د/ أحمد بن حامد الغامدي
السبت 4 يوليو 2026 الموافق 1448/1/19
الطريف في الأمر أنه بعد نجاح الثورة
الأمريكية والتوقيع على الدستور الأمريكي الجديد وبعد الفوز بحرب الاستقلال
الأمريكية التي استمرت لمدة ثماني سنوات وحينها في يوم 22 مايو من عام 1782م عرض
بعض السذج من ضباط جيش القاري الأمريكي على الجنرال (جورج) واشنطن القائد الأعلى
للجيش الأمريكي أن يتم تنصيبه في منصب (ملك) أمريكا بحجة أن البلاد في حالة من عدم
الاستقرار لا يناسبها الحكم الجمهوري. وبحكم أن الثورة الأمريكية كانت بهدف
الاستقلال عن حكم وعرش الملك الإنجليزي (جورج) الثالث يقال إن رد جورج واشنطن على
ذلك العرض بجعله ملكا أن قال إننا لم نحارب ونقاتل حتى نستبدل الملك (جورج الثالث)
البريطاني بالملك (جورج الأول) الأمريكي. أمر آخر تجدر الإشارة له أنه في ذلك
الزمن أي لحظة استقلال أمريكا عن التاج البريطاني كانت قطع النقود الإنجليزية تحمل
صورة الملك جورج الثالث على عادة الدول والملوك طوال التاريخ. ولكن في عام 1787م
عندما تم صك وإصدار أول عملة نقدية في أمريكا لم توضع عليها صورة الجنرال جورج
واشنطن وإنما نقش عليها 13 سلسلة متداخلة ترمز للمستعمرات الأمريكية13 المستقلة
ولك أن تقارن نبل الآباء المؤسسيين لأمريكا في ذاك الزمن (هذه القطعة النقدية كانت
من تصميم بنجامين فرانكلين) وبين حماقة وصفاقة الرئيس ترامب عندما طلب قبل شهور من
وزارة المالية إصدار عملة نقدية ورقية جديدة من فئة 250 دولارا بشرط أن تحمل صورته
البهية !!
كما هو معلوم الجنرال وليس الملك جورج
واشنطن سوف يدخل التاريخ من أوسع ابوابه لأنه أصبح الرئيس الأول للولايات المتحدة
الأمريكية وهو بهذا يعتبر أهم وأبرز رجال السياسية الذين يسميهم الأمريكان (الآباء
المؤسسين) للأمة الأمريكية وهم الزعماء الذين صاغوا إعلان الاستقلال وقاموا
بالتوقيع عليه. ومن أشهر هؤلاء الآباء المؤسسين للولايات المتحدة توماس جيفرسون
الكاتب الرئيس لوثيقة إعلان الاستقلال وكذلك الرئيس الثالث لأمريكا وأيضا السيد
جون آدامز ثاني رئيس للولايات المتحدة. ومن غرائب التاريخ أنه في يوم 4 يوليو من
عام 1826م والأمة الأمريكية تحتفل باليوبيل الذهبي ومناسبة مرور 50
سنة على لحظة استقلال الولايات المتحدة ونشوء الدولة الأمريكية توفي في نفس ذلك
اليوم كل من الرئيس الثاني (جون آدمز) والرئيس الثالث (توماس جيفرسون) لأمريكا
وبهذا تحولت حفلة الاحتفال إلى مناسبة عزاء عام وصدمة كئيبة ونذير شؤم.
وبالفعل عندما حلّ موعد الاحتفال باليوبيل
الماسي ومناسبة مرور 75 سنة على استقلال أمريكا عام 1851م ففي هذا
العام أصدر مجلس النواب الأمريكي قانونا يعرف باسم (قانون الرقيق الهارب) يلزم فيه
الولايات الشمالية بإعادة جميع العبيد الهاربين من الولايات الجنوبية. ثم في العام
التي أي 1852م تم نشر رواية (كوخ العم توم) للكتابة الأمريكية هيريت ستو وهي كما
هو معلوم عمل أدبي مضاد للعبودية ويصور بإبداع أدبي مؤثر معاناة العبيد الأفارقة
في أمريكا. ومن هذا وذاك زاد الاحتقان والانقسام في المجتمع الأمريكي لدرجة أن
حصلت الحرب الأمريكية الأهلية الشنيعة بعد فقط حوالي عشر سنوات من الاحتفال
باليوبيل الماسي ومرور 75 سنة على استقلال أمريكا.
وعلى ذكر الحرب الأهلية الأمريكية التي نشبت
بين الولايات الشمالية (تعرف باسم الاتحاد Union) الساعية إلى إلغاء العبودية وبين الولايات
الجنوبية (تعرف باسم الكونفدرالية Confederacy) المستميتة في إبقاء نظام الرّق والعبيد.
لقد استمرت هذه الحرب الأهلية لمدة أربع سنوات (1861-1865) وقتل فيها 750 ألف شخص تقريبا
والغريب أنها لم تنته بشكل كامل إلا مع الذكرى المئوية الأولى لاستقلال أمريكا.
حصل ذلك في عام 1876م والذي بدأ بكارثة سياسية حادة كانت نذير شؤم إضافي بأنه
كالعادة احتفالات ذكرى الاستقلال الأمريكي تأتي في زمن الانقسام السياسي والصراع
الداخلي الأمريكي. والذي حدث أنه في عام 1876م حصلت الانتخابات الرئاسية الأمريكية
التي تنافس فيها المرشح الجمهوري رذرفورد هايز والمرشح الديمقراطي صموئيل تلدين
وقد انتهت تلك الانتخابات إلى أزمة دستورية حيث فاز تلدين بالأغلبية المطلقة
لأصوات الناخبين بينما فاز رذرفورد فيما يسمى (المجمع الانتخابي). ولهذا نشبت حالة
نزاع واحتقان سياسي داخل أمريكا نتيجة لعدم الحسم في موضوع نتيجة الانتخابات
الرئاسية الثالثة والعشرين في تاريخ أمريكا وبهذا بدل ما يشهد عام 1876م احتفالات
بهيجة بمرور 100 سنة على الاستقلال الأمريكي شهد ذلك العالم واحدة من أكثر
الانتخابات الرئاسية أثارة للجدل في تاريخ أمريكا.
هل ستحتفل أمريكا بالمئوية الثالثة وهي موحدة ؟!!
كما هو معلوم في الوقت الحالي تعتبر
الولايات الجنوبية (الريفية والزراعية) هي المعقل الرئيس للحزب الجمهوري في حين
ينشط الحزب الديمقراطي في الولايات الشمالية والغربية الصناعية، ولكن في زمن
الاحتفال بالمئوية الأولى لظهور لدولة (أمريكا) كان الوضع مختلفا تماما فقد كان
الحزب الديمقراطي يسيطر على الولايات الجنوبية في حين تكمن هيمنة الحزب الجمهوري
في الولايات الشمالية. وعلى كل حال ما يهمنا هنا أن حتى تنتهي أزمة انتخابات عام
1876م السالفة الذكر توصل الحزبان الجمهوري والديمقراطي لتسوية سياسية يتم فيها
تنازل المرشح الديمقراطي صموئيل تلدين للمرشح الجمهوري رذرفورد هايز والذي سوف
يصبح الرئيس رقم 19 لأمريكيا في مقابل أن يتم سحب القوات الفيدرالية من الولايات
الجنوبية وبهذا تعود الأوضاع طبيعية في الجنوب الأمريكي مثل ما كانت قبل حرب
الاستقلال. وكان من توابع إعادة الوضع على
ما هو عليه في الولايات الجنوبية أن عاد مرة ثانية وبصورة أقصى وأشنع اضطهاد السود
في الجنوب وهنا وللمرة الثانية نجد أنه من عجائب التاريخ السياسي الأمريكي أنه عند
التمحيص نجد أن من ساعد على تشريع قوانين (الفصل العنصري) الشنيعة في الجنوب هو
الحزب الديمقراطي الذي أصبح اليوم يشتهر أكثر بأنه نصير للحرية ومساندة الحقوق
المدنية للسود. والمقصود أنه صحيح بأن نظام الرّق والعبودية تم منعه في الجنوب،
ولكن هذا لا يعني أن الولايات الجنوبية ليس لها الحق في إصدار قوانينها الخاصة في
الفصل العنصري والتمييز ضد السود واضطهادهم وهذا ما سوف يطيل أمد الاحتقان
الاجتماعي والسياسي في أمريكا إلى فترة ليست بالبعيدة من الاحتفالات بالمئوية
الثانية لاستقلال أمريكا.
استمر قانون الفصل العنصري ضد السود وتوابع
ذلك مثل ظهور الجماعات المتطرفة البيضاء مثل جماعة KKK
أو الجماعات المتطرفة السوداء مثل جماعة الفهود السود Black panther
وهذا ما نتج عنه صدامات وعنف قاتل في المجتمع الأمريكي حتى وهو يحتفل في عام 1976م
بمناسبة المئوية الثانية Bicentennial ومرور 200 سنة على استقلال أمريكا.
في فترة السبعينيات من القرن العشرين كانت
أمريكا في الواقع (أمة في أزمة) علما بأن المجتمع الأمريكي في سنة 1976م كان ما
زال يعاني من تداعيات حرب فيتنام الفاشلة والزلزال السياسي بسبب فضيحة ووتر غيت
وإجبار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على الاستقالة وكذلك المشاكل الاقتصادية
بسبب أزمة الطاقة في أمريكا من جراء حظر النفط العربي.
وفي الزمن الحالي وبالرغم من عوامل البهجة
في المجتمع الأمريكي مثل استضافة فعاليات كأس العالم لكرة القدم واحتفالات مرور
250 سنة على الاستقلال الأمريكي ومرور 80 عام (منذ نهاية الحرب العالمية الثانية)
وحقيقة أن أمريكا دون منازع هي القوة العظمى المهيمنة على السياسية الدولية. إلا
أن إرهاصات التغيير تلوح في الأفق ففي هذه الأيام والولايات المتحدة تحتفل بمرور 250
سنة على الاستقلال تتزايد حالات الانقسام في الحزب الجمهوري وبين الأفراد البارزين
في حركة MAGA
(المنظومة الرئيسية الداعمة للرئيس ترامب تحت شعار الشعبوي: لنجعل أمريكا عظيمة
مجددا). من هذا وذاك، من شبه المؤكد أن احتفالات الأمريكان في عام 2076م بالمئوية
الثالثة Tricentennial
ومرور 300 سنة على ظهور الولايات المتحدة لن تكون سعيدة تماما والعلم عند الله.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق