السبت، 19 أغسطس 2023

( ميسي وصدى ألاعيب الألعاب الأولمبية القديمة )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

قبل حوالي سنة قرأت كتابا لطيفا وثريا بالمعلومات والخيال حمل عنوان (عام في حياة الإغريق القدماء) من تأليف المؤرخ والكاتب البريطاني المعاصر فيليب ماتيشاك الكتاب يدور عن تتبع مجريات الحياة اليومية لثماني شخصيات متنوعة وخيالية من المجتمع الإغريقي القديم ومن ضمن هذه الشخصيات لفت انتباهي الدراما في منعطفات حياة رياضي وعدّاء يفوز ببطولة الألعاب الأولمبية. السنة التي أختارها الكاتب ماتيشاك لكي يعكس من خلالها طبيعة الحياة القديمة في المجتمع الإغريقي هي سنة 248 قبل الميلاد والتي كانت تتوافق مع انعقاد الدورة رقم 133 في تاريخ الألعاب الأولمبية.
وبالرغم من أن المسابقات الرياضية القديمة كانت تشمل على طيف متنوع من الألعاب الجسمانية مثل المصارعة والملاكمة والقفز الطويل ورمي الرمح والقرص وغيرها إلا أن ملكة الألعاب الأولمبية المتوجة كانت مسابقة الجري لمسافات طويلة كانت شعبية مسابقة الجري قديما تماثل شعبية لعبة كرة القدم بل أشد. لدرجة أن من يفوز من العدائين ببطولة الجري يطلق اسمه واسم مدينته لمدة أربع سنوات متتالية على اسم دورة الألعاب الأولمبية التي فاز بها. ونظرا لهذه المكانة والبريق لهذه المسابقة كانت كل المدن الإغريقية وغيرها تتنافس فيما بينها أن يظهر من بين أبنائها عداء سريع يحقق لنفسه ومدينته هذا المجد والخلود في التاريخ. ومن هنا تتبع المؤرخ البريطاني ماتيشاك يوميات عداء رياضي متخيل يدعى سيميلوس من مدينة نابولي الإيطالية والتي كانت في ذلك الزمن التي تقع على هامش الإمبراطورية الرومانية القديمة. وبالرغم من تعلق شعب وحكام مدينة نابولي بابنهم الرياضي ذي الموهبة الفذة في الجري وتشوقهم لأن يجلب لهم المجد وحرصهم على تدريبه على أعلى مستوى وإغداق الأموال عليه إلا أنه ساورهم القلق من معرفة أن حكام جزيرة كريت الواسعة الثراء والنفوذ استدعوه إلى قصورهم الفارهة لكي يحاولوا أن يقنعوه بالتنازل عن ولائه لمدينة نابولي وأن ينافس في البطولة الرياضية وهو يمثل عاصمة جزيرة كريت. وطبعا لو فاز ذلك العداء بتلك المنافسة الرياضية سوف تسجل كل الدورة 133 من الألعاب الأولمبية باسم بطولة (العداء سيميلوس من كريت) بدل أن تسجل باسم (سيميلوس من نابولي) ومن هنا نفهم مدى حرص كل المدن الكبرى في ذلك الزمن على استقطاب وشراء ولاء مشاهير الرياضيين وبالخصوص المميزين في منافسة الجري والعدو.
لن أفصح على ماذا استقر رأي العداء سيميلوس في المشاركة تحت راية وشعار أي مدينة وذلك كنوع من التشويق لمن قد يرغب في قراءة ذلك الكتاب الممتع بحق
ومع ذلك في التاريخ الحقيقي والواقعي حصل بالفعل أنه تم انتقال بعض مشاهير الرياضيين من مدينة إغريقية إلى مدينة أخرى وكان لذلك توابع ونتائج طريفة. من ذلك مثلا أن العداء أستيلوس من مدينة كروتون في جنوب إيطاليا والذي يعد أحد أشهر أبطال الألعاب الأولمبية القديمة قد فاز بمسابقات الجري وجائزة إكليل الزيتون في ثلاث دورات أولمبية خلال الفترة 488-480 قبل الميلاد. في الدورة الأولى كان أستيلوس يمثل مدينة كروتون ولكن في الدورات التالية تمكنت مدينة سيراكيوز عاصمة جزيرة صقلية من شراء ولائه لينافس تحت رايتهم. ونتيجة لذلك قام شعب مدينة كروتون بإزالة أي شيء يشير لأمجاده معهم لدرجة أنهم قاموا بتحطيم تمثاله الذي كرموه به وكذلك وكنوع من الإهانة قاموا بتحويل منزله في كروتون إلى سجن.

وهكذا سواء قبل ألفين خمسمائة عام أو يوم أمس قد يقوم عشاق الرياضة والمتيمين بها بالمبالغة في تمجيد لاعب رياضي مميز مثل ليونيل ميسي أو كريستيانو رونالدو إذا حقق لهم البطولات وتجاوب مع رغباتهم وأهوائهم وقد يقمون في المقابل بالسخرية الشنيعة منه والاستنقاص المجحف به إذا لم يحقق لهم ما يصبون إليه.


 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق