السبت، 22 أغسطس 2026

( تاريخ رحلات الاستجمام في أحضان الطبيعة )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1448/1/26

في السنوات الأخيرة تشير الإحصائيات أن عدد السياح الذين يصلون سنويا إلى منتجعات جبال الألب السويسرية قد يبلغون حوالي 25 مليون سائح لدرجة أن من أساليب التصوير والتعبير عن كثرة السياح الذين يتدفقون إلى جبل ماترهورن Matterhorn الشاهق على الحدود السويسرية والإيطالية يقال إنه في مقابل كل شخص من المحليين السويسريين الأصليين المقيمين في بلدة زرمات Zermatt يشاركه في السكن في ذلك المنتجع المذهل حوالي 270 زائرا وبهذا أصبح القرويون السويسريون أقلية نادرة جدا في بلدهم. وربما يتكرر هذا الأمر بشكل أو آخر في كل البلدات والقرى والمنتجعات السياحية في جبال الألب الممتدة من فرنسا إلى إيطاليا مرورا بسويسرا والنمسا حيث يزورها عدد من السياح يقدرون بحوالي 120 مليون سائحا سنويا. والغريب في الأمر أن ظاهرة السياحة والسفر للمنتجعات الطبيعية في سفوح وقمم جبال الألب ظاهرة حديثة نسبيا حيث تشير بعض السجلات التاريخية أن عدد الزوار لجبال سويسرا سابقا كانوا عدة آلاف فقط فمثلا منطقة مون بلان Mont Blank وهي الجهة السياحية الأبرز في جبال الألب لأنها تمتد عبر الحدود الفرنسية والسويسرية والإيطالية ومع ذلك هذه المنطقة الخلابة لم يزرها من خارج أهلها عام 1783م إلا 1500 سائح فقط !!.

وحتى نفهم ما الذي حصل في تاريخ (سياحة المنتجعات الطبيعية) وسبب هذه الطفرة الهائلة في عدد السياح في مقابل الأعداد القليلة جدا في العصور القديمة نحتاج أن نرجع بالزمن إلى 200 سنة بالضبط. في عام 1826م توفي الشاعر الإنجليزي البارز اللورد بايرون أحد أبرز رواد حركة الشعر الرومانتيكي التي ظهرت في مطلع القرن التاسع عشر والتي كان من أبرز معالمها التعلق بالطبيعة ومناجاتها والارتماء في أحضان الطبيعة واعتبارها مصدراً للإلهام والعزاء واللجوء إليها للهروب من قسوة الحياة الواقعية. وعندما بدأ أبناء الطبقة المثقفة والغنية في المجتمع البريطاني بالذات قراءة قصائد رموز الرعيل الأول من شعراء الرومانتيكية الأدبية مثل اللورد بايرون وويليام وردزورث وجون كيتس وبيرسي شيلي تحول الخوف والنفور القديم من الجبال والغابات إلى حب الاستطلاع وهذا ما دفع الأثرياء من رجال الإنجليز للسعي لمشاهدة هذه المناظر بأنفسهم و (على الهواء مباشرة) حرفيا !!.  وهكذا تزامنت وفاة الشاعر البارز اللورد بايرون قبل 200 سنة مع بداية سياحة جبال الألب في النصف الأول من القرن التاسع عشر حيث فتحت نوادي لجبال الألب في لندن وسويسرا وألمانيا وتدريجيا تطورت البنية التحتية السياحية حيث ظهرت لاحقا قطارات التلال وفنادق الجبال.

في صيف عام 2013م زرت أنا وبعض الأصدقاء مدينة إنترلاكن السويسرية الساحرة ومن هنالك ذهبنا في رحلة بالقطار عبر جبال الألب وبعدها ركبنا الحافلة الجبلية ثم استخدمنا أطول تلفريك في جبال الألب لنصل إلى قمة جبل شيلترون حيث يمكن التمتع بأفضل المناظر البانورامية للقمم البيضاء لجبال الألب وحيث يوجد الثلج الدائم والذي صلينا عليه صلاة الظهر والعصر.  ومن قمم تلك الجبال المذهل وقفت أسبح الله العظيم حيث عظمة الخلق تدل على عظيم صنع الخالق ولاحقا عرفت أن عالم التاريخ الطبيعي جون موير أحد أوائل المناصرين للمحافظة على الطبيعة والحياة الفطرية ذكر في كتابه (أسفار عبر ألاسكا) عندما وقف على سلسلة جبال فيرويدز في جنوب ألاسكا وصف الجبال بقوله (يبدو لي دائما إنها أشد المخلوقات دلالة على صنع الرب على الأرض .. وعبّرت عن عظمة الرب بصورة تثير الإعجاب). وقبل ذلك بعقود قليلة جاء في مقولة لأبرز شاعرة في تاريخ أمريكا وهي إيميلي ديكنسون اليت توفيت عام 1886م عبارة أن (الجبال هي ظلال الألوهية).

 عندما يكون الشاعر هو الدليل السياحي

حتى زيارتي لمدينة إنترلاكن السويسرية وما حولها من قمم الجبال الثلجية والشلالات الهادرة النازلة من سفوح الجبال كان أجمل منظر طبيعي على الإطلاق شاهدته حتى تلك اللحظة هو بحيرة ويندرمير في منطقة البحيرات السبع (اسمها الرسمي Lake District) في شمال بريطانيا والتي زرتها ثلاث أو أربع مرات أثناء الدراسة في بريطانيا. حسب الصفحة الرسمية لهيئة المنتزه الليك ديستريك الوطني يبلغ عدد السياح الذين يزورون بحيرات وتلال تلك المنطقة الخلابة أكثر من 18 مليون زائر سنويا. وفي سياق الحديث عن إرهاصات وبدايات سياحة المناظر الطبيعية وكيف أنها كانت نادرة جدا قبل 200 سنة خصوصا في منطقة جبال الألب وأن ما لفت أنظار العالم لجمال تلك المناطق قصائد شعراء الحركة الرومانتيكية مثل اللورد بايرون وويليام وردزورث. بالمناسبة الشاعر الإنجليزي ويليام وردزورث كثيرا ما يلقب بـ (شاعر الطبيعة) وهو كذلك وثيق الصلة ببحيرة ويندرمير البديعة حيث عاش أغلب فترات حياته في منطقة الليك ديستريك ومن هنا ربما كان له تأثير أكثر من اللورد بايرون في إطلاق شرارة ثورة السياحة الريفية وعشق الطبيعة.

في كل يوم تقريبا كان شاعرنا وردزورث يخرج في نزهة طويلة على الأقدام في الجبال أو على شاطئ البحيرة لدرجة أن أحد معارفه قدّر أن وردزورث اجتاز خلال حياته سيرا على قدميه مسافة قد تصل إلى 185 ألف ميل (وهي مسافة تكفي للدوران حول الأرض سبع مرات). وأثناء رحلاته في أحضان الطبيعة في منطقة البحيرات السبع استلهم وردزورث أبرز وأشهر قصائده في وصف الطبيعة وأعتبر وردزورث أن نزهاته في الطبيعة هي (عامل تصحيح لا سبيل إلى الاستغناء عنه إزاء الأضرار النفسية الناجمة عن عيشة المدن). ومع بداية تغلغل وانتشار مثل هذه المفاهيم عن الهدوء النفسي في الطبيعة مقارنة بالحياة الصاخبة في المدينة نجد أن ويليام وردزوروث وصديقة الشاعر البارز صموئيل كولريدج الذي انتقل للإقامة بالقرب منه، كان لهما تأثير ملموس في انطلاق موجات السياحية الطبيعية وذلك عندما تعاون وردزورث وكلوريدج في إصدار ديوانهما الشعري المشترك (الأغاني الغنائية) حيث يعتبر نقاد الأدب أن تلك هي لحظة تأسيس حركة الشعر الرومانتيكي.

 في بداية القرن التاسع عشر كانت منطقة البحيرات Lake District (كما كانت منطقة جبال الألب السويسرية) منطقة فقيرة من السياح والزوار بالرغم من جمالهما المذهل، ولكن ما أن ظهرت حركة الشعر الرومانتيكية وتيار التغني بعشق الطبيعة حتى تدفقت الموجات المتتالية من السياح إلى منطقة البحيرات. لدرجة أنه يقال إنه بحلول عام 1845م كان عدد السياح القادمين لزيارة منطقة البحيرات يفوق أكثر بكثير من عدد الأغنام الموجودة بها وبحكم أن أعدادا غفيرة من هؤلاء الزوار كانوا يحاولون تقلد الشاعر وردزورث في نزهاته البرية في أحضان الطبيعة ولهذا لا غرابة أنه عندما توفي وردزورث في عام 1850م طالب البعض في لندن من الحكومة البريطانية تغيير اسم منطقة البحيرات من (الليك ديستريكت) إلى اسم شاعر الطبيعة (وردزوثشاير) على نمط تسمية المقاطعات الإنجليزية مثل (ديربيشاير).

وقبل أن نغادر الجزر البريطانية المشهورة بجمال ريفها الأخاذ وروعة الطبيعة البكر في مناطقها المختلفة مثل المرتفعات الأسكتلندية وشمال ويلز وتلال بيك ديستريك Peak District في مقاطعة ديربيشاير وهي المناطق التي زرتها مرارا لعل من الملائم التذكير مرة أخرى أن هذه المحاضن الطبيعة المذهلة كانت حتى منتصف القرن التاسع عشر مصيرها التجاهل والإهمال. في العشرينيات من القرن الثامن عشر كان الأديب الإنجليزي دانييل ديفو (صاحب رواية روبنسون كروزو) يتجول في منطقة الليك ديستريك حيث وصفها بكل صفاقة بأنها (قاحلة ومفزعة). وصحيح أنني لاحظت أن منطقة المرتفعات الأسكتلندية Highlands قليلة الأشجار والغابات ولكنني اعتبرت ذلك مصدر جمال وتميز لها في حين أن الكاتب البريطاني البارز الدكتور صمويل جونسون مؤلف القاموس الإنجليزي ذكر في كتابه: رحلة إلى جزر أسكوتلندا الغربية (أن منطقة المرتفعات خشنة وقال إنها خالية من الزينة النباتية خلوا محزنا لأنها مساحة شاسعة من عقم لا رجاء منه) !!. وهذا ما يؤكد أن عشق الطبيعة والتجول والسياحة في أحضانها ظاهرة حديثة نسبيا !!.

 مشاهدات من السياحة النرويجية والدنماركية

القرن التاسع عشر استحق بكل جدارة أن يسمى (العصر الفيكتوري) نسبة إلى الملكة البريطانية فيكتوريا والتي في مدة حكمها أصبحت بريطانيا (الإمبراطورية التي لا تغيب عن أراضيها الشمس) وطبعا حققت تلك الجزيرة البريطانية الصغير تأثيرها الطاغي في التاريخ الحديث بسبب قوة أسطولها البحري وثرائها الاقتصادي وحصل ذلك كنتيجة لأن بريطانيا كانت مهد الثورة الصناعية وقبلها هي أم الثورة العلمية. وما يهمنا هنا أن الإنجليز تقريبا هم من علم شعوب الأرض منذ منتصف القرن التاسع عشر مفهوم (السياحة العصرية) فكما أشرنا قبل قليل كان السياح الإنجليز هم من بدأوا سياحة جبال الألب وفي مقال سباق حمل عنوان (إجازة الخريف والسياحة الشتوية) ناقشت كيف كان لأربعة من السياح الإنجليز دور محوري في ظهور مفهوم (السياحة الشتوية) وذلك في عام 1864م وذلك في أحد المنتجعات السويسرية في جبال الألب. وكذلك يجب ألا نغفل أن أول رحلة سياحية بالمفهوم الحديث هي التي نظماها رائد الأعمال البريطاني توماس كوك في عام 1841م بين مدينة ليستر ومدينة لفبرا (المدينة التي درست بها الدكتوراه) ثم بعد ذلك بسنوات معدودة نظم أول رحلة سياحية دولية في التاريخ بين لندن وباريس. والغريب أن ظاهرة (سياحة الشواطئ) بدأ تاريخها الحقيقي أيضا في بريطانيا بالرغم من أنها جزيرة باردة الأجواء وشواطئها ضحلة في الغالب، ولكن هذا ما حصل مرة ثانية في منتصف القرن التاسع عشر خصوصا مع ظهور خدمة القطارات والسكك الحديدة وهذا ما سهل وصول السيّاح إلى شواطئ بلاك بول في شمال بريطانيا وقبل ذلك إلى ساحل مدينة برايتون في الجنوب.

وعلى كل حال كانت لحظة الازدهار الهائل في صناعة السياحة العالمية هي تلك التي تلت الحرب العالمية الثانية وخصوصا الفترة بين الخمسينيات والسبعينيات من القرن العشرين حيث تشكلت ظاهرة (السياحة الجماهيرية mass tourism) والتي عزز في نموها فترة الرخاء الاقتصادي الذي أعقب الحرب مع التزايد في استخدام النقل الجوي والطيران التجاري بأسعار معقولة. وهنا مع مرور الزمن بدأ السياح الأوروبيون والأمريكان في الترحال إلى وجهات سياحية جديدة في آسيا وجزر الكاريبي وأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط وطبعا الالتفات إلى المنتجعات السياحية في شمال أوروبا وبالذات في الدول الإسكندنافية. وبحكم أنني حاليا ولله الحمد مع أسرتي في رحلتنا إلى النرويج والدنمارك وبهذا نحن من ضمن السبعة ملايين سائح أجنبي الذين يصلون سنويا إلى النرويج علما بأن الغالبية الساحقة منهم من الأوروبيين وبالتحديد من الألمان ويبدو أن هذه الوجهة السياحية الرائعة لم تستقطب بعد أفواج السياح العرب والآسيويين. وفي ضوء ما استعرضناه في بداية هذا المقال من إن سياحة المواقع الطبيعية الخلابة تأخرت كثيرا لهذا لا غرابة أن نعلم صناعة السياحة في النرويج تحديدا وفي والدول الإسكندنافية إجمالا متأخرة في الزمن وفي أعداد السياح مقارنة بالتقاليد السياحية العريقة للدول الأوربية الأخرى. صحيح أن النرويج كانت قبلة الزوار الراغبين في (السياحة الشتوية) بسبب تفوقها في مجال تجهيز منحدرات التزلج على الجليد والتمتع بمشاهدة الشفق القطبي، ولكن في المقابل كان عددا أقل من السواح الذين يقصدون المنتجعات النرويجية في العطلات الصيفية لأن الجو غير ملائم دائما وبسبب قلة الشواطئ الرملية فيها.

ربما يكون الرحالة المصري الكبير الشاب (محمد ثابت) هو أول سائح عربي يزور النرويج ويوثق مشاهداته ويومياته في كتابه الشيّق (جولة في ربوع أوروبا) حيث زار في صيف عام 1930م أربع عشرة دولة أوروبية من ضمنها النرويج والدنمرك وألمانيا وهو ما أقوم به هذه الأيام بفضل الله. ومن اللافت أن الرحالة محمد ثابت كان يشكو من سوء الجو في النرويج حيث يقول (أما الجو هنا فحدث عن رداءته فهو أبدا غائم مظلم عاصف مطير برده قارس حتى في أغسطس) وبالجملة كان الطقس في النرويج الأسبوع الماضي بارد في حين لم نواجه مطر غزير إلا في يوم واحد. والغريب أن الرحالة محمد ثابت يذكر عن أمور هي مشهورة جدا عن الدول الإسكندنافية وكأنها لم تتغير منذ قرن من الزمن فمثلا في زيارته للدنمارك يصف نظام التعليم فيها بأنه متفوق جدا وأنه قائم على أسلوب التعليم المفتوح بدون منهج دراسي موحد أو حتى امتحانات عامة ومع ذلك يثني الرحالة محمد ثابت (وهو في الأصل معلم) على هذا النظام التعليمي الحر وكيف أخرج مشاهير العلماء والأطباء في عصره. ومن ناحية غلاء تكاليف المعيشة يذكر الرحالة محمد ثابت أن الدنمارك هي أغلى البلاد التي زارها جميعا، بينما من خلال تجربتي الشخصية للسياحة في اليابان وسويسرا والنمسا والدول الإسكندنافية كانت النرويج أغلى دولة على الإطلاق زرتها حتى الآن بينما يوجد فرق واضح في الأسعار بين الدول كما لاحظناه بين العاصمة الدنماركية كوبنهاجن وبين مدينة مالمو السويدية التي لا تبعد عنها إلا مسافة 40 كيلومترا فقط وبهذا تكون السويد أرخص الدول الاسكندنافية. وكما هو متوقع أسهب محمد ثابت في وصف جمال الطبيعة في النرويج وخصوصا الشلالات والمضايق البحرية (الفيرودات Fjords) وقطعان غزلان الرنة ومع ذلك وصف حالة الفقر والتواضع الذي كانت عليها النرويج في الفترة بين الحربين العالميتين الكبرى.

يصف الرحالة محمد ثابت العاصمة أوسلو بأنها مدينة صغيرة وبها قصر ملكي متواضع وبالمناسبة الشيخ الرحالة محمد بن ناصر العبودي في كتابه (إلى شمال الشمال .. النرويج وفنلندا) أشار كذلك لتواضع القصر الملكي النرويجي عندما وصفه بقوله (ولم نر القصر فخما بمقياس القصور الحديثة) ونكمل مع الرحالة محمد ثابت تقييمه لمدينة أوسلو بأن (باقي المدينة فعادي لا يسترعي النظر) وأنا هنا أختلف تماما مع تقييم الرحالة محمد ثابت فالعاصمة النرويجية أوسلو حاليا مدينة عصرية وبها معالم سياحية متنوعة ومتاحف عالمية المستوى. أما ثاني أكبر مدينة نرويجية وهي بيرجن الواقعة على بحر الشمال فالرحالة المصري يقول إن مساكنها من الخشب وأحياؤها قذرة تحكي بلاد القرون الوسطى وهذا ربما يشير إلى أن النرويج في ذلك الوقت كانت بلدا متخلفا وفقيرا على خلاف الوقع في الزمن الحالي فهذه المدينة حاليا على درجة عالية من جودة الحياة وتستقطب عددا هائلا من السياح. ومع ذلك في الواقع لم نشاهد إلا عدد قليل جدا من السياح الخليجين والسعوديين علما بأنه توجد جالية عربية ومسلمة كثيفة العدد تقيم بشكل دائم في النرويج.

وبالجملة أتوقع أنه في المستقبل القريب ومع تنامى موجة وموضة رغبة السياح الخليجيين لاستكشاف وجهات سياحية جديدة في تايلند وفيتنام شرقا وفي النرويج والدنمارك غربا أتوقع أننا قريبا سوف نشهد وصول السياح السعوديين إلى مواقع جديدة مثل أيسلندا وجزيرة فاروس وجزر منطقة بحر الكاريبي.

 

( مع الأمريكان في الاحتفال بمرور 250 سنة على الاستقلال )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 4 يوليو 2026 الموافق 1448/1/19

 اليوم السبت الرابع مع شهر يوليو يتوافق مع (يوم الاستقلال الأمريكي Independent Day) ولكن احتفال الأمريكان هذه السنة بعيدهم الوطني يتزامن كذلك مع توقيت مهم وهو الذكرى الـ 250 للثورة الأمريكية والتي كان ذروتها إعلان استقلال المستعمرات الأمريكية 13 عن التاج البريطاني في يوم 2 من يوليو والذي اعتمده الكونغرس القاري في يوم 4 يوليو 1776 ميلادي. وعلى خلاف العادة تأتي احتفالات الاستقلال والثورة الأمريكية هذه السنة والشعب الأمريكي في حالة انقسام حادة بسبب سياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب وأسلوب حكمه الاستبدادي والعنجهي في الداخل والخارج. وكردة فعل على محاولة الرئيس ترامب في التوسع في صلاحيات السلطة التنفيذية والتلميح والتصريح مرار عديدة برغبته وتطلعه لفترة حكم ثالثة لهذا اجتاحت الولايات المتحدة في مناسبات متعددة سلسلة من الاحتجاجات والتظاهرات الشعبية شملت أكثر من 2500 مدينة وبلدة أميركية وهي ترفع لافتات كتب عليها شعار الحملة: (لا للملوك No Kings).

الطريف في الأمر أنه بعد نجاح الثورة الأمريكية والتوقيع على الدستور الأمريكي الجديد وبعد الفوز بحرب الاستقلال الأمريكية التي استمرت لمدة ثماني سنوات وحينها في يوم 22 مايو من عام 1782م عرض بعض السذج من ضباط جيش القاري الأمريكي على الجنرال (جورج) واشنطن القائد الأعلى للجيش الأمريكي أن يتم تنصيبه في منصب (ملك) أمريكا بحجة أن البلاد في حالة من عدم الاستقرار لا يناسبها الحكم الجمهوري. وبحكم أن الثورة الأمريكية كانت بهدف الاستقلال عن حكم وعرش الملك الإنجليزي (جورج) الثالث يقال إن رد جورج واشنطن على ذلك العرض بجعله ملكا أن قال إننا لم نحارب ونقاتل حتى نستبدل الملك (جورج الثالث) البريطاني بالملك (جورج الأول) الأمريكي. أمر آخر تجدر الإشارة له أنه في ذلك الزمن أي لحظة استقلال أمريكا عن التاج البريطاني كانت قطع النقود الإنجليزية تحمل صورة الملك جورج الثالث على عادة الدول والملوك طوال التاريخ. ولكن في عام 1787م عندما تم صك وإصدار أول عملة نقدية في أمريكا لم توضع عليها صورة الجنرال جورج واشنطن وإنما نقش عليها 13 سلسلة متداخلة ترمز للمستعمرات الأمريكية13 المستقلة ولك أن تقارن نبل الآباء المؤسسيين لأمريكا في ذاك الزمن (هذه القطعة النقدية كانت من تصميم بنجامين فرانكلين) وبين حماقة وصفاقة الرئيس ترامب عندما طلب قبل شهور من وزارة المالية إصدار عملة نقدية ورقية جديدة من فئة 250 دولارا بشرط أن تحمل صورته البهية !!

كما هو معلوم الجنرال وليس الملك جورج واشنطن سوف يدخل التاريخ من أوسع ابوابه لأنه أصبح الرئيس الأول للولايات المتحدة الأمريكية وهو بهذا يعتبر أهم وأبرز رجال السياسية الذين يسميهم الأمريكان (الآباء المؤسسين) للأمة الأمريكية وهم الزعماء الذين صاغوا إعلان الاستقلال وقاموا بالتوقيع عليه. ومن أشهر هؤلاء الآباء المؤسسين للولايات المتحدة توماس جيفرسون الكاتب الرئيس لوثيقة إعلان الاستقلال وكذلك الرئيس الثالث لأمريكا وأيضا السيد جون آدامز ثاني رئيس للولايات المتحدة. ومن غرائب التاريخ أنه في يوم 4 يوليو من عام 1826م والأمة الأمريكية تحتفل باليوبيل الذهبي ومناسبة مرور 50 سنة على لحظة استقلال الولايات المتحدة ونشوء الدولة الأمريكية توفي في نفس ذلك اليوم كل من الرئيس الثاني (جون آدمز) والرئيس الثالث (توماس جيفرسون) لأمريكا وبهذا تحولت حفلة الاحتفال إلى مناسبة عزاء عام وصدمة كئيبة ونذير شؤم.

وبالفعل عندما حلّ موعد الاحتفال باليوبيل الماسي ومناسبة مرور 75 سنة على استقلال أمريكا عام 1851م ففي هذا العام أصدر مجلس النواب الأمريكي قانونا يعرف باسم (قانون الرقيق الهارب) يلزم فيه الولايات الشمالية بإعادة جميع العبيد الهاربين من الولايات الجنوبية. ثم في العام التي أي 1852م تم نشر رواية (كوخ العم توم) للكتابة الأمريكية هيريت ستو وهي كما هو معلوم عمل أدبي مضاد للعبودية ويصور بإبداع أدبي مؤثر معاناة العبيد الأفارقة في أمريكا. ومن هذا وذاك زاد الاحتقان والانقسام في المجتمع الأمريكي لدرجة أن حصلت الحرب الأمريكية الأهلية الشنيعة بعد فقط حوالي عشر سنوات من الاحتفال باليوبيل الماسي ومرور 75 سنة على استقلال أمريكا.

وعلى ذكر الحرب الأهلية الأمريكية التي نشبت بين الولايات الشمالية (تعرف باسم الاتحاد Union) الساعية إلى إلغاء العبودية وبين الولايات الجنوبية (تعرف باسم الكونفدرالية Confederacy) المستميتة في إبقاء نظام الرّق والعبيد. لقد استمرت هذه الحرب الأهلية لمدة أربع سنوات (1861-1865) وقتل فيها 750 ألف شخص تقريبا والغريب أنها لم تنته بشكل كامل إلا مع الذكرى المئوية الأولى لاستقلال أمريكا. حصل ذلك في عام 1876م والذي بدأ بكارثة سياسية حادة كانت نذير شؤم إضافي بأنه كالعادة احتفالات ذكرى الاستقلال الأمريكي تأتي في زمن الانقسام السياسي والصراع الداخلي الأمريكي. والذي حدث أنه في عام 1876م حصلت الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي تنافس فيها المرشح الجمهوري رذرفورد هايز والمرشح الديمقراطي صموئيل تلدين وقد انتهت تلك الانتخابات إلى أزمة دستورية حيث فاز تلدين بالأغلبية المطلقة لأصوات الناخبين بينما فاز رذرفورد فيما يسمى (المجمع الانتخابي). ولهذا نشبت حالة نزاع واحتقان سياسي داخل أمريكا نتيجة لعدم الحسم في موضوع نتيجة الانتخابات الرئاسية الثالثة والعشرين في تاريخ أمريكا وبهذا بدل ما يشهد عام 1876م احتفالات بهيجة بمرور 100 سنة على الاستقلال الأمريكي شهد ذلك العالم واحدة من أكثر الانتخابات الرئاسية أثارة للجدل في تاريخ أمريكا.

 هل ستحتفل أمريكا بالمئوية الثالثة وهي موحدة ؟!!

كما هو معلوم في الوقت الحالي تعتبر الولايات الجنوبية (الريفية والزراعية) هي المعقل الرئيس للحزب الجمهوري في حين ينشط الحزب الديمقراطي في الولايات الشمالية والغربية الصناعية، ولكن في زمن الاحتفال بالمئوية الأولى لظهور لدولة (أمريكا) كان الوضع مختلفا تماما فقد كان الحزب الديمقراطي يسيطر على الولايات الجنوبية في حين تكمن هيمنة الحزب الجمهوري في الولايات الشمالية. وعلى كل حال ما يهمنا هنا أن حتى تنتهي أزمة انتخابات عام 1876م السالفة الذكر توصل الحزبان الجمهوري والديمقراطي لتسوية سياسية يتم فيها تنازل المرشح الديمقراطي صموئيل تلدين للمرشح الجمهوري رذرفورد هايز والذي سوف يصبح الرئيس رقم 19 لأمريكيا في مقابل أن يتم سحب القوات الفيدرالية من الولايات الجنوبية وبهذا تعود الأوضاع طبيعية في الجنوب الأمريكي مثل ما كانت قبل حرب الاستقلال.  وكان من توابع إعادة الوضع على ما هو عليه في الولايات الجنوبية أن عاد مرة ثانية وبصورة أقصى وأشنع اضطهاد السود في الجنوب وهنا وللمرة الثانية نجد أنه من عجائب التاريخ السياسي الأمريكي أنه عند التمحيص نجد أن من ساعد على تشريع قوانين (الفصل العنصري) الشنيعة في الجنوب هو الحزب الديمقراطي الذي أصبح اليوم يشتهر أكثر بأنه نصير للحرية ومساندة الحقوق المدنية للسود. والمقصود أنه صحيح بأن نظام الرّق والعبودية تم منعه في الجنوب، ولكن هذا لا يعني أن الولايات الجنوبية ليس لها الحق في إصدار قوانينها الخاصة في الفصل العنصري والتمييز ضد السود واضطهادهم وهذا ما سوف يطيل أمد الاحتقان الاجتماعي والسياسي في أمريكا إلى فترة ليست بالبعيدة من الاحتفالات بالمئوية الثانية لاستقلال أمريكا.

استمر قانون الفصل العنصري ضد السود وتوابع ذلك مثل ظهور الجماعات المتطرفة البيضاء مثل جماعة KKK أو الجماعات المتطرفة السوداء مثل جماعة الفهود السود Black panther وهذا ما نتج عنه صدامات وعنف قاتل في المجتمع الأمريكي حتى وهو يحتفل في عام 1976م بمناسبة المئوية الثانية Bicentennial ومرور 200 سنة على استقلال أمريكا.

في فترة السبعينيات من القرن العشرين كانت أمريكا في الواقع (أمة في أزمة) علما بأن المجتمع الأمريكي في سنة 1976م كان ما زال يعاني من تداعيات حرب فيتنام الفاشلة والزلزال السياسي بسبب فضيحة ووتر غيت وإجبار الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون على الاستقالة وكذلك المشاكل الاقتصادية بسبب أزمة الطاقة في أمريكا من جراء حظر النفط العربي.

وفي الزمن الحالي وبالرغم من عوامل البهجة في المجتمع الأمريكي مثل استضافة فعاليات كأس العالم لكرة القدم واحتفالات مرور 250 سنة على الاستقلال الأمريكي ومرور 80 عام (منذ نهاية الحرب العالمية الثانية) وحقيقة أن أمريكا دون منازع هي القوة العظمى المهيمنة على السياسية الدولية. إلا أن إرهاصات التغيير تلوح في الأفق ففي هذه الأيام والولايات المتحدة تحتفل بمرور 250 سنة على الاستقلال تتزايد حالات الانقسام في الحزب الجمهوري وبين الأفراد البارزين في حركة MAGA (المنظومة الرئيسية الداعمة للرئيس ترامب تحت شعار الشعبوي: لنجعل أمريكا عظيمة مجددا). من هذا وذاك، من شبه المؤكد أن احتفالات الأمريكان في عام 2076م بالمئوية الثالثة Tricentennial ومرور 300 سنة على ظهور الولايات المتحدة لن تكون سعيدة تماما والعلم عند الله.

 

( مباراة السعودية مع الرأس الأخضر .. الصحراء في مقابل الصحراء )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 فجر اليوم السبت وفي تمام الساعة الثالثة صباحا سوف يتقابل منتخب المملكة مع منتخب جزيرة (الرأس الأخضر) وفي حين أن أغلبنا لم يسمع بهذا البلاد قبل بطولة كأس العالم نجد أن عميد الرحالة العرب الشيخ محمد بن ناصر العبودي رحمة الله ليس فقط قد سافر ووصل لهذه الجزيرة النائية، ولكنه كذلك كتب عنها كتابا خاصا حمل عنوان (من أنقولا إلى الرأس الأخضر: رحلة وحديث عن الإسلام).

توقيت اليوم هو 26 يونيو وبالعودة بالتاريخ للوراء إلى يوم 20 يونيو نجده أنه في صيف عام 1989م أي قبل حوالي أربعة عقود وصل الرحالة الكبير العبودي إلى جزيرة (الرأس الأخضر) قادما من السنغال ومنذ اللحظات الأولى وقبل هبوط الطائرة لاحظ العبودي رحمة الله التناقض الصارخ في اسم جزيرة (الرأس الأخضر) حيث إنها صحراء قاحلة حيث قال (وقبل خمس دقائق من هبوط الطائرة لمحنا على أيمن الطائرة جزءا من الأرض صحراويا مشابهنا لمنظر أرض الصحراء في بلادنا، وليس فيه أي خضرة).  ولهذا في نهاية الفصل الذي خصصه العبودي رحمة الله عن (الرأس الأخضر) نجده يكتب عنوان طريف هو (الرأس الأغبر) وذكر فيه أنه كانت يتناقش مع أهل جزيرة الرأس الأخضر حيث يقول (كررت للقوم عجبي من تسمية هذه البلاد بالرأس الأخضر على كونها لا خضرة فيها) ثم يذكر الشيخ العبودي بأن أهل الرأس الأخضر (.. كلهم قال: إن أهلها الآن صاروا يسمونها بالرأس اليابس أو الجاف) وهذا ما ألهم الشيخ العبودي أن يكتب بأسلوبه الطريف والجميل وكأنه يقول إن الأجدر باسم هذه البلاد ليس (الرأس الأخضر) وإنما (الرأس الأغبر) !!.

وفي موقع آخر من مشاهدات وذكريات الشيخ العبودي عن زيارته لجزيرة (الرأس الأخضر) وتحت فقرة حملت عنوان (في قلب الصحراء) يقول: غادرنا بلدة (فيسندا) فوقعنا فجأة في جبال صحراوية خالصة عارية من النبات تماما وهي تشبه جبال نجد، على أن الأرض الصحراوية هنا أقل خصبا من أرض نجد.

 كما هو معلوم أن اللون الأخضر هو لون الإسلام كما هو شائع ومع ذلك الغريب أن بلاد (الرأس الأخضر) ليست فقط كانت صحراء، ولكنها كانت أرضا قاحلة وشبه خالية من الإسلام والمسلمين. في زمن وصول الرحالة العبودي إلى (الرأس الأخضر) كان عدد المسلمين فيها من أهلها قليلا جدا وهنا يقول الشيخ العبودي (لم يهتد إلى الإسلام من أهل البلاد الأصلاء إلا قلة لا تكاد تذكر قال بعض المسلمين هنا إن عددهم خمسون). وسبحان الله انتشر مقطع قبل أيام لأحد أبناء جزيرة (الرأس الأخضر) من الذين يدرسون في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة والمشارك هو وزملاؤه في تجهيز جناح دولتهم (الرأس الأخضر) في مهرجان الثقافات والشعوب السنوي الذي تقيمه الجامعة الإسلامية، ذكر ذلك الشاب أن نسبة المسلمين في بلاده هي (واحد في المئة) وهذا يعني أن عدد المسلمين حاليا في الرأس الأخضر لا يقل عن 5000 مسلم بعد أن كانوا 50 شخصا قبل عقود قليلة. 

وفي الختام لعشاق كرة القدم إن شاء الله مشاهدة مباراة مثيرة وشيقة بين منتخبنا ومنتخب الرأس الأخضر وأن شاء الله ينتصر فريق المملكة الأخضر وفالهم الفوز على المستطيل الأخضر.

 

( رحلات الفايكنج ومغامرات أهل النرويج )

د/ احمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/1/12

 يوم غد الأحد وبشكل رسمي تبدأ الإجازة الصيفية بينما يوم الأحد الماضي 21 يونيو ومع الانقلاب الصيفي دخلنا فعليا في فصل الصيف ومع هذه الأجواء الساخنة أتوقع أن العديد منا ربما أخذ يفكر بالسفر داخل أو خارج المملكة ومع مغريات الرحلات والسفريات لعل من الملائم الإشارة أن تاريخ اليوم السبت (27 يونيو) يتوافق مع حادثة مميزة في تاريخ المغامرات والرحلات. ففي مثل هذا التاريخ 27 يونيو من عام 1898 وصل المغامر والبحار الأمريكي جوشوا سلوكم إلى مرفأ مدينة نيوبورت جنوب مدينة  بوسطن وبهذا أصبح أول رجل في التاريخ يبحر حول العالم منفردا. في ذروة عصر الاكتشافات الجغرافية في القرن السادس عشر تم إنجاز أول رحلة بحرية حول العالم وذلك في يوم 6 سبتمبر 1522م عندما انتهت (بعثة ماجلان) من الدوران حول الأرض وهي الحملة البحرية التي اشتركت فيها 5 سفن اسبانية وساهم فيها 270 بحارا ومع ذلك لم تصل إلا سفينة واحدة و18 بحارا فقط. في مقال سابق نُشر قبل حوالي عام وحمل عنوان (الرحلة الأخيرة .. مخاطر الاستكشاف ووعثاء السفر) حشدت العديد من الأمثلة من تاريخ رحلات الاستكشاف التي انتهت بشكل مأساوي وفي هذا المنظور ندرك درجة الإنجاز الهائل الذي حققه البحار الأمريكي جوشوا سلوكم عندما استطاع بمجهود فردي وباستعمال قارب صيد صغير من الإبحار والدوران حول الأرض بعد أن قطع مسافة 74 ألف كيلومتر خلال رحلة بحرية استمرت لمدة 3 سنوات وشهرين ويومين !!.

في المقال السالف الذكر أشرت كذلك للحادثة المشهورة التي وقعت للمستكشف الإنجليزي ذائع الصيت روبرت سكوت عندما لقي مصرعه هو وأربعة من أعضاء بعثته التي كانت تسعى للوصول إلى القطب المتجمد الجنوبي وذلك في شتاء عام 1912 ميلادي وهذا ما يعزز ظاهرة (الرحلة الأخيرة .. مخاطر الاستكشاف ووعثاء السفر). بقي أن أشير هنا إلى معلومة جديدة وهو أنه للتجهيز لهذه البعثة الاستكشافية البريطانية إلى منتصف القطب الجنوبي صحيح أن من نفذها كانوا فقط 5 مستكشفين، ولكن في الواقع شارك حوالي 65 شخصا في عمليات الدعم اللوجيستي من خلال السفن التي نقلتهم أو من خلال معسكر التجهيز والإمداد في طرف القارة المتجمدة. وما أود الوصول له أنه على خلاف السابق فيما يتعلق بـ (البعثات والمغامرات الاستكشافية) التي تشترك فيها سفن وعدد كبير من طواقم الدعم والمساندة أصبحت (رحلات المغامرات) المعاصرة يقوم بها مغامرون منفردون وبشكل مستقل كما هي قصة صاحبنا جوشوا سلوكم السالف الذكر. وفي زمننا المعاصر حظي المغامر النرويجي بورج أوسلاند بتغطية إعلامية واسعة وذلك بعد أن أصبح أول شخص في التاريخ يعبر القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا) بمفردة وذلك في شتاء عام 1996م وما زلت أتذكر أثناء دراسة الدكتوراه في بريطانيا تلك التغطية الأسبوعية التي كانت تقوم بها قنوات BBC لمغامرات هذا المستكشف. والجدير بالذكر أن هذا المغامر النرويجي من نسل الفايكنج قام قبل ذلك بسنتين أي في عام 1994م بمغامرته الكبرى الأولى وهي عبور القطب الشمالي منفردا.

من المصادفات أنني قبل أشهر قليلة انتهيت من قراءة كتاب The Modern Explores (المستكشفون المعاصرون .. رحلات ملحمية إلى أقاصي العالم) وفي الفصل الثالث من ذلك الكتاب استمتعت بتوصيف المستكشف بروج أوسلاند تفاصيل مغامرته التاريخية ومشاعره عند عبوره منفردا لأصعب التضاريس على سطح الأرض أي قارة أنتاركتيكا.  وبالمناسبة قام المغامر أوسلاند بزيارات ومغامرات متعددة للقطب المتجمد الجنوبي من أهمها كذلك رحلته لتلك القارة المتجمدة في عام 2011م لكي يشارك في الفعاليات والاحتفالات بمرور 100 سنة على المغامرة التاريخية التي حققها عام 1911م مواطنه المستكشف النرويجي الكبير روالد أموندسين عندما فاز بالسباق ليصبح أول إنسان يصل إلى منتصف القطب المتجمد الجنوبي منتصر بذلك على المستكشف الإنجليزي البائس روبرت سكوت. وقبل أن أغادر الحديث عن كتاب (المستكشفون المعاصرون) تجدر الإشارة إلى أن الفصل الثاني في ذلك الكتاب كان مخصصا للمغامرة النرويجية ليف أرنيسن والتي  تمكنت في عام 1994م من أن تصبح أول امرأة في التاريخ تعبر القطب المتجمد الشمالي منفردة.

من هذا وذاك ومع انشغالي هذه الأيام بالاستعداد قريبا بمشيئة الله للسفر إلى النرويج مع العائلة كنت أعلم أن بلاد الفايكنج وأرض رجال الشمال هي من أكثر بلاد العالم في العصر الحديث (بالإضافة لبريطانية) خرج منها المغامرون والمستكشفون الجدد. ولهذا كنت أحتاج أن أخطط بشكل جيد لتنظيم الجدول السياحي لزيارة المتاحف التاريخية في العاصمة النرويجية أوسلو والتي لها علاقة بأكبر عدد من المستكشفين والمغامرين من زمن الفايكنج إلى زمن الرحلات البحرية في الخلجان (الفيوردات) النرويجية.

 مع الفايكنج في رحلاتهم

 في مرحلة الدراسة الثانوية تعرفت عن طريق الزميل العزيز المهندس عبدالله الحربي على كتاب (أعجب الرحلات في التاريخ) للرحالة والصحفي المصري الكبير أنيس منصور ونظرا لعشقي الدائم للسياحة والسفر كانت قراءة ذلك الكتاب من أمتع الكتب التي قرأتها ولاحقا أضفت لمطالعاتي الماتعة في هذا الشأن الكتاب الإنجليزي الضخم (أعظم 70 رحلة في التاريخ). وبالطبع كان لرحلات الفايكنغ ورجال الشمال من النرويجيين نصيب وافر لزيادة شغفي بقراءة أدب الرحلات الإسكندنافية مع ما يضاف لذلك لقراءتي لكتب الأساطير الإسكندنافية Norse Mythology وخصوصا فيما يتعلق بملاحم رحلات الفايكنج المسماة ملاحم الساجا (Viking Saga). والكلمة المفردة (الساجا Saga) تعني الملحمة في الثقافة الإسكندنافية والجرمانية وهي تدور عن مغامرات الأبطال الأسطوريين في التراث الشعبي في النرويج أو أيسلندا مثل رحلات الفايكنج ومعاركهم. وبعيدا عن الأساطير الخيالية ربما تعتبر شخصية المغامر النرويجي القديم (إيرك الأحمر) إحدى أكثر الشخصيات الحقيقة في عالم الفايكنج شهرة وتأثير.في دروب حياته الغريبة تم طرد ونفي إيرك الأحمرأكثر من مرة، فعندما كان طفلا صغيرا نُفي مع والده من جنوب النرويج إلى جزيرة أيسلندا ثم في شبابه تورط في جرائم قتل فتم طرده ونفيه لمدة ثلاث سنوات وأثناء هذه (التغريبة النرويجية) اتجه إيرك الأحمر بسفن الفايكنج الرشيقة جهة الغرب حيث اكتشف جزيرة جرينلاند وأسس فيها في عام 985م أول مستعمرة أوروبية. يقال إن إيرك الأحمر في أواخر حياته كان يخطط لإبحار غربا من جرينلاند لاستكشاف والبحث عن أرض جديدة، ولكنه تراجع عن القيام بالرحلة بعد أن سقط عن حصانه وهو في طريقه إلى السفينة، حيث خشي أن يكون هذا نذير شؤم.

وهنا تأتي قصة (مكتشف أمريكيا) ونقصد بذلك الابن الأصغر لإيرك الأحمر المدعو (ليف إريكسون) والذي من الثابت تاريخيا الآن أنه كان أول من اكتشف القارة الأمريكية وبالتحديد شرق كندا في تاريخ مميز جدا وهو عام (1000 ميلادي) يعنى قبل وصول (مكتشف أمريكا المزعوم) كريستوفر كولومبوس بخمسة قرون كاملة. والغريب في الأمر أن قوارب الفايكنج الطويلة والرشيقة كانت ملائمة بشكل مذهل ليس فقط لعبور المحيط الأطلسي الهادر، ولكنها كانت مناسبة للإبحار عبر مياه الأنهار الضحلة ومن هنا بدأت تتشكل الصورة النمطية عن (قراصنة الفايكنج) حيث كانوا يستطيعون التسلل بهدوء عبر الأنهار للإغارة على المدن الكبرى مثل باريس ولندن ودبلن ويورك. وهذه المقدمة تقودنا للعلاقة المجهولة نسبيا بين الفايكنج والعالم العربي حيث وصل قراصنة الفايكنج إلى مدينة إشبيلية الأندلسية وتمكنوا من السيطرة عليها نهبها وذلك في عام 230 هـ (الموافق 844م) بعد أن توغلوا عبر نهر الوادي الكبير. ولاحقا تمكن أمير قرطبة آنذاك عبد الرحمن الثاني من حشد جيش عربي كبير وهزيمة قراصنة الفايكنج واسترداد مدينة إشبيلية وغيرها من مدن الأندلس العربية التي احتلاها الفايكنج مثل ليشبونة وقادش.

بلا خلاف لقد كان الفايكنج من أكثر شعوب الأرض عشقا للمغامرة والترحال فهم ليس فقط وصلوا إلى القارة الأمريكية وحاولوا احتلال باريس ولندن ولكن من الغريب أنهم حطوا رحالهم حتى عاصمة الخلافة العربية (بغداد) !!. ولكن قبل ذلك نحتاج أن نعود قليلا لقوارب الفايكنج الطويلة والتي مكنتهم من الترحال في الأنهار والمياه الضحلة وبهذا في حدود عام 882م استغلوا الإبحار عبر شبكة الأنهار في أوروبا الشرقية للوصول إلى منطقة البحر الأسود وبالتحديد إلى مدينة كييف حيث تمكن أمير الفايكنج أوليغ من احتلال كييف ونقل عاصمة ملكة إليها ومن هنا أصبحت تلك المدينة تعرف باسم (كييف - روس). ربما بعضنا قد سمع أن الرحالة والمبعوث العباسي أحمد بن فضلان قد التقى بالفايكنج في عام 922م ولكن هذا لا يعني أنه رحلاته وصلت به إلى الدول الإسكندنافية في أرض الشمال وإنما هو التقى بالفايكنج على ضفاف نهر الفولجا بالقرب من مدينة قازان . ودون الإطالة أكثر في التفاصيل نجد أن الفايكنج أثناء حكمهم للمناطق الروسية تغير اسمهم قليلا (الفارانجيون  Varangians) كما أصبحوا تجارا أكثر من كونهم قراصنة ولهذا من المؤكد  أن بعض قوافل التجارة للفايكنج وصلت إلى إقليم خرسان في طرف البلاد الإسلامية وتوجد إشارات تاريخية بأن بعض التجار الفايكنج ربما وصلوا إلى بغداد. 

 مغامرات أهل النرويج في العصر الحديث

ونحن حاليا في أجواء مونديال  كأس العالم أشتهر كثيرا هذه الأيام أسلوب جمهور منتخب النرويج في تشجيع فريق بلادهم من حيث قيامهم وهم في مدرجات الملاعب بتقليد الفايكنج وهم يجدفون قواربهم الرشيقة. وبالجملة في السنوات الأخيرة زادت بشكل مدهش شعبية (قراصنة الفايكنج) وتغيرت نسبيا الصورة النمطية عنهم بأنهم برابرة إلى أبطال ومغامرين يعيشون في مواقع مذهلة من جمال الطبيعة. ولهذا أخطط بمشيئة الله بعد أيام عند الوصول لمدينة أوسلو أن أزور (متحف عصر الفايكنج) وذلك لمشاهدة سفينة الفايكنج الأصلية التي اكتشفت عام 1904م وتسمى سفينة أوسبيرغ. صحيح أنه يوجد تنافس بين النرويج والسويد حول أي من تلك الدولتين يرتبط ويمثل أكثر حضارة الفايكنج وصحيح أنني شاهدت في متحف مدينة أبسالا السويدية مدى افتخارهم بقارب الفايكنج الصغير المعروض في ذلك المتحف، ولكنني أعتقد أن مشاهدة سفينة أوسبيرغ في أوسلو سوف تكون تؤكد لي أحقية النرويجيين بالمفاخرة بإرث قراصنة الشمال الفايكنج.

من الأمور الأخرى التي تؤكد تجذر روح وحيوية الفايكنج في الأجيال المعاصرة للنرويجيين هو عشق الشعب النرويجي للمغامرة والاستكشاف فسبق أن أشرنا في الأعلى إلى ذكر وأخبار المستكشفين النرويجيين روالد أموندسين وبروج أوسلاند والمغامرة ليف أرنيسن ونذكر هنا كذلك المغامر النرويجي إرلينج كاج الذي تمكن في عام 1994م من أن يصبح أول شخص في التاريخ يستطيع تحقيق تحدي الأقطاب المتجمدة الثلاثة (Three Poles Challenge) بمعنى أنه يصل إلى القطبين المتجمدين الجنوبي والشمالي بالإضافة لقمة جبل إيفرست. ولمزيد من الدلائل والمؤشرات على تميز أهل النرويجيين في عالم المغامرة والاستكشاف ينصح الزائر للعاصمة النرويجية أوسلو أن يزور ليس فقط متاحف قوارب الفايكنج ولكن أيضا أن يزور متحف فرام Fram Museum الذي يعرض تاريخ البعثات الاستكشافية النرويجية للأقطاب المتجمدة ومتحف الرحلة البحرية المذهلة للسفينة  البدائية  الصنع (كون تيكي) !!.  وما زلنا في متاحف مدينة أوسلو الجديرة بالزيارة فلا أعلم أن  كان يتسع وقت إقامتي لزيارة متحف (جائزة نوبل للسلام) أم أكتفي بزيارتي قبل سنوات لمتحف نوبل الأصلي في مدينة ستوكهولم عاصمة السويد. سبب وجود متحف (جائزة نوبل للسلام) في مدينة أوسلو لأن صاحب الجائزة أوصى بأن تمنح جائزة نوبل للسلام عن طريق لجنة خاصة يشكلها البرلمان النرويجي ولهذا هذه الجائزة بالذات يتم تسليمها سنويا في أوسلو. بقي أن نقول إن أول رجل نرويجي حصل منفردا على جائزة نوبيل للسلام هو المستكشف النرويجي فريتيوف نانسين وذلك في عام 1922م ونحن نذكره هنا ليس لأنه مشهور بأنه صاحب فكرة (جواز سفر نانسينNansen Passport ) المعترف به دوليا كوثيقة سفر للاجئين، ولكننا نذكره هنا لأن له ارتباط اوثيقا بمتحف فرام في أوسلو !!. في عام 1893م بدأ صاحبنا المستكشف النرويجي نانسين مغامرته الغريبة للعبور عبر القطب المتجمد الشمالي وذلك باستخدام سفينة اسمها (فرام Fram) تم تصميمها لكي تستحمل ضغط الجليد. كانت فكرة نانسين الأمجنونة أنه سوف يعبر بها القطب المتجمد الشمالي عن طريق حجزها داخل كتل الجليد ثم بشكل بطيء ولعدة سنوات سوف تنجرف السفينة مع الجليد. وبالفعل نجحت سفينة فرام من عبور القطب المتجمد الشمالي خلال ثلاث سنوات ولم تكن تبحر على الإطلاق وإنما كان يحملها الجليد ولهذا أصبح متحفها الخاص والفريد التصميم من أشهر المعالم السياحية في أوسلو.

ونختم هذه الجولة الاستكشافية لمغامرات أهل النرويج بالإشارة إلى متحف سفينة كون تيكي Kon-Tiki والذي يجسد رحلة المغامرات الاستكشافية التي قام بها  عام 1947م الرحالة  النرويجي ثور هايردال  لكي يثبت نظريته عن أن شعوب المحيط الهادي (البولينيزيين) هاجروا أصلا من أمريكا الجنوبية مستخدمين وطوافات rafts وقوارب بدائية. لقد استخدم ثور هايردال نفس المواد وطريقة صناعة القوارب البدائية التي كانت تستخدمها شعوب حضارة الأنكا في دولة البيرو كما أطلق على سفينته اسم (كون تيكي Kon-Tiki)  على اسم خالق الكون في حضارة الأنكا. ولقد غامر ثور هايردال بالإبحار بهذه الطوافة الخشبية البدائية في عمق المحيط الهادي لمدة 101 يوم حيث قطعت مسافة 8 آلاف كيلومتر وكان برفقته خمسة من المغامرين الذين لم يبحر أحد منهم في المحيط من قبل في حين أن ثور هايردال نفسه لم يكن يعرف السباحة !!. سابقا شاهدت العديد من البرامج الوثائقية عن رحلة كون تيكي العجيبة وأنا متشوق لمشاهدة تلك السفينة الأصلية في متحفها في أوسلو وإلى ذلك الحين سوف أكتفي بإعادة قراءة ما كتبه أنيس منصور في كتابه (أعجب الرحلات في التاريخ) عن رحلات المغامر النرويجي ثور هايردال. لكن للأسف أنيس منصور المصري ركّز على عرض  رحلات  ثور هايردال التي حصلت بعد سنوات من رحلة كون تيكي وأعني بذك رحلة رع 1 ورحلة رع 2 والتي حاول فيها أن يثبت وجود علاقة بين الحضارة الفرعونية وحضارة الأزتيك في المكسيك ولهذا صنع طوافة من أعواد ورق البردي وخاض أخطر وأكثر مغامراته تهورا وهي الإبحار عبر المحيط الأطلسي الهادر بطوافة وقارب هشّ من القشّ !!.

 

( كأس العالم وحروب كرة القدم !! )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 السبت 1448/1/5

 في يوم 28 يوليو من عام 1914م اندلعت الحرب العالمية الأولى والتي توصف أحيانا بأنها حرب الخنادق لأن جنود الأطراف المتقاتلة كانوا يعيشون في ظروف سيئة ومريعة لشهور وسنوات طويلة داخل تلك الخنادق. ولهذا عندما حلت مناسبة عشية عيد الميلاد في يوم 24 ديسمبر 1914م وبعد مرور خمسة أشهر من بداية الحرب والجنود الألمان والبريطانيين يواجهون بعضهم البعض في منطقة الخنادق على الأراضي البلجيكية أقترح الجنود الألمان بمناسبة عشية عيد الميلاد أن تعقد هدنة مؤقته أصبحت تعرف في كتب التاريخ باسم (هدنة عيد الميلاد Christmas Day Truce). وبحكم أن الإنجليز هم تقريبا من اخترع كرة القدم لذا يبدو أنه كانت توجد لدى الجنود الإنجليزي بعض كرات القدم في الخنادق التي كانوا يعيشون فيها ولهذا مع تلك الهدنة عرض الجنود الإنجليز على الجنود الألمان أن يعلبوا معا مباراة في كرة القدم بمناسبة الهدنة وحلول العيد ومنذ ذلك التاريخ وحتى الآن العديد من المتفائلين يزعمون بأن كرة القدم والرياضة إجمالا قد تكون من الوسائل الفعالة في نشر السلام بين الشعوب والدول.

ومن الأمثلة الطريفة التي يمكن ذكرها في هذا السياق أنه في عام 1967 كانت الحرب الأهلية في دولة نيجيريا تحصد الأرواح وتتلف الممتلكات ولهذا طُرحت مبادرة أن يتم استدعاء اللاعب البرازيلي الأسطورة بيليه مع أفراد فريقه البارز نادي سانتوس (Santos FC) لكي يلعب مباراة ودية استعراضية في العاصمة النيجرية لاوس وفي مدينة أخرى. وهذا ما حصل في يوم 26 يناير من عام 1967م حيث أُعلنت هدنة حربية لمدة يومين لكي يتمكن الشعب النيجيري من مشاهدة النجم بيليه وهو يسجل الأهداف ويراوغ ويناور في ملعب كرة قدم يقع في منطقة النزاع وكان يتعاون على حراسته جنود من الأطراف المتقاتلة.

في يوم 8 أكتوبر عام 2005م تأهل منتخب دولة ساحل العاجل لبطولة كأس العالم التي سوف تقام في ألمانيا في عام 2006م ولكن نظرا لأن ساحل العاج في تلك الفترة كانت تعاني من كارثة الحرب الأهلية، وهنا أستغل قائد الفريق اللاعب ديديية دروغبا هذا النصر الوطني للشعب الإيفواري وألقى خطابا عاطفيا من داخل غرفة خلع الملابس نقلته الشاشات الفضائية ناشد فيه كافة أطراف الصراع في الحرب الأهلية إلى ألقاء السلاح ووقف الحرب. وبالفعل تم التوصل لعقد هدنة حربية بين المتقاتلين وبعد بطولة كأس العالم استمر قائد الفريق دروغبا في مساعيه لتوحيد البلاد وتأكيد استمرارية إيقاف الحرب الأهلية لدرجة أنه قام بتنظيم مباراة ودية بين الفريق الوطني لساحل العاج وبين فريق منتخب مدغشقر بحيث أُقيمت المباراة في المدينة التي هي معقل ثوار الشمال الانفصاليين وهذا ما أدى في خاتمة المطاف للتقارب بين الحكومة والثوار والتوصل لاتفاق سلام دائم.

المدخل السابق يخالف عنوان هذا المقال فبالرغم من أن كرة القدم قد تساهم بشكل أو آخر في إحلال السلام وتعزز الوئام بين الشعوب والدول، ولكن في مقابل ذلك كثيرا وكثيرا جدا ما يتسبب (التعصب الكروي) في نشوب الصراع والقتال في بعض المواقع الجغرافية والأوقات الزمنية التي تشهد حالة احتقان بين بعض الدول المتناحرة أو الشعوب المتنافرة. وطبعا أوضح مثال على ذلك نشوب ذلك الصراع الحربي الدامي بين دولة هندوراس ودولة السلفادور الذي أصبح يسمى بـ (حرب كرة القدم) والذي نشب لعدة أيام خلال الفترة 14-18 يوليو 1969م ولهذا تعرف تلك الحرب الخاطفة كذلك باسم (حرب الـ 100 ساعة). في الواقع لسنوات طويلة كانت توجد حالة احتقان سياسي بين هندوراس والسلفادور بسبب النزاع على بعض الأراضي الحدودية وهجرة مئات الآلاف من السلفادور الفقيرة إلى هندوراس الأكثر غنى ولهذا في مباريات التصفيات لبطولة كأس العالم في عام 1970 تم لعب مباراة حاسمة بين منتخب هندوراس ومنتخب السلفادور يتم من خلاها تحديد الفريق الذي سوف يصل إلى بطولة كأس العالم. ومن المصادفات أن بطولة كأس العالم 1970 أقيمت في المكسيك وكذلك تلك المباراة الحاسمة بين السلفادور وهندوراس التي كان يجب أن تقام في بلد محايد ولهذا في يوم 26 يونيو 1969م استضافت مدينة مكسيكو ستي تلك المباراة الفاصلة والتي انتصر فيها منتخب السلفادور وحقق التأهل لبطولة كأس العالم وما كان من حكومة هندوراس بعد تلك المباراة الكروية إلا أن أعلنت مباشرة قطع العلاقات السياسية مع السلفادور وطرد 12 ألفا من المهاجرين السلفادوريين. وفي الأيام التالية تصاعد التوتر السياسي بين الدولتين حتى وصل لمرحلة قيام طيران الهندوراس بقصف أراضي السلفادور وتوغل جيش الهندوراس في اتجاه عاصمة السلفادور وذلك في يوم 14 يوليو من ذلك الصيف الساخن. وهكذا بسبب التنافس على التأهل للمشاركة في المونديال الكروي في كأس العالم في المكسيك حصل ذلك الصراع الدامي الذي نتج عنه مصرع 4000 شخص وطرد 300 ألف مهاجر من أهل السلفادور.

وبالانتقال من النزاع المسلح بين دول أمريكا الوسطى بسبب نتائج مباريات كرة القدم إلى دول البلقان حيث نشب بينها كما هو معلوم نزاع عسكري لأسباب متعددة من بينها حصول هزيمة كروية. وهنا نجد مرة أخرى أن نتيجة مباراة كروية تسببت في اندلاع حالة شغب في الملعب كأن لها تأثيراتها السياسية والتي وصلت إلى استقلال كرواتيا من الاتحاد اليوغسلافي. حصل ذلك في يوم 13 مايو 1990م عندما تقابل أفضل فريق كرواتي (نادي دينامو زغرب) ضد أفضل فريق صربي (ريد ستار بلغراد) وذلك بعد أسابيع قليلة من انتخابات محلية فازت فيها الأحزاب المؤيدة لاستقلال كرواتيا. ونظرا لحالة الاحتقان السياسي الحادة حصلت حالات شغب خطيرة جدا بين مشجعي الفريق الكرواتي مع مشجعي النادي الصربي نتج عنها إصابة 60 شخصا وحصل إطلاق نار وطعن بالسكاكين ولهذا لا غرابة أن هذه المباراة يقال إنها كانت بداية تفكك الاتحاد اليوغسلافي حيث بعد ذلك بأشهر أعلنت كرواتيا الاستقلال.

والغريب أن حالة الاحتقان والشحناء بين الدول التي تفككت من الاتحاد اليوغسلافي ما زالت حتى والآن والأغرب من ذلك أن مباريات كرة القدم أحيانا قد تتسبب في مزيد من التهييج والعداء بين هذه الدول. فمثلا في مباريات التصفيات لبطولة أمم أوروبا (Euro 2016) أقيمت في يوم 14 أكتوبر 2014م مباراة حاسمة بين ألبانيا وصربيا بحيث إن الذي يفوز فيها يتأهل للبطولة، ولكن في الشوط الأول من المباراة تم إيقافها نتيجة لحصول صدام وشجار بين اللاعبين والطاقم الفني وكذلك بين المشجعين من كل الدولتين الذين نزلوا إلى أرض الملعب وذلك بعد أن قام لاعب صربي بنزع علم ألبانيا الذي كان معلقا على طائرة درون كانت تحوم فوق الجمهور الصربي.

 ملاعب كرة القدم ودهاليز السياسة!!

مونديال كأس العالم الحالي يعتبر حالة فريدة في تاريخ بطولات كرة القدم لأنه لأول مرة في التاريخ تشارك في هذه الفعالية الرياضية الكبرى دولتين هما فعليا في حالة حرب والمقصود طبعا الولايات المتحدة الأمريكية المنظم الرئيس لبطولة كأس العالم 2026 وخصمها اللدود الجمهورية الإسلامية الإيرانية. في الواقع سبق أن تقابل منتخب أمريكا الكروي مع منتخب إيران في بطولات كأس العالم السابقة حيث كان أول لقاء بينهما في بطولة كأس العالم 1998 في فرنسا في زمن ولاية الرئيس الإيراني الإصلاحي محمد خاتمي والرئيس الأمريكي الديمقراطي بيل كلينتون ولهذا علّق العديد من المراقبين الآمال أن (دبلوماسية الرياضة) يمكن أن تساعد في تخفيف التوتر السياسي بين الدولتين. في عام 1971م نجدت دبلوماسية تنس الطاولة (دبلوماسية البينغ بونغ) في كسر حاجز الجليد والعداء المستمر بين أمريكا والصين وذلك بعد سلسلة من المباريات والزيارات الودية لفرق تنس الطاولة بين أمريكا والصين. ولهذا في عام 1998م شاع نوع من التفاؤل أن تنجح (دبلوماسية كرة القدم) في تخفيف العداء المستمر بين أمريكا وإيران وبالفعل بدأت تلك المباراة بأن قدم اللاعبون الإيرانيون ورودا بيضاء لنظرائهم الأمريكان. الجدير بالذكر أنه في تلك المباراة التي أقيمت في يوم 21 يونيو 1998م حققت إيران أول فوز لها على الإطلاق في بطولة كأس العالم على حساب المنتخب الأمريكي الذي خسر بنتيجة 2-1 ثم بعد ذلك تقابل منتخب كرة القدم الأمريكي مع منتخب إيران في بطولة كألس العالم 2022 في قطر، ولكن هذه المرة كان النصر الكروي من نصيب الأمريكان بهدف وحيد.

ومن الأمثلة المشهورة لمباريات كرة القدم في بطولة كأس العالم التي أقيمت بين دول كانت في حالة حرب تلك المباراة بالغة الشهرة في بطولة كأس العالم 1986 في المكسيك وذلك عندما تمكن اللاعب الأرجنتيني مارادونا من تسجيل هدف قاتل (بيده) في مرمى منتخب إنجلترا. ذلك الهدف الذي يلقب (بهدف القرن) والذي جاء عن طريق الغش تتسبب في اشتعال مزيد من الشحناء بين الشعبين الإنجليزي والأرجنتيني بعد الأحقاد التي ما زالت في القلوب والذاكرة نتيجة حرب الفوكلاند التي اندلعت بين بريطانيا والأرجنتين في عام 1982 ميلادي. وما زلنا مع المنتخب الإنجليزي في بطولة كأس العالم حيث حصل على كأس العالم مرة واحدة فقط وذلك في عام 1966م وذلك بين جمهوره في ملعب ويمبلي الشهير في مدينة لندن، ولكن ما يهمنا هنا أن المباراة الختامية كانت مع المنتخب الألماني وكما هو معلوم حاولت ألمانيا النازية أن تغزو الجزر البريطانية في الحرب العالمية الثانية. ولهذا عندما انتصر المنتخب الإنجليزي على المنتخب الألماني في المباراة النهائية وذلك في يوم 30 يوليو 1966م حصل نوعا من الاحتقان الشعبي بين البلدين لأن فوز إنجلترا بالكأس ربما جاء بشيء الخداع لأن الهدف الثالث الحاسم لإنجلترا لم تدخل الكرة بكاملها في المرمى بينما الهدف الرابع دخل الشباك في اللحظات الأخيرة من المباراة وذلك بعد أن حصلت حالة من الفوضى في الملعب ودخل الجمهور الإنجليزي للأرض المستطيل الأخضر مما سبب حالة إرباك ساعدت في تسجيل الهدف الرابع!!. والغريب أن حالة الشحناء بين جمهور كرة القدم الإنجليزي (المشهور عالميا بشغب الملاعب) والجمهور الألماني ما زالت راكدة تحت رماد أحقاد الحرب العالمية الثانية فأثناء الدراسة في مرحلة الدكتوراه في بريطانيا تابعت في صيف عام 1996م بطولة أمم أوروبا Euro 1996 حيث رصدت الحالة الهستيرية لبعض صحف التابلويد البريطانية التي وصفت بعضها مباراة نصف النهائي بين إنجلترا وألمانيا بأنها حرب على النازية وتم رسم صور بعض اللاعبين الألمان وعلى ملامحهم شنب هتلر في حين أن بعض اللاعبين الإنجليز تم تصويرهم وهو يرتدون الخوذة العسكرية التي كان يلبسها جنود الإنجليز في حروبهم ضد الألمان أثناء الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن منظور آخر كثيرا ما يحصل أن يتقابل أثناء مباريات كأس العالم دولا في حالة عداء سياسي حاد حتى ولو لم تقع بينهم حرب عسكرية وإن كانت قد نشبت بينهما حرب فكرية ضروس ومن ذلك مثلا اللقاء الكروي الفريد بين (الإخوة الأعداء) فريق منتخب ألمانيا الشرقية ضد فريق منتخب ألمانيا الغربية. حصل ذلك في بطولة كأس العالم 1974 والتي أقيمت في ألمانيا الغربية ولهذا اضطرت (كما اضطرت أمريكا بالسماح بدخول منتخب إيران) دولة ألمانيا الغربية الرأسمالية في استضافة منتخب ألمانيا الشرقية الشيوعية. وهكذا في يوم 22 يونيو 1974م وفي مدينة هامبورغ الألمانية تقابل منتخب ألمانيا الشرقية مع منتخب ألمانيا الغربية في مباراة حاسمة تحدد الفريق الذي سوف يتصدر المجموعة الأولى وقد كان النصر في هذه المباراة من صالح ألمانيا الشرقية (بنتيجة 0-1) لكن هذا الإخفاق المؤقت والمحرج للألمان الشقر ضد الألمان الحمر ساعد كثيرا في إثارة الحمية الوطنية لمنتخب ألمانيا الغربية لكي يحقق بطولة كأس العالم 1974 على أرضه وأمام شعبه المنقسم.

 وفي الختام نشير أن الحروب ودهاليز السياسة لها تأثير كبير وملموس في بطولات رياضة كرة القدم وخصوصا (مونديال كأس العالم) ومن ذلك كما هو معلوم تتم أحيانا فرض مقاطعة ومنع لبعض الدول من المشاركة في بطولة كأس العالم بسبب شنها الحروب على دول أخرى. في البطولة الحالية لكأس العالم 2026 في أمريكا حصل للمرة الثانية مقاطعة ومنع المنتخب الكروي الروسي من المشاركة في البطولة وكذلك في البطولة السابقة (كأس العالم 2022 في قطر). وبعد الحرب العالمية الثانية مباشرة كانت أول بطولة لكأس العالم تلك التي أقيمت في البرازيل (كأس العالم 1950) وطبعا مآسي وفظائع الحرب العالمية الثانية كانت ما زالت حية في الذاكرة الجمعية لسكان الأرض لهذا لم يعترض أحد على منع ألمانيا واليابان من المشاركة في تلك البطولة. وعلى نفس النسق وبسبب الفظائع والجرائم التي ارتكبتها دولة صربيا في حرب البوسنة عام 1992م تم منع ومقاطعة فريق المنتخب الصربي من المشاركة في بطولة كأس العالم 1994 التي أقيمت في أمريكا.  وفي سياق مختلف نسبيا نجد أن نظام الفصل العنصر في دولة جنوب أفريقيا وبسبب سياسته القمعية والعنصرية ضد السود تسببت له في عزلة سياسية ورياضية نتج عنها مقاطعة ومنع منتخب كرة القدم لدولة جنوب أفريقيا من المشاركة في سبع بطولات لكأس العالم من بطولة عام 1966 وحتى بطولة عام 1990 ويقال إن هذه المقاطعة الطويلة هي ما تسببت في جعل مستوى فريق جنوب أفريقيا أضعف بكثير من فرق المنتخبات الأفريقية الأخرى بالرغم من التقدم الاقتصادي والحضاري لنسبي لدولة جنوب أفريقيا.

( اختبارات الطلاب بين الأمس واليوم )


 د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1447/12/27

يوم غد الأحد سوف تبدأ (الاختبارات النهائية) لجميع المراحل الدراسية للتعليم العام في المملكة ولعل أكثرها أهمية هي اختبارات الصف الثالث الثانوي لأن نتائجها تحدد جزئيا مستقبل أكثر من 200 ألف طالب وطالبة وفرص قبولهم في جامعات أو تخصصات جامعية مرموقة. صحيح أن قلق الآباء والأمهات وهلع الطلاب والطالبات في الدولة الشقيقة مصر من أجواء ونتائج (اختبار الثانوية العامة) وخصوصا فيما يسمى (شبح المجموع) الناتج من التوتر الحاد في الإخفاق في تحصيل الدرجات الكافية، صحيح أن هذا القلق من المظاهر المشهورة في المسلسلات التلفزيونية المصرية قديما وحديثا إلا أن الظواهر النفسية المتعلقة بـ (قلق الامتحانات) أشد أبرز ما تكون في المجتمع الصيني.

في الواقع الأسبوع الماضي بدأت في الصين المأساة والملحمة الدراسية السنوية التي تسمى (اختبارات غاوكاو) حيث يتنافس أكثر من 13 مليون طالب وطالبة من خريجي المرحلة الثانوية في الصين لدخول اختبار القبول الجامعي الوطني الصيني (Gaokao Exam). ودون مبالغة يعتبر هذا الاختبار الطلابي هو أكبر وأصعب اختبار أكاديمي تنافسي على وجه الأرض حيث تستمر هذه الملحمة الاختبارية لمدة ثلاثة أيام (نحو 9 ساعات من الاختبار) وتُحدد درجات الطلاب فيها وحدها مسارهم التعليمي والمهني المستقبلي حيث فقط يحق للطلبة الحاصلين على أعلى الدرجات دخول جامعات النخبة في الصين. وكما يحدد هذا الاختبار طبيعة مستقبل ملايين الطلاب في الصين فهو في المقابل يفرز نخبة الطلاب الذين سوف يعملون لاحقا في أفضل المواقع والمناصب المفصلية في المجتمع الصيني ولهذا يقول البعض بأن الأمة الصينية تحكم بهذا الاختبار وهذا التأثير تم ترجمته في كتاب حمل عنوان (الامتحان الأعلى .. يكيف يشكل امتحان غاوكاو الصين).

 وطبعا كما نعرف من تجربة معاناة الأسر مع اختبارات القدرات والتحصيلي في واقعنا المحلي فإن التجهيز لهذا الاختبارات يحتاج جهد نفسي وصرف مالي لفترة زمنية طويلة فكذلك الأمر مع هذه الاختبارات الصينية التي يستمر التجهيز لها لعدة سنوات وتتطلب تكاليف مالية وتكاتفا أسريا لتهيئة الطلاب للامتحان. وبالجملة يقال إن للتجهيز لهذا الاختبارات الصعبة والمفصلية قد يقضي بعض الطلاب 3-4 ساعات من المذاكرة اليومية لمدة ثلاث سنوات وليس هذا وحسب بل بعض العائلات تبدأ في تجهز الطلاب لهذا الاختبار وهم بعد في سن الثامنة !!. ولإعطاء لمحة لصعوبة وغرابة بعض أسئلة الاختبارات المدرسية الصينية تكفي الإشارة للضجة الإعلامية التي انتشر صداها في عام 2018م عندما طرح السؤال التالي للطلبة في سن 11 في إحدى المقاطعات في غرب الصين (سفينة تحمل 26 خروف و 10 عنزات فكم يون عمر قبطان السفينة ؟!!). للوهلة الأولى يبدو هذا السؤال لغز غير قابل للحل ولهذا أخفق غالبية الطلاب في معرفة الحل الصحيح وهذا أمر متوقع إلا أن طالبا واحدا استخدم مفهوم التفكير خارج الصندوق حيث خمّن وحدس أن أوزان هذه الماشية ربما يكون حوالي 7700 كيلوجرام وبحكم أن النظام المتبع في الصين أنه يجب على من يقود أي قارب شحن يحمل شحنة يفوق وزنها 5000 كيلوجرام أن يحصل على رخصة قيادة خاصة لا تمنح إلا لمن عمره 23 سنة فأكثر وبهذا توصل ذلك الطفل الصيني النابغة والنابه أن عمر القبطان يجب ألا يقل عن 23 سنة !!.

وكما سبق الإشارة له من شهرة صعوبة اختبارات الثانوية العامة في مصر (اختبار البكالوريا) بينما في الولايات المتحدة يلزم جميع الطلاب قبل الدخول للجامعة للجلوس للاختبار المرعب (اختبار SAT) والذي يتميز أحيانا بطبيعة بعض الأسئلة المخادعة أو أسئلة الرياضيات التي يجب أن تحل بشكل سريع بينما في قسم اللغة الإنجليزية لهذا الاختبار قد يتم استخدام كلمات ومفردات معقدة في قطعة نصوص طويلة. بينما في نظام التعليم البريطاني كان لسنوات طويلة يعاني الطلاب والآباء من صعوبة اختبارات (A Level test) وللدلالة على صعوبة وصرامة هذا الاختبار الإنجليزي لعلنا نشير لتجربة الكاتب والعالم البريطاني سيمون وينشستر الذي يذكر عن نفسه أنه في عام 1962م تقدم إلى جامعة أكسفورد لي يؤدي فيها اختبار (A Level). وقد جلس لمدة 90 دقيقة لكي يجيب عن سؤالين فقط لم يكن قد سبق أن درسهما، ولكن كان هدف الاختبار تقييم قدرته على الكتابة الناقدة المصحوبة بالحجج والأفكار المترابطة عن هذين السؤالين (السؤال الأول: نقد فكرة المقال السياسي للأديب الإنجليزي إدوارد فوستر الذي عنوانه: تحية مزدوجة للديمقراطية Two cheers for democracy بينما كان السؤال الثاني: هل الأسلوب الأمريكي في الحياة قابل حقا للتصدير للمجتمعات الأخرى !!).

وبهذا تتضح الصورة أن اختبارات القبول في الجامعات في الزمن القديم كانت على درجة عالية من الصعوبة خصوصا إذا كانت الرغبة للدراسة في الجامعات المرموقة. وفي هذا السياق ربما نفهم لماذا في حياة بعض مشاهير العلماء تكثر القصص والأخبار أن بعضهم قد أخفق في بداية شبابه في النجاح في اختبارات القبول لدخول الجامعة فمثلا الشاب اينشتاين وهو في سن 16 رسب في امتحان القبول لجامعة زيورخ. بينما عالم الكيمياء الفرنسي البارز لويس باستور أخفق في عام 1842م في اختبارات القبول لكلية باريس العريقة بل حتى بعض العلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل أخفق بعضهم في اختبارات القبول الجامعية فهذا الفيزيائي الفرنسي رونتجين مكتشف أشعة إكس وأول عالم يحصل على جائزة نوبل في الفيزياء عام 1901م فشل في اختبار القبول للجامعة. وهذا كان مصير عالم الكيمياء الفرنسي هنري ماوسان الحاصل على جائزة نوبل في الكيمياء عام 1906م الذي لم يستطع في البداية تحقيق الدرجة المطلوبة لأحد لاختبارات اللازمة لدخول الجامعة والطريف في الأمر أنه تكرر إخفاقه في الالتحاق بالجامعة لأربع سنوات متتالية من عام 1870م وحتى عام 1874 ميلادي.

الاختبارات الصينية تغزو العالم

للحضارة الصينية تأثير ملموس على شعوب وثقافات دول منطقة جنوب آسيا والتي يبدو أنها منذ عقود طويلة أصابتها عدوى الثقافة الصينية المهووسة بالاختبارات بحيث تصبح امتحانات القبول محور حياة المجتمعات الشرقية وهذا ما أفرز ظاهرة ثقافة مركزية الامتحانات (exam-centric cultures). فبالإضافة لشبح صعوبة امتحان غاوكاو الصيني نجد نفس تلك المأساة والمعاناة التعليمية توجد في دول ذلك الإقليم مثل تايوان وهونغ كونغ وسنغافورة بل يصل الأمر في اختبارات القبول الجامعي في كوريا الشمالية أن الاختبار المرعب (Suneung test) يستمر لمدة ثماني ساعات متواصلة !!. وبصورة ما ربما يرتبط اعتياد الشعوب الصينية في الأراضي الصينية الأم وفي تايوان وهونغ كونغ وما حولها على الاهتمام البالغ بالاختبارات التعليمية إلى أن الحضارة الصينية القديمة في الأصل كان لها تاريخ عريق مع مثل هذا النوع من (الاختبارات الموحدة Standardized testing) التي تفرز وتميز بين الطلاب وتحدد أي منهم جدير بالمكانة الاجتماعية الأسمى. تشير كتب التاريخ إلى أن الإمبراطور الصيني يانغ غوانغ في حدود عام 605 ميلادي أمر بتطبيق أول اختبار موحد شامل لجميع الأقاليم والمناطق الصينية بحيث يتنافس شباب جمع الطبقات الاجتماعية على شغل المناصب الإدارية المرموقة في البلاط الإمبراطوري بعد تحقيقهم لأعلى الدرجات في الاختبار الموحد المسمى (Keju). والجدير بالذكر أن هذه الاختبارات الوطنية المبكرة كانت تتم على مستويات متتابعة حيث كانت تبدأ المنافسة أولا بين الشباب في هذه الاختبارات الإمبراطورية الصينية في مستوى الأقاليم المحلية الصغيرة ثم أفضل الفائزين يترشحون إلى المستوى الثاني على مستوى المقاطعات الرئيسية ثم أخيرا أفضل من بينهم يتم حشدهم للتنافس الأخير في العاصمة القديمة للصين مدينة لويانغ. والغريب في الأمر أن هذا الاختبار الإمبراطوري أو نظام امتحانات الخدمة المدنية استمر بصورة شبه متواصلة لمدة 1300 سنة وفي جميع سلالات الإمبراطوريات الصينية منذ عام 605م ميلادي وحتى تم إلغاؤه عام 1905م وذلك بالتزامن مع إرهاصات سقوط سلالة تشينغ آخر السلالات الإمبراطورية الحاكمة للصين.

وبينما نجد أن الأمة الصينية في مطلع القرن العشرين تهجر وتلغي الاختبار الوطني الموحد (بتأثير من قوى الاحتلال الأجنبية) نجد في المقابل أن أمم الشعوب الأخرى تتلقف هذا التقليد الصيني العريق وتطبقه في بلدانها. وبالرغم من أن بعض الجامعات الغربية وخصوصا الجامعات البريطانية كانت لها تاريخ فريد في اختبارات القبول الخاصة بها فمثلا جامعة كيمبردج والتي في عام 1702م بدأت في استخدام اختبارات القبول الكتابية (writing exams) بديلا عن الاختبارات الشفهية (Viva Voce) المستخدمة قديما في الجامعات الإيطالية مثل جامعة بولونيا، إلا أن الدول الغربية لم تشهد ظاهرة (الاختبارات الوطنية الموحدة) إلا مع مطلع القرن العشرين. في عام 1901م اجتمعت 12 جامعة وكلية أكاديمية أمريكية لتشكيل كيان أطلق عليه (مجالس الكليات College Boards) كانت مهمته الأساسية تجهيز اختبارات قبول موحدة للجامعات والكليات الأمريكية وفي الغالب استلهموا الفكرة من الاختبارات الصينية القديمة حيث كان العديد من رجال الفكر الأمريكي يطالبون من نهاية القرن التاسع عشر باستنساخها. والغريب في الأمر أنه بعد الحرب العالمية الأولى طلب الجيش الأمريكي من خبراء علم النفس في مجالس الكليات السالف الذكر أن يطوروا اختبارا ملائما لفرز وتحديد الشباب اللائق أكثر للقبول في صفوف الجيش ومن هذا الاختبار شبه العسكري بدأت فكرة تجهيز اختبار على مستوى كامل الوطن الأمريكي لتحديد أفضل الطلاب المؤهلين أكثر للقبول في الجامعات الأمريكية المرموقة. ومن هنا بدأت تتشكل قصة الاختبارات الطلابية الموحدة الحديثة للقبول في الجامعات فقبل 100 عام بالضبط وبالتحديد في مطلع شهر يوليو من صيف 1926م بدأ لأول مرة اختبار قبول الجامعات الأمريكية الموحد والمسمى (SAT test) أو اختبار القدرات الدراسية (Scholastic Aptitude Test) وهو أحد أشهر الاختبارات القياسية والمعتمدة عالمياً للقبول الجامعي. ولاحقا في عام 1951م بدأ دور نظام التعليم البريطاني في تطوير اختبارات قبول موحدة تعرف باسم (A Level Test) أصبح لها كذلك شهرة عالمية ومن تأثير الحضارة الغربية ممثلة في الثقل السياسي والاقتصادي والثقافي الأمريكي والبريطاني تسربت لكل دول العالم فكرة التنظيم السنوي للاختبار موحد للقبول الجامعي.

وفي الختام دعاء بالتوفيق لأبنائنا وبناتنا الطلبة في اختباراتهم النهائية التي تبدأ صباح يوم غد الأحد 28 من شهر ذي الحجة لعام 1447 هجري.

( اليوم العالمي للحرائق !! )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

السبت 1447/12/20 الموافق 6 يونيو 2026

تاريخ يوم أمس الجمعة يوم شنيع من (أيام العرب) وذلك لأن يوم (5 يونيو) يتوافق مع فضيحة وكارثة حرب الأيام الستة وذلك عندما شن العدو الصهيوني حربا خاطفة وكاسحة على الجيوش العربية المتهالكة وذلك في صباح يوم الخامس من يونيو لعام 1967م مما أفضى لمأساة هزيمة 67 التي تعرف باسم مضلل (نكسة حزيران). من المحزن أنه بعد مرور حوالي ستة عقود من تلك الهزيمة المنكرة التي (احترقت) فيها الطيارات العربية وهي رابضة على مدرجاتها تمر تلك الذكرى الأليمة في تاريخ صراعنا الأبدي مع العدو الغاشم وهو ما زال يعيث الخراب في الأراضي العربية ففي الأيام الماضية تعزز العدوان الإسرائيلي والاجتياح البري لجنوب البلد العربي الشقيق لبنان. ومن المصادفات أنه في نفس تاريخ يومنا الحالي أي (6 يونيو) حصل عدوان واجتياح صهيوني أثيم على الأراضي العربية في سنوات ماضية فمثلا في يوم 6 يونيو/حزيران من عالم 1982م بدأت العلميات العسكرية للهجوم الصهيوني والذي اجتاح كامل الجنوب اللبناني وانتهى إلى حصار العاصمة بيروت وكأن التاريخ يعيد نفسه بالفعل. وبالعودة إلى حرب الأيام الستة ومع هول الكارثة التي وقعت على العرب أغلبنا يعلم أنه في الأيام الأولى منها اجتاح العدو أرض سيناء المصرية وخاض في غور الأردن واحتل الضفة الغربية الفلسطينية والقدس الشرقية وسيطر على مرتفعات الجولان السورية، ولكننا ننسى مع زحمة هذه النكبات والنكسات أنه كذلك في يوم 6 يونيو 1967م انتزع العدو الإسرائيلي قطاع غزة من الحكم المصري.

وبهذا يتضح أن يوم (6 يونيو) في التاريخ القريب هو يوم دامي وكذلك هو يوم حامي بسبب كثرة القنابل والحرائق التي تصاحب الهجوم العسكري ويكفي أن نشير إلى أن أكبر معركة إنزال بحري في التاريخ والمصاحبة للقصف الجوي والتي كانت إحدى المعارك الكبرى والفاصلة في الحرب العالمية الثانية (معركة إنزال النورماندي أو عملية D-Day) وقعت أحداثها في يوم (6 يونيو) من عام 1944 ميلادي. وعلى ذكر القصف الجوي في معارك الحرب العالمية الثانية تجدر الإشارة إلى أن العمليات الحربية الشنيعة والأثيمة بالقصف الجوي للطائرات الحربية الأمريكية والبريطانية على رؤوس المدنيين في العاصمة برلين تعرف أحيانا باسم (الجحيم المُدبّر Orchestrated Hell). صحيح أن تلك المعركة الجوية الشنيعة لم تحصل في يوم 6 يونيو وإنما في يوم 3 فبراير من عام 1945م ولكن ما يهمنا من خبرها أنها كانت أكبر عملية قصف جوي في التاريخ حيث اشتركت فيها 1003 طائرة حربية تحمل 15 ألف جندي يسقطون عشرات آلاف من الأطنان من القنابل الحارقة. الجدير بالذكر أن التدمير الهائل والمجرم لمدينة درسدن الألمانية جراء القصف الطيران الأمريكي والبريطاني الكثيف لها كان من نتائجه تشكل ظاهرة جوية تسمى (العاصفة النارية firestorm) حيث تنشأ عواصف مهلكة من النيران واللهب تنتشر في كل مكان مخلفة الدمار والخراب.

من هذا وذاك تترسخ فكرة وظاهرة أن يوم (6 يونيو) هو يوم لاهب وساخنا من ناحية الطقس ومن ناحية جحيم الحروب ويضاف لذلك أنه يوم وبشكل غريب شهد وقوع عدد من حوادث الحرائق الكبرى على مر التاريخ. وكما تساقطت شظايا اللهب من السماء على منازل مدينة برلين وأحرقتها في سعير الجحيم المُدبّر حصل في مساء ليلة 8 أكتوبر من عام 1871م أن مر شهاب في سماء مدينة شيكاغو الأمريكية ويقال إن بعضا من الشظايا الملتهبة من ذلك الشهاب ربما تسببت في اندلاع حرائق متزامنة في شيكاغو وما حولها من الأقاليم وهذه الكارثة دخلت التاريخ الأمريكي باسم (حريق شيكاغو الكبير). وبما أن سيرة (الحرائق الكبرى) لبعض المدن العالمية انفتحت فسوف نستعرض ونرصد الحرائق التي اندلعت في تاريخ (6 من يونيو) ومن أبرزها حصول (الحريق الكبير لمدينة سياتل) والذي التهم حوالي 25 منطقة سكنية وذلك في يوم 6 يونيو عام 1889 ميلادي. وقبل ذلك بحوالي قرن من الزمان وبالتحديد في 6 يونيو 1795م تعرضت العاصمة الدينماركية كوبنهاجن لحريق هائل تسبب في دمار حوالي ثلث المدينة ومقتل وإصابة 18 ألف شخص. وفي تاريخها الطويل تعرضت مدينة موسكو لعدة حوادث حريق ضخمة أشهرها (حريق موسكو الكبير) على يد نابليون وذلك في عام 1812م ومع ذلك نجد أن ثالث أكبر حريق تعرضت له مدينة موسكو كان في تاريخ 6 يونيو 1752 ميلادي. وفي العصر الحديث حصل انفجار ضخم في أكبر منجم للفحم والذي يقع في مدينة هوانغي بدولة زيمبابوي والذي تسبب في مصرع 427 شخصا وحصلت هذه الكارثة في يوم 6 يونيو من عام 1972 ميلادي.

حرائق صيف شهر يونيو

وسوف نستمر في الحديث مع شهر يونيو والذي بسبب ارتفاع درجة الحرارة فيه مع بداية الصيف لهذا يشهد هذا الشهر بالذات العديد من الحرائق الكبرى على مر التاريخ ومن ذلك مثلا أنه في يوم 13 يونيو 1886م وقعت حادة (الحريق الكبير لمدينة فانكوفر) مما تسبب في تدمير شبه كامل لتلك المدينة الكندية التي كانت حديثة النشوء في ذلك التوقيت. وبالانتقال جنوبا إلى ولاية ميتشجان الأمريكية نجد أنه في 11 يونيو من عام 1805م اشتعلت النيران في كارثة (الحريق الكبير لمدينة ديترويت). وقبل سنوات قليلة أي في 3 يونيو 2010م شهدت العاصمة البنغلادشية كارثة مؤلمة في الأحياء القديمة من مدينة دكا مما أسفر عن مصرع 117 شخصا وكان من تداعيات هذا الحادث الأليم أن أثيرت على مستوى دولي قضية سلامة العاملين في صناعة قطاع الملابس في دول العالم الثالث. وكما هو معلوم تكثر حرائق الغابات في فصل الصيف في كندا وأمريكا وبعض البلدان الأوروبية وعبر السنوات حصلت مثل هذه الحرائق الضخمة والخطيرة في شهر يونيو وذلك في بعض المقاطعات الكندية والأقاليم الأمريكية وبعض الدول الإسكندنافية مثل السويد. ومن أخطر حرائق الغابات التي حصلت في شهر يونيو تلك التي أودت بمصرع 19 من رجال الإطفاء الأمريكيان في يوم 30 يونيو 2013 وذلك في غابات غرب ولاية أريزونا.

وفي ختام مقال (اليوم العالمي للحرائق) أعلم مسبقا أنه من غير الملائم وضع اقتراح بجعل يوم السادس من يونيو هو (اليوم العالمي للحرائق) لأن الفكرة والهدف من (الأيام العالمية International Days) هي في الغالب الاحتفال بمناسبة معينة أو حدث تاريخي بارز أو إحياء ذكرى لحادثة أو واقعة مميزة. وطبعا لا يوجد شيء من ذلك في يوم (6 يونيو) فيما يتعلق بالحريق واشتعال النيران يستحق أن يحتفى ويحتفل به وإنما كان المقصود ربما ربط كوارثنا السياسية وخسائرنا الحربية الساخنة والملتهبة في يوم (6 يونيو) مع بعض الأحداث التاريخية لأشهر الحرائق التي اشتعلت في شهر يونيو.

ومع ذلك وقبل المغادرة لعل من الملائم الإشارة أنه بالفعل توجد أيام عالمية مرتبطا بالحرائق مثل (اليوم العالمي للسلامة من الحرائق) والذي يقام سنويا في يوم 8 أكتوبر وطبعا تم اختيار هذا اليوم بالذات لكي يتوافق مع أحد أشهر الحرائق في التاريخ المعاصر أي (الحريق الكبير لمدينة شيكاغو). كما نوجه في الختام ثناء ودعاء لرجال مكافحة الحرائق والنيران والذين يحتفى ويحتفل بهم كل سنة في يوم 4 مايو بمناسبة (اليوم العالمي لرجال الإطفاء).