د/ أحمد بن حامد الغامدي
السياحة والسفر تعلم الحكمة وقد تورث الإبداع
والإشراق في فن الكتابة وخير مثال على ذلك أحد أشهر الرحالة الدوليين في الوقت المعاصر
ألا وهو البريطاني بروس تشاتوين الذي ليس فقط برع في (أدب الرحلات) بل وظف الأماكن
والأحداث التي عاشها أثناء السياحة والسفر في العديد من رواياته الأدبية رفيعة
المستوى. السياحة تثمر كتبا ومجلدات ليس فقط في مجال التاريخ والأدب والجغرافيا،
ولكن أيضا تنتج كتبا ومؤلفات ذات فائدة كبيرة لهواة السفر وهي الكتب المسماة (كتب الدليل
السياحي travel
guides) وبعض الكُتّاب ذوي الشهرة العالمية تخصص في هذه الثنائية بين
السياحة والكتاب كما هو حال الكاتب الأمريكي يوجين فودور الذي بيع من كتبه
السياحية عبر العالم مئات الآلاف من النسخ.
من هذا وذاك نعلم الصلة الوثيقة بين الكتاب
والسياحة فكلاهما انتقال وإبحار في عالم الحقيقة ودنيا المجاز وأتوقع أنه بمشيئة
الله ومع انطلاق فعاليات معرض الرياض الدولي للكتاب سوف نجد الآلاف من المسافرين
يصلون لمدينة الرياض لا لشيء إلا للسياحة الثقافية في أورقة معرض الكتاب. وعلى قاعدة
الشيء بالشيء يذكر فقد كتبت مقالا ثقافياً قبل عدة سنوات حمل عنوان (المكتبات ..
وجهه سياحية منسية) ناقشت فيه كيف يمكن أن تكون المكتبات (العامة) خيار وفرصة
سياحية من الدرجة الأولى. ولكن في المقابل (جاذبية) المكتبات التجارية التقليدية ومعارض
الكتب ومقرّات دور الطباعة والنشر لتصبح وجهة سياحية أمر ما زال يحتاج للكثير
والكثير من التنشيط السياحي.
إسبانيا ثاني دولة في العالم في عدد السياح
القادمين إليها ومن الملايين الذي يصلون إلى مدريد قد يرغب عشرات الآلاف منهم
زيارة مكتبة الإسكوريال في ضواحي العاصمة إن لم يكن لقيمتها الثقافية فلا أقل من
أجل فخامة القصر الملكي الذي توجد فيه والذي هو من مواقع التراث العالمي. في المقابل
لا تعتبر دولة البرتغال ذات مصدر جذب كبير في سوق السياحة الدولية ومع ذلك أتوقع
أنه على مستوى العالم يوجد الآلاف من عشاق الكتب (وأرجو أن أكون منهم يوما ما) قد يتجشمون
وعثاء السفر للوصل مدينة لشبونة العاصمة البرتغالية لا لشيء إلا لزيارة (المكتبة
التجارية) برتراند والتي تعتبر أقدم متجر بيع كتب bookstore
في العالم والتي أنشأت قبل حوالي ثلاثة قرون.
بالمناسبة بعض المكاتب التجارية لبيع الكتب
على درجة عالية من الجاذبية السياحية ليس لتاريخها العريق، ولكن لارتباطها الوثيق
بالحركة الثقافية والأدبية العالمية. بمغادرة البرتغال وإسبانيا والاتجاه جنوبا عبر
مضيق جبل طارق نصل إلى مدينة طنجة المغربية والتي وضعها على خارطة الأدب العالمي كلا
من الكاتب الأمريكي بول بولز (عاش أغلب سنوات عمره في طنجة وتوفي بها) والروائي
المغربي المشهور عالميا محمد شكري. قديما قرأت رواية محمد شكري (الخبز الحافي)
التي تحكي حياة التشرد والمجون في مدينة طنجة وعرج فيها لذكر ارتباطه الوثيق
بالأديب بول بولز لدرجة أنه تقريبا هو من اقترح له عنوان الرواية وهو من ترجمها له
إلى اللغة الإنجليزية وتسبب في شهرته العالمية. ولاحقا تبين لي أن ما يجمع محمد شكري
مع بول بولز وعدد كبير من أشهر الأدباء الأمريكان بعد الحرب العالية الثانية مثل تينيسي
وليامز ويليام بوروز وترومان كابوتي هي اجتماعاتهم الأدبية في إحدى المكتبات التجارية
بمدينة طنجة. تلك كانت مكتبة (كولون) التي دشنتها في منتصف القرن العشرين عائلة
جيروفي البلجيكية والتي بفضل شبكة معارفها الواسعة أصبحت تلك المكتبة نقطة تجمع جمهرة
من الأدباء والكتاب من أمريكا وفرنسا وإسبانيا. وبحكم أن مكتبة كولون (مكتبة
الأعمدة Les
colonnes) هي بالفعل أحد أعمد الحركة الثقافية والأدبية في المغرب لهذا
أصبحت مزار سياحي للنخبة من عشاق السفر بهدف المعرفة والثقافة.
يحدث كثيرا في السفر والرحلات السياحية أنك
تعلم (لاحقا) أن المكان الذي سبق وأن زرته يحوي معلما سياحيا أو ثقافي بارز جدير
بالزيارة وهذا ما تكرر معي كثيرا. الحي اللاتيني بمدينة باريس هو مركز الثقافة بامتياز في فرنسا كلها
وفي آخر زيارة لي لمدينة باريس مع بعض الفضلاء وبحكم أننا أقمنا في فندق في الحي
اللاتيني بباريس أخذت أتردد على بعض المكتبات التجارية المنتشرة فيه ووجدت أن الغالبية
العظمى منها لا تحتوي إلا الكتب الفرنسية فقط على عادة الفرنسيين في التعصب للغتهم
القومية. وحسب الإحصاءات الرسمية الفرنسية يذكر أن مدينة باريس يزورها سنويا أكثر
من 30 مليون سائح ولهذا يستغرب جدا قلة الكتب فيها بغير اللغة الفرنسية. على كل
حال تبين لي لاحقا (وهذه من الفرصة السياحية الضائعة) أن أحد أهم المكتبات
التجارية الدولية ارتباطا بالثقافة والأدب هي مكتبة (شكسبير آند كومبني) والتي
تعتبر ولمدة زادت عن قرن من الزمان هي معقل الثقافة الإنجليزية في باريس حيث تردد
عليها عدد كبير من مشاهير الأدباء الذين تسكعوا في شبابهم في جنبات الحي اللاتيني
من مثل أرنست همنغواي وجيمس جويس وهنري ميللر وفيتزجيرالد وغيرهم كثير. الغريب أن
هذه المكتبة تناسب سياح الثقافة كثيرا لأنها تقوم كذلك بتأجير بعض الغرف فيها للإقامة
كفندق وما أجملها من إقامة ومنام بين أحضان الكتب وبالقرب من مقاهي باريس الراقية الوقعة
على ضفاف نهر السين وفي مقابل كاتدرائية نوتردام الشهيرة.
في حين يصعب العثور على كتاب باللغة
الإنجليزية في المكتبات التجارية الباريسية يختلف الوضع جذريا في قلب العاصمة
البريطانية لندن وبالذات جنبات شارع تشيرنغ كروس Caring Cross
الذي يوصف بأنه شارع المكتبات والذي له شهرة عالمية وثقافية واسعة ليس فقط لأنه
أكثر موضع يحتوي على مكتبات تجارية ذات سمعة دولية عريقة جدا ولكن أيضا لاحتوائه
على أم المكتبات (مكتبة فويل). حسب موسوعة جينيس للأرقام القياسية تعتبر مكتبة فويل
Foyles الواقعة في قلب لندن هي أضخم مكتبة تجارية في العالم حيث تحتوي عدة
ملايين من الكتب في مبناه الضخم ذي الستة طوابق هذا بالإضافة لعراقتها التاريخية
حيث إنها فتحت أبوابها قبل حوالي 120 سنة. أثناء الدراسة في بريطانيا ترددت كثيرا على
هذه المكتبة في مبناها القديم الأشبه بالمتاهة وكما زرت عددا من مكتبات ذلك الشارع
الأسطوري ومع ذلك لم ترتوي الروح من عشق تلك المكتبة ففي خلال السنوات الماضية وفي
مرات لا تحصى كنت ولا زلت أحلم في منامي أنني أذهب لمدينة لندن لا لشيء إلا لزيارة
تلك المكتبة الهائلة التي استولت على مشاعري.
وقبل مغادرة الحديث عن مدينة لندن وعلاقتها
الوثيقة بسياحة الكتب لا ينبغي أن نغفل ذكر مكتبة الساقي الشهيرة والتي يقع مقرها
الرئيسي في حي نوتنغ هيل ذو الشهرة العالمية. في بداية ظهور مكتبة الساقي كانت
تهدف لنشر الكتب الإنجليزية المتعلقة بتاريخ وسياسة الشرق الأوسط ثم توسعت في نشر
الكتب العربية بمختلف مواضيعها واليوم تعتبر (دار الساقي) بمثابة الجسر بين الثقافة
الغربية والعربية وهي بهذا معلم سياحي عربي مهم. وبمثل هذا الجسر الثقافي سوف ننتقل
ونعود من المكتبات التجارية الأوربية إلى المكتبات التجارية العربية الجديرة بالزيارة
لأهميتها الثقافية والتاريخية.
بلا أدنى شك أكبر تجمع للمكتبات التجارية
العربية ذات الأسماء الرنانة في عالم الثقافة العربية هي تلك المكتبات المبثوثة في
منطقة (وسط البلد) في مدينة القاهرة. في مطلع هذا الكتاب عرّجنا على ذكر الرحالة وعلامة
الجزيرة الشيخ حمد الجاسر رحمة الله والذي يعتبر أحد أشهر محبي الكتب والمخطوطات.
ومن الأشياء الطريفة في حياته أنه وفي عمر 79 سافر لمدينة ميونخ لإجراء فحوصات
طبية لقلبه المرض وبالرغم من وعثاء رحلة السفر الطويلة عبر قبرص على الشيخ الكبير
والذي يحتاج للراحة التامة بعد أن وصل لفندقة آخر الليل إلا أنه صباح اليوم التالي
ذهب مباشرة في نهار شهر رمضان إلى مكتبة ميونخ الوطنية لمطالعة المخطوطات العربية.
عشق الكتب يدفع المحب لاستعجال اللقاء وقد حدث ذلك معي في أول زيارة لي على الإطلاق
لمدينة القاهرة فبمجرد ما أن وصلت مع رفيق السفر العزيز لمطار القاهرة قبل الغروب
إلا ونحن بعد تأمين شقة السكن ننطلق بعد العشاء لمنطقة وسط البلد لشراء بعض
الأغراض ثم البحث عن مكتبة (مدبولي). وبالعودة للاستشهاد بالعلامة حمد الجاسر حدث وأن
دُعي من قبل الحكومة المصرية مع وفد صحفي سعودي فكان أن تم استضافتهم في فندق سميراميس
الفخم المطل على نهر النيل بينما العلامة الجاسر اعتذر منهم وسكن في فندق صغير
تكلفة الليلة فيه أقل من نصف جنيه ويطل على حديقة الأزبكية. وربما دافعه لذلك أن تكون
إقامته بأرض المحروسة بالقرب من سور الأزبكية المشهور في عالم الثقافة بكثرة المكتبات
المتخصصة في الكتب القديمة والنادرة والمخطوطات. وفي آخر زيارة لي لأرض مصر والتي كانت
لأجل مهمة أكاديمية في مدينة المنصورة وعندم علم مضيفي أنني أرغب في الرجوع لمدينة
القاهرة وقضاء عدة أيام بها عرض بعض الكرام أن أسكن بشقتهم الخالية بالقاهرة،
ولكنني استعضت عن ذلك بالسكن في أصغر غرفة فندقية نزلت فيها على الإطلاق في حياتي
وكانت في بانسيون متواضع يطل على ميدان طلعت حرب. ما جذبني في ذلك الفندق أنه يقع
مباشرة فوق مكتبة مدبولي وفي الطرف المقابل لمدخل العمارة يمكن أن أشهاد مكتبة
الشروق الذائعة الصيت هذا بالإضافة لتسع مكتبات أخرى كلها حول منطقة ميدان طلعت
حرب. وخلال تلك الأيام تعددت الغارات الصباحية والمسائية لي حول مكتبات منطقة وسط
البلد وخصوصا العريقة منها مثل مكتبة الأنجلو ومكتبة دار الهلال ومكتبة الجامعة
الأمريكية ومكتبة وهبة ومكتبة مصر والهيئة العامة المصرية للكتاب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق