الخميس، 26 يناير 2017

(زريبة المواشي .. واحة للاكتشافات العلمية )

روث وتربة زريبة الماشي كان مصدر الهام للخيميائيين للبحث عن الذهب والعلماء لاستخلاص الادوية
 
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
باتفاق أغلب مؤرخي العلوم يعتبر القرن العشرين هو أكثر العصور البشرية زخما بالاكتشافات والاختراعات العلمية الكبرى والمحورية وقبل اختتام ذلك القرن بثلاث سنوات تم الاعلان عن أحد آخر الاكتشافات العلمية المذهلة إلا وهو (استنساخ النعجة دولي). عندما قام عالم الاحياء الاسكتلندي المرشح بقوة للحصول على جائزة نوبل السير إيان ويلموت عام 1997 بالإعلان عن هذا الحدث العلمي الاسطوري لم تكن الصورة الملتقطة له في مختبره العلمي ولكن في زريبة الغنم وهو يحتضن النعجة المدللة دولي. الدرس المستفاد (المظاهر خداعة) ولا تستهين أو تحتقر الشيء التافه والمحتقر فقد يخرج من طياته ورحمه الأمر العظيم الباهر. اسطورة العلم مدام كوري وزوجها الفرنسي بيير كوري توصلا لاكتشافهما لعنصر البولونيوم ومن ثم الحصول على جائزة نوبل من تجارب كانا يجريانها في كوخ مهجور كان يستعمله قسم الأحياء بجامعة السربون لجمع جيف حيوانات التجارب وعندما زارها عالم الكيمياء الألماني وليم أوستوالد (الحاصل علي جائزة نوبل في الكيمياء) في مختبرها أصيب بصدمة ومفاجأة كبيرة حيث وصف مختبر مدام كوري وكأنه (زريبة حيوانات أو مستودع بطاطا).
في الأثر النبوي الشريف (يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال) ولبهيمة الأنعام والماشية إجمالا فوائد اقتصادية ومنافع معيشية متنوعة ولكن من أغربها الفوائد العلمية التي يمكن تحصيها من روث البهائم. ولا أدل على أن روث ومخلفات الماشية يمكن أن تعتبر ثروة قومية يجرم ويمنع التفريط فيها من أن الملك الإنجليزي تشارلز الأول أصدر في عام 1627 مرسوماً ملكياً ينزع فيه من أصحاب المزارع حقيه التصرف في أرضية حظائر الماشية واسطبلات الخيول. والسبب في ذلك أن أعوان الملك كانوا يقومون بشكل دوري بتجميع تربة هذه الزرائب لاستخلاص المخلفات الحيوانية منها والتي لاحقا يتم معالجتها كيميائياً لإنتاج مركب نترات البوتاسيوم منها والذي يعتبر مكون أساسي في تصنيع البارود والمتفجرات. الطريف في الأمر أن المرسوم الملكي الانجليزي السابق الذكر ولنفس الهدف ألزم كافة رعايا الجزيرة البريطانية بتسليم سوائل البول البشري يوميا لأشخاص رسميين من الحكومة. الشيء بالشيء يذكر فإذا كان الملك الانجليزي بلغ التقدم التقني والبحثي (والحاجة بسبب الحرب) إلى محاولة تحويل البول إلى متفجرات فإن عالم كيميائي ألماني توصل لنفس الفرقعة العلمية بطريقة الصدفة لأنه كان بكل بساطة كان يعتقد بأنه بالإمكان استخلاص الذهب من البول. وهذا ما حاوله الخيميائي الألماني هينيغ براند الذي كان مقتنع في النصف الثاني من القرن السابع عشر أن اللون الاصفر للبول البشر يوحي بوجد الذهب فيه ولهذا حاول أن يقوم بتقطير واستخلاص الذهب من البول. وبعد أن قام براند بتجميع حوالي خمسين دلو من البول البشر قام بتخزينها لعدة أشهر في قبو منزله لعدة لكي تتخمر و بعد عدة طرق و محاولات مختلفة للمعالجة الكيميائية توصل أخيرا لمادة شمعية أكتشف بمحض الصدفة أنها بعدة فترة زمنية اصبحت تضيء في الظلام و إذا عرضت للهواء تحترق بشكل سريع مصدره لهب ساطع. و بهذا بدل أن يستخرج هذا الكيميائي الالماني عنصر الذهب من البول أكتشف بمحض الصدفة عنصر الفسفور والذي يمكن استخدامه بشكل أو آخر في الحروب في حال كان على هيئة الفسفور الابيض المجرم استخدامه دوليا والذي استخدمته إسرائيل بشناعة إجرامية ضد المدنيين العزل في قطاع غزة.
وبالعودة لزريبة المواشي ومحاولة تحصيل الثورة منها نجد أن الخيميائي الايطالي بيرنارد تريفيسان في القرن الخامس عشر ليس فقط حاول أن يكتشف حجر الفلاسفة (الذي يحول المعادن إلى ذهب) ويستخلصه من البول ولكن أيضا حاول البحث عنه واستخراجه من روث البهائم ونظرا لطرافة أفكاره وتأثيره بشكل أو آخر في تطور علم الكيمياء كانت قصة حياته هي الفصل الافتتاحي للكتاب البالغ التشويق (قصة الكيمياء : بواتق وأنابيق) للكيميائي الأمريكي برنارد جافي ومن ترجمة الكيميائي والأديب المصري الكبير الدكتور أحمد زكي وقد كان عنوان الفصل الذي حكى قصة الخميائي بيرنارد تريفيسان (البحث عن الذهب في روث البهائم). عالم أخر حاول الاستثمار (العلمي) من وراء حظائر وزرائب المواشي ومُني هو الأخر بفشل اقتصادي مخزي كان ذالكم العالم الالماني نيرنست صاحب القانون الثالث في علم الثرموديناميك والحائز على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 1920 ميلادي. وكما هي حال العديد من العلماء هم مبدعون في العلم مفاليس تماما في التجارة. لقد كان العالم نيرنست يمتلك مزرعة شاسعة تحتوي على زريبة كبيرة للبقر وكذلك يوجد بالمزرعة بركة مائية يربي فيها بعض الأسماك النهرية. وبحكم أن نيرنست خبير في علم الثرمودايناميك فقد لفت انتباه في أحد أيام الشتاء ان حظيرة البقر دافئة بشكل ملحوظ وهنا استنتج بشكل صحيح أن سبب هذا الدفء كان ناتج من النشط الأيض الحيوي للأبقار. وهنا خطرت فكرة تجارية مربحة حسب توقعات نيرنست وهي أن يبيع جميع الأبقار التي يملكها وبدلا من تسخين مياه البركة المكلف يمكن توفير التكاليف بتحويل الاستثمار كله في الزراعة السمكية بشرط أن تمتلئ البركة بالسمك وبهذا تقوم بالتسخين الذاتي للمياه الباردة. طبعا بعد هذه التجربة الفاشلة علمياً والكارثيه اقتصادياً لم يحصل إلا تسخين طفيف جدا لمياه البركة بسبب أن المعامل الحراري للماء مرتفع وهي معلومة يعرفها طلاب المدارس فضلا عن عالم حاصل على جائزة نوبل في مجال علم الثيرموديناميك وهو ما يلقي ظلال من الشك على جودة الأبحاث العلمية لهذا العالم !!.
صحيح أن اغلب المحاولات لتحويل دمن الغنم روث البقر إلى ذهب ونقود فشلت ولكن هذا لا يعني أن (كل) تلك المحاولات كان هذا مصيرها فمنذ عام 1859 بدأت الفكرة العلمية المتعلقة بتحويل مخلفات المجاري وروث الحيوانات إلى غازات قابلة الاشتعال (من خلال عملية التخمير أو الهضم بالبكتيريا اللاهوائية)ومن ثم استخدام غاز الميثان الناتج في الطبخ أو توليد الكهرباء. لكن في اعتقادي الشخصي أن الجهة التي نجحت في (تحويل الروث إلى ذهب) بكفاءة عالية هي الحكومة النيوزلندية وذلك لأنها فرضت عام 2003 ضريبة مالية جديدة علي جميع تجار ومزارعي المواشي بحجة أن قطعان المواشي تتسبب في انتاج غاز الميثان وهو ما يؤدي إلى مشكلة الاحتباس الحراري ذات الاضرار الوخيمة على البيئة. الجدير بالذكر أن أصحاب المزارع في نيوزلندا قاموا بعمل مظاهرة حاشدة اغلقت شوارع العاصمة ويلينغتون احتجاجا ضد ضريبة الفساء (fart tax) البشعة هذه.
 
إسهام زريبة البقر في تطور الطب !!
يقال قديما أن آخر العلاج الكي ولكن لو سألت أبو الطب جالينوس ما أول العلاج فلربما قال لك (التمرغ بروث البهائم). لقد كان من الاخطاء المستغربة في تاريخ تطور الطب أن جالينوس كان يعتقد أن وجود وتكون القيح في الجروح دليل على احتمالية الشفاء حيث أن للقيح دور ما في تحقيق العلاج ولهذا نجد أن جالينوس لم يكن يتردد عن وضع روث الماشية في جروح مرضاه لتحفيز تكوين القيح وطبعا الله سبحانه وتعالي وحده يعلم كم تسببت هذه الوصفة الطبية العجيبة من مشكال طبية وتسمم بكتيري. بالرغم من هذه العثرة المخجلة في بداية خطوات مسيرة العلم إلا أنه تم الاكتشاف إن لتربة زريبة المواشية المعفرة بالروث الحيواني بعض الفوائد الطبية والآثار العلاجية الصيدلانية. لو سألت الشخص العادي منا من هو العالم والطبيب الذي يوصف بأنه (أبو المضادات الحيوية) لتوجه الفكر مباشرة للعالم الانجليزي الأسطورة ألكسندر فلمنغ مكتشف البنسلين لكن في الواقع كتب تاريخ العلوم والطب تخصص هذا اللقب (Father of Antibiotics) لعالم الميكروبات الأمريكي سلمان واكسمان الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1952 نظير أبحاثه حول ميكروبات التربة واكتشافه لعقار ستربتوميسين المضاد الحيوي المستخدم لعلاج مرض السل. الجدير بالذكر أن واكسمان وفريقه البحثي اكتشفوا هذا العقار وعدد كبير من المضادات الحيوية الأقوى من البنسلين التي تفرزها استخلاص بكتيريا مجهرية تعيش في التراب والوحل dirt ولهذا قامت ومجاميع بحثية عديدة بالتنقيب عن البكتيريا والميكروبات المفيدة طبيا في جميع أنواع التربة والأوحال من كل أنحاء العالم. وما يهمنا هنا أنه في عام 1948 اكتشفت باحثتين علميتين من جامعة مدينة نيويورك نوع جديد من الأدوية المضادة للفطريات تم استخلاصه من روث وتربة مزرعة أبقار من ولاية فرجينيا وهذا العقار الصيدلاني فعال في علاج الأمراض المعدية التي تصيب الرئة والدماغ.
لتحقيق أسلوب ابو الطب جالينوس في أن (أول العلاج) التمسد والتمرغ بروث البهائم لابد من التوجه إلى أقرب حظيرة للماشية لتحضير تلك الوصفة الطبية ومن غرائب الصدف أنه بالفعل وجد أن مفهوم وطريقة (أول العلاج) في العصر الحديث تم اكتشافها في زريبة بقر. أحد اركان الطب الوقائي الحديث هو تطعيم الاطفال بالأمصال الطبية وهذه العملية بحق هي (أول العلاج) ولكن ألم تتم لحظة اكتشاف عملية التطعيم vaccination بعد زيارة أحد الأطباء لمزرعة ابقار. كما هو معروف فإن الطبيب الانجليزي إدوارد جنر أكتشف طريقة الوقاية الطبية من مرض الجدري المميت عندما لاحظ أن النساء القرويات الاتي يتعرضن للعدوى بمرض جدري البقر نتيجة عملهن في زرائب البقر لا يصبن بمرض الجدري الخطير وكأنهن بذلك يمتلكن مناعة ضد هذا المرض. وحتى يتأكد الطبيب جنر من صدق ملاحظته الطبية قام بشكل متعمد بتعرض طفل صغير للعدوى بمرض جدري البقر ثم بعد ستة اسابيع عرضه للعدوى بمرض الجدري المميت كان من حسن حظ هذا الطفل (ومن حسن البشرية لاحقا)  أنه لم يتأثر بالعدوى لأنه كان قد اكتسب المناعة المطلوبة. هذا ويعتبر اليوم سلاح التطعيم ضد الامراض من أهم الاكتشافات الطبية عبر العصور والتي بفضل من الله سبحانه وتعالي تم انقاض حياة مئات الملايين من الاطفال عبر عقود الزمن الحديث وكل هذا الانجاز الطبي الحاسم نتج بفضل زريبة البقر.
 
ولهذا ختاما بعد أن قام أحد الادباء القدامى بتأليف كتاب خاص بأهمية الكلب صديق الانسان الوفي وسماه (فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب) أعتقد أننا لابد أن نسطر لفتة شكر وتقدير للأم الرؤوم وحلوة اللبن البقرة وبعد أن عرفنا دورها في الرفاه الاقتصادي والعافية الطبية لنا ولهذا هي تستحق عن جدارة أن نخصص لها كتاب بعنوان (نزهة الأبصار في تبيان فضائل الأبقار).


الجمعة، 20 يناير 2017

( بعد ٦٠٠ سنة .. الاسطول البحري الصيني يعود لمدينة جدة !! )

في عام 1421 ميلادي هل قام البحار الصيني المسلم تشينغ هي باكتشاف قارة أمريكا أم مدينة جدة
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
أُعلن قبل عدة ايام عن وصول اسطول صيني حربي (مكون من ثلاث قطع حربية) لمدينة جدة وهو خبر صحفي تم تداول واسع بالكثير من العاطفة الجياشة الغريبة في وسائل التواصل الاجتماعي. الجدير بالذكر أنه في عام ١٤٢١ميلادي وليس هجري (اي في القرن الثامن الهجري) وصل اسطول بحري كبير من مكون من عدة سفن صينية ضخمة كان بقيادة الاميرال ( أمير البحار ) الصيني الاسطورة تشينغ هي والذي كان مسلم الديانة وعرف في المصادر التاريخية العربية باسم (حجي محمود شمس). 
 
في مطلع القرن الخامس عشر تولت اسرة سلالة المينغ Ming زمام الحكم في الامبراطورية الصينية وهنا وصلت الامة الصينية الي قمة التطور التقني والعلمي والذي انعكس في بناء اكبر اسطول بحري شهدة التاريخ حتى بداية الحرب العالمية الاولى وكان هذا الاسطول البحري يتكون من٤٠٠ سفينة ضخمة كما احتاج لطاقم بحري كثيف تقدره كتب التاريخ بحوالي ٢٨ الف من البحارة والجنود. ولقد قام القبطان البحري المسلم تشنغ هي بقيادة هذا الاسطول العرمرم في سبع رحلات بحرية مشهورة جدا في التاريخ وصل في الرحلة السادسة منها والتي تمت في سنة ١٤٢١ الي مدينة جدة حيث قام بأداء فريضة الحج.
 
بدون أدنى شك كانت هذه الرحلات البحرية الصينية هي تعبير واضح ومباشر عن قوة النفوذ العلمي والتجاري والحربي للإمبراطورية الصينية والتي كانت مؤهلة تماما في القرن الخامس عشر للسيطرة علي العالم بسبب ضعف الدول الاسلامية في بدايات قرون الانحطاط كما ان الدول والممالك الاوروبية الغربية كانت لا زالت بعد لم تخرج من القرون الوسطى وعصور الظلام.
 
الغريب في الأمر أنه حصل فجأة في عام ١٤٣٣ (وهي بالمناسبة السنة التي توفي فيها القائد تشينغ هي) أن قرر الامبراطور الصيني إيقاف جميع الحملات البحرية ثم أعقب ذلك قيام الحكومة الصينية بتفكيك اسطولها البحري بل وصل المر لدرجة إصدار قانون يمنع بناء أي سفينة كبيرة. لقد اثار هذا القرار حيرة المؤرخين لأنه تسبب في انحسار النفوذ الصيني وعودة انغلاق الامة الصينية علي نفسها. على كل حال من المرجح أن سبب هذا الانغلاق الصيني يرجع لسيطرة الفكر والاتجاه المحافظ في المجتمع الصيني الذي خشي كثيرا من تغير افكار وطباع ومفاهيم المجتمع الصيني بعد ان أخذ البحارة الصينيين يحضرون معهم العديد من المنتجات والتحف والحيوانات الغريبة ( مثل الزرافة ) من الدول الاخرى.
 
علي كل حال لقد لطف الله بالمجتمعات العربية والاسلامية في القديم حيث لم تتعرض للاستعمار او نشوب حروب طاحنة مع الامة والحضارة الصينية في بداية القرن الخامس عشر عندما كانت الامة الصينة في قمة قوتها وجبروتها. كما نسأل المولى عز وجل أن يصرف مرة أخرى الاطماع الصينية الحالية عن شعوبنا العربية والاسلامية المنكوبة في واقعها المعاصر المهلهل سياسيا والمفلس اقتصاديا والمتناحر اجتماعيا وطائفيا.
 
بقي أن اقول أن شخصية القائد البحري الصيني المسلم تشينغ هي شخصية ثرية من الناحية التاريخية ولهذا عندما كنت قبل عدة سنوات في زيارة للعاصمة الصينية بكين حرصت على زيارة معلم سور الصين العظيم الواقع شمال العاصمة وفي الطريق إليه قام مرشدي السياحي الصيني بأخذي أولا لزيارة مدافن وأضرحة سلالة اسرة مينغ Ming الصينية العريقة والتي كانت هي الراعية الرسمية لرحلات القائد تشينغ هي. وفي المتحف الملاصق للضريح الضخم لمؤسسة سلالة مينغ الامبراطورية الحاكمة أخذ مرشدي السياحي يتكلم بحماس وفخر أمام صورة القائد البحري المسلم تشينغ هي وخارطة الرحلات السبع الكبرى للأسطول الصيني. وعندما ذكرت للمرشد السياحي أن هذا القائد البحري معروف في كتب التاريخ العربية ومعروف بأنه مسلم الديانة وهنا تغير وجه المرشد وبدأ يكفهر (وبهت الذي كفر) فبالرغم من انني قد أخبرته منذ البداية بجنسيتي وبلدي إلا انه كما اعتقد تعمد أن يخفي عني أن هذا شخص مسلم وكان فقط يقدمه وكانه شخصية وبطل صيني عظيم.
 
وختاما ليس فقط أثار هذا القائد البحري إعجاب الأمتين الصينية والاسلامية بل أنه أثار اهتمام عدد كبير من الغربيين والامريكان بالذات وذلك لأنه نشر في عام 2008 كتاب بعنوان (1421 العام الذي اكتشفت فيه الصين أمريكا) وهو كتاب قام بتأليفه ضابط سابق في البحرية البريطانية له اهتمام واسع بتاريخ الرحلات البحرية. وفي هذا الكتاب (الذي اصبح من أكثر الكتب مبيعا في العالم) يزعم مؤلفه Menzies  أن الاساطيل البحرية الصينية بقيادة البحار الصيني المسلم تشينغ هي قد وصلت في عام 1421 ميلادي إلى أمريكا وأقامت مستعمرات هنالك وذلك قبل وصول كولومبوس للقارة الامريكية بحوالي سبعين سنة كاملة.  على كل حال بالنسبة لي يوجد شك كبير أن تشينغ هي قد (اكتشف) في عام 1421 أمريكا أما الامر الثابت تاريخيا أن العالم الاسلامي والشعب العربي هو من (اكتشف) وتعرف على هذا القائد البحري الاسطورة عندما وصل لمدينة جدة عام 1421 ميلادي.
 رحم الله القائد البحري المسلم حجي محمود شمس (الملقب بالصيني الفصيح تشينغ هي) والذي يعرفه ويفخر به بن الاصفر الصينيون ويتعجب منه بني الاحمر الامريكان ولا يعرفه أخوانة في الديانة والعقيدة.


السبت، 14 يناير 2017

( برودة الشتاء تؤجج زخم الابحاث العلمية !! )

حتى في الشتاء الكئيب .. المختبر العلمي لا يعدم الوسيلة للترفيه والمتعة
د/ أحمد بن حامد الغامدي
لطالما ارتبط الشتاء بالصيف كارتباط الليل بالنهار أو كتلاحم اليّن الاسود واليانغ الابيض في الفلسفة الصينية القديمة ولهذا جال في البال أن يتم تخصيص مقال عن قصص واخبار العلماء والمخترعين في الشتاء كما سبق وأن أشرنا لطرف عن أخبارهم في بداية الصيف الماضي عند الحديث عن (العلماء والاجازات). إن سياق الاخبار والقصص ولا شك دائما مسلي ومرغوب ولذا سوف نسير على خطى وليم شكسبير فبعد أن كتب أولاً مسرحية (حلم ليلة منتصف الصيف) ألحقها بعد ذلك بسنوات مسرحيته المقابلة (حكاية الشتاء)  ولهذا بعد أن كتبنا مقال (العلماء والصيف) لعلنا نستعرض هنا حال (العلماء في الشتاء).
في الثقافة الاسلامية يوصف الشتاء بأنه (غنيمة المؤمن الباردة) لأنه وقت مثالي للعبادات فنهاره بارد وقصير يسهل الصوم فيه بينما ليله طويل وهادئ وهي التوليفة المساعدة على قيام الليل والخشوع فيه. وبشيء من التجاوز يمكن أن نصف حال  بعض العلماء بأنهم كانوا يقومون الليل في محراب العلم ومن ذلك مثلا أن أبن سينا في أوائل شبابه طلب من سلطان مدينة بخارى أن يسمح له أن يتردد على مكتبة قصرة الضخمة وأن يسهر الليل فيها وهو يطالع مجلدات أمهات الكتب. العالم الكبير إسحاق نيوتن مشهور بأنه أحد أعظم علماء الفيزياء والرياضيات ولكن قلة من الناس من يعرف بأنه كان (خيميائي) شغوف بالبحث وإجراء التجارب الكيميائية لدرجة أنه لم يكن يأوي إلى فراشة قبل الساعة الثالثة بعد منتصف الليل وعندما كان يستغرق في تجاربه الخيميائية كان موقد مختبره لا ينطفئ وتستمر بعض تفاعلاته لعدة اسابيع متواصلة. ومثل نيوتن الذي كان يتحنث طوال الليل في محراب العلم نجد أن اسطورة العلم مدام كوري قبل أن تنجح في اكتشاف وفصل عنصر الراديوم كانت تسهر الليالي الطوال وهي تحرك مزيج يغلي من المواد الكيميائية بواسطة قضيب طويل من الحديد وهذا العمل الشاق تسبب في انهاك صحتها لدرجة أنها لم تستطيع السفر بعد ذلك إلى السويد لتستلم جائزة نوبل في الفيزياء.
إذا كانت ليلي الصيف تمنح السمر فإن ليالي الشتاء تورث الحكمة حيث أن هدوء وسكون الليالي الشاتية يوفر الفرصة الكافية للتفكير والتدبر ولهذا لا عجب أن بعض أهم الاكتشافات العلمية تمت في سكون الليل وليس في ضجيج المعامل والمختبرات. خذ على سبيل المثال أهم اكتشاف علمي في القرن العشرين وهو تحديد التركيب الكيميائي للحمض النووي DNA فحسب عالم الاحياء الامريكي جيمس واطسون الحاصل على جائزة نوبل الذي أشار في كتابه (اللولب المزدوج) والذي هو روايته الشخصية له عن قصة اكتشاف تركيب DNA أن بعض المراحل الجوهرية في ربط المعلومات للتوصل لهذا الاكتشاف العلمي التاريخ تمت في بعض ليالي الشتاء لشهر فبراير من عام 1953 ميلادي. وقبل ذلك تقريبا بقرن من الزمان أي في ليلة السابع عشر من شهر فبراير لعام 1869 توصل العالم الروسي الشهير ديمتري مندلييف لوضع تصور أولي للفكرة العلمية الثورية المتعلقة بالجدول الدوري للعناصر الكيميائية حيث كان تشغله قضية إيجاد طريقة علمية منضبطة يمكن من خلالها تصنيف وترتيب جميع العناصر الكيميائية بشكل سليم. الطريف في الأمر أن مندلييف نفسه قد أعترف أن فكرة الجدول الدوري للعناصر قد جاءته في حالة إلهام تمثلت في رؤية مناميه حلم بها تلك الليلة.  عادةً يقال أن (الشتاء أحلام) فظلامه الطويل وليليه الدافئة تحت دثار الكساء تغري بالنوم ولهذا تكثر أحلام العلماء كغيرهم من البشر خلال فصل الشتاء. 
ومن الأمثلة الإضافية لأحلام العلماء في الشتاء أن أحد أهم علماء الكيمياء في القرن التاسع عشر وهو العالم الألماني أوغيست كيكوليه تمكن من حل أحد أصعب المعضلات في الكيمياء العضوية والمتعلقة بفهم تركيب جزيء البنزين من خلال حلم عجيب شاهده في المنام في إحدى ليالي شهر ديسمبر لعام 1855 ميلادي. تقول القصة أنه عندما استرخى كيكوليه في منزله أمام المدفأة وهو مشغول البال بالتفكير في أحجية تركيب جزيء البنزين غلبه النوم وشاهد في الحلم سلاسل من ذرات الكربون تمثلت على شكل الافاعي والتي كانت  تتذبذب و تهتز  امام عينية و فجأة عضت إحدى هذه الافاعي بفمها على ذيلها مكونة شكل حلقة المتصلة. و عندما استيقظ كيكوليه من منامه قضى بقية تلك الليلة الشهيرة وهو يسجل فكرة هذا الحلم و يختبر احتمالية الشكل الحلقي لمركب البنزين.
لفهم سياق تاريخ العلم .. فتش عن الشتاء
من صور الترابط بين فصل الشتاء والاكتشافات العلمية أن بعض هذه الاكتشافات كان للبعد الزمني الشتوي دور حاسم في التوصل لها ومن ذلك مثلا أن اكتشاف ظاهرة النشاط الاشعاعي للعناصر كثيرا ما توصف بأنها اكتشفت (بالصدفة serendipitously) علي يد عالم الفيزياء الفرنسي هنري بيكريل ومع ذلك لم يكن من الصدفة ان هذا الاكتشاف العلمي المميز حصل في زمن الشتاء. السبب في ذلك أنه أثناء شهر فبراير من عام 1896 كان بيكريل يجري تجربة على أحد مركبات اليورانيوم والتي كان يعتقد (بشكل خاطئ) أنها إذا تعرضت لضوء الشمس يمكن أن تصدر اشعة مشابه بصورة ما لأشعة إكس. ولكن كما هي عادة الطقس في مدينة باريس أثناء شهر فبراير لم تشرق الشمس لعدة أيام ولهذا قام بيكريل بوضع بلورة مركب اليورانيوم في درج مختبره وبالقرب من لوح زجاجي لأفلام التصوير وطبعا بقية قصة الاكتشاف مشهورة ومعلومة. وكذلك أعتقد أن لفصل الشتاء دور حاسم في نجاح التجربة المشهورة للفيزيائي والسياسي الأمريكي بنجامين فرانكلين الذي حاول في عام 1752 اثبات أن البرق هو عبارة عن شرارة كهربائية هائلة وذلك من خلال تجربته الشهيرة في إطلاق طائرة ورقية مزودة بحافة حادة وجعلها تحلق في عمق سحابة رعدية عاصفة وماطرة. 
بالرغم من أن اكتشاف مركب النايلون كثيرا ما يوصف بأنه تم عن طريق الصدفة  في عام 1934 إلا إننا لا نستطيع أن نغفل مرة أخرى أنه من غير الصدفة أن يتم هذا الاكتشاف في فصل الشتاء. السبب في ذلك أن الفريق البحثي للمخترع الامريكي الكيميائي والاس كاروثرز فشل لمدة طويلة في تصنيع خيوط حريرية صناعية وكل ما توصل له كان فقط مادة بولمرية لزجة وذائبة في دورق زجاجي. وفي إحدى أيام شهر فبراير الباردة من تلك السنة أخذ أحد الباحثين في المختبر (يلعب) بتلك المادة اللزجة عندما لاحظ أنه يمكن أن يتم سحبها باستخدام قضيب زجاجي ومطها على شكل خيوط رفيعة من النايلون. وبهذا تتضح البصمة الثلجية للشتاء في اختراع النايلون من خلال اكتشاف ظاهرة وتقنية السحب على البارد cold drawing لخيوط النايلون والتي ربما لم تكن لتكتشف في فصل الصيف مثلا. 
الجدير بالذكر أن للشتاء دور حاسم ليس فقط في التوصل للاكتشافات العلمية ولكن أحيانا حتى في وقوع (الكوارث العلمية) ومن أبرز ما يمكن ذكره في هذا السياق أنه لأمراً ما وقعت كارثة انفجار ماكوك الفضاء تشالنجر في فصل الشتاء بالذات. سبب هذه الكارثة العلمية الاليمة أنه في عام 1986 تمت عملية الاطلاق الأخيرة لمركبة الفضاء هذه في يوم 28 يناير والذي صادف أن يوم كان شديد البرودة مما تسبب في ضعف وتشقق الحلقات المطاطية التي تربط بعض أجزاء خزانات الوقود الضخمة للماكوك وبتسرب وقود الصواريخ للخارج حصلت الكارثة المريعة في كبد السماء.
الشتاء .. موسم حصاد الاختراعات العلمية
العلماء والمخترعون لا يعانون من ظاهرة (البيات الشتوي) ولهذا على خلاف المتوقع قد يكون موسم الشتاء من أكثر فصول سنة إنتاجية علمية بسبب التفرغ شبه الكامل (لأجواء) البحث العلمي. وبعد قيامي باستقراء وحصر للاكتشافات العلمية الكبرى والاختراعات التكنولوجية التاريخية تبين لي أن عدد كبير منها تمت خلال فصل الشتاء ولولا خشية الاطالة لتم سرد تفاصيل تاريخ كل اكتشاف علمي باليوم والشهر والسنة. ما يستحق التنويه له بجدارة أن ليالي الشتاء الملبدة بالغيوم لم تحل دون حصول عدد كبير من الاكتشافات الفلكية واختراعات علم الفضاء خلال اشهر الشتاء. فهذا جاليليو الذي كان أول عالم يستخدم التلسكوب لدراسة الاجرام السماوية مكتشفا بذلك أقمار كوكب المشتري وتضاريس سطح القمر وقد كان ذلك في شتاء عام1610 وقبله بحوالي اربعين سنه رصد عالم الفلك الدنماركي المعروف تايكو براهي في ليله شاتيه ظاهرة نجوم السوبر نوفا أما في شتاء عام 1930 وفي ليله 18 فبراير أكتشف الفلكي الامريكي كلايد تومباو كوكب بلوتو في حين في شهر فبراير من عام 1967 أكتشف لأول  مره ما تسمى النجوم النابضة pulsar تلك الظاهرة الفلكية العجيبة. أما الاختراعات التقنية التاريخية التي تم تدشينها خلال الشتاء والمتعلقة بعلوم الفضاء فهي إطلاق أول قمر صناعي في التاريخ (القمر الصناعي الروسي سبوتنك) وذلك عام 1957 وكذلك تم إطلاق محطة الفضاء الروسية مير أثناء شتاء عام 1986ميلادي.
وبالانتقال الآن لأبرز الاكتشافات الطبية والاختراعات العلمية المرتبطة بتقدم وتطور الطب يمكن أن نشير إلى أن أوقات الشتاء الباردة عبر السنين المختلفة صاحبت فصل واكتشاف فيروس شلل الاطفال وأول استخدام طبي للأدوية الانسولين ومواد التخدير وإصدار براءة اختراع الاسبرين. أما في جانب إجراء العمليات الجراحية التاريخية فمثلا شهد شهر ديسمبر في سنوات مختلفة أول عملية زراعة قلب (1967) وأول  عملية زراعة ونقل كلية (1954) كما حصل في الثالث من ديسمبر لعام 1982 أول عملية زراعة قلب اصطناعي. 
وفيما يتعلق بالاختراعات التقنية المفصلية في تاريخ البشرية نجد أنه في بداية اشهر الشتاء من عام 1821 أخترع العلم البريطاني المعروف مايكل فاراداي أول محرك كهربائي وبعد ذلك بحوالي نصف قرن وفي شهر ديسمبر استعرض المخترع الاسطورة توماس أديسون أول مصباح كهربائي. ويبدو أن شهر ديسمبر كان دائما مع موعد مع تاريخ الاختراعات الكبرى ففيه شهد عام 1903 قيام الاخوين رايت بأول محاولة طيران ناجحة وفيه حلقت أول طائرة كونكورد كما شهد هذا الشهر الثلجي اختراع الترانسيستور وتم فيه عرض أول جهاز راديو. ولا تقل أهمية وإسهام شهر يناير في إضرام وإشعال زخم الاختراعات العلمية المفصلية ففيه قام المخترع الأمريكي صمويل مورس عام 1838 بإرسال أول برقية بجهاز التلغراف وفية تم اخترع الفولاذ وإصدار براءة اختراع الميكروويف والأهم من ذلك أن يوم 22 يناير لعام 1939 شهد بداية تجارب الانشطار النووي والتي سوف تقود لاحقا لتصنيع القنبلة الذرية. 
أما نصيب شهر فبراير من الاختراعات التقنية التي غيرت وجه العالم ففيه أصدر المخترع الامريكي جراهام بيل براءة اختراع الهاتف وفي شهر فبراير تم إجراء أول تجربة للبث التلفزيوني وفيه ايضا تم أول استخدام لجهاز الرادار وتشغيل أول جهاز كومبيوتر واختراع النايلون وإصدار براءة اختراع أول محرك ديزل واختراع آلة الخياطة.


الجمعة، 6 يناير 2017

( في زمن الحرب .. اللوحة الفنية أقوى من ألف خطبة )

لوحة جرونيكا لبيكاسو .. ما مدى تطابق مأساة حلب مع مأساة مدينة جرونيكا الاسبانية
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
في الاوضاع الاعتيادية يقال أن (الصورة أبلغ من ألف كلمة) لكن في حالة الهرج والمرج والاهوال المصاحبة للحروب والقتال والدمار يكون الواقع المر عدسة مكبرة تُبرز حقيقة الاشياء ولهذا الصورة الضوئية أو اللوحة الفنية ليست أبلغ من ألف كلمة بل أبلغ من الف خطبة. بدون جدال يعتبر الرسام الاسباني بابلو بيكاسو أحد اشهر الرسامين في جميع العصور لكن هل من قبيل المصادفة أن تكون لوحته المسماة (جورينكا Guernica) والتي هي أهم وأبرز لوحاته التشكيلية على الاطلاق وأكثرها تأثيراً هي لوحة عن الحرب والدمار. الجدير بالذكر أن أجواء وملابسات ودوافع بيكاسو للقيام برسم هذه اللوحة الشهيرة تتطابق تماما مع حالة المأساة الانسانية الشنيعة في مدينة حلب السورية التي تعرضت لقصف جوي أثيم ومروع. جورينكا هي مدينة بائسة في إقليم الباسك شمال اسبانيا وأثناء الحرب الاسبانية الاهلية قامت طائرات حربية ألمانية وإيطالية مساندة لقوات القوميين الاسبان بقصف المدينة عام 1937 مما تسبب في مجاز رهيبة للمدنيين ودمار شامل لهذه المدينة وقد كانت شدة القصف مقصودة بهدف إحداث صدمة الرعب لغرض ترويع وإجبار الحكومة الجمهورية الاسبانية على الاستسلام وهو ما حصل لاحقا. ما يهمنا هنا أن بيكاسو قام برسم هذه اللوحة المميزة والتي تعرض مأساة الحرب والدمار والمعاناة التي تتسبب فيها الحروب للشعوب والبشر. الغريب في الامر أن هذه اللوحة التي قصد منها دعاية سياسية في الاصل (لأنها كانت بطلب من الحكومة) تحولت إلى أيقونة (لوحة الحرب التي أشاعت السلام). حيث طافت هذه اللوحة العالم بالرغم من أنها لوحة جدارية ضخمة في جولة هدفت هذه لنشر السلام والتحذير من الحرب ولهذا لا غرابة أن نسخة طبق الأصل منها كانت معلقة أمام مدخل قاعة مجلس الامن في الامم المتحدة. لكن ما أصابني بالذهول غير المتوقع أنني كنت أعتقد أن تلك اللوحة في الامم المتحدة هي اللوحة الاصلية ولذلك قبل عدة سنوات عندما كنت أتتبع لوحات بيكاسو في المركز الوطني للفنون (متحف الملكة صوفيا) في مدريد إذا بي اشاهد تجمع كبير للجمهور أما لوحة ضخمة كانت هي عينها لوحة جورينكا ولذا أخذت أتمتم بيني وبين نفسي شعر نزار قباني عن غرناطة (ما أطيب اللقيا بلا ميعادِ).
وبالعودة لموضوع ارتباط الحرب والقتال بالحركة الفنية التشكيلية وتسبب أهوال وويلات الحرب في إلهام أشهر واهم اللوحات الفنية الخالدة يعلم الجميع أن أبرز وأشهر الرسامين العالميين بعد بيكاسو هو مواطنه الرسام الاسباني المعروف سلفادور دالي والذي كان هو الآخر بعض أهم أعماله الفنية على الاطلاق مرتبطة بالحروب ومآسيها مثل لوحته الفنية الشهيرة التي سماها (وجه الحرب) والتي رسمها عام 1940 ميلادي أي في بدايات الحرب العالمية الثانية. هذه اللوحة البشعة تمثل رسمة وجه بلا جسد في صحراء قاحلة حيث أن الوجه الذابل والكئيب يعطي (ملامح) بؤس الحرب ودوامتها الفظيعة. في واقع الامر تجدر الاشارة إلى أن سلفادور دالي كان مهموس وحساس جدا لفظائع ومشاكل الحروب والقتال لدرجة أنه كان يفخر بأنه تنبأ بحصول الحرب الاهلية الاسبانية قبل وقعها بفترة من الزمن وبسبب هذا الحس الداخلي أو الهاجس premonition قام سلفادور دالي برسم لوحته الذائعة الصيت (هاجس الحرب الاهلية premonition of civil war) قبل اندلاع الحرب الفعلية بستة أشهر. وفي هذه اللوحة يصور سلفادور دالي العنف والهلاك الناتج من الحرب الاهلية في صورة وحش بشري يتصارع مع نفسه مما يؤدي إلى (انشطاره الداخلي) بحيث تصبح اليد في جزء منه في حالة نزاع وتدافع مع الرجل في الشطر الآخر من الجسم.
وبالجملة ينبغي ان لا نستغرب (هوس وهاجس) الرسامين التشكيليين اتباع المدرسة الفنية السريالية وخوفهم من الحرب وكثرة اعمالهم الفنية والتشكيلية المرتبطة بالحروب والدمار فكما هو معلوم فإن أصل ظهور وانتشار المذهب والاتجاه السيريالي في الفنون كان أثناء الحرب العالمية الكبرى (الحرب العالمية الاولى) والتي لم يسبق للبشرية أن تعرضت لمثل هذه الدرجة والبشاعة للفظائع والجرائم المتعلقة بالحروب.    
بشاعة وقسوة الحرب الاهلية وانعكاسها على الاعمال الفنية الشهيرة نلتقي بها مرة ثالثة مع ثالث أشهر رسام اسباني وهو الفنان التشكيلي الكلاسيكي فرانسيسكو جويا Goya أحد أهم الرسامين التشكيلين في عصر الأنوار والرسام الملكي في بلاط الملك الاسباني تشارلز الرابع. وكما كانت أشهر وأهم اللوحات الفنية لبيكاسو وسلفادور دالي مرتبطة بشكل اساسي بمآسي وأهوال الحرب والقتال نجد كذلك أن الرسام جويا اشتهر بسلسلة لوحاته التي تعرف باسم (كوارث الحرب) والتي هي في غالبها انعكاس لانطباعات هذا الرسام عن تعرض بلده اسبانيا للاحتلال الاجنبي على يد جيوش نابليون بونابرت في عام 1807م. ومع ذلك تعتبر لوحة فرانسيسكو جويا المسماة : الثالث من مايو 1808 (البعض يسميها لوحة الإعدام أو المُعدَمين) أكثر لوحاته شهرة على الاطلاق وهي التي رسمها بهدف تخليد بطولة المقاومة الاسبانية في تصديها للاحتلال الجيش الفرنسي. وتُظهر هذه اللوحة فضائع وجرائم الحرب من خلال تمثيل قيام فرقة إعدام فرنسية بإطلاق النار وتصفية عدد من المدنيين العزل حيث تتم عملية الاعدام على شكل دفعات ففئات من أعدمت بالفعل وفئات أمام فوهات البنادق بينما دفعة ثالثة تنتظر مصيرها وهي في ذروة الحزن والفزع. بقي أن أقول أنه إذا كان لوحات بيكاسو هي أبرز ما في متحف المركز الوطني للفنون (متحف الملكة صوفيا) في مدريد فقد لاحظت أن الرسام فرانسيسكو جويا هو الملك المتوج بلا منازع في متحف برادو في مدريد وهو أحد أهم المتاحف الفنية على الاطلاق في أوروبا في حين لم أجد ولا لوحة واحدة لبيكاسو في هذا المتحف الراقي.
من حلب السورية إلى جورينكا الاسبانية .. يا أخت أندلسٍ عليكِ سلام
ما أود التأكيد عليه أنه توجد محاور تطابق متعددة بين مأساة حلب السورية المعاصرة وبين مأساة جورينكا الاسبانية الغابرة فكلاهما كانت نتائج حرب أهلية طاحنة تسببت في انشطار وانقسام حاد للمجتمع السوري والاسباني وكلا المدينتين تعرضتا لعدوان خارجي إجرامي من دول مساندة للطغيان والقهر. فكما دعم الشيوعي الروسي والشيعي الايراني نظام الاسد المجرم في حلب دعمت ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية النظام العميل الاسباني المعروف زورا وبهتانا بحركة القوميين الاسبان. وعلى الرغم من أن أسم هذه النزاع الدموي (الحرب الاهلية) إلا أنها في واقع الامر كانت أبعد من  تكون محصورة في نطاقها المحلي فهي كانت بالفعل حرب بالوكالة بين الالمان والايطاليين الذين يدعمون المنشقين الفاشيين من القوميين الاسبان بينما كان الاتحاد السوفيتي وفرنسا وبريطانيا وأمريكا يدعمون حكومة الجمهورية الاسبانية. التكتيك الحربي الشنيع المسمى (الصدمة والترويع shock and awe ) استخدم كثيرا في ساحات القتال والذي يهدف إلى بث الرعب والخوف في صفوف الخصم مما يدفعه للاستسلام أو التهجير والاخلاء وهذا ما حدث مع عصابات الهجناه الاسرائيلية وترويع الفلسطينيين في حرب 1948 وترويع حزب الكتائب المسيحي للمسلمين السنة في بيروت الغربية في الحرب الاهلية اللبنانية وكذلك في القصف المجرم والاثيم للروس على مدينة جروزني الشيشانية عام 1994 واستخدمه الصرب في قصف مدينة سراييفو عام 1992 ويستخدمه الروس اليوم بقصف مدينة حلب وهو نفس ما حصل عام 1937 في القصف الشنيع والمجرم لمدينة جورينكا الاسبانية كما سبق ذكره. يبقى أن نقول أن الظلم والطغيان والقهر مهما طال وانتشى وتسيد لابد أن يزول يوما ما فبعد ذلك القصف الرعيب انتصرت قوات القوميين الاسبان الفاشيين بقيادة الطاغية الاسباني اللعين فرانسيسكو فرانكو والذي وإن استمر حكمه الديكتاتوري والاستبدادي لمدة 36 إلا أن الامة الاسبانية في خاتمت المطاف تنسمت هواء الحرية وعادت أخيرا لصفوف الدول والشعوب الحرة والغنية والمستقرة.
وختاما واقعنا العربي مرير للغاية وركيك في جميع نواحيه السياسية والعلمية والادبية وحتى الفنية ولهذا لا يتوقع أن تصدر لوحات فنية تشكيلية ذات مستوى عالي تلفت الانظار لمآسي الشعوب العربية كما حصل من نجاح الفنانين والرسامين الاسبان عبر العصور في تخليد مشاعر وأحاسيس شعوبهم حيال القتال والدمار. الشعوب العربية لم تحسن إلا السخرية والاستهزاء وهو ما أنعكس في انتشار فن رسم الكاريكاتير السياسي ومع ذلك لم يتحمل الطغاة العرب حتى هذه الشخبطات الهزلية فقد تم اغتيال أشهر رسام عربي معاصر وهو الفلسطيني المناضل بالريشة ناجي العلي (مبدع شخصية حنظلة) بينما رسام الكاريكاتير السوري المعروف على فرزات وبالرغم من أنه كان يوما ما صديقاً مقرباً من الطاغية بشار الاسد إلا أن هذا لم يحميه من أن يتم ضربه والاعتداء عليه وتعمد كسر أصابعه. وعلى كل حال إن كان الرجال الشرفاء من كل جنس ولون اهتزت ضمائرهم للوحات بيكاسو حول دمار وخراب جورينكا فإن كل من في قلبه ذره من انسانية ورحمة صُدم للصور الفوتوغرافية الصاعقة لمعاناة أطفال سوريا كمثل صورة الطفل السوري الغريق إيلان كردي أو صورة الطفل السوري المصدوم والمذهول عمران أو عشرات صور الاطفال السوريين الذين أبكوا العالم لمناظرهم وهم قتلى جراء الغازات السامة أو تحت الانقاض.
وقبل أن نغادر لعل من الملائم التذكير بكارثة وقعت على مدينة أخرى من مدن الاسلام السليبة (فكلنا في الهم شرقُ) والتي تعرضت للدمار والخراب فأصبحت مدينة فقدها الاسلام وسلبت منه وتلك كانت مدينة أضنه التركية التي وقعت تحت الاحتلال البلغاري في عام 1912 بعد أن أبلت مقاومتها بلاءً حسناً كحال رجال مقاومة حلب اليوم. ولهذا رثى أمير الشعراء أحمد شوقي مدينة اضنة بقصيدة أطلق عليها أسم (الاندلس الجديدة) فكما خسرنا الاندلس خسر الشاعر في زمانه هذه المدينة الاسلامية الهامة تاريخيا والتي فيها قبور وآثار عدد كبير من سلاطين بني عثمان. في تاريخ المدن تنشر ظاهرة (التوأمة) بين المدن المتشابه نسبيا لذا سوف نستعين بقصيدة أحمد شوقي الاندلس الجديدة ونجعلها وكأنها خطاب ونداء من حلب الساليبه (الاندلس الثالثة) إلى أختها الاندلسية مدينة جورينكا الاسبانية:
يا أُخت أندلسٍ عليك سلامُ     هوت الخلافةُ عنك والاسلامُ
جُرحان تمضي الأمتان عليهما    هذا يسيل وذاك لا يلتامُ
ما بين مصرعها ومصرعكِ انقضت     فيما نحبُ ونكره الايامُ
والدهرُ لا يألو الممالكَ منذراً     فإذا غفلنَ فما عليه ملامُ
أخذَ المدائن والقُرى بخناقها    جيشٌ من المتحافلين لُهامُ
غطّت به الارض الفضاء وجوّها    وكست مناكبها به الآكامُ
تمشي المناكر بين أيدي خيلهِ      أنّي مشى والبغي والاجرامُ


الجمعة، 23 ديسمبر 2016

( من الله أكبر فتحت كابل .. إلى الله المستعان سقطت حلب )

بعد خراب مدينة الشهباء.. لك الله يا حلب
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
خمس وعشرون سنة في تاريخ الشعوب هي كلمح بالبصر أو هو أقرب ومع ذلك شهدت منطقتنا العربية والاسلامية تغيرات سياسية محيرة ومريعة ففي عام 1992 احتفلنا جميعا وعبر بلساننا الجمعي أحد الفضلاء عندما ألقى محاضرة رنانة بعنوان (الله أكبر فتحت كابل). وفي لحظتها كان الاتحاد السوفيتي قد تفتت وروسيا الاتحادية في وضع اقتصادي كارثي وبعد إعلان (النظام العالمي الجديد) وسياسية القطب الواحد الامريكي (لا شريك له) اسقطنا تماما من حساباتنا أي أهمية أو تأثير للملاعين الحمر شيوعي روسيا ولم ننتبه أن التاريخ ربما يعيد نفسه. صحيح أننا صعقنا بهمجية وبربرية الجيش الروسي الغاشم وهو يدك مدينة جروني الشيشانية على رؤوس سكانها المدنيين إلا أننا ظننا هذه المأساة والمصيبة هي في (أطراف العالم الاسلامي الشرقي) كما أن مصيبة سراييفو في نفس التوقيت تقريبا هي بعيدة عنا في (أطراف العالم الاسلامي الغربي) ولم نكن نعلم أن الاعداء الشيوعيين أو الصلبيين على حدا سواء يمكن أن يتغلغلوا في غفلة من الزمن إلى قلب ساحات العالم العربي في بغداد وحلب والموصل.
حلب والموصل .. قصة مدينتين
في فترات متعددة من التاريخ لطالما ارتبط واقع ومصير مدينتي حلب والموصل كما ارتبط كثيرا واقع ومصير مدينتي القاهرة ودمشق ونتيجة لهذا التوأمة المدنية كانت مآسي وأحزان أو نصر ورفعة إحدى المدينتين هي عنوان الحقيقية للمدينة الأخرى. إن الاهمية الاستراتيجية والحضارية للمدينتي حلب والموصل ليس تعود فقط لأنهما عمق التواجد العربي السني في المشرق لكن ايضا أنهما كثيرا ما كانتا (جدار الصد) وخطوط الدفاع الامامية للعالم العربي. في القرن الرابع الهجري تعرض العالم الاسلامي لاستفزازات وحملات عسكرية متوالية من قبل الامبراطورية المسيحية البيزنطية وكان جدار الصد لنا نحن العرب مملكة بني حمدان لسيف الدولة في حلب وأخية ناصر الدولة في الموصل وهي الحروب التي خلد بعضها المتنبي في قصائده التي كان يمدح فيها سيف الدولة أو شعر أبي فراس الهمداني في قصائده التي عرفت (بالروميات).  أما في القرن السادس الهجري فنجد أن الدولة الزنكية تبسط نفوذها على مدينتي حلب والموصل وهنا مرة ثانية كان لهاتين المدينتين دور بارز في تقليص نفوذ الصليبيين في العمق العربي وطردهم من العديد من المدن الاسلامية.
دروس التاريخ تخبرنا انه إذا كانت هاتين المدينتين في عز قوتها ومنعتها كنا محميين بفضل الله من شرور الشعوب الأخرى أما إذا أصابهما الضعف والترهل السياسي والتشظي كما في أواخر حكم الدولة الأيوبية فإن الموصل وحلب تصبحان في الغالب وللأسف الشديد ممر ومعبر سهل للغزاة والبرابرة كما حصل مع التتار في القرن السابع الهجري زمن هولاكو أو القرن الثامن الهجري زمن تيمورلنك.
لذا بعد سقوط حلب والموصل في الطريق نقول ( ويلٌ للعرب من شر قد أقترب) ففي الحديث الشريف أنه في حال ضعف الأمة تتكالب عليها الاعداء وتتداعى عليها الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها وهذا ما نشاهده رأي العين في واقعنا المعاصر فلعله لأول مرة في التاريخ يجتمع الشرق والغرب في حرب مشتركة علينا. فمدينة حلب تباد على يد الصفويين الرافضة بدعم وقصف روسي أثيم ومدينة الموصل تباد بنفس الايدي الخبيثة ولكن بدعم وقصف أمريكي أثيم وكأن حالنا كما قال المتنبي لسيف الدولة الحمداني صاحب حلب:
وسوى الرّوم خلف ظهرك رُومُ      فعلى أي جانبيك تميلُ
والعالم العربي والاسلامي كالجسد الواحد والداء والجائحة التي تصيب الاطراف تنتقل إلى أعماق الجسد كما قال الأول:
إذا مات بعضك فأبك بعضا         فإن البعض من بعض قريب
والله المستعان وعليه التكلان وما لنا إلا أن نقول كما كان يردد أهل سوريا من خمس سنوات (ما لنا غيرك يا ألله).


( تسمية عناصر الجدول الدوري .. تشريف أم تكليف )

نحن بالانتظار للحصول على صورة العالم الروسي أوغانيسيان وهو يشير للعنصر الجديد الذي يحمل أسمه
 
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
 
أُسدل الستار أخيراً في الاسبوع الماضي على (سباق التنافس اللغوي) والمتعلق بحدث رمزي بالغ الأهمية في تاريخ علم الكيمياء في العصر الحديث إلا وهو اكتمال تسمية جميع العناصر 118 للجدول الدوري الكيميائي حيث أعلن بشكل رسمي من قبل الاتحاد الدولي للكيمياء البحتة والتطبيقية IUPAC تسمية آخر أربعة عناصر كيميائية. أشتهر عن عالم الفلك الامريكي البارز كارل ساجان قولة أنه لو حصل دمار شامل لكوكب الارض وطلب منه قبل أن يغادر الارض لكوكب جديد أن يأخذ معه معلومة أو نظرية علمية واحدة فقط لينشأ بها حضارة جديدة لكانت تلك معلومة هي (الجدول الدوري للعناصر الكيميائية). وبحكم مركزية مفهوم ترتيب العناصر الكيميائية على شكل جدول دوري وأثرها البارز في تطور العلم والتقنية الحديثة لذا تناقلت جميع وسائل الاعلام والصحافة الدولية هذا الخبر بمزيد من الاهتمام والحماسة. وفيما يخصنا نحن المتطفلين على ميادين أبحاث التطور العلمي يكفي أننا تخلصنا أخيرا من إحراج النطق بالأسماء السخيفة والشنيعة المؤقتة لعناصر الجدول الدوري المكتشفة (أو المصنعة في الحقيقة) في الازمنة الاخيرة من مثل الاسم البشع للعنصر رقم 113 (أن أن ترايوم ununtrium) أو اسم العنصر رقم 117 (أن أن سبتيوم ununseptium). وقبل عدة سنوات قمت بنشر مقال حمل عنوان (تسمية عناصر الجدول الدوري .. بين اللغة والتاريخ) استعرضت فيه المراحل الزمنية المختلفة (المجهولة والتقليدية والادبية الجمالية والتكريمية) لطرق واسباب تسمية العناصر الكيميائية وناقشت في نهاية المقال مشكلة الاسماء المؤقتة المستنكرة  للعناصر المتبقية ولعل غالبية العلماء  تنفست الصعداء بعد هذا العناء في نطق تلك الاسماء الثقيلة.
الجدير بالذكر أنه منذ أواخر القرن التاسع عشر بدأ العلماء يستخدمون أسلوب جديد تماما في طريقة  تسمية العناصر الكيميائية المكتشفة حديثا (وهي ما سميتها المرحلة التكريمية) حيث اخذ العلماء والمكتشفون يكرمون بلدانهم أو عواصمهم أو جامعاتهم بإطلاق اسمائها على تلك العناصر الجديدة. ولكن في واقع الأمر تقريبا لم تتم بداية (تشريف وتكريم) بعض العلماء بإطلاق اسمائهم على العناصر الكيميائية الجديدة إلا في عام 1945م وكان ذلك من نصيب العالمة الشهيرة مدام كوري صاحبة عنصر الكوريوم رقم 96 ولم ينال هذا (التشريف العلمي البالغ) غيرها إلا ثلاثة عشر شخص فقط. بالرغم من أن الجدول الدوري للعناصر (الكيميائية) هو في الأصل بيت الكيميائيين وميدان أبحاثهم إلا أنهم أصابهم الغبن والحيف نتيجة أن غالبية العلماء الذين تم تشريفهم بالإطلاق أسمائهم على بعض العناصر الكيميائية كانوا من الفيزيائيين في حين كان عدد الكيميائيين المكرمين أربعة فقط وربما هذا بسبب سطوة ومكانة علم الفيزياء بعد الحرب العالمية الثانية أو كما قال عالم الفيزياء البريطاني الشهير رذرفورد (العلم هو الفيزياء والباقي جمع طوابع).  ومن حسن الطالع أنه كان من الملائم أن يكون أول كيميائي يتم تشريفه وتكريمه بإطلاق اسمه على عنصر كيميائي هو عالم الكيمياء الروسي البارز ديمتري مندلييف الذي يلقب بأنه (أبو الجدول الدوري للعناصر) حيث أنه كان من أوائل من طرح فكرة التوزيع (الدوري) للعناصر الكيميائية.
أضاعوني وأي فتى أضاعوا
صحيح أن مندلييف تم تشريفه بعد وفاته بحوالي نصف قرن بإطلاق اسمه على العنصر رقم 101 مندلييفيوم Md وذلك في عام 1955 إلا أن كل منصف يشعر أن هذا التكريم المستحق لمندلييف جاء متأخر بشكل غير مقبول على الاطلاق. لا شك أن تشريف أي عالم بإطلاق أسمه على عنصر من عناصر الجدول الدوري يعني بالضرورة تميزه الفائق والبيّن في مجال الابحاث العلمية وهذا بدوره يتطلب (تكليف) المجتمع والدوائر العلمية بتكريمه بمنحة الجوائز العلمية المرموقة. كما هو معلوم فإن أعرق وأهم جائزة علمية على الاطلاق هي (جائزة نوبل) والتي فاز بها ونالها حتى الان عدد 379 باحث من علماء الفيزياء والكيمياء (و 211 في الطب) وبحكم أن عدد العلماء الذين استحقوا وضع اسمائهم في الجدول الدوري محدود جدا (14 عالم فقط) فهذا يشير بدلالة قاطعة أن جودة وأهمية أبحاث هؤلاء العلماء الاربعة عشر تؤهلهم للفوز بجائزة نوبل ولكن للأسف لم يكن هذا هو الحال.  بعد مرور أكثر من قرن على بداية طرح جائزة نوبل وعبر العقود الماضية بدأت تتجمع شواهد وأخبار متوالية أن اللجان المشرفة على منح هذه الجائزة تقع أحيانا في أخطاء كارثية في اختيار (أو تجاهل اختيار) العلماء الجديرين بالفوز بهذه الجائزة في المجالات العلمية حيث أن مشاكل وفضائح هذه الجائزة في شق الفائزين بها في مجال السلام أو الادب معروفة للقاصي والداني.
أوضح مثال صارخ لإخفاق جائزة نوبل في اختيار العلماء المؤثرين في مسيرة تاريخ العلم أن هذه الجائزة لم تمنح للكيميائي الروسي ديمتري مندلييف السابق الذكر والذي كما اشرنا ربما تعتبر فكرته العلمية أهم فكرة علمية يمكن المحافظة عليها ونقلها لكوكب آخر. لقد كانت أول سنة يتم فيها طرح جائزة نوبل هي عام 1901م وبعد ذلك بسنة أوسنتين ظلت أكاديمية العلوم الروسية تقوم سنويا بترشيح مندلييف للفوز بجائزة نوبل في الكيمياء بدون أن يلقى هذا (الطلب المنطقي) آذان صاغية من القائمين على جائزة نوبل. في واقع الحال وقع ناقش حاد في عام 1906 حول الاشخاص المرشحين لجائزة نوبل في الكيمياء وبالرغم من حماس بعض العلماء لمنحها هذه المرة لمندلييف  إلا أنه استقر قرار لجنة جائزة نوبل بمنحها لكيميائي اقل بكثير في أهمية اثره العلمي من مندلييف حيث منحت الجائزة للكيميائي الفرنسي هنري مواسان نظيرا نجاحه في استخلص عنصر الفلور من مركباته بينما الكيميائي الاسطورة الذي نجح قبل ذلك بعقود من الزمن في التوصل لاكتشاف هام لجميع عناصر الجدول الدوري لم ينل اعجاب هيئة الجائزة. الجدير بالذكر أن مندلييف توفي عام 1907 بعد عدة اشهر فقط من فرصته الاخيرة لنيل جائزة نوبل وهو في سن الثالثة والسبعين ولا يعلم أن كان لهذه الحادثة المؤسفة أي أثر في اضعاف روحة المعنوية حيث أن سبب وفاة المعلن هو فقط أصابته بالأنفلونزا.
كيميائي آخر (أو كيميائية بالأحرى) لاقى الاهمال والصدود من جائزة نوبل ثم احتضنته العناصر الكيميائية في بيتها الدوري تلك هي عالمة الكيمياء النمساوية ليز مايتنر مكتشفة ظاهرة الانشطار النووي (لذا تلقب بأم القنبلة النووية !!) فغالبا بسبب التمييز الجنسي ضد النساء استبعدتها لجنة جائزة نوبل من الفوز بالجائزة في الكيمياء لعام 1944 بينما منحت الجائزة فقط لزملائها من الرجال مثل عالم الكيمياء الالماني أوتو هان. وفي عام 1997 وبعد حوالي عشرين سنة من وفاة ليز ماينتر وربما كوسيلة من المجتمع العلمي للتكفير عن الظلم والضيم البالغ والتحيز ضد تلك العلمة تم تشريفها وتكريمها بأن أطلق اسمها على العنصر الكيميائي رقم 109 والذي اصبح يعرف باسم مايتنريوم Mt وهي بهذا ثاني وآخر امرأة بعد السيدة كوري تكرم بإطلاق اسمها على أحد عناصر الجدول الدوري.  للأسف الشديد ولأمور وتعقيدات سياسية وعلمية بل وحتى دينية تجاهلت لجان جائزة نوبل منح هذه الجائزة لعدد من أهم وابرز مشاهير العلوم من مثل عالم الفيزياء البريطاني اللورد كالفن وعالم الفيزياء الامريكي جيبس وكلاهما من رواد وأعمدة علم الثيرموديناميك وكذلك تم تجاهل عالم الكيمياء الامريكي لويس (صاحب أشكال لويس التي يستخدمها جميع طلاب الثانوية) وذلك بالضافة لإهمال عالم الفلك الامريكي البارز إدوارد هابل وكذلك اسطورة العلم المعاصر الفيزيائي البريطاني ستيف هاوكنغ. وكل هذه الامثلة وغيرها كثير تشي بأنه توجد أحيانا بعض صور ومناحي الخلل في آلية عمل لجان جوائز جائزة نوبل حتى في المجالات العلمية والطبية وفي المقابل تم منح هذه الجائزة المرموقة لشخصيات علمية دون المستوى ولولا خشية الاطالة لم استعراض بعض هذه الفضائح العلمية وردود الافعال حيال الاختيار الغريب والضعيف لبعض الفائزين بهذه الجائزة.
من التكريم الاكبر إلى التكريم الاصغر
للعنصر الكيميائي رقم 118 مكانة مميزة وفريدة في دنيا العلم فهو حاليا آخر عنصر مكتشف/ مُصنَع من عناصر الجدول الدوري كما  أن له حادثة نادرة حصلت الاسبوع الماضي فبعد تسمية هذا العنصر باسم أوغانيسون Oganesson (Og 118) وذلك على أسم عالم الفيزياء النووية الروسي يوري أوغانيسيان وبذلك يكون هو العنصر الوحيد الذي اجتمع فيه ميزتين: سمي على شخص ما زال على قيد الحياة وهذا الشخص ويا للعجب لم يحصل على جائزة نوبل. ينبغي ان نقول بهذه المناسبة أن الشخصية العلمية التي نالت شرف أنها كانت أول انسان في التاريخ يحمل أسم عنصر كيميائي وهو على قيد الحياة كانت في واقع الأمر عالم الكيمياء الامريكي غلين سيبورج والذي تم تكريمه عام 1997 بإطلاق اسمه على العنصر الكيميائي رقم 106 والذي أصبح يعرف باسم سيبورجيوم  Sg 106 وبهذا خُلد في تاريخ العلم تلك الصورة الشهيرة لسيبورج وهو يشير بإصبعه للعنصر المسمى باسمه في الجدول الدوري. صحيح أن سيبورج حصل على هذا التشريف الاسطوري وهو في أواخر خريف العمر حيث توفي بعد سنتين فقط من هذا التكريم إلا أن غلين سيبورج قد تم تكريمه بالطريقة التقليدية منذ وقت مبكر جدا بحصوله على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1951 نظيرا اسهامه في تصنيع عشرة من عناصر الجدول الدوري كان أخطرها عنصر البولتونيوم المستخدم في تصنيع القنبلة الذرية. لا شك أن قيام غلين سيبورج وفريقة العلمي بإنتاج عشرة من العناصر الكيميائية هو إنجاز علمي يستحق عليه جائزة نوبل ولكن السؤال المهم هل سوف تجد لجنة جائزة نوبل نفسها وهي مضطرة (تكليفاً وليس اختياراً) أن لا تستمر في تجاهل العلماء الرووس المميزين بعدم منحهم جائزة نوبل التي يستحقونها. كمثل نظيره الامريكي أستطاع العالم الروسي يوري أوغانيسيان من تصنيع ثلاثة من عناصر الجدول الدوري (114 و 115 و 118)  تعرف بالعناصر الفائقة الثقل super heavy elements  كما إن لأبحاثه النظرية أهمية كبيرة في إثبات مفهوم العناصر الكيميائية الضخمة المستقرة (فيما يعرف بنظرية جزر الثابتية). من هذا وذلك أعتقد أنه بعد التشريف للعالم يوري أوغانيسيان  بإطلاق اسمه على  آخر عنصر كيميائي (التكريم الأكبر) ربما يتوجب تكليف لجنة جائزة نوبل أن تمنحه الجائزة (التكريم الأصغر) فليس من المقبول أو المستساغ أن يحصل عالم على أهم تشريف وتكريم علمي ممكن يحلم به أي عالم بوضع اسمه على الجدول الدوري ثم يزعم بعد ذلك أن اكتشافه العلمي تقليدي لا يؤهله أن ينال جائزة نوبل.


الجمعة، 9 ديسمبر 2016

( رُبَ كلمةٍ قالت لشاعرها دعني !! )

الشعراء ومزالق اللسان .. رب كلمة قالت لصاحبها دعني
 
 
د/ أحمد بن حامد الغامدي
قد تكون قدراتك الشعرية مميزة ومع ذلك (فلا تحزن) إذا قال لك أحد نقاد الادب أن أبياتك الشعرية ركيكة فهذا عباس العقاد كان ينكر أن يكون أمير الشعراء أحمد شوقي شاعرا وكان يقول عنه أنه فقط مجرد ( نظّام )، وتوصيفه بأنه ( ينظم الشعر) دلالة على أنه شاعر مبتدئ. وإذا كان لك ملكه إبداعية في قول الشعر ووجدت من القراء من يستفزك بقوله إن أشعارك غامضة فلا تبتأس فقديما قيل لشاعر العربية الفحل أبي تمام (لما لا تقول ما يُفهم) كما أن الفرزدق جاء من يصفه بأنه (ينحت من صخر) دلالة على وحشي عباراته وصعوبتها. أما إذا تم تفضيل أحد أقرانك من الشعراء عليك وهو اقل منك شهرة شعرية فلك في المتنبي أسوةٌ حسنة فقد حكم عليه أبو العلاء المعري أنه (أقل شاعرية) من البحتري بينما الاديب المعاصر الدكتور راشد المبارك رحمة الله كتب مقال مثير للجدل كان عنوانه بكل جرئه: (المتنبي ليس شاعرا). من هذا وذلك فيا أيها الشاعر المرخي عمامته وطن نفسك لتلقي سهام النقد ومقصات التشريح والتجرح.
إن طريق الشعراء أحيانا يكون كدرب الزلق ولذا أهون ما يمر به المرء الوحول كما قال طيب الذكر أبو الطيب ولكن ليحذر الشاعر من (زلة اللسان) فقد تكون أخطر من زلة القدم وهي قد تزلزل مكانتك الادبية بشكل مؤلم. زلة اللسان الشعرية قد تكون أحيانا بمجرد ورود كلمة شاذه غير مألوفة أو كلمة نابية مستقبحة ولهذا تصبح هذه الكلمة مصدر تشنيع وسبب سخرية واستنقاص من الشاعر حتى ولو ارتفعت مرتبته.  يقال انه كان للأديب الكبير عباس العقاد كلب يعزه كثيرا وعندما مات رثاه بأبيات شعرية جاء فيها (مرحاضه أعز أثوابنا) إشارة إلى أنه كان كلب مدلل كثيرا ما يحمل ولذا كان يتبول على ثياب العقاد وقيل أنه هذه الابيات قيلت في طفل صغير كان العقاد خاله. على كل حال لا شك ان هذه التشبيه الشعري مستهجن جدا كما أن ورود كلمة (مرحاض) في قصيدة أدبية حماقة شعرية لا تغتفر ولهذا أخذ الاديب الكبير مصطفى صادق الرفاعي (العدو اللدود للعقاد) يسخر ويشنع على العقاد لدرجة أنه كان يسميه (الشاعر المراحيضي). والجدير بالذكر أن الهمز واللمز من الشاعر عن طريق تسميه وتلقيبه بكلمة غريبة أو شاذه في شعره أمر مشهور وواسع الانتشار بشكل ملحوظ في الادب العربي القديم ومن الشعراء الذين قالوا بيتا من الشعر فتم تسميتهم وتلقيبهم بكلمة منه نجد بعض فحول ومشاهير الشعراء مثل: المرقش الأكبر والمتلمس والمثقب البعدي والبعيث والشريد وذو الرمة  والحطيم والقطامي وصريع الغواني وغيرهم كثير سموا بهذه الاسماء والالقاب الغريبة بسبب ورود عبارة أو كلمة في أشعارهم وكما قيل (رُبَ كلمةٍ قالت لصاحبها دعني). بعض الشعراء قد تورثه قصيدته لقب وأسم سخيف ومستهجن لكن في المقابل البعض الاخر قد تورده بعض كلمات قصائده موارد الهلاك حيث تتسبب في مقتله وكم وكم من شعراء العربية كانت ابياتهم الشعرية سبب أساسي في قتلهم وسفك دمائهم من أشهرهم المتنبي وطرفة بن العبد وبشار بن برد وعبيد بن الابرص و الاعشى الهمداني ولسان الدين ابن الخطيب والقائمة تطول وتطول.
آداب السلوك في مخاطبة الملوك
لطالما كان الأعم الغالب من شعراء العربية من المرتزقة والمتزلفين ولا يمكن تصور استمرار الشعر العربي لولا الطمع والفزع من ذهب المعز وسيفه وقد أعلنها الحطيئة صريحة ومدوية عنما أجاب عن سؤال وجه له: (أشعر العرب النابغة إذا رَهب وزُهير إذا رَغب). ولهذا نتفهم حالة الاستنفار والترقب التي دفعت فحول شعراء العربية الكبار للتجمع عند باب الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز بعد توليه الخلافة مباشرة لكي يستشفوا حالهم عنده ولكي يمدحوه وينافقوه. وكما هو معلوم من القصة الشهيرة ان الخليفة عمر بن عبدالعزيز تجاهل كبار الشعراء هؤلاء الذين منهم جرير والفرزدق والاخطل وعمر بن أبي ربيعة وجميل بن معمر وكثير عزه والاحوص الانصاري وبعد أن تجاهلهم الخليفة لزمن طويل واصابهم الاجهاد والانقطاع عن أهاليهم واشغالهم توسطوا ببعض الاعيان أن يدخلهم على الخلفية فلم يسمح إلا بدخول جرير وعندما أسمعه قصيدته في مدحة منحه الخليفة العادل بعد تمنع  وتردد عشرة دنانير فقط. الموقف الرمزي من القصة أنه عندما خرج جرير من عند الخليفة عمر بن عبدالعزيز سأله بقية الشعراء المهمشين (ما وراءك يا جرير) أي ماذا حصل لك مع الخليفة فقال: ورائي ما يسوءكم خرجت من عند امير يعطي الفقراء ويمنع الشعراء. إن الناس على دين ملوكهم كما يقال ولذا إذا أتبع بقية الوزراء والامراء والوجهاء سيرة الخليفة المجافية للشعراء والادباء بارت تجارتهم الصوتية وخسروا مكانتهم الاجتماعية.
في القديم والحديث كان الملوك والحكام والامراء هم رأس المال الحقيقي للشعراء والادباء ولذا حرصوا بشتى الوسائل والسبل ليس فقط أن يتقربوا إليهم بالمديح والثناء ولكن ايضا ببذل الجهد والحرص على اتباع قواعد الاتيكيت واللباقة في (فن التعامل) مع أصحاب المقام العالي. لهذا لا عجب أن الادباء والشعراء تبع لهم أهتموا بشكل بالغ بما يسمى (أدب السلاطين أو أدب الملوك) وتم تأليف العديد من الكتب في مجال (المنادمة والنديم) لعل أشهرها وأهمها كتاب الجاحظ (التاج في أخلاق الملوك) والذي يقصد به أخلاق (التعامل) مع الملوك كما إن في ثنايا كتاب العقد الفريد لأبن ربه العديد من الفصول حول هذا الامر أهمها فصل (المرجانة في مخاطبة الملوك). ومع كل هذا الاعتناء (التنظيري) لفنون الالقاء والمخاطبة للملوك والحاكم إلا إن بعض كبار الشعراء وقعوا في أخطاء فادحة وقادحة. من ذلك مثلا يقال أن أول قصيدة ألقها الشاعر جرير بين يدي الخليفة عبدالملك بن مروان كان قد سبقها حالة فتور لأن جرير كان يميل مع عبدالله بن الزبير الذي ثار على الحكم الاموي. ولهذا ربما ساد جو من الترقب والتحفز لأول قصيدة لجرير امام الخليفة وقد كانت قصيدته الخالدة التي مطلعها (أتصحوا أم فؤادك غير صاحِ) وهو من أقبح الاستهلال أن تخاطب حاكم كان يعتبرك من أعدائه بأن توجه له خطاب يفهم منه أنك تقوله (هل انت صاحي أم ما زلت سادر في غفلتك) ولهذا لا عجب أن تكون ردة فعل الخليفة أنه غضب وسب جرير وقال له محتدا (بل فؤادك .. يا كذا وكذا). بقي أن نقول أن خطأ جرير كان اقل شناعة من سطحية وسذاجة الشاعر العباسي على بن الجهم في التعامل مع الملوك والحكام فكيف يعقل أن يوجد شخص يقول لخليفة المسلمين (أنت كالكلب). وهذه القصة الشعرية المشهورة تعتبر من نوادر وعجائب الادب العربي وكما هو معلوم أن الشاعر البدوي الطباع والتطبع على بن الجهم ضاقت به الحال فقصد الخليفة العباسي المتوكل لكي بمدحه بقصيدته التي مطلعها:
أنت كالكلب في حِفاظِكَ للود        وكالتيسِ في قراعِ الخطوبِ
أنت كالدلوِ لا عدمناك دولا          من كبار الدلا كثير الذنوبِ


ومن جانب آخر نجد أن من الأخطاء الشنيعة المستنكرة أمام الملوك التي وقع فيها أحد رموز الرعيل الاول من الشعراء أن يتبسط ويتساهل الشاعر في التغزل والوصف الصريح لمحارم وحليلة الحاكم. وهذا ما حصل مع الشاعر الجاهلي النابغة الذبياني فبالرغم من لقبه الذي قد نترجمه في عصرنا على أنه يعني (عبقري) إلا أنه كان في قمة السذاجة أن وافق على طلب الملك النعمان بن المنذر أن يصف له زوجته الملقبة بالمتجردة في قصيدة شعرية تخلد ذكرها. العبقرينو الاحمق الملقب (بالنابغة) ليس فقط (أخذ راحته) في قصيدة (سقط النصيف ولم ترد اسقاطه) في وصف أخص خصوصيات المرأة بل انتقل لوصف (مشاعر الالتحام العاطفي) في ابيات تؤكد صدق الكاتب العراقي على الوردي في كتابه الذائع الصيت (اسطورة الأدب الرفيع). لقد كان للملك النعمان شاعر من ندمائهم أسمه المنخّل اليشكري وقد كان يتهم بأن على علاقة غير اخلاقية مع المتجردة ولهذا عندما سمع قصيدة النابغة المتجردة من الاخلاق تلك وجدها فرصة أن يلفت الانظار بعيدا عنه فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول مثل هذا الشعر إلا من قد جرّب، فوقر ذلك في نفس النعمان وعندما بلغ ذلك النابغة هرب من الحيرة للنجاة بحياته ولهذا اشتهر لاحقا بقصائده واعتذارياته للنعمان.
(جانب السلطان وأحذر بطشه) كان حكمة تمثلها وطبقها العديد من الفقهاء والادباء عبر التاريخ فالجمع الغفير منهم كان يستنكف أن يكون من ندماء الحاكم وحاشية السلطان ولهذا عندما استفسر الخليفة هشام بن عبدالملك من أحد الفضلاء: ما يمنعك يا أبا حزام أن تأتينا؟ فقال: وما أصنع بإيتيانكم يا أمير المؤمنين إن أدنيتني فتنتني وإن أقصيتني أخزيتني. وكما لاحظنا أن النابغة الذبياني كاد ان يفقد حياته جراء تحقيق مطلب غريب من الحاكم أن يصف زوجته نجد أن الشاعر الكبير ابن  الرومي قد خسر حياته بالفعل من جراء طلب ونزوة أكثر غرابة من الخليفة المعتصم أن يهجوه. في حدثة يطول  سمع الخليفة أن ابن الرومي قد هجا وزيره القاسم بن عبيدالله لمداعبة حصلت بينهما ولذا دعا الخليفة ابن الرومي وقال له أهجني، فقال: الله الله من ذلك يا أمير المؤمنين كيف أهجو من مدحة الله ورسوله؟ فقال له المعتصم  هذا على سبيل المداعبة لأجل خاطر الوزير لا يغتاظ فامتنع من ذلك فألح عليه المعتصم. الحماقة التي وقع فيها ابن الرومي كما وقع فيها النابغة من قبله أنه (أخذ راحته) في الهجاء كما أخذ صاحبه من قبله راحته في الوصف ولهذا ذهل الخليفة وندمائه عندما سمعوا ابن الرومي يهجو الخليفة هجاء مقذع بقولة:
ملوك بني العباس في الأرض سبعة            ولم تأتينا عن ثامن لهم كتبُ
كذلك أهل الكهف سبعة                          كرام إذا عدوا وثامنهم كلبُ
فضحك المعتصم وأسرها في نفسه أن ينتقم منه لأنه شبهه بكلب أهل الكهف ولهذا يقال أن ابن الروم لم يغادر مجلس الخليفة تلك الليلة إلا وقد تم تصفيته بالسم الذي دس له في الطعام.
وفي الختام يصعب أن نغادر قبل أن نشير إلى الحماقات المتكررة من قبل شاعر العربية الأوحد أبي الطيب المتنبي في كسر قواعد وآداب السلوك في مخاطبة الملوك حيث تسول له طبيعة (الكبرياء والهوى) في شخصيته المغرورة إلا أن يمدح نفسه في كل قصيدة يلقيها أمام الملوك والامراء. ربما تعتبر قصيدة (واحر قلباه ممن قلبه شَبِمُ) إحدى أشهر قصائد المتنبي الرنانة وهي التي يذكر فيها أن الخيل والليل والبيداء تعرفه وأنه هو من نظر الأعمى إلى أدبه ولم تكفيه هذه المبالغة في مدح نفسه أكثر من مديح سيف الدولة حتى ألقى بيت القنبلة الصاعقة إذ يخاطب سيف الدولة وعلية القوم من رواد بلاطه بقوله الأخرق:
سيعلم الجمع ممن ضم مجلسنا       بأنني خير من تسعى به قدمُ
ولهذا لا عجب ولا غرابة أنه أثناء ما كان المتنبي يلقي قصيدته تلك كان منافسه الشاعر ابو فراس الحمداني يشوش عليه وهنا ضجر الأمير سيف الدولة من كثرة المناقشات بين المتنبي وأبن عمه أبي فراس الحمداني فما كان منه إلا أن قذف المتنبي بقارورة الحبر التي كانت امامه وشج راسه ليجعله عبره لمن يتعدى حدوده ويخرج عن الدور المفصل له بأن يكون نديم الملك وفرد حاشية السلطان.