما بأن الدولار الإسباني كان جائز وسائغ
التعامل به في السوق الأمريكية بشكل قانوني حتى عام 1857م عندما اتجه الأمريكان
غربا بعد موجة حمى الذهب عام 1848م حيث أكتشف الرواد المغامرين في الغرب الأمريكي
المتوحش wide
west كميات كافية من الذهب ومناجم الفضة لكي يتم سكّ النقود المعدنية
الكافية من الدولار الأمريكي.
ومع ذلك ما كاد الاقتصاد الأمريكي ينتعش
ويشب على الطوق ويستقل فعليا عن استخدام العملات المعدنية الإسبانية في منتصف
القرن التاسع عشر حتى وقعت كارثة (الحرب الأهلية الأمريكية) التي كادت تعصف
بالمنظومة المالية للأمة الأمريكية. تشير التقديرات أن تكلفة تلك الحرب الأهلية
الأمريكية وصلت لما يزيد عن 6 بليون دولار وهذا مبلغ فلكي هائل بمقاييس
القرن التاسع عشر وحتى تستطيع الحكومة الأمريكية في الولايات الشمالية توفير تكلفة
الحرب اضطرت للاستدانة من الخارج وتحويل جميع الثورات المعدنية للمجهود الحربي.
وكما هو متوقع أثناء الحروب والأزمات الكبرى يميل الناس إلى الاحتفاظ وكنزّ
المعادن الثمينة وبحكم أن الدولار الأمريكي في بداية الأمر كان يتم صكه من الفضة
ثم لاحقا من الذهب وعليه وفي هذه الظروف الاقتصادية الخانقة من النقص الحاد للذهب
والفضة أثناء الحرب الأهلية حصل الحديث المالي التاريخي وهو تحويل (الدولار من
المعدن إلى الورق). ولهذا في عام 1861م أصدر الكونجرس الأمريكي قرارا بالموافقة
على إصدار الدولار الأمريكي على هيئة عملة ورقية وبحكم أن التصميم الأولي لعملة
الدولار الورقي كان ظهر الورقة يطغى عليه اللون الأخضر ولهذا أصبح من الشائع عند
الأمريكان تسمية الدولار بالظهر الأخضر (Greenbacks). والطريف في الأمر أن الرئيس الأمريكي
ترامب الذي لم يستحمل أن يكون توقيع وزير المالية هو الوحيد الموجود على العملة
التذكارية الجديدة من فئة (250 دولارا) ولهذا أضاف توقيعه العجيب وهنا يمكن
أن نعرف إلى أي درجة تغيرت معايير وقيم أمريكا عبر الزمن إذا عرفنا أن أول دولار
ورقي أخضر في تاريخ أمريكا لم يكن يحمل صورة أي رئيس أمريكي، ولكن فقط صورة وزير
المالية في عام 1862م السيد المحظوظ (سلمون تشيس).
وقبل أن نغادر قصة أول دولار ورقي في تاريخ
أمريكا تجدر الإشارة إلى أن تصميمه الفني كان أكثر بساطة من تصميم الدولار الحالي
والذي يحتوي أشكالا تثير الريبة مثل العين على الهرم غير المكتمل (البعض يزعم أنها
رموز ماسونية). ولكن ما يهمنا هنا أن عبارة (نثق بالله In God We Trust)
الموجودة حاليا على جميع العملات الورقية الأمريكية وإن كانت لم توجد على تصميم
أول دولار ورقي إلا أن هذه العبارة ظهرت لأول مرة على بعض القطع النقدية المعدنية
قرب نهاية الحرب الأهلية الأمريكية وكان المقصود بها أن الولايات الشمالية تثق
بالله أنها سوف تنتصر وأنها على الحق.
رحلة السقوط ومستقبل الدولار
وكالعادة في التاريخ والسياسية الأمريكية
فكثيرا من الأشياء والمظاهر مزيفة وخادعة ومن ذلك شعار (نثق بالله) التي كانت
موجودة على بعض العملات النقدية الأمريكية لم تكن صادقة كثيرا في دنيا المال
والنقود الورقية فمع نهاية الحرب الأهلية الأمريكية حصل تضخما كبيرا في قيمة
الدولار لأنه كان يصنع من الورق القطني الشائع في أمريكا ولهذا كان من السهل جدا
طباعة كميات كبيرة من هذه الدولارات الورقية الخضراء. ومع قرب نهاية القرن التاسع
عشر وتوثب وتطلع الويلات المتحدة لكي تصبح (دولة عظمى) مع مطلع القرن العشرين كان
لا بد من ضبط التضخم في قيمة الدولار ومن هنا تحولت العقيدة المالية لأبناء العام
سام فيما يتعلق بالدولار من شعار (نثق بالله) إلى شعار (نثق بالذهب) !!.
وهذا ما حصل في عام 1900م عندما أصدر
الكونجرس الأمريكي ما سمي (قانون معيار الذهب) وعليه حسب هذا القانون بالغ الأهمية
ليس فقط تم تثبيت قيمة الدولار وحمايته من التضخم، ولكن أيضا جعل هذه العملات
الورقية قابلة للتحويل واستبدالها بالذهب الذي من المفترض أن يصرف (نظريا) من
الخزينة الأمريكية. صحيح أن قانون معيار الذهب تم تجميده مؤقتا عام 1933م بعد
الكارثة الاقتصادية الأمريكي الكبرى المعروفة في التاريخ باسم (الكساد الكبير)
وكذلك بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، ولكن على قاعدة أبي الطيب المتنبي
الحكيمة (مصائبُ قومِ عند قومِ فوائدُ) لذا كان لمساندة أمريكا للدول الأوروبية في
تلك الحرب العظمى فرصة ذهبية لترسيخ سيادة ماما أمريكا السياسية والعسكرية
والاقتصادية على بقية دول العالم. وهنا مع الزمن تحولت العقيدة المالية في عالم
المال والأعمال من (نثق بالذهب) إلى (نثق بأمريكا). وهنا عادت مرة ثانية (تغطية)
العملة الورقية الخضراء بمعدن الذهب الأصفر وذلك وفق اتفاقية بريتون وودز (Bretton
Woods) وهي نظام اقتصادي دولي تم اعتماده عام 1944م في منتجع سياحي فخم
في شرق أمريكا وبحضور ممثلين عن 44 دولة. وقد كانت هذه الاتفاقية تهدف إلى تنظيم
الاقتصاد العالمي وتجنب الأزمات المالية بعد الحرب العالمية الثانية وذلك عن طريق عبر
ربط العملات العالمية بالدولار الأمريكي الذي كان مرتبطاً بالذهب. ولفترة من الزمن
حقق نظام اتفاقية بريتون وودز المأمول منه بضمان استقرار سعر الصرف (35 دولار
للأونصة الواحدة من الذهب) وتعزيز النمو الاقتصادي العالمي مما رسّخ المكانة
الدولية للولايات المتحدة، ولكن تحت ضغط تكاليف الحرب الباردة مع منظومة الاتحاد
السوفيتي وبزيادة مصاريف أمريكا بعد توسع قواعدها العسكرية تم إلغاء نظام تغطية
الدولار بالذهب وذلك في عام 1973م عندما صدم العالم كله الرئيس الأمريكي نيكسون
باتخاذ قرار (تعويم الدولار).
وبالرغم من تغير استراتيجية (نثق بالذهب)
إلى استراتيجية (نثق بالبترول) بعد اعتماد سياسة (البترودولار) عام 1974م أن أنه
من تلك اللحظة مع أزمة الطاقة العالمية بدأت رحلة السقوط الحر للدولار الورقي
الأخضر. فمنذ عام 1973م وحتى عام 2026م بلغت نسبة التضخم للدولار الواحد حوالي 652%
وهذا يعني أن القوة الشرائية للدولار انخفضت بمقدار 87% أو بمعنى آخر أن الدولار الواحد في زمن
الرئيس نيكسون يساوي حوالي ثمانية دولارات في زمن الرئيس ترامب. وبسبب السياسات
المالية والعسكرية المتهورة للرئيس ترامب يبدو أن مستقبل الدولار في خطر حقيقي
فعبر العقود الماضية كان المعدل السنوي في انخفاض القوة الشرائية للدولار حوالي 4%
بينما وصلت هذه النسبة لقاع 10% خلال السنة الأولى فقط من حكم ترامب
في فترته الرئاسية الثانية.
أخبار سيئة وتوقعات سوداوية نفصح عنها
لمستقبل الدولار في يوم السبت 8 من أغسطس يوم عيد ميلاد الدولار الأخضر
المتعثر في مستنقع الرئيس البرتقالي.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق