الاثنين، 20 مارس 2023

( دليل عالمية الشعر العربي )



د/ أحمد بن حامد الغامدي

 من الأنواع والأساليب المختلفة للأدب نجد أن فن الشعر له حالة خاصة نظرا لكونه في الغالب انعكاس للحالة الوجدانية والروحية للأديب ولهذا ليس فقط يصعب ترجمته للغات الأخرى لكن في الغالب ونظرا لأن الشعر ينبع من السليقة اللغوية لذا يصعب أن يؤلف الشاعر القصائد بأكثر من لغة. وعلى الرغم من التأثير الكبير للثقافة الفرنسية على أغلب أدباء روسيا القيصرية إلا أننا لا نجد أي من الأدباء الروس من ألف قصائد باللغة الفرنسية باستثناء الروائي ألكسندر بوشكين الذي تعلم منذ صباه على يد مدرسون خصوصيون فرنسيون ولهذا كتب في أوائل شبابه باللغة الفرنسية قصائد غير مشهورة. وعلى نفس النسق نجد أنه باستثناء الشاعر الهندي البارز طاغور يصعب جدا أن نجد شاعرا آخر يستطيع أن يكتب قصائد مشهورة باللغة الإنجليزية وبلغته القومية علما بأن سبب نبوغ طاغور في الكتابة باللغة الإنجليزية أن بلاده كانت محتلة من قبل الإنجليز والتعليم العام في القارة الهندية كان بلغة المستعمر.

والمقصود أنه في حال يصعب أن نجد شاعرا فرنسيا يكتب قصائد باللغة الألمانية أو شاعرا إنجليزيا يؤلف دواوين شعر باللغة الأسبانية أو الإيطالية بينما نجد أنه فيما يتعلق بـ (عالمية الشعر العربي) فإن الأدلة من هذا النوع متعددة ومتكررة عبر العصور. حقا وصدقا عالمية الشعر العربي تتجاوز التاريخ وتخترق الجغرافيا وتتخطى الأعراق البشرية والأديان السماوية وهذا يعني بالضرورة أن شعر العرب ليس فقط للعرب. صحيح أن الشعر العربي له ارتباط وثيق بالدين الإسلامي ومع ذلك بكل سهولة يمكن أن نكتشف أن بعض أشهر شعراء العربية كانوا من الأديان الأخرى فمثلا الشاعر الجاهلي السموأل كان يهوديا وكذلك شاعر بني النضير كعب بن الأشرف وبالجملة عدد شعراء العربية اليهود قليلا جدا. في حين أن الراهب اليسوعي الأب لويس شيخو بالغ في الشطط عندما ألّف كتاب (شعراء النصرانية قبل الإسلام) ونسب أغلب وأشهر شعراء الجاهلية للديانة النصرانية وهو الأمر الذي كرره في كتابه الثاني (شعراء النصرانية بعد الإسلام) لدرجة أنه تهور واعتبر شاعر العربية الأبرز أبا تمام الطائي شاعرا نصرانيا. وعلى كل حال يبقى أن بعض شعراء العربية البارزين هم بالفعل من النصارى مثل الأخطل التغلبي والأخطل الصغير (بشارة الخوري) وجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وخليل مطران وميخائيل نعيمة ورشيد الخوري (الشاعر القروي) وبطرس البستاني وإلياس قنصل والقائمة تطول.

وبمناسبة ذكر فيض شعراء العربية من النصارى وأن هذا دلالة على عالمية الشعر العربي الذي كما قلنا إنه يتخطى الأديان، نجد كذلك أن الشعر العربي يتجاوز الجغرافيا ودليل ذلك أن الغالبية العظمى من شعراء النصارى العرب أقاموا وعاشوا كما هو معلم في غير أرض العرب والإسلام ولهذا يوصفون بأنهم (شعراء المهجر). وهذه الظاهرة الأدبية برزت بشكل كبير في النصف الأول من القرن الماضي عندما هاجر عدد كبير من أدباء الشام المسيحيين وخصوصا من لبنان إلى الأمريكيتين الشمالية والجنوبية وأنشئوا أندية شعرية مشهورة مثل الرابطة القلمية التي تأسست في نيويورك والعصبة الأندلسية ومقرها مدينة ساو باولو البرازيلية وكذلك الرابطة الأدبية ومقرها العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس.

طبعا شعراء المهجر كانوا ينظمون ويكتبون قصائد الشعر ويتبادلونها بينهم وربما ألقوها على مسامع بعضهم البعض وهم في أرض الغربة ومع ذلك افإن لظاهرة (الجغرافية) الأكثر دلالة على عالمية الشعر العربي أنه في فترات من التاريخ كانت القصائد العربية تصدح في بلاد النصارى وعلى مسامع ملوك وأمراء الفرنجة. كما هو معلوم استمر الحكم الإسلامي على جزيرة صقلية الإيطالية لعدة قرون ولهذا ليس فقط ازدهرت الحضارة العربية في هذه الجزيرة المسيحية بل كذلك استوطن الشعر العربي لدرجة أن ملوك صقلية بعد جلاء العرب عنها استمروا على عادة سماع قصائد المديح من الشعراء العرب. ولهذا تذكر كتب التاريخ وكتب الأدب على حد سواء أن بلاط ملوك باليرمو من مثل ملك صقلية روجر الثاني وابنه ويليام الأول وحفيده ويليام الثاني وكذلك الإمبراطور فريدريك الثاني (قيصر الإمبراطورية الرومانية المقدسة) أن كلا من هؤلاء الملوك اشتهر عنه معرفته بلغة العرب وإعجابه بالثقافة العربية. ولهذا توالى عبر السنوات عدد من الشعراء العرب على نظم قصائد المديح في هؤلاء الملوك كما هو حال الشاعر ابن بشرون وعبدالرحمن المالطي وعمر النحوي وعبدالرحمن البثيري وأبي الضوء سراج وغيرهم. والجدير بالذكر أن الرحالة الكبير ابن جبير عندما زار جزيرة صقلية في مطلع القرن السابع الهجري ذكر أن ملكها غيوم الثاني (أي ويليام الثاني) كان يتكلم العربية ويكتب بها وكان يكافئ الشعراء ذهبا على مدحهم له كما فعل مع الشاعر العربي ابن قلاقس الإسكندراني. والغريب في أمر إعجاب ملوك النصارى قديما بلغة العرب وبالثقافة العربية وقت زمن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية أننا نجد ظاهرة مشابه لإعجاب ملوك صقلية ولكن هذه المرة مع ملوك أسبابنا. ونذكر هنا بالخصوص ملك قشتالة ألفونسو السادس وسيد طليطلة الملك ألفونسو العاشر الملقب بالحكيم والذي كان مهتما بالأدب ويرعى الشعراء الأسبان والعرب أيضا ويقال إنه كان ينظم الشعر باللغة العربية.

 هل شعر العرب للعرب فقط ؟

إذا صح الخبر أن الملك الإسباني الحكيم ألفونسو العاشر كان بالفعل يستطيع نظم الشعر باللغة العربية فهذا يفتح لنا المجال للحديث عن الملوك والسلاطين غير العرب الذين تمكنوا من كتابة القصيدة العربية وهذا دليل إضافي هام على عالمية الشعر العربي. عدد كبير من الملوك والأمراء العرب كانوا بالفعل شعراء وهذا ليس بمستغرب فهذا الوزير والشاعر الكبير الصاحب بن عباد كان يقول: بُدئ الشعر بملك وختم بملك، يعني امرأ القيس وأبا فراس الحمداني. أما أمثلة الملوك والحكام من غير العرب الذين كتبوا ونظموا الشعر العربي فمنهم عدد من سلاطين الدولة العثمانية من مثل سليم الأول ومراد الثالث وعبد الحميد الأول وسليم الثالث. وفي مجال الشعر يجب أن نفرد بالحديث السلطان التركي سليمان القانوني ليس فقط أنه أحد أغزر الشعراء في الأدب التركي حيث تشير المصادر أن له رقما هائلا من القصائد يبلغ 2779 قصيدة، ولكن تميزه الشعري كذلك يعود إلى أن عددا كبيرا من هذه القصائد ألفها باللغة الفارسية وبعضها باللغة العربية. وعلى قاعدة (الناس على دين ملوكهم) فلا غرابة إذاً أن نعلم أن أحد أبرز شعراء الدولة التركية ورائد الأدب التركي الشاعر فضّولي المعاصر للسلطان سليمان القانوني كان يكتب الشعر باللغات التركية والعربية والفارسية. أما أهم شاعر أقام في تركيا وتوفّى بها فهو بلا جدال (سلطان) العارفين الشاعر المتصوف جلال الدين الرومي الذي كتب الدواوين الشعرية باللغة الفارسية والعربية والتركية أيضا. وبالطبع إذا ذكر مولانا الرومي فلا بد أمن ن يذكر شيخه ومعلمه الروحي الشاعر شمس الدين التبريزي والذي هو الآخر نظم قصائد الشعر باللغة الفارسية وأيضا باللغة العربية.

في بداية المقال سبق التلميح أنه نادر جدا أن نجد شاعرا فرنسيا يكتب الشعر باللغة الألمانية أو أن يُطبع ديوان شعر باللغة الإيطالية من تأليف أديب إنجليزي ولكن وبحكم أن حديثنا عن (عالمية الشعر العربي) فليس بمستغرب في ضوء ما سبق أن نذكر أن أشهر وأبرز شعراء الأدب الفارسي لهم بالإضافة لدواوينهم الفارسية (مثل ديوان: مثنوي لجلال الدين الرومي وديوان العشق للتبريزي) لهم قصائد متعددة باللغة العربية. وهذا الأمر يتكرر كذلك مع نجوم ورواد الأدب الفارسي الكبار من مثل حافظ الشيرازي وعمر الخيام (صاحب الرباعيات التي فتن بها الأوربيين) وفريد الدين العطار (صاحب ملحمة منطق الطير) وسعدي الشيرازي الذي كتبت أبياته الحكيمة في مدخل مبنى الأمم المتحدة. وعلى كل حال كل واحد من هؤلاء الشعراء الكبار كتب الدواوين الشعرية باللغة الفارسية وكذلك نظم الشعر والقصائد باللغة العربية، بل أن حافظ الشيرازي كان يؤلف القصائد التي كان يدمج فيها صدر البيت العربي بعجز البيت الفارس ويعكس ذلك الترتيب في البيت الذي يليه مع مراعاة وزن بحور الشعر وثبات حرف الروي.

ومن إيران والشعر الفارسي سوف ننتقل عبر التاريخ والجغرافيا إلى القارة الهندية لنتابع مسيرة عالمية الشعر العربي وللأسف ربما سوف أصيب البعض بالإحباط عندما أذكر حقيقة أن أشهر شاعر مسلم غير عربي في الوقت المعاصر وهو الشاعر الهندي الكبير محمد إقبال الملقب بـ (شاعر الإسلام) لم يكتب أي من قصائده المشهورة باللغة العربية (حتى فائقة الشهرة منها مثل: حديث الروح، كنا جبالا في الجبال، قصر التاريخ ومسجده) وإنما ترجمت من اللغة الفارسية أو اللغة الأوردية. ومع ذلك ومنذ زمن الجاحظ رصد نقاد الأدب عشرات الشعراء ممن أصولهم من القارة الهندية من أبرزهم الشاعر القاضي الدهلوي والذي له قصيدة قوية وفصيحة تدعى (لامية الهند) تقارع لامية العرب للشنفرى ولامية العجم للطغرائي. بالمناسبة لقب (الدهلوي) هو نسبةً إلى مدينة (دهلي أو دلهي) عاصمة الإمبراطورية المغولية المسلمة التي حكمت الهند لعدة قرون وبحكم التأثير الحضارة الإسلامية والحضور الملموس للغة العربية لدى طبقة العلماء والأدباء في ذلك العصر الذهبي الهندي لهذا لا غرابة أن نجد البعض من شعراء الهنود القدامى ممن ينتهي اسمهم بلقب (الدهلوي) يستطيع أن يكتب الشعر باللغة العربية. وغير بعيد عن العاصمة الهندية نيودلهي وبالتحديد في مدينة لكناو نجد مدرسة إسلامية عريقة تدعى (ندوة العلماء) خرج منها المئات من العلماء والمشايخ والأدباء وأغلبهم ينسب لها فبقال له (الندوي). وهذا يقودنا لذكر العشرات من شعراء الهند الذين يحملون اسم الندوي وأغلبهم يكتب الشعر باللغة العربية ولا شك أن أبرزهم على الإطلاق العلامة أبو الحسن الندوي والذي كان له جهود كبيرة في الاهتمام بالأدب العربي فهو من ساهم في تأسيس رابطة الأدب الإسلامي ورئاسة تحرير مجلة الأدب الإسلامي. وللفقيه الشاعر أبي الحسن الندوي قصائد عديدة منشورة باللغة العربية وهو من قام في الأصل بترجمة بعض القصائد الطنانة لمحمد إقبال من اللغة الأردية والفارسية إلى اللغة العربية لعل أبرزها قصيدة مسجد قرطبة المذهلة.

وبعد المرور بالدول الإسلامية غير العربية التي انتشر بها أدباء الشعر العربي مثل تركيا وإيران وأفغانستان والهند نصل إلى أقصى غرب إفريقيا وأكاد أجزم أن عدد الشعراء من غير العرب الذين يكتبون القصيدة العربية الفصيحة في السنغال ومالي ونيجيريا ربما يفوق عدد الشعراء العرب في أرض جزيرة العرب وما حولها فبفضل الحضارة الإسلامية الطاغية أصبح شعر العرب ليس للعرب فقط. بل نجد نفس هذه الظاهرة في أقصى بلاد الإسلام من جهة الشرق وبالتحديد في إندونيسيا حيث سهام نسل الجالية العربية من حضرموت المقيمون في اندونيسيا منذ قرون في استمرار وجود شعراء من أهل تلك الديار يكتبون الشعر العربي الفصيح.

بل وصل الأمر في الدلالة على عالمية الشعر العربي أنه وجد من يكتب القصائد العربية هو غير عربي ولا مسلم أصلا فهذا مثلا المستشرق الفرنسي المعاصر أندريه ميكيل بلغ من شغفه بالشعر العربي أن قام بتأليف عدد من القصائد باللغة العربية ثم قام لاحقا (بترجمتها) للغة الفرنسية ونشرها مع أصلها العربي في كتاب مستقل حمل عنوان (أشعار متجاوبة). الطريف في الأمر أن ليس فقط المستشرقين الذين أفنوا أعمارهم في دراسة الثقافة العربية مما أهّل بعضهم لنظم الشعر العربي بل نجد حتى بعض الرحالة الأوروبيين له اهتماما بالشعر العربي خصوصا الشعر النبطي لدرجة أن المغامرة والرحالة الإنجليزية الليدي جين ديغبي التي تزوجت من أحد شيوخ قبائل البدو السورية يقال إنها كانت تجيد نظم الشعر النبطي.

 وبعد هذا التطواف التاريخي والجغرافي لمحاولة تلمس عالمية الشعر العربي أود بمناسبة الإعلان قبل حوالي أسبوع من قبل وزارة الثقافة عن اختيار السنة الحالية لتكون (عام الشعر العربي 2023)، أود أن أشير إلى أن الشعر العربي الفصيح وإن كان منبعه ومركزه جزيرة العرب إلا أنه له امتداد جغرافي عميق وتاريخ عريق جدير بأن يسلط عليه الضوء وتدبج وتنظم فيه قصائد الفخر والمديح.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق