الأربعاء، 11 ديسمبر 2024

( ناطحات السحاب بين هونغ كونغ وبرلين واختلاف الثقافات )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1446/2/6

 قمة التقدم المدني لليابان هي مدينة طوكيو بينما درة الرقي الحضاري للصين يتمثل في المدينة شبه المستقلة هونغ كونغ ومدينة شنغهاي، ولكن خلال الأيام الماضية وبالانتقال من طوكيو إلى هونغ كونغ ترسخ لي ملحوظة التباين الواضح بين البلدين من ناحية (الطراز المعماري والتخطيط العمراني). ففي حين أن هونغ كونغ أشبه بغابة من ناطحات السحاب المتشابكة يقارب عددها 600 ناطحة سحاب (المباني المرتفعة الأخرى في هونغ كونغ يزيد عددها عن ثمانية آلاف !!) بينما في المقابل نجد أن العاصمة اليابانية تفتقد ليس فقط لناطحات السحاب الشاهقة الطول mega-tall (أطول مبنى في اليابان ارتفاعه فقط 330 مترا) ولكن أيضا لا يوجد تجمع ملحوظ لناطحات السحاب في مختلف أرجاء طوكيو باستثناء تجمع ناطحات السحاب الموجودة في منطقة الحي المالي.

التفسير المنطقي والمباشر لانعدام ناطحات السحاب فائقة الطول في مدينة طوكيو بالمقارنة مع هونغ كونغ راجع بكل تأكيد لأن الجزر اليابانية تقع أصلا في منطقة زلازل نشطة ولذلك من الحكمة ألا يبنى بها ناطحات سحاب تكون عرضة للخطر. ومع ذلك قد يذهل القارئ الكريم عندما يعلم أنه مع مخاطر الزلازل في اليابان إلا أن منطقة طوكيو الكبرى (التي يقطنها حوالي 40 مليون نسمة) تحتوي على حوالي 200 ناطحة سحاب في حين أن جزيرة مانهاتن في نيويورك والتي كانت عبر التاريخ المعاصر تعد وتعتبر جنة وبؤرة تجمع ناطحات السحاب لا يوجد بها إلا 317 ناطحة سحاب فقط.

ما أود الوصول له هو حسب ما يظهر في عنوان المقال بأنه يوجد اختلاف جذري في ثقافة وفلسفة بناء ناطحات السحاب بين الدول الآسيوية والدول الغربية وإلى حد ما دول أمريكا الشمالية. تشير الإحصائيات إلى أن عدد ناطحات السحاب في القارة الآسيوية ربما يبلغ عددها 7500 ناطحة سحاب وهو ما نسبة 80% من المباني الشاهقة في العالم في حين أن عدد ناطحات السحاب في كامل القارة الأوروبية لا يزيد كثيرا عن 400 ناطحة سحاب وهو أقل من عدد ناطحات السحاب في مدينة دبي وحدها والتي بها 420 برجا شاهقا. وفي نفس السياق سوف نجد أن قائمة أطول 25 مبنى في العالم منها 23 ناطحة سحاب في قارة آسيا واثنتين في الولايات المتحدة وهذا يعني أن القارة العجوز الأوروبية ليس لها أي رصيد على الإطلاق في مسابقة أطول مبنى في العالم.

فيما يخص السياحة والسفر لي عادة قديمة تتمثل في القيام بتوثيق أسماء جميع الدول والمدن العالمية التي شاهدتها وتاريخ زيارتي لها ولذا أعلم عن يقين أنني زرت ولله الحمد 119 مدينة دولية كان منها 64 مدينة أوروبية ومن مشاهداتي المتعددة في القارة العجوز لا توجد مدينة أوروبية تستطيع أن تفخر بتميز وروعة خط الأفق العمراني لها urban skyline إلا مدينة فرانكفورت الألمانية. ونظرا لأن مدينة فرانكفورت هي عاصمة المال والأعمال في ألمانيا وحاضنة البنك المركزي الأوروبي ومقر ثاني أهم بورصة مالية أوروبية لذا لا غرابة أن تحتوي على عشرات المباني الشاهقة لكبرى المصارف والشركات الدولية ولهذا أصبح انعكاس ظلال أبراج الحي المالي على مياه نهر ماين في الليل له منظر مذهل. وبالمناسبة ففي بقية المدن الأوروبية الكبرى نجد تجمعات صغيرة نسبيا لناطحات السحاب خصوصا في منطقة الحي المالي لمدينة لندن وباريس وفيينا وموسكو، ولكن هذه المناطق في الغالب تقع في ضواحي وأطراف تلك المدن وليس في مركز المدينة كما جرت العادة في ظاهرة نقاط تجمع ناطحات السحاب.

 في المقابل نجد أن بعض المدن الأوروبية العريقة وخصوصا المواقع التاريخية الإيطالية مثل روما وفلورنسا أو العاصمة اليونانية أثينا تخلو تماما مراكز تلك المدن من أي أبراج سكنية مرتفعة فضلا عن ناطحات السحاب وهي الظاهرة التي نجدها كذلك تقريبا في العاصمة الإسبانية مدريد.  طبعا التبرير الذي يساق في تفسير (منع) بناء أي مبنى شاهق في هذه المدن أن سبب ذلك راجع لعراقتها التاريخية فالمدن الإيطالية هي مهد عصر النهضة والمباني حول تلة الأكروبوليس في وسط أثينا هي تجسيد للحضارة الإغريقية في حين أن مباني مدينة مدريد القديمة هي من الموروث التاريخي للإمبراطورية الإسبانية ذات التأثير الثقافي والديني الهائل على دول أمريكا اللاتينية. يقال إن المواقع والمنازل والآثار ذات الأهمية التاريخية في مدينة روما وحدها تبلغ حوالي 25 ألف موقع ولهذا في حال الرغبة في بناء ناطحات سحاب في تلك المدينة فإن ذلك يعني إزالة وتدمير عدد كبير من هذه الآثار التاريخية. وقد تكون هذه حجة مقبولة في تفسير التحفظ الكبير لدى الأوروبيين في عدم الرغبة في التوسع في بناء ناطحات السحاب ومع ذلك تشير التوقعات إلى أنه خلال الحرب العالمية الثانية تم تقريبا تدمير أو تخريب ما نسبته 20% من المباني التاريخية في المدن الأوروبية، بل إن بعض المدن تم سحقها وتسويتها بالأرض مثل مدينة دريسدن الألمانية وكوفنتري الإنجليزية وروتردام الهولندية ولينينغراد الروسية. من الناحية المبدئية كان التدمير الشامل لهذه المدن فرصة (وإن كانت موجعة وقاسية) لكي يتم إعادة تخطيط هذه المدن على الطراز الحديث ومن ثم بناء مبان عصرية شاهقة محل ركام الحرب، لكن فيما يتعلق بمدينة دريسدن وبحكم أنها عاصمة ولاية ساكسونيا العريقة تاريخيا وكنوع من العناد ومحاولة للانتقام للكرامة القومية تم إعادة مبانيها التاريخية باستخدام أجزاء كثيرة من نفس أحجار الركام المتهدم وبالتالي وسط تلك المدينة حافظ تقريبا على طابعه العام القديم قبل القصف الجوي البربري البريطاني والأمريكي. وبالجملة بسبب الوضع الاقتصادي المتردي لأغلب الدول الأوروبية مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية لم يكن من الأولويات على الإطلاق بناء أبراج معمارية شاهقة في تلك المدن بالرغم من الرخاء الاقتصادي النسبي لمدينة كوفنتري مع ازدهار صناعة السيارات فيها وكذلك مدينة روتردام الهولندية الملقبة ببوابة أوروبا بسبب أمتلكها لأحد أكبر الموانئ البحرية في العالم.

منذ عقود طويلة ودولة ألمانيا هي الأقوى اقتصاديا في القارة الأوروبية، والدول مثل الأشخاص لديهم متلازمة نفسية تتعلق بالتباهي واستعراض القوة السياسية والاقتصادية ومن ذلك بناء القصور الرئاسية الباذخة والمباني والأبراج الشاهقة. ومع ذلك نجد أن مدينة برلين حاليا لا يوجد بها ولا حتى ناطحة سحاب واحدة (في الزمن الحديث اتفق المعماريون على تعريف ناطحة السحاب بأنها أي مبنى يزيد طوله عن 150 مترا). وبحكم أنه نتيجة لتعرض مدينة برلين خلال الحرب العالمية الثانية لأكثر من 300 غارة جوية فيقال إن نصف المنازل في برلين قد دمرت وأن مجموع المناطق فيها الي تحولت إلى ركام يبلغ 16 كيلومترا مربعا. وعليه أغلب المباني والمنشآت في مدينة برلين حديثة نسبيا وليس لها تلك الهالة التاريخية مثل روما وفلورنسا فلماذا لم يقم الألمان بهدمها وإنشاء ناطحات سحاب تعكس التفوق المالي والتقني والصناعي للرايخ الألماني. البعض يحاول أن يعلل هذا النقص الفاضح في وجود مبان شاهقة في عاصمة الدولة الأغنى في أوروبا بأن طبيعة التربة في مدينة برلين لا تساعد على بناء ناطحات سحاب لأنها تربة رملية وهذا نكتة سمجة لأن التقنية والعلم تصنع المستحيلات فهذه مدينة دبي ذات التربة الرملية بها عدد ناطحات سحاب يفوق ما هو موجود في أوروبا كلها.

في الفترة الأخيرة بدأ الإعلان المتزايد عن التفكير في بناء مدن مصغرة تطفو فوق الماء وكذلك ناطحات سحاب جزء منها تحت سطح البحر والجزء مرتفع في السماء وبعيدا عن مباني المستقبل الغريبة هذه، نعود بالحديث إلى المدن الأوروبية العريقة التي تفتقر للمباني الشاهقة مثل مدينة البندقية الإيطالية والعاصمة الهولندية أمستردام والعاصمة السويدية ستوكهولم ومرة أخرى نجد التعليل أن هذه المدن العريقة هي في الواقع مدن قنوات مائية وجزر صغيرة متقاربة ومرتبطة ببعض ولهذا يصعب بناء ناطحات سحاب على تربتها الطينية اللزجة. قد يكون الرد على هذا الكسل في عدم الحماس لفكرة بناء ناطحات السحاب الأرض الطينية الإشارة إلى أن مدينة شنغهاي الصينية إحدى أشهر المدن في العالم بناطحات السحاب الأطول والأجمل (بها 192 ناطحة سحاب إحداها شبيه جدا ببرج المملكة) هي مبنية على الضفاف الطينية لنهر هوانغبو المتدفق. بل الأغرب من ذلك أن أطول ناطحة سحاب في القارة الأوروبية هي تلك المقامة في مدينة سانت بطرسبرج الروسية التي تتكون من 87 طابقا وترتفع في السماء إلى 462 مترا وبقي أن نقول إن مدينة سانت بطرسبرج كما هي معلوم مدينة قنوات مائية وأرضها طينية.

مشكلة الأرض الطينية والقنوات المائية ليس فقط هي ما قد تعيق بناء وتشييد ناطحات السحاب فمثلا مدينة يوكوهاما اليابانية قد تكون ثاني مدينة بعد العاصمة طوكيو تعرضا للزلازل المدمرة ومع ذلك عدد ناطحات السحاب المبنية بالفعل أو تحت الإنشاء يقارب عدد ناطحات السحاب في المنطقة المالية بمدينة لندن. ومدينة الزلازل الأمريكية سان فرانسيسكو القريبة من صدع سان أندرياس والذي يعتبر بؤرة الزلازل في أمريكا الشمالية ومع ذلك تلك المدينة المجزأة الأطراف بها حوالي 30 ناطحة سحاب شاهقة.

 بناء ناطحات السحاب بين الحاجة والبذخ

المقصود من السرد السابق لأماكن تواجد ناطحات السحاب في مواقع جغرافية وجيولوجية صعبة التضاريس بيان حالة التناقضات غير المنطقية فيما يتعلق بظاهرة بناء ناطحات السحاب في مختلف دول العالم. بل الأغرب من ذلك أن يوجد تفاوتا في تقبل ظاهرة بناء ناطحات السحاب حتى للأسباب الداعية لها أصلا ومن ذلك أن البعض يبرر الكثرة الطاغية لأعداد ناطحات السحاب في القارة الآسيوية بسبب الكثافة العالية للسكان في البلدان الآسيوية ولهذا كان الحل العملي والمنطقي عند شح الأرضي المتوفرة للبناء أن يتم التوسع في إنشاء ناطحات السحاب. ومع ذلك هذا الحل المنطقي غائب تماما عن العاصمة الهندية نيودلهي فبالرغم من أن الهند حاليا هي أكثر دولة في العالم فيما يتعلق بعدد السكان (قبل عدة شهور تخطت الهند الصين ونالت ذلك اللقب) وهي كذلك خامس أكبر دولة في العالم من ناحية القوة الاقتصادية وبالرغم من أن عدد سكان العاصمة نيو دلهي يبلغ حوالي 34 مليون نسمة ومع ذلك لا توجد بها أي ناطحة سحاب واحدة وفي الواقع أطول مبنى فيها هو برج التلفزيون وعمارة سكنية يصل طولها فقط لحوالي 60 مترا.

ذكرنا أن من المسوغات المنطقية لبناء ناطحات السحاب أن تكون الدولة أو الشركات أو الأفراد على درجة عالية من الثراء ولهذا من الغريب أن تكون عاصمة الهند دون ناطحات السحاب وهي حاليا قوة اقتصادية عالمية هائلة وفي المقابل نجد أن من التناقضات الملموسة أن تقوم جمهورية مصر العربية وهي في أزمة اقتصادية خانقة ببناء أطول ناطحة سحاب في قارة أفريقيا. ناطحة السحاب المصرية في العاصمة الإدارية تحمل اسم (البرج الأيقوني) ومن المتوقع أن ترتفع لمسافة شاهقة تلامس 400 مترا وبالمقارنة فإن أطول ناطحة سحاب في الرياض (برج صندوق الاستثمارات العامة) طولها 385 مترا. والأغرب من ذلك أنه الآن يتم إنشاء ناطحة سحاب في بلد فقير هو بنغلاديش والتي تشهد عاصمتها دكا تشييد ناطحة سحاب من المتوقع أن يصل طولها الكلي حوالي 473 متر وهي كذلك سوف تحظى باسم مميز (برج الإرث Legacy Tower).

وعلى ذكر الإرث والتراث والافتخار به نختم بمفارقة طريفة فيما يتعلق بمنع بناء ناطحات السحاب في العواصم الأوروبية بسبب كثافة المباني التراثية ذات التاريخ العريق فيها ومحاولة ليس فقط الحد من إزالة المعالم التاريخية، ولكن كذلك سن القوانين التي تمنع بناء أبراج شاهقة تحجب مشاهدة تلك المعالم التاريخية. يفتخر الإنجليز بإرثهم الحضاري المتمثل في كاتدرائية القديس بولس في لندن والتي بسبب مبناها الضخم والمرتفع لذا يمكن مشاهدتها من مسافات بعيدة من جميع أحياء وشوارع لندن ولهذا قامت بلدية لندن بتحديد ثمانية ممرات بصرية عبر المدينة التي ينبغي ألا يشيد بها أي مبان تتسبب في إعاقة مشاهدة تلك الكاتدرائية. ولهذا العديد من ناطحات السحاب الحديثة التي بنيت في مدينة لندن تم تغيير تصميمها الأساسي حتى يتوافق مع قانون منع حجب مشاهدة كاتدرائية القديس بولس، ولكن المشكلة أن إحدى ناطحات السحاب اللندنية تم تخفيض طولها وتغير شكل قمتها حتى لا تحجب المنظور البصري مما أفرز في النهاية ناطحة سحاب قبيحة الشكل أصبحت تسمى من باب السخرية بـ (مبنى الووكي توكي walkie talkie) تشبيها لها بجهاز الاتصال اللاسلكي القديم. التناقض هنا أن بلدية لندن وهي تحرص على أحقية سكان وسط العاصمة بالتمتع بجمال المنظر العمراني والتاريخي والديني للكاتدرائية إلا أن تلك البلدية تسببت بشكل غير مقصود في اضطرار المهندسين المعماريين لتصميم وتشييد ناطحات سحاب قبيحة وشاذة المنظر وهي وإن لم تكن مثالا على (العمارة المتوحشة) كما يشعر بعض اللندنيين فهي بالقطع مثل لتيار وموجة (العمارة القبيحة).


 

( اليابان أرض الجراندايزر ومملكة الروبوت )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1446/1/28

 ما زالت ذاكرة الطفولة تختزن شعور الانبهار الساذج بشخصية مسلسل الرسوم المتحركة (مغامرات الفضاء .. يوفو - جراندايزر) وبسبب الشعبية الجارفة في مطلع الثمانينيات في كل العالم العربي لهذه الشخصية الكرتونية (أو بالأصح شخصية الأنمي) توقعت عندما زرت جناح دولة اليابان في منطقة البوليفارد وورلد وشاهدت ذلك المجسم الضخم للجراندايزر أن الأمر فقط من باب التسويق للجناح الياباني من خلال توظيف عشق جيل الطيبين ومن بعدهم لذلك المسلسل الكرتوني. ما تبين لي لاحقا أن ذلك المجسم المعدني الضخم للرجل الآلي الجراندايزر والبالغ طوله 34 مترا هو في الواقع أكبر مجسم في العالم لشخصية مستوحاة من الخيال العلمية وفن الرسوم المتحركة ويبدو أن عشق العرب لهذه الشخصية الكرتونية ولهذا الروبوت الفضائي الضخم UFO Robot تسبب في الفترة الأخيرة في تجدد الاهتمام به فجأة  في بلده الأصلي (اليابان) بعد أن كاد يُنسى.

في الواقع في صيف العام الماضي تم الإعلان بشكل رسمي في مدينة طوكيو بأنه سوف تتم إذاعة سلسلة جديدة من مغامرات جراندايزر وقد تم ذلك في حفل كبير حضره السيد قو ناقاي مؤلف ومخترع شخصية جراندايزر وعدد من الممثلين اليابانيين القدامى الذي قدموا شخصيات مسلسل جراندايزر عنما تم بثها باللغة اليابانية لأول مرة في عام 1975 ميلادي. هذا الاحتفال والإعلان عن استئناف مسلسلات أفلام الكرتون لجراندايزر حصل في منطقة أكيهابارا في قلب مدينة طوكيو والتي تشتهر بلقب (جنة الأنمي) وكذلك لقب (أرض العجائب الإلكترونية) حيث إنها مركز بيع منتجات أعمال القصص المصورة اليابانية كما أنها الموقع المفضل لشراء المنتجات الإلكترونية واستعراض أحدث التكنولوجيا اليابانية. بقي أن نقول إنه قبل شهر بالضبط ومع مطلع شهر يوليو بدأت مجموعة قنوات MBC في دبلجة وبث الحلقات الجديدة من مسلسل رسوم الكرتون لأطفال الجيل الجديد (جريندايزر يو) وبحكم أن هذه النسخة الجديدة من هذا المسلسل هي بالشراكة مع شركة مانجا السعودية ولهذا أحداث الحقلة الأولى بدأت ليس من سفح جبل فوجي كما في النسخة الأصلية قبل نصف قرن، ولكن بدأت بسقوط الجراندايزر فوق رمال الصحراء في أطراف مدينة الرياض.

على كل حال وبحكم أنني هذه الأيام في زيارة سياحية مع أسرتي لدولة اليابان كان من فقرات البرنامج السياحي لنا زيارة مركز ثقافة رسومات الأنمي والمانجا في وسط العاصمة طوكيو وبالتحديد: حي الأنمي أو مدينة أكيهابارا الكهربائية. ربما يكون لشعب الياباني أحد أكثر الشعوب المحبوبة على مستوى العالم وأحد أسباب (القوة الناعمة) للحضارة والثقافة اليابانية التي كانت وسيلة التعارف والتواصل بين أهل اليابان وبقية شعوب العالم هي فن الرسوم اليابانية التي غزت وتغزو كل بيت. والمانغا manga هي نوع من الرسومات الذي يستخدمه اليابانيون في إنتاج قصص الأطفال المصورة وهذا النمط من فنون الرسم الياباني ظهر منذ القرن التاسع عشر. ومنذ العقود الأخيرة أصبحت قصص المانجا واسعة الانتشار في العالم كله لدرجة أنها من بعد عام 2010 ميلادي أصبحت تفوق في التوزيع والبيع تلك الأعداد من القصص المصورة الأمريكية (American comics).

ومن قصص المانغا الورقية ننتقل إلى أفلام الأنمي وحلقات الرسوم المتحركة اليابانية المعروفة باسم الأنمي (كلمة anime المستخدمة في اللغة اليابانية هي في الأصل اختصار للكلمة الإنجليزية Animation بمعنى الرسوم المتحركة) وفي الغالب كثير ما تكون مواضيع مسلسلات الأنمي هي في الأصل قصص مانغا تم تطويرها وإعادة إنتاجها في شكل أنمي. تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة مسلسلات الأنمى بدأ زخمها بتدفق كاسح منذ مطلع السبعينيات من القرن العشرين علما بأن مسلسل أفلام الكارتون جراندايزر أنتج في عام 1975م ودبلج للغة العربية بعد ذلك بحوالي أربع سنوات. الجدير بالذكر أن الشركة المنتجة لمسلسل الأطفال جيرندايزر هي أستوديوهات توي Toei Animation والتي هي أكبر وأعرق شركات إنتاج الرسوم المتحركة اليابانية. وما يهم السائح أن لهذه لشركة متحف خاص بها موقعه في حي نيريما في شمال طوكيو وليس بعيدا عنها يوجد متحف آخر لشركة إنتاج الرسوم المتحركة جبلي Ghibli وهي الشركة التي أنتجت روائع الطفولة الخالدة مثل مسلسلات السندباد وعدنان ولينا وهايدي وزينة ونحول. وعلى ذكر المتاحف الياباني المخصصة للرسوم المتحركة الأنمي ولعشاق شخصية جيراندايزر ربما أفضل مكان ينصح بزيارته هو المتحف الخاص بالرسام الياباني قو ناقاي Go Nagai مخترع شخصية جيراندايزر والذي له متحف صغير في مدينة واجيما شمال طوكيو والتي ولد فيها. وفي هذا المتحف يمكن مشاهدة رسومات ومجسمات شخصية جيراندايزر المحبوبة لدينا والشخصية الكرتونية الأقدم منها والمسماة مازنجر Mazinger Z والتي هي مشهورة ومحبوبة أكثر في اليابان.

 الروبوت الياباني من أرض الخيال إلى أرض الواقع

كثيرة هي الألقاب التي أطلقت على بلاد اليابان ومن ذلك مثلا: أرض الشمس المشرقة أو أرض الزلازل أو أرض الساموراي أو أرض النينجا وأرض الكاميكازي (الهجمات الانتحارية) وطبعا بلا شك هي كذلك أرض الكمبيوتر وأرض الروبوتات. وبمعاودة الحديث عن فنون الكتابة والرسم ممثلة في قصص المانجا وحلقات مسلسلات الأنمي ومحاولة ربطها بالتقنية والتطور العلمي في اليابان من المعروف أن أغلب مواضيع قصص المانجا تدور عن البطولة والمغامرات والشجاعة والصراع لأجل الخير. ومن هنا يمكن أن نتفهم أحد أسباب الشعبية الواسعة لمسلسل الأطفال جراندايزر حيث إنه بصورة ما نجح في المزاوجة بين بطولة ومغامرات مقاتل الساموراي أو النينجا وبين عجائب التقدم العلمي ممثل في (الرجل الآلي) أو الروبوت والذي يمثله الجراندايزر خير تمثيل.

وهذا يقودنا للحديث عن الأعجوبة الأبرز لأرض اليابان وهي تميزها في مجال الاختراعات العلمية والتقنية المتقدمة وبالخصوص في مجال الروبوت. وبمناسبة مبتدأ حديثنا عن جراندايزر تجدر الإشارة إلى العنوان الأساسي لهذا المسلسل بعد ترجمته من اللغة اليابانية إلى الإنجليزية هو (UFO Robot Grendizer) والتي يمكن تعريبها إلى (جراندايزر الروبوت الفضائي). وكما هو معلوم لجيل الطيبين بالذات أن جراندايزر هو في الواقع رجل آلي ضخم وفي القصة الأصلية أنه روبوت متطور جدا تم تصنيعه في كوكب فليد لكي يصبح تجسيد ميكانيكي لمقاتل أسطوري لدى شعب كوكب فليد. وبحكم أن جراندايزر هو في الواقع (جهاز) فلهذا هو يحتاج إلى طاقة مصدرها حسب القصة الأصلية مفاعل ضوئي بتقنية الكوانتم حيث تبلغ مقدار طاقته حوالي مليوني حصان وهو مصنوع من سبائك المعادن الفضائية وبهذه الطاقة الكبيرة يستطيع الجري بسرعة 700 كيلومتر في الساعة وكذلك القفز لارتفاع 350 مترا في السماء. أما من ناحية حجمه فيبلع ارتفاع جراندايزر 30 مترا (بالمناسبة ارتفاع جراندايزر الذي عرض في الرياض 34 مترا) ووزنه 280 طنا.

هذا ما كان من جهاز الروبوت الخيالي المصنع في (كوكب فليد) أما على أرض الواقع وبالتحديد في (كوكب اليابان) فقد أعلن قبل فترة قصيرة عن أكبر روبوت ورجل آلي متحرك ومتنقل ويحمل اسم (Archax) والذي بلغت تكلفة تصنيعه حوالي 3 ملايين دولار وأنتجته شركة Tsubame اليابانية المتخصصة في تصنيع الروبوتات الضخمة الشبيهة بالإنسان (humanoid robots). وفي حين أن جيرندايزر كان يبلغ طوله 30 مترا فإن هذا الرجل الآلي الياباني يعتبر قزم لأنه ارتفاعه بالكاد يزيد عن ثلاثة أمتار ووزنه فقط ثلاثة ونصف طن ومع ذلك هذه الآلة الميكانيكية المتحركة هي في الواقع أشبه بلعبة كبيرة باهظه الثمن منها بجهاز تقني له فائدة حقيقة. الرجل الآلي Archax هو نوع من المركبات المتحولة Transformer والتي ظهرت في مسلسلات الرسوم المتحركة للأطفال حيث مجموعة من الروبوتات الفضائية تهبط على كوكب الأرض وتتخفى على هيئة سيارات عادية. ومن هنا كان من الملائم والمنطق أن يعرض الرجل الآلي Archax لأول مرة في معرض طوكيو للسيارات (تغير اسمه إلى معرض اليابان للتنقل) المطل على خليج طوكيو وهو موقع ضخم للمعارض ومركز مؤتمرات تقام فيه العديد من الفعاليات الجاذبة للسياح والجمهور بشكل عام.

سبق أن أشرنا إلى أن جراندايزر يستطيع السير بسرعة 700 كيلومتر في الساعة وبحكم أن التقنية متقدمة كثيرا في كوكب فليد الخيالي خلاف ما هو الحال في أرض الواقع في كوكب اليابان لذا لا غرابة أن نعلم أن سرعة الرجل الآلي المتحول Archax هي فقط 2 كيلومتر في الساعة ومع ذلك هو جهاز متنقل وله قدرة أكثر على الحركة من نظيرة الروبوت الأكبر والأضخم في اليابان (Gundam). بالنسبة لنا في المنطقة العربية فإن الرجل الآلي جراندايزر له شهرة طاغية منذ أن ظهر في أواخر السبعينيات من القرن العشرين، ولكن بالنسبة لليابانيين فالشهرة عندهم أكثر للنسخة القديمة من جراندايزر التي اسمها (مازنجر زد) وفي نفس الفترة تقريبا ظهرت القصص المصورة مانغا ومسلسلات الأنمي لشخصية الرجل الآلي الضخم المتحول قاندام وهو مرة أخرى أشبه بروبوت ميكانيكي ضخم يمكن أن يتخفى في هيئة سيارة تقليدية. ونظرا للشعبية الطاغية لقاندام في اليابان تم في عام 2020م تصنيع روبوت متحرك له بلغ طوله حوالي 18 مترا (الارتفاع الفعلي كما في القصة الأصلية) ووزنه حوالي 25 طنا، ولكن للأسف هو فقط يستطيع أن يحرك يديه ورأسه بل وأن ينحني على ركبته ولكنه لا يستطيع المشي أو التنقل الفعلي ولذا سرعته في الحقيقة صفرا. في الواقع حتى أشهر قليلة كان يمكن مشاهدة هذا الرجل الآلي الضخم لقاندام بالقرب من كورنيش مدينة يوكوهاما وبالرغم من سهولة التنقل خلال نصف ساعة بالقطار من طوكيو إلى يوكوهاما ومع ذلك لزوار مدينة طوكيو يمكن مشاهدة وأخذ لقطات صور السلفي مع مجسم آخر ضخم لروبوت قاندام وذلك أمام مول طوكيو بلازا. المنطقة التي يوجد بها التمثال الضخم للرجل الآلي قاندام مذهلة للأطفال فغير بعيد عنها توجد (طوكيو دزني لاند) ومدينة الألعاب (طوكيو كيدزانيا) الشهيرة أو ربما تكتفي الأسرة بالحرص على مشاهدة مجسم قاندام الضخمة وهو يتحول transform من شكل المقاتل المنتصب القائم إلى شكل مركبة قتال مدرعة ولكن هذا يتطلب التواجد أمام التمثال والمول التجاري في أوقات محددة من النهار.

 اليابان ومدن ألعاب (عالم الروبوتوبيا)

وبمناسبة ذكر مدن الألعاب وحدائق الملاهي فكما هو معلوم لأغلبها أسلوبها الخاص وسمتها theme المميزة ومن ذلك نجد أن بعض الحدائق الملاهي الترفيهية theme parks في اليابان اتخذت من عشق وتعلق الشعب الياباني للأجهزة الرجل الآلي والروبرت (ثيمتها) وأسلوبها الخاص في طريقة الترفيه الذي تقدمه للزوار. من الأسماء العريقة لليابان أنها (أرض الشمس المشرقةRising Sun ) ونظرا أن من مرادفات كلمة Rising الصعود والنهضة وبحكم التطور الكبير في مجال تطوير وصناعة أجهزة الروبوتات في اليابان لهذا أصبحت في العقود الزمنية الأخيرة تحمل لقب (أرض الروبوتات الصاعدة Rising Robots). ومن ذلك أيضا أن البعض بكل بساطة يلقب اليابان بأنها (مملكة الروبوت Robot Kingdom) وهذا بالضبط اسم أحدث المدن الترفيهي التي افتتحت حديثا في مدينة ناجازاكي اليابانية وهي منطقة ترفيهه تحمل اسم (مملكة الروبوت). في الواقع حصلت ضجة كبيرة في اليابان عام 1988م عندما نشر كتاب حمل عنوان (داخل مملكة الروبوت) يناقش مستقبل تطور تقنية الروبوتات وعلاقتها بالمجتمع الياباني ومن ذلك تنامي ظاهرة استخدام الروبوت في جميع مناحي الحياة. تجدر الإشارة إلى أنه في السابق كان استشراف المستقبل له مسارين أساسيين إما أن حياة البشر سوف تتحسن لدرجة أن نصل لحالة المدينة الفاضلة (يوتوبيا) أو العكس تماما سوف تزداد الحرب والدمار ونصل لحالة المدينة الخراب والفساد (الديستوبيا) بينما أصحاب المسار الثالث يتخيلون عالما تسيطر عليه الآلة والروبوت أي عالم الروبوتوبيا (Robotopia). في الحضارة الغربية الأوروبية غالبا ما ينظر لتنانين قديما وللروبوت حديثا بأنها أشياء مخيفة ويغلب عليها الشر بينما العكس تماما في الحضارة الشرقية ففي الصين ينظر للتنين أنه صديق للبشر وكذلك ينظر اليابانيون حاليا لجهاز الروبوت أنه جهاز لطيف ومفيد ولهذا يصنعونه ويصممونه في أشكال جميلة ولطيفة ومحببة.

على كل حال فيما يخص فكرة أن المستقبل سوف تسيطر عليه أجهزة الروبوت اللطيفة والصديقة للبشر فقد التقطت هذه الفكرة شركة يابانية وقامت بافتتاح مدينة ترفيهية تحمل اسم (مملكة الروبوت) مقامة في مدينة نجازاكي كما سبق ذكره وهي في الواقع أشبه بمنتج سياحي يتقابل فيه الزائر مع حوالي 200 جهاز روبرت لطيفة الشكل الشبيه بالإنسان (humanoid robot). وأهم الأماكن التي ينصح بزيارتها في مملكة الروبوت هذه هي زيارة مطعم الروبوت حيث يمكن أن تشاهد الطباخ الآلي وهو يحضر لك طبق البانكيك أو كوكتيل العصير في حين أن روبوت لطيف آخر (الساقي أو الجرسون) هو من يقوم بخدمة الزبائن. وقبل عدة سنوات تناقلت وسائل الإعلام عن افتتاح (فندق الروبوت) في نفس ذلك المكان أي منتزه مملكة الروورت وهنا سوف لن تجد أي عنصر بشري يخدمك فالجميع بداية من موظف الاستقبال إلى حامل الحقائب ومنظفة الغرف كلهم من أجهزة الروبوت شبيه البشر (الهيومانويد أو الأندرويد) اللطيفة.

قد لا تكون اليابان هل الدولة الأولى في العالم في عدد الروبوتات التي لديها (يوجد 250 ألف روبوت تشتغل في المصانع اليابانية بالمقارنة مع 300 ألف روبوت في مصانع كوريا الجنوبية) ومع ذلك الشعب الياباني هو أكثر شعوب الأرض ارتباطا وعشقا للروبوتات التي توجد في البيوت في هيئة حيوانات أليفة ميكانيكية مثل الكلب الآلي أيبو من إنتاج شركة سوني. وفي السنوات الأخيرة بدأت تظهر في الأسواق مجموعة من الروبوتات شديدة الشبه بالإنسان المسماة بالأندرويد ومن أشهرها السيدة اليابانية الألية أكترويد Actroid ونظيرتها الأكثر شهرة الروبوت صوفيا.

وفي الختام وبعد هذه السياحة والتطواف في أبرز معالم الحضارة والثقافة اليابانية المعاصرة فيما يتعلق بالقصص المصورة المانجا ومسلسلات أنمي الأطفال وما يرتبط ذلك بعالم الروبوتات لذا ننصح الزائر لمدينة طوكيو أن يتوجه لحي أكيهابارا فبحكم كون هذه المنطقة هي (جنة الأنمي). فيمكن من هذا الموقع السياحي أن تشتري مجلة مصورة لآخر مغامرات جراندايزر وبحكم أن ذلك الحي يعرف كذلك بلقب (أرض العجائب الإلكترونية) فيمكن منه تشتري مجسم أو لعبة متحركة لجراندايزر أو بدلا من ذلك لعله من الأفضل أن تقتني نسخة معقولة السعر من الكلب الآلي اللطيف آيبو.


 

السبت، 27 يوليو 2024

( عندما تخذل التقنية البشر )

  

د/ أحمد بن حامد الغامدي

قبل عقدين من الزمن أتهم الكيميائي الأمريكي روالد هوفمان (الحاصل على جائزة نوبل في عام 1981م) وسائل الإعلام بأنها تشن حملة ظالمة ضد الكيمياء بتصويرها بأنها خطرة وملوثة و (مملة) ولهذا أخذ على عاتقة تأليف كتاب عن الجوانب الشيقة للكيمياء. صحيح أنني قرأت كتاب روالد هوفمان (the same and not the same) وبالرغم من فائدته الكبيرة لي إلا أن أحد أجمل وأكثر الكتب الكيميائية التي قرأتها تشويقا كان كتابا يحمل عنون (أزرار نابليون: كيف غير 17 مركبا كيميائي التاريخ) وبالمناسبة على الغلاف الخارجي لهذا الكتاب يوجد إطراء من روالد هوفمان على الكتاب. فكرة عنوان ذلك الكتاب (أزرار نابليون) تشير لمفهوم شائع في التاريخ البشري أن بعض الأحداث السياسية والعسكرية يمكن أن تتغير بشكل جذري بسبب خلل بسيط، وخذ على ذلك مثال غزو نابليون الشهير لروسيا في فترة الشتاء وهزيمته المنكرة وكيف أنها ربما ما كانت لتحدث لو أن قادة الجيش الفرنسي اختاروا النوع الملائم من أزرار المعاطف المقاوم للبرد.

بشيء من المبالغة تفترض المؤلفة الكندية بيني لي كوتور أن الجيش الفرنسي الكبير عندما تزامن غزوه لروسيا مع شتاء عام 1812م تسبب البرد الروسي القارص في تفتت وتكسر أزرار المعاطف والسراويل المصنوعة من عنصر القصدير بدلا من الحديد أو النحاس أو حتى العظام. ونتيجة لتعرض الجنود الفرنسيين للبرد الشديد بسبب عدم كفاءة معاطفهم في تدفئتهم حصلت هزيمة نابليون المذلة وتغير التاريخ بشكل كبير. ذلك الخلل التقني البسيط المتمثل في صناعة الأزرار من معدن غير مناسب للصقيع يلخص كيف أن التقنية الصناعية عندما تفشل حتى ولو في مستوياتها الدنيا يمكن أن تسبب في معاناة كبيرة للبشرية جمعاء. وكلنا شاهدنا وعاصرنا هذا الأسبوع حالة الإرباك والفوضى والقلق التي انتشرت في مختلف بقاع الأرض بسبب الخلل التقني الذي نتج عن واقعة بسيطة مثل تحديث أحد برامج الحماية في مجال الأمن السيبراني مما نتج عنه تعطل عمل البرامج الحاسوبية في قطاعات حساسة مثل البنوك والمستشفيات وشركات الاتصالات بل وحتى القنوات الفضائية.

ومع تلك التغطية الإعلامية والفضائية بل وحتى تغطية وسائل التواصل الاجتماعي لآثار هذا العطل التقني كانت تركز بشكل أساسي على صور ومظاهر تكدس الركاب والمسافرين في صالات المطارات بعد الخلل الفني الذي أصاب الشبكات الإلكترونية لشركات الطيران العالمية. في الواقع قطاع الطيران والسياحة والسفر شديد الحساسية لأي مشاكل تقنية أو فنية لأن هذا القطاع بالذات قائم على نظام (الحجوزات المبكرة) ونظام العمل المتسلسل والمتوالي فأي لخبطة في أي مرحلة سرعان ما تتراكم المشاكل وتتداخل وهذا يلخص مأساة أنه (عندما تفشل التقنية فإن البشرية هي من تعاني). في مطلع عام 1995م تم افتتاح مطار مدينة دينفر عاصمة ولاية كولورادو الأمريكية والذي كان في ذلك الوقت أحد أكبر وأحدث المطارات في العالم وبعد سنوات من التأخر في تشغيل المطار وبالرغم من بلايين الدولارات التي صرفت عليه كان حفل التدشين للمطار فضيحة عالمية كاملة. والسبب في ذلك حصول خلل واحد فقط في أحد أنظمة المطار المعقدة جدا والمتداخلة والذي سبب ربكة كاملة لعملية تشغيل المطار وذلك لأن النظام الجديد لنقل حقائب الركاب لم يتم تصميم شبكته الإلكترونية بشكل سليم مما جعل حقائب السفر تتساقط من فوق السير المتحرك مما أدى إلى بعثرة ملابس المسافرين أمام كاميرات الصحفيين ومراسلي القنوات الفضائية.

في الواقع قبل حوالي سنتين وبعد تشغيل الصالات الجديدة لمطار الملك عبدالعزيز بجدة حصل بعد موسم رمضان من عام 1444هـ ربكة كبيرة أستمرت لمدة أسبوع وفي حينها كتب مقال بعنوان (دراما السفر .. مطارات تتهاوى) حشدت فيه أمثلة متعددة عبر التاريخ والجغرافيا لمشاكل محرجة حصلت في أحدث وأشهر المطارات الدولية مثل مطار لندن ومطار برلين. وفي الغالب هذه المشاكل التقنية في تشغيل هذه المطارات الكبرى يجمعها قاسم مشترك واحد أنه (خلل فني في نظام الحواسيب). وهذا يقودني لتذكر مقالة قرأتها أثناء سنوات البعثة في عام 1998م في الكتاب الرائع لعالم الفيزياء الأمريكي المعاصر جيمس تريفيل والذي كان عنوانه الرئيس (101 شيء لا تعرفه عن العلم) وعنوانه الفرعي (ولا يعرفه أحد أيضاً). وفكرة الكتاب طرح سؤال أو فكرة عن موضوع غريب في العلم والتقنية هو موضوع ناقش وبحث لم يحسم بعد ومن ذلك تلك الفقرة رقم 98 من الكتاب والتي كان عنوانها (لماذا ما زلنا نواجه أزمات مستمرة مع البرمجيات). وفي الواقع افتتاحية هذه الفقرة تناقش مشكلة مطار دينفر سالفة الذكر مع الخلل التقني في نظام نقل حقائب السفر وما سبب ذلك من مشاكل للركاب وخسائر مالية. والمقصود أن المشاكل المرتبطة بالخلل في نظام الحواسيب والبرمجيات قديمة ومتكررة وكذلك مزعجة ومحرجة لأن التقنية كانت وما زالت عندما تفشل تسبب خذلان خطير يؤثر على البشر. بقي أن نقول إن الفقرة الأخيرة في ذلك الكتاب (101 شيء لا تعرفه عن العلم) المنشور عام 1996م كانت تحمل سؤال (هل سينتهي العالم في اليوم الأول من شهر يناير لعام 2000). وهذا يشير إلى العلماء ومنذ سنوات عديدة قد تنبهوا لما كان يسمى (مشكلة عام 2000 أو Y2K bug) ولهذا دار الجدل منذ البداية عن أي مدى يمكن أن تتسبب تلك المشكلة في تقنية برمجة الحاسب في ضرر كبير للبشرية مع الساعات الأولى من مطلع القرن الميلادي الجديد. صحيح أننا نعلم الآن الجواب على هذا السؤال وهو أنه ولله الحمد لم يحصل أي ضرر ملموس من دودة عام ألفين Y2K bug باستثناء عشرات المليارات من الدولارات التي أنفقت لتفادي هذا (الخلل في نظام الحواسيب) وكذلك القلق النفسي من (خذلان التقنية للبشرية) مع بداية عام ألفين. 

الخراب والهلاك في عالم الديجتال

بمناسبة الإشارة في الفقرة السابقة لسيناريو نهاية العالم يجدر التنويه أنه يوجد في الغرب العديد من مراكز الأبحاث المتخصصة في وضع التصورات والنظريات والحلول للأخطار الكبرى التي سوف تواجها البشرية في المستقبل القريب والبعيد . ومن ذلك معهد مستقبل الإنسانية الموجود بجامعة أكسفورد البريطانية والذي يديره العالم والفيلسوف السويدي نيك بوستروم والذي وضع فرضية (العالم المعرض للخطر) ويقصد بها أن الحضارة البشرية يمكن أن يحصل لها ضرر هائل بسبب أن تقنية ما قد تخرج عن السيطرة وتتسبب في تدمير العالم من حولنا. وقريبا ما ذلك ما توصلت له دراسات وأبحاث مركز المخاطر الوجودية الذي تحتضنه جامعة كامبريدج البريطانية والذي بدوره هو الآخر توصل لنظرية مشابهة لها عنوان غريب هو (البطاقات التقنية الجامحة .. المخاطر الوجودية والإنسانية المتغيرة). وعلى كل حال، ما تطرحه نظريات علم المستقبل أن بعض الأحداث نادرة الوقوع يمكن أن يكون لها تأثير هائل وما أستجد في السنوات الأخيرة أنه بعد ما كانت موجة التحذير عالية وصاخبة نحو خطورة الأسلحة النووية والمفاعلات الذرية أو انفلات السيطرة على الفيروسات المحورة وراثيا أو التداعيات الأخلاقية والقانونية لأبحاث الاستنساخ أو الجينوم أو حتى الأخطار المجلوبة من عالم الخيال العلمي مثل غزو الفضائيين أو سيطرة الروبوتات، بعد هذا كله أصبح القلق يتركز أكثر وأكثر على آثار خلل التقنية في مجال البرمجيات والخوارزميات وبالذات أخطار انفلات (الذكاء الاصطناعي).

في السابق كان الرهاب من التقنية (تيكنوفوبيا) بل وحتى القلق من التقنية أمرا نادرا وغير مبرر لدرجة أنه كان يعتبر (اضطراب نفسي) يحتاج للعلاج، ومع ذلك في الزمن الحديث تزايدت وتصاعدت (مسوغات) القلق من (فشل) التقنية وأنها بالفعل قد تسبب الضرر على البشر كأفراد ومجتمعات. ولهذا تحول مفهوم (القلق من التقنية الرقمية Digital Anxiety) من مجرد التوتر والانزعاج من الفشل من التعامل مع الأجهزة الحاسوبية أو شبكة الأنترنت إلى مفهوم أكثر تعقيدا وأشد خطورة وهو أن التقنية الرقمية يمكن أن ينجم عنها مخاطر جسدية ونفسية ومالية حادة. في نهاية التسعينيات من القرن العشرين وعندما بدأ أفراد جيل الطييبين يتعرفون على الهواتف المتنقلة وعلى كيفية الاتصال بشبكة الأنترنت كانت (قلاقل) التقنية محدودة نسبيا مقارنة بالسنوات الأخيرة عندما أصبح يتم تحذير ذلك الجيل أنه بسبب أميته الرقمية قد يقع في كارثة (الاحتيال الرقمي) الذي قد يسطو على رصيده المالي في البنك. في العام الماضي فقط أفصحت لجنة التجارة الفيدرالية أنه في الولايات المتحدة وحدها بلغت الخسائر والمسروقات المالية من جراء الاحتيال الرقمي عبر شبكة الأنترنت مبلغ مهولا يصل لحوالي عشرة بلايين دولار.

مخاطر ومخاوف ومآسي (عالم الديجتال) لا تقف عن سرقة المدخرات المالية للأفراد بل قد يتعدى خطرها مراحل أخطر من ذلك بكثير وهذا ما يشمل ما يسمى (الهجوم السيبراني Cyperattack). وفي الواقع هذا الهجوم الإلكتروني في أخطر مستوياته يهدف إلى تدمير وتخريب شبكات وأنظمة المعلومات الرقمية للجهات الحكومية أو الشركات التجارية والمالية ولهذا لا غرابة أن يطلق على هذا النوع من الجرائم العابرة للقارات مصطلح (الإرهاب الإلكتروني). وفي يوم الجمعة الماضي ومع الساعات الأولى من حادثة الخلل الفني للشبكات وأجهزة الكمبيوتر في العديد من الدول الغربية والذي وصف بأنه (أسوأ خللا تقنيا في التاريخ) اتجهت أصابع الاتهام مباشرة نحو دولة روسيا بأنها قامت بتنفيذ (حرب سيبرانية Cyperwarfare) ضد دول حلف الأطلسي كردة فعل للحرب الأوكرانية. وفي هذا السياق يجدر أن نشير إلى أنه في العام الماضي قامت مجموعة من الهاكر الروس بالتسلل إلى أنظمة شبكة الاتصالات الأوكرانية ومحاولة تعطيلها. وقبل عدة أشهر فقط نشر فريق بحثي من جامعة أكسفورد قائمة لأكثر الدول الخطرة التي تستخدم السلاح الرقمي في الهجوم السيبراني على الدول والشركات والأفراد ووفق (المؤشر الدولي للجرائم السيبرانية) فإن دولة روسيا الاتحادية هي على رأس القائمة في جرائم المعلوماتية وتليها أوكرانيا ثم الصين ثم أمريكا ثم نيجيريا والمفاجأة أن بريطانيا نفسها جاءت في المرتبة الثامنة من قائمة العار هذه !!.

وفي الختام صدق الله العظيم الذي قال في محكم التنزيل (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتها أمرنا ليلا أو نهار فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس) فسبحان الله بالفعل الحضارة البشرية هشة وضعيفة ومعرضة للزوال في لحظات سريعة كما هي فرضية (العالم المعرض للخطر The vulnerable world hypothesis) سالفة الذكر. في السابق كان عالم الهلاك والخراب (الديستوبيا) يفترض أنه قد ينتج بسبب الحروب النووية أو تدمير الحضارة البشرية بسبب الاصطدام بكويكب أو نيزك ضخم أو نتيجة تفشي أمراض قاتلة ومعدية. ومع ذلك تبين أنه حتى التقنية الناعمة (soft-tech) مثل التقنية الرقمية والبرمجيات والخوارزميات الإلكترونية قد تتسبب في حال أصابها العطل والخلل في حصول الخراب والهلاك الرقمي digital dystopia الذي يشل الحضارة البشرية بعد بتر الإشارات الإلكترونية عن عصب التقنية النابض.