السبت، 15 يناير 2022

( الكتاب .. فصول من اختلالات نفسية )


 العلاقة مع الكتاب تتفاوت ما بين الغرام والخوف

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 ازدواجية المشاعر والتناقض العاطفي ظاهرة شائعة في دنيا العشق والغرام فما أسهل أن يتذبذب المتيم الولهان من البهجة إلى الكآبة ومن الاحتفاء إلى الجفاء. وتقلبات الحلات النفسية وتغيرات الأوضاع المزاجية موجودة في جميع حالات الهيام والحب ومن ذلك مجال الهيام بالكتب وعشق الأوراق. وأخبار الناس مع الكتب تتنوع فيه أحوالهم النفسية ومشاعرهم العاطفية بين الفرح والنفور والخوف وبعد أن كتبت سابقا مقالات عن (الهيام بالكتب) و (النياحة على الكتب) لعل من الملائم تسليط الضوء على الحالات المزاجية الأخرى مع الكتب.

مع انطلاق معرض الرياض الدولي للكتاب بعد انقطاع لحوالي سنتين بسبب جائحة الكورونا لابد أن المشاعر متحفزه عند البعض للقاء والأنس بالمكتوب المحبوب بعد حرمان. بعض القراء يصاب بالاهتياج والبهجة لمجرد رؤيته للكتب والتواجد بالقرب منها. هذا النوع من العشق والغرام يُطلق عليه البعض وصف الولع بالكتب (البيبلوفيليا Bibliophilia) وفيه نجد عاشق الكتب وهو يعاملها معاملة المحب لمحبوبته فيطيل النظر ويأنس بالملاطفة. خذ على ذلك مثلا حال الكاتب والسياسي الإيطالي المعروف ميكافيلي صاحب كتاب الأمير والذي كان عندما يريد أن يدخل مكتبته في الليل يقوم بالاغتسال ويلبس أفضل الثياب ويدخل مكتبته بخشوع وكأنه سوف يقابل أميرا وليس رفوف من الكتب. وهذا سياسي وأديب آخر مهووس بالكتب وهو رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل والذي يقول: إذا لم تكن قادرا على قراءة كل كتبك فلاطفها وحدق فيها بينما عاشق الكتب المحلي الأديب أبو عبد الرحمن الظاهري زاد في العشق الورقي مذهب جديد حيث كان يقضي الساعات الطوال ليس في القراءة ولكن في ملاطفة كتبه حيث يذكر عن نفسه في كتابه (شيء من التباريح) أنه كان يقلب كتبه ويقبلها ويمسحها ويعيد ترتيبها ويكرر ذلك التلذذ بتقليب وتقبيل الكتب في ليليه مرارا.

ولا شك أن هؤلاء المشاهير في خلوتهم بالكتاب كانوا في غاية السعادة والهناء الروحي وكأنهم في رياض الجنان ولهذا وافق الكاتب عباس العقاد الأديب توفيق الحكيم عندما كتب متخيلا أن العقاد قد دخل الجنة ولما لم يجد فيها مكتبه ضجر منها (استغفر الله العظيم) بقولة: ما هذا؟ جنة بغير كتب؟. ومن الأحلام التخيلية لرموز الأدب العربي إلى أحلام رموز الأدب الغربي حيث نجد الروائية الانجليزية الشهيرة فيرجينيا وولف تقول إنها لطالما حلمت أنه حينما يأتي يوم القيامة أن الرب (عز جلاله وتقدست أسمائه) بعد أن يكافئ النبلاء والقديسين سوف يلمح الُكتّاب والقراء وهم يتأبطون كتبهم فيقول: أنظر إنهم لا يحتاجون إلى مكافأة، ليس لدينا ما نعطيه، فهم يحبون القراءة وهذا أعظم النعيم. ومن العبارات التي يكثر ترديدها في دنيا الأدب للدلالة على تبجيل الكتب تلك التي قالها الشاعر الأرجنتيني البارز خورخي بورخيس (لطالما تخيلت الجنة على هيئة مكتبة).

وبعض القراء قد يتدرج بهم عشق الكتب من حالة الهيام إلى حالة الهوس بالكتب (البيبلومانيا Bibliomania) وهي حالة من الاضطراب النفسي قد تشتد لتصل درجة من الوسواس القهري تدفع الشخص لجمع أكبر عدد من الكتب والاستحواذ عليها وتكديسها حتى ولو لم يقرأها. للأسف في بعض الحلات قد تقود شهوة تجميع الكتب ومراكمتها بشتى الطرق والأساليب حتى ولو بطرق غير مشروعة مثل السرقة وهذا يسوقنا للحديث عن اضطراب نفسي آخر يدعى هوس سرقة الكتب (ببلوكلبتو Biblioklept). في هذا النوع من الخلل السلوكي يندفع الشخص بغير شعور لمحاولة امتلاك الكتب والمجلدات بأي وسيلة ولو عن طريق السرقة والاحتيال ومن طريف ما يمكن ذكره هنا أن طه حسين ذكر عن أحد علماء الجزائر أنه كان له مكتبة هائلة وولع بجمع الكتب وعندما قدم إلى مصر ذهب دار الكتب المصرية في القاهرة التي كانت ولا تزال تحتوي على مجموعة من أهم مخطوطات الكتب العربية. وقد كان العالم الجزائري يقرأ في مخطوط نادر وأعجب به جدا ثم طلب أن يحضر أحد موظفي دار الكتب وقال له: أجلس بجانبي حتى انتهى من قراءة هذا الكتاب لأنني أخشى أن أسرقه. والأديب الفرنسي المعاصر جان جينيه بدأ حياته كمشرد ولهذا أودع السجن لمدة ثمانية أشهر بسبب ارتكابه لجريمة سرقة الكتب وقد تكرر معه هذا الأمر أكثر من مره عندما كان يسجن بسبب سرقة الكتب. وكمخرج من أن يحكم على جان جينيه بالسجن لفترة طويلة قام زميلة الكاتب الفرنسي جان كوتو بتعيين محامي له أمام المحكمة والذي أقنع القاضي بأن جان جينيه مصاب بخلل نفسي يدفعه رغما عن إرادته لسرقة الكتب. في الواقع لقد كانت اللصوصية والأدب من الأمور البارز في حياة جان جينيه ولهذا قام لاحقا بالدمج بينهما في روايته الطريفة (يوميات لص) وربما هذا ما فتح المجال لاحقا لظهور عدة روايات أدبية عن هذا الهوس المرضي بالكتب مثل رواية (سارقة الكتب) للروائي الاسترالي ماركوس زوساك.

ومن الاختلالات النفسية التي تلك التي توصف (باضطراب ما بعد الصدمة) والتي قد تنعكس في حاله من الهلع أو الاكتئاب والحزن الشديد بعد التعرض لصدمة نفسية عنيفة. وبحكم إننا في سياق الحديث عن التعلق بالكتب والهوس بها لذا قد يتعرض عشاق الكتب لاضطرابات مزاجية عنيفة إذا وقعت لهم كارثة مرتبطة بالكتب. تذكر كتب التراث العربي أن الوزير جمال الدين القفطي والذي كان لا يحب من الدنيا غير الكتب وكان يجمعها بهوس ويقال إنه كان يبحث لفترة طويلة عن كتاب الأنساب لابن السمعاني. وعندما علم أخيرا أن نسخة من ذلك الكتاب أُستخدم ورقها لعمل قوالب القلانس (جمع قلنسوة) حدث للأمير القفطي ما لا يمكن التعبير عنه من الهم والغم والوجوم كما يقول معاصرة المؤرخ ابن العديم. وانقطع الأمير عن الذهاب إلى مقر الوزارة وأحضر من نَدَبَ على الكتاب كما يُندب على الميت ولهذا حضر عند هذا الوزير الأعيان يسلونه ويعزونه ويواسونه في مصابه الأليم.

الكتاب من الوصل إلى الهجر

النفس البشرية قابلة لتقلب العواطف واختلال المزاج فتتغير مشاعرها من حال إلى حال فينعكس الوصل إلى هجر والهوس إلى نفور. من صور التناقضات النفسية في العلاقة مع الكتب أن ينقلب عشق الكتب إلى هجران وبغض لها. وأشهر مثال يمكن أن يذكر هنا هو الفيلسوف الألماني المعروف فريدريك نيتشه فبعد أن كان نهم القراءة ولا يتوقف إلا عندما تؤلمه عيناه إذا به لاحقا يهجر الكتب ويفتخر بأنه يهرب منها. والغريب أن القارئ النهم نيتشه أصبح يحذر من قراءة الكتب خصوصا الجديدة منها كما ينقل عنه أن الكتب هي للحمقى ولهذا ترك قراءة الكتب حتى لا تفسد فكره الفلسفي. وقريب من ذلك قول المؤلف الأمريكي أوسكار ليفانت: لقد توقفت عن قراءة الكتب فقد اكتشفت أنها تشغلني عن نفسي. الخشية من تأثير الكتب وبالتالي تفضيل هجرها هو ما دفع الشيخ الجليل الشعراوي لأن يقول عندما سأل عن ماذا يقرأ (إن صح الخبر): أنه منذ سنة 1952م لا يقرأ سوى القرآن الكريم.

ربما ينقلب العشق إلى هجر ونفور وربما ينحدر النفور إلى خوف وفزع وهذا مقد قد يفرز حالة نفسية عجيبة وإن كانت نادرة تدعى الخوف من الكتب (البيبلوفوبيا Bibliophobia). الخوف أو الرّهاب من الكتب قد يكون انعكاس لما في مرحلة الطفولة من التعثر الدراسي مثل مشكلة عسر القراءة (الديسلكسيا) أو صعوبة التعلم. وهذه المسببات للأمية الخفية والجهالة الدراسية هي التي قد تجعل الشخص يخجل من ضعف قدراته التعليمية مما يؤدي إلى اضطرابات نفسية وهلع عندما يطلب منه القراءة. وقد تصل بعض الحالات الشديدة للرهاب من الكتب لدرجة الخوف من مجرد حمل الكتاب أو دخول مكان مليء بالكتب وبعضهم قد يكون لديه خوف حتى من الأوراق.

في مجال علم النفس الاضطراب السلوكي المتعلق (برهاب الكتب) أمر نادر، ولكن للأسف في دنيا التاريخ والسياسية توجدت حالات مؤسفة وشنيعة عن ظاهرة (الخوف المعنوي) من الكتب. وهذا يقودنا للحديث عن كارثة حرق أو إتلاف الكتب (بيبليوكلازم Biblioclasm) حيث تتعرض الكتب والمكتبات وربما حتى الكُتّاب والمؤلفين للإحراق والتدمير وذلك لأسباب سياسية أو دينية أو فكرية. أول محرقة أو هولوكوست في التاريخ ضد الكتب تمت على يد أول إمبراطور صيني وهو تشي هوانغ الذي أمر بحرق كل الكتب الموجودة في عصره ودفن العلماء ورجال الدين. ثم توالت وتتابعت الجرائم ضد الأوراق كما حصل مع إحراق مكتبة الإسكندرية وإحراق وإغراق مكتبات بغداد على يد المغول وإتلاف الكتب الإسلامية في الأندلس على يد النصارى الكاثوليك وتدمير وقصف مكتبة سراييفو ذات الارث الإسلامي على يد الصرب الأرثودوكس في زمن ليس ببعيد عنا. وإجرام النصارى في تدمير ثقافات الشعوب تكرر في بقاع وأزمان أخرى كما حدث من حرق كتب ومخطوطات شعوب المايا والأزتك في المكسيك أو كتب حضارة التاميل في سيريلانكا ولنصل لخاتمة المأساة ممثلة في محرقة النظام الألماني النازي لعشرات الألاف من الكتب في الشوارع والميادين. حملات التطهير بالنار ضد الأفكار والعقائد لأي فكر مطروح ومتداول عبر الكتب ألهمت واحدة من أقوى الروايات الفنية في أدب الديستوبيا: أدب الخراب والشر المستقبلي ألا وهي رواية (فهرنهايت 451) للأديب الأمريكي راي برادبري. عنوان تلك الرواية يشير لدرجة الحرارة التي يبدأ فيها الورق بالاشتعال وهي تعكس فكرة الرواية عن قيام نظام شمولي يقمع الآراء والأفكار عن طريق حرق جميع الكتب التي في العالم.

في ختام المقال وبعد هذا التطواف شرقا وغربا وبعد الاستفاضة والإسهاب ربما من الملائم أن أعترف أنه كثيرا ما يصعب على (إقفال المقال) وهي حالة خلل في مهارات الكتابة ربما جربها وتجرع مرارتها كل من يكتب باستمرار. تشتت ذهن الكاتب أو نضوب الإلهام يعرف بمصطلح (قفلة الكاتب Writer's block) والبعض يعطيها تسمية أكثر تشويقا وهي (متلازمة الصفحة البيضاء) وكأن الكاتب أو المؤلف يتوقف بعد فترة من الكتابة ولا يستطيع قلمه تسطير وكتابة العبارات. أما وقد وصلت إلى هذه الفقرة أيها القارئ العزيز فإنا إذا أشكر لكم تلطفكم النبيل بهذه المتابعة أود أن أختم لكم المقال بذكر حالة (قفلة القارئ Reader's block). في هذه الحالة النفسية الغريبة يصعب على القارئ أن يكمل قراءة كتاب أو مقالة حيث يصاب إما بالملل أو تشتيت الذهن أو بالرغبة الملحة في (التغيير والتجديد) ولهذا ربما يطلق على هذا النوع من الاختلالات النفسية في العلاقة مع الكتاب وصف (متلازمة الكتاب اللامع shiny book syndrome). وهنا يصبح القارئ في حالة اضطراب وعدم ثباتيه واستعجال ولا يصبر على قراءة أو تصفح كتاب أو رواية أدبية واحدة ويتنقل بسرعة بين الكتب. فبعد أن يقرأ من أي كتاب عدد من الصفحات أو فصول قليلة يهجر الكتاب ويتطلع إلى كتاب جديد وكأنه بهذا مثل الطفل الغر الذي تعجبه الأشياء البّراقة والامعة ولا يكتفي بلعبة واحدة. وأنا أكرر شكري وتقدير للقارئ الكريم الذي وصل إلى نهاية المقال فهو فلا شك أنه سليم ومعافى من الاختلال النفسي المسمى (قفلة القارئ) وهذه شهادة يشرفني أن أسجلها له !!.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق