الأحد، 28 أبريل 2019

( التدرج في الانزلاق ... مشايخ الطرب نموذجاً )

ظاهرة اجتماعية محيرة .. من التشدد الديني إلى الانفتاح والرخاوة السلوكية

د/ أحمد بن حامد الغامدي

ظاهرة غريبة في تاريخ الغناء العربي الحديث تتمثل في أنه ولد من رحم التواشيح الدينية والهمهمات الصوفية وإنشاد قصائد المديح النبوية. المفارقة هنا أنك تصاب بالحيرة في الحكمة التي أطلقها أبو العتاهية في أرجوزته ذات الأمثال عندما قال (ما طاب فرعُ لا يطيب أصله) فهل السماع والإنشاد الديني طيب الأصل والأرومة أم أنه منحرف في أصله وعليه فثمرته المرة (الغناء) غير مستغربة. من المعروف عن المغنية الشهيرة أم كلثوم ليس فقط نشأتها في أجواء حفلات الذكر في المولاد والإنشاد الديني ولكن اكتشافها وتقديمها لساحات ومسارح الغناء تمت على يد عدد من رجال الدين وقراء القرآن الكريم من (مشايخ الطرب) مثل الشيخ أبو العلا والشيخ زكريا أحمد.
المجتمعات والبيئيات المحافظة بل وحتى المتحجرة فكريا هي عرضه لحصول التغير الاجتماعي والتحول السلوكي والتذبذب الفكري بسبب تأثير عوامل متداخله متعددة ونتيجة لتصارع مؤثرات داخلية وخارجية متنافرة. في الغالب موجة التغيير ودورة التبديل تحتاج لعقود متطاولة من الزمن لتنتج تأثيرها في حين قد يحصل التغير في غفلة من الزمن. وعلى ذكر مشايخ الطرب ومسيرة بعضهم المنزلقة في وهدة الانحدار لعل من الملائم الإشارة للحالة الغريبة للشيخ سيد الصفتي الذي كان برنامج حفلاته المسائية في السنوات الأولى من القرن العشرين  (يبدأ أمسياته بالقراءة المجودة للقرآن الكريم ثم ينتقل لإنشاد التواشيح الدينية ثم يختم مع ساعات الفجر الأولى بغناء الألحان العاطفية بمصاحبة العود). 
كنت أعلم مسبقا بارتباط بعض مشايخ الدين ببدايات الغناء في أرض مصر المحروسة من مثل الشيخ سلامة موسى والشيخ أبو العلا ولكن لم أكن أدرك أن تلك الظاهرة النشاز متعمقة لدرجة أنه قد شارك فيها بشكل أو آخر بعض شيوخ  الأزهر أو من تولى منصب مفتي الديار المصرية وكذلك عدد من قراء المشايخ ومؤذني المساجد. أطلعت قبل فترة على كتاب صادم يناقش ظاهرة ( مشايخ الطرب ) وهم رجال الدين في أرض مصر الذين كانوا ولا زالوا يتميزون باعتمار العمامة ولبس الجبة والقفطان ولهذا كان عنوان ذلك الكتاب (المُعمّمون في ساحة الغناء والطرب) من إصدارات دار الهلال المصرية وتأليف الناقد الفني والصحفي المصري خليل عبدالنور.
كما هو معلوم من بدايات التاريخ العربي وجدت الظاهرة الاجتماعية المتعلقة بحفلات الغناء ولكنها لم تكن منتشرة في جميع شرائح المجتمع حيث أنها كانت شبه محصورة في قصور الأمراء وكبار الأثرياء أو موجودة بالخفاء في أوساط الدهماء. الغريب في الأمر أن (التقاليد الاجتماعية والأصول المرعية) المتبعة في المجتمع المصري عند بداية انتشار ظاهرة (السماع العام) للاغاني في الأفراح والليالي الملاح كانت تمنع المرأة إذا أرادت الغناء من الظهور المباشر أمام الرجال. غناء المرأة من وراء الستار هو بداية تساهل المجتمع المصري في شيوع الطرب في المسارح والافراح وهذا ما حصل مع اشهر مغنية في الزمن البائد وهي (الست ألمظ) زوجة رائد الغناء العربي عبده الحامولي والذي بعد زواجه منها منعها بشكل تام من الغناء حتى ولومن وراء حجاب.
الشيخ سلامة حجازي ذاع صيته في بداية شبابه كمقرئ مجود للقرآن الكريم ومؤذن ومنشد جميل الصوت ولاحقا أصبح من مشايخ الصوفية لدرجة أنه تولى مشيخة الطريقة الصوفية المسماة بالراسية. ولكن في أواخر عمره انتهى به الحال ان يعمل كمطرب وممثل علي خشبة مسارح القاهرة والاسكندرية لدرجة انه أصيب بالشلل وسقط علي خشبة المسرح وهو يؤدي أحد ادواره الغنائية علماً بأنه في اوائل شبابه رفض التمثيل وقال (أنا شيخ طريقة صوفية ولا يصح أن انزل إلي مستوى المشخصاتية). وعلى نفس النسق كان المغنى والملحن المصري ( الشيخ أبو العلا ) في الاصل من أشهر القراء في القاهرة إلى أن احترف في مجال انشاد قصائد المديح النبوي والتواشيح الدينية المصحوبة بما يسمى فرقة ( التخت الشرقي ) والتي في وقتها لم تكن تتجاوز وجود عازف على الربابة وآخر يعزف على الناي. ولاحقا أصبح هذا الشيخ المعمم هو من أكتشف أم كلثوم وصقل موهبتها كما يقال ولحن لها أشهر أغانيها العاطفية القديمة والتي كان منها قصيدة غزلية قديمة لشيخ الأزهر الفقيه والأديب الشيخ عبدالله الشبراوي الذي لو كان حياً لمنع مهزلة أن تغنى قصائده.
الشيخ المعمم زكريا أحمد يعتبر ثاني أهم شخصية أثرت في مستقبل أم كلثوم ولكن بحكم كونه حافظاً للقرآن الكريم بالقراءات السبع ومن مشاهير القراء الشباب في القاهرة لهذا عندما بدأ شغفه بالموسيقى والطرب يسوقه للجلوس على بعض مقاهي القاهرة للاستماع للألحان والأغاني أُستهجن هذا الفعل منه ولهذا  تم إحالة الشيخ زكريا أحمد إلى مجلس تأديبي أصدر قراراً بحرمانه من دخول الأزهر وايقاف صرف المكافآت المالية له. أما أهم ملحن أغاني في مشوار أم كلثوم وهو (الشيخ) محمد القصبجي الذي لحّن لها حوالي 120 أغنية فلا عجب أن نعلم بعد ما سبق ذكره أنه في صباه قد أتم حفظ القرآن الكريم وهو في سن التاسعة ثم ألتحق بعد ذلك بالدراسة في الجامع الأزهر وحمل لقب الشيخ عندما كان يرتدي زي الازهريين المميز.
بقي أن نقول أنه لا أدل على صلة القرابة بين موجة الغناء العربي الحديث وبين الجذور الدينية ذات الطابع المحافظ من الاشارة إلى أن أساطين وسلاطين الطرب العربي ولدوا في بيوت وأسر متدينة. فهذه سيدة الغناء العربي كما توصف أم كلثوم والدها الشيخ أبراهيم البلتاجي هو امام جامع قرية طماي القريبة من السنبلاوين بينما الموسيقار محمد عبدالوهاب نجده هو الآخر أبن أمام جامع الشيخ الشعراني العريق بل وصل الأمر أن محمد عبدالوهاب في صباه ربما قام برفع صوت الآذان من فوق مأذنة جامع الشعراني بحي  باب الشعرية في قلب القاهرة الفاطمية. أم رائد الغناء العربي الحديث سيد درويش فقد ظل فترة من الزمن في أوائل حياته وهو يعرف باسم (الشيخ سيد) وذلك عندما كان طالب علم في الجامع الأزهر وكان يرتدي الجبة والقفطان ويعتمر العمامة الازهرية.

ماذا حدث للمصريين !!؟
سؤال محير ومربك يطرح نفسه (كيف تنزلق المجتمعات المحافظة والمتدينة إلى بيئات رخوة أخلاقياً ومتذبذبة فكرياً) ولمحاولة تلمس الاجابة عن هذا التساؤل عما حدث للمصريين ومن في حكمهم لعلنا نستلهم (جزء من الجواب) من أهم دراسة على الاطلاق عن المجتمع المصري وهو كتاب (شخصية مصر) للكاتب والمفكر المصري الكبير جمال حمدان. يوافق جمال حمدان بشيء من التحفظ على وجهة نظر عدد من المؤرخين والمستشرقين بأن الشخصية المصرية (معزولة) وأنها بصورة أو بأخرى عالم كامل وحده قائم ومكتفي بذاته. وهنا تكمن المشكلة أن المجتمعات المعزولة (عزلة حماية) والمستقلة بذاتها عندما تتعرض لمرحلة احتكاك حضاري مع قوى أكثر تطوراً وتقدماَ (في حالة مصر الغزو الفرنسي زمن نابليون والنفوذ التركي زمن حكم الاسرة الخديوية والاحتلال البريطاني الطويل) يكون من توابع ذلك تعرض الأمة إلى حالة سيولة حضارية واستلاب ثقافي. يصف الدكتور جمال حمدان هذه المرحلة بأنها مرحلة الانبهار الحضاري والانهيار النفسي مما يجعل فئام من الشخصية المصرية في القديم تفقد الثقة في تاريخها وتراثها وتتهافت إلى النقل والتقليد للأفكار والاخلاق الغربية المتفرنجة. هل هذا يفسر تقبل المجتمع المصري اثناء بداية الاحتلال الانجليزي تحوله من مجتمع محافظ ينتشر فيه الحجاب ويمنع فيه الاختلاط إلى تقبل فتح أوكار الدعارة المرخصة رسمياً في حي الأزبكية السيء السمعة وافتتاح المسارح والكبريهات والخمرات في شارع الهرم وشارع عماد الدين.
بعد مرحلة الانبهار والانهيار السالفة الذكر يرصد الدكتور جمال حمدان مرحلة تالية في المجتمع المصري يصفها بأنها مرحلة جاءت في الاصل كردة فعل عكسي لمرحلة الاستلاب الحضاري وهي مرحلة رافضة للغرب والتفرنج وتجنح إلى العودة للماضي واشتداد الحركات السلفية. اللافت في الأمر أن جمال حمدان ينتقد هذه المرحلة العكسية ويعتبر أن المجتمع أنقلب من مشكلة (مركب النقص) إلى ضدها وهي (مركب العظمة). الغريب في الأمر أنه توقع بأن المجتمع المصري في منتصف القرن العشرين سوف يجنح إلى ما سماه (مرحلة الاعتدال) وبالتالي توقع أن تتعدل مسيرة الحراك الاجتماعي في الشعب المصري ولكن ما حصل هو عكس ذلك تماما لدرجة أن الكاتب والمفكر المصري المعاصر جلال أمين حاول أن يرصد التغيرات الكارثية الهائلة التي حصلت في المجتمع المصري وعلية نشر كتابه ذائع الصيت وواسع الانتشار (ماذا حدث للمصريين). لقد نشر هذا الكتاب في السنوات الاخيرة من القرن العشرين وكان هدفه أن يرصد بالدرجة الاولى التغييرات الاجتماعية (السلبية) التي حصلت في المجتمع خلال نصف القرن الأخير وكأنه بطريقة غير مباشرة يحاكم حكم العسكر وتأثيره الشنيع على المجتمع المصري.
بالمناسبة كتاب (ماذا حدث للمصريين) كتاب جيد من ناحية محاولة تفسير أسباب الحراك المجتمعي والمؤثرات المفصلية فيه بينما نجد الكتاب المحلي المقلد له (ماذا حدث للسعوديين) وإن كان ليس فقط استعار عنوان كتاب جلال أمين بل وحتى صورة غلافة إلا أنه كأي عمل مقلد كان أضعف منه بكثير بالإضافة لأنه أصابه الشطط في التركيز على نقد تشدد وانغلاق المجتمع في مقابل التنظير والتعزيز لظاهرة الانفتاح الفكري والسيولة السلوكية. للأسف الشديد في حين نجد بعض الشعوب العربية الشقيقة ينبري من أبنائها من يحاول وضع نظريات وافكار تقدمية في تطوير مجتمعها المحلي بالانطلاق من ثوابتها الدينية والقومية كما في كتب المفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي مثل كتاب (من أجل التغيير)  وكتاب (ميلاد مجتمع) نجد بعض الكتب والدراسات الاجتماعية عندنا تركز على التنظير للتحديث والتطوير في منظور مصادم للأصالة والتراث كما نجد ذلك في كتاب مي يماني (هويات متغيرة .. تحدي الجيل الجديد في السعودية) وكتاب جهاد الخنيزي (الاصلاح والممانعة في المجتمع السعودي) وكتاب (السعودية البديلة) لأحمد عدنان.

الأربعاء، 27 مارس 2019

( الحكم على لجان التحكيم !! )

لجان التحكيم .. بين المطرقة والسندان

د/ أحمد بن حامد الغامدي

ينقل عن الاديب الانجليزي صمويل جونسون قوله (يتوق كل من يؤلف كتاباً إلى المديح، أما من يصنف قاموساً فحسبه أن ينجو من اللّوم) وعلى نفس هذا النسق لعلي أعدل مقولته الحكيمة لتصبح (يتوق كل من يشارك في نشاط ثقافي إلى المديح، أما من يشارك في لجان تحكيم الجوائز فحسبة أن ينجو من اللّوم).
 الأحكام التي يصدرها أعضاء لجان تحكيم الجوائز وقعها على الجمهور كنظرة المتخاصمين لأحكام القاضي فالبعض يرضى بالحكم والعديد يسخط منهويصبح الحال كما وصف الطغرائي من قبل:
إن نصف الناس أعداءٌ لمن            ولي الأحكام هذا إن عدلْ

الأعجب من ذلك أن البعض قد يسخط على حكم لجنة التحكيم حتى وإن كان الحكم في صفه وتم تكريمه بمنحة الجائزة من ذلك مثلا يقال أن الأديب الموصوف بالعملاق عباس محمود العقاد بلغه خبر أنه سوف يتم منحة جائزة دكتوراه تكريمية فما كان رده إلا أن قال وبكل أنفه (ومن هذا الذي يستحق أن يقيم ويختبر العقاد !!) أما جائزة نوبل فموقفه منها أنه كان يأنف أن ينشغل بها كما رفض أن يتم ترشيحه لها.
من المشهور عن العالم النيوزيلندي رذرفورد شدة تعصبه لعلم الفيزياء لدرجة أنه قال (العلم هو الفيزياء وما سواه جمع طوابع) وعليه يمكن أن نستشعر المرارة التي أحس بها رذرفورد حيال أعضاء لجنة تحكيم جوائز نوبل عندما أعلنوا في عام 1908م منحه جائزة نوبل في (الكيمياء) وليس في علم الفيزياء. ولهذا كتب رذرفورد رسالة إلى أحد أصدقائه يعرب فيها عن صدمته من الحكم (ودهشته من تحويله ومسخه إلى كيميائي !!!).

من المعلوم أن بعض الادباء رفضوا لسبب أو آخر قبول جائزة نوبل  مثل الكاتب الفرنسي جون بول سارتر والاديب الايرلندي جورج برنارد شو الذي صرح بنقده للجائزة ولجان تحكيمها (إنني غفر لنوبل أنه اخترع الديناميت ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل).
الجدير بالذكر أنه حتى بعض العلماء والمخترعين رفضوا قبول جائزة نوبل ليس كموقف أولى ضد الجائزة نفسها لكن (لملابسات) حكم لجنة جائزة نوبل. وهذا ما حصل مع العالم والمخترع الصربي الأصل نيكولا تسلا والذي له اسهام كبير في مجال الهندسة الكهربائية.
توجد اشاعات تتردد في الاوساط العلمية أن جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1915م كانت في الاصل سوف تمنح لكلا من نيكولا تسلا بالمشاركة مع توماس أديسون ولكن بسبب حالة العداء الحادة بينمها (اشتهرت باسم حرب التيارات الكهربائية) يقال أن تسلا رفض أن يقبل بالموافقة على استلام الجائزة حال تم الإعلان أن عدوه اللدود أديسون سوف يشاركه فيها. 

بعد هذا وذاك هل نستغرب أن يتم كيل أشد وأشنع الانتقاد للجان التحكيم من قبل الأطراف الأخرى المتنافسة خصوصا أذا لم تمنح لهم الجائزة.في أمتنا العربية القدح في كفاءة (لجنة الحكم) موروث أصيل منذ القدم فقبل مشاكل ومعارك مسابقة شاعر المليون كان الشعراء في العصر الجاهلي يتنافسون في سوق عكاظ حيث كان الحكم بينهم شاعر العربية الفحل النابغة الذبياني الذي كان تضرب له  قبة حمراء من جلد.
وفي أحد مواسم (مسابقة سوق عكاظ الجاهلية) وبعد أن أستمع النابغة الذبياني للأشعار البديعة للأعشى والخنساء وللشاعر الشاب (في ذلك الوقت) حسان بن ثابت حكم النابغة بتفوق الاعشى أولاً ثم الخنساء ثانياً ثم حسان ثالثاً وهنا غضب حسان بن ثابت وتهجم على لجنة التحكيم وخاطب النابغة بقولة (والله لأنا أشعر منك ومن أبيك).

الطريف في الأمر أن عدم تقبل حسان بن ثابت لقرار التحكيم على غرابته ألطف بكثير مما حصل مع أمرؤ القيس الذي (طلّق) الحكم بالحقيقة لا بالمجاز. تقول القصة أن أمرأ القيس والشاعر علقمة الفحل تنافسا أيهما أجود في نظم الشعر من الآخر فتحاكما إلى أم جندب وهي زوجة أمرؤ القيس فقالت لهما ليصف كلا منكما فرسه. وبالرغم من أن (الناقدة الأدبية) أم جندب كانت تتحلى بأقصى درجات المهنية في التحكيم لدرجة أنها حكمت لصالح علقمة الفحل ضد زوجها إلا أنه هذا جر عليها العار والشنار حيث غضب منها أمرؤ القيس وقال (ليس الأمر كما قلتِ، وما هو بأشعر مني ولكنك أحببته) فطلقها.
المشكلة أن حكم أم جندب لم يتسبب في طلاقها فقط ولكن أيضا في تشوية سمعتها في كتب تاريخ الادب ولهذا أنتقم بعض كبار نقاد اللغة العربية من هذه المرأة الجاهلية التي انتقصت حامل لواء الشعر العربي أمرؤ القيس فزعموا بأنها في الأصل لم تكن تحبه واستغلت (حادثة التحكيم) لإثارة حنق زوجها منها لكي يطلقها كيف لا وهي التي تصف علاقته الحميمة معه بأنه (بطيء الإفاقة، سريع الإراقة).

وعلى ذكر تحكيم النساء في (النقد الأدبي) ينبغي أن نقول أن أمرأ القيس في جاهليته كان أكثر تحضرا من الشاعر الأموي جرير والذي مع رقته المشهورة مع النساء إلا أنه رفض من الأصل قبول إمكانية مقدرة المرأة على إصدار الحكم السليم.
 تذكر كتب الأدب أنه أجتمع الفرزدق وجرير والأخطل عند الأمير الأموي بشر بن مروان وكان هذا الأمير يغري ويحرش بين الشعراء.فقال الأمير للأخطل احكم بين الفرزدق وجرير فقال أعفني أيها الأمير وحاول الأخطل أن يتجنب هذا الموقف لكن الأمير أبى إلا أن يقول. فقال الأخطل هذا حكم مشؤوم ثم أصدر الأخطل حكمه  المشهور (أما الفرزدق فينحت من صخر وأما جرير فيغرف من بحر).
فلم يرض بهذا الحكم الأدبي جرير وأعتبر هذه (الحكومة) أستنقاص لتفوقه الشعري ولهذا قام بهجاء الأخطل والتعريض بسفاهة حكمه الشبيه بحكم النساء:
يا ذا الغباوة إن بشرا قد قضى       ألا تجوز حكومة النسوانِ

وفي حادثة أخرى من التراث العربي القديم لم يسلم الحكم من لوم وهجاء كلا من الطريفين المتنافسين وهذا ما حصل مع الشاعر الأموي الصلتان العبدي الذي أتى به الفرزدق وأختاره بنفسه لكي ينصره في منافسته لجرير.
 والغريب أن الصلتان بالرغم استقواء الفرزدق به إلا أنه حكم بأن جرير أجود في الشعر في حين أن الفرزدق أعرق في النسب. وطبعا لم يرضى هذا الحكم لا الفرزدق ولا حتى جرير وهنا نجد أن الفرزدق ينبز ويحتقر الصلتان بأنه (فلاح من الأحساء) لا علم له بالشعر ولهذا قال عنه الفرزدق: أما الشرف فقد عرفه وأما الشعر فما للبحراني والشعر.
والاغرب من ذلك أن جرير مع أنه كان الفائز في نتيجة التحكيم إلا أنه لم يتردد هو الآخر بأن يهجو الصلتان ويسخر منه بأنه لا يصلح إلا لزراعة النخيل ولهذاسخر منه بقوله:
أقول ولم أملك سوابق عبرة         متى كان حكم الله في كرب النخل

ومع ذلك تبقى الحادثة الأخطر والأكثر دموية في تاريخ عدم القبول بنتائج التحكيم هي تلك التي تسببت في مقتل عالم الكيمياء الفرنسي لافوازية الملقب بأبو علم الكيمياء الحديثة. كان المفكر الفرنسي جان بول مارات ثاني أبرز قادة الثورة الفرنسية (بعد سيء الصيت روبسبير) وأكثرهم دمويه وطيشا وما يهمنا هنا أنه في أوائل شبابه تقدم إلى أكاديمية العلوم الفرنسية بطلب الحصول على عضويتها.
ولأنه كان من شروط الحصول على عضوية تلك الأكاديمية العلمية المرموقة أن يتقدم المترشح ببحث علمي جديد ولقد كان البحث العلمي لجان بول مارات عن تفسير عملية الاحتراق.
وبحكم أن لافوازية هو أهم شخصية علمية في هذا المجال أرسل له البحث الجديد لكي يقوم بتحكيمه من الناحية العلمية. وهنا بدأت كتابات فصول أحداث الفاجعة التاريخية حيث أنتقد لافوازية بشكل حاد ومهين أطروحة مارات ووصفها بأنها متهالكة وضعيفة من الناحية الكيميائية وهذا ما تسبب في أن يحمل مارات الضغينة والحقد ضد لافوازية.
وعندما اندلعت الثورة الفرنسية شكلت محاكمة صورية للافوازية كان جان بول مارات أحد قضاتها ولهذا لا غرابة أن يتم إعدام لافوازية بالمقصلة في نفس يوم المحاكمة ودفنت جثته في قبر مجهول.

الحكم على اختلاف الأذواق
الاختلاف والتنوع في الافكار والتصورات من طبيعة البشر ومقولة (لولا اختلاف الاذواق لبارت السلع) تشمل على حدا سواء السلع المحسوسة الحقيقة والسلع الذهنية المجازية. وكنتيجة لتنوع التصورات سوف تتباين درجات التقييم وبالجملة في الإعلام وحديث المجالس النخبوية أكثر ما يتم الاعتراض والتعجب من نتائج تحكيم الاعمال الابداعية الادبية أو الانتاج الفكري المتجسد في الكتب.
 ولو استعرضنا تاريخ البشرية منذ بدايات المسابقات الثقافية لوجدنا أن هذه الظاهرة موجودة منذ الأزل. في الواقع قد تكون أقدم مسابقات ثقافية وابداعية فنيه معروفة ومسجلة هي تلك التي حصلت في بلاد الاغريق قبل حوالي 2500 سنة.
 ما يهمنا هنا أنه حتى وأن كنت أنت أكثر شخص يمتلك القدرة والإمكانات في تقييم وإصدار الحكم السليم على الاشياء فينبغي أن تعلم أن زاوية النظر والتقييم للأمور قد تختلف لدى فئام أخرى من الناس لا يقلون عنك خبرة ودراية.

بلا أدنى جدل يعتبر الفيلسوف والمفكر الاغريقي أرسطو مؤسس فن النقد الأدبي بدلالة كتبه البالغة التأثير عن (الشعر)و (الخطابة) ومع ذلك ليس شرطا أن يتوافق حكمه في القضايا الادبية مع نتائج تقييم لجنة الحكم. في زمن أرسطو كانت تقام في مدينة أثينا المسابقات السنوية المشهورة للمسرح اليوناني القديم وتم من خلالها تقديم أشهر وأهم الأعمال الأدبية الإغريقية الكلاسيكية.
لقد أعتبر أرسطو أن مسرحية (الملك أوديب) للروائي اليوناني سوفوكليس هي مثال للمسرحية النموذجية وأفضل مسرحة في تاريخ اليونان ومع ذلك كان رأي لجنة التحكيم مختلف حيث حققت هذه المسرحية المركز الثاني.
 وبينما أعتبر أرسطو أن الروائي اليوناني يوربيدس أعظم من يكتب مسرحيات التراجيديا جاءت مسرحيته (ميديا) في المرتبة الثالثة حسب تقييم الحكام. ما ينبغي الاشارة إليه في هذا المقام أن اختلاف التقييم والحكم على الاشياء من طبائع الاشياء ويتساوى في ذلك أكثر العقول البشرية ذكاءً وعبقرية فهذا الفيلسوف أفلاطون أستاذ أرسطو كان له نظرية مختلفة تماما عن الادب حيث له نظرية نقدية حادة ضد المسرح الذي كان يراه قائم على الخداع وأن التراجيديا تشكل خطر على المشاهدين في حين أنه من المشهور عن افلاطون أنه طرد الشعراء من مدينته الفاضلة.

الاختلاف في نظرة (الحكم) على الأشياء بين أفلاطون وأرسطو على ما بينهما من التجانس والعلاقة الوثيقة يخدمنا في فهم كيف يصيب الشطط بعض العقول في التباين الحاد في تقييم الأشياء خصوصا نظرة وحكم القرناء المتنافسين حيال بعضهم البعض. الحكم والقاضي أولا واخيرا هو بشر يقع تحت طائلة المؤثرات الخارجية فقد يحابي كما قد يعادي وقلّ من يسلم من هوى النفس.
لو كان محمود عباس العقاد في لجنة تحكيم لجائزة الشعر العربي وطلب منه تقييم شعر أحمد شوقي فهل كان سوف يمنحه الجائزة وهو الذي كان ينكر أن يكون أمير الشعراء شوقي شاعرا وكان يقول عنه أنه فقط مجرد ( نظّام ). وتوصيف العقاد لشوقي بأنه ( ينظم الشعر) دلالة على أنه شاعر مبتدئ وهو حكم غريب من أديب (أي العقاد) له عشرة دواوين شعرية ضعيفة ولم يشتهر منها بيت واحد.
وفي حين أن الجمع الغفير من الادباء أعترف بجودة كتابات طه حسين لدرجة أنهم لقبوه بعميد الأدب العربي نجد معاصره الأديب إبراهيم المازني كان يخرج مقالات طه حسين من عالم لكتابة ولا يراها كنوع من الاستنقاص لها إلا (خطب مدونة) بينما الاديب المعاصر الدكتور راشد المبارك رحمة الله كتب مقال مثير للجدل كان عنوانه بكل جرئه: (المتنبي ليس شاعرا).
سمة الجور في الأحكام طالت جميع الشعوب لدرجة أن أديب فرنسا فولتير (ذو العقل المتنور بزعمهم) وصف عبقري الأدب الانجليزي شكسبير بأنه همجي مخمور ولا يعجب بمسرحياته إلا أهل لندن وكندا.

والمقصود بعد هذا التطواف والابحار شرقا وغربا هو التنبيه المبكر أننا الزملاء والزميلات أعضاء لجنة تحكيم (جائزة وزارة الاعلام للكتاب 2019) اجتهدنا قدر الطاقة ووفق المتاح للوصول للحكم السليم. وعلى وفق مقولة صمويل جونسون سابقة الذكر قد لا نتوق للمديح لكن بالقطع نأمل أن ننجو من اللّوم ومع ذلك نرجو أن لا نكون وقعنا في خلل واضح أو زلل قادح.
المهم أن لا يقع بشكل متعمد اغفال عمل ثقافي وفكري مميز أو على النقيض من ذلك أن يتم دفع عمل ضعيف إلى منصة التتويج. وختاما النقص من طبع البشر واحتمال حصوله وارد فهذه جائزة نوبل العريقة يعاب عليها اغفال كبار العباقرة في الادب (مثل تولستوي ومارك توين وفرجينيا وولف وجيمس جويس) أو مشاهير القامات العلمية (مندلييف وأدوين هابل وويلارد جيبس وفريد هويل) بل حتى لم يحصل على جائزة نوبل للسلام أشهر أيقونة ضد العنف ورائد حركة السليمة (اللاعنف) المهاتما غاندي.

وعلى نقيض اغفال الاكابر من الجوائز وقع من لجان جوائز نوبل تلميع بعض اسماء الاصاغر ومنحهم الجائزة ولهذا ربما كانت ردة فعل بعض النقاد متفهمة عندما وصف منح جائزة نوبل للأدب عام 2016 لفنان الاغاني الشعبية الامريكي بوب دلن بأن هذا الأمر إهانة وتحقير لجميع الكتاب والأدباء.
 المحرج في الأمر للجنة جائزة نوبل أن بوب دلن تعامل (بسلوك شعبي) مع تلك الجائزة المرموقة حيث لم يعلق على خبر منحة الجائزة إلا بعد مرور حوالي أسبوعين من الإعلان عنها بل أنه حتى لم يحضر حفل تسليم الجائزة ولم يرسل كلمة الجائزة أو ما يسمى خطاب استلام الجائزة.
لا شك أن كاتب الأغاني الشعبية بوب دلن تسبب بحرج كبير للجنة تحكيم جائزة نوبل في الأدب لكن موقفه ألطف بكثير من الحرج الذي تسبب به الكاتب الانجليزي جون بيرجر للجنة تحكيم جائزة البوكر الأدبية البريطانية.
كما هو معلوم فإن جائزة البوكر Booker هي ثاني أهم جائزة أدبية على الاطلاق لكن المشكلة أن تمويل هذه الجائزة المرموقة يأتي من شركة مان Man Group الضخمة التي من انشطتها التجارية الاستثمار في مزارع قصب السكر في منطقة الكاريبي. وبسبب مشاكل حقوق الانسان واضطهاد العمال في الشركات الرأسمالية قام جون بيرجر بالتبرع بنصف القيمة المالية لجائزة البوكر للمنظمات المناهضة لنشاط شركة مان في جزر الكاريبي !!.

 أما نصيب جائزة غونكر الأدبية الفرنسية (ثالث أهم جائزة أدبية دولية) من الحرج للجنة التحكيم أنه من شروط هذه الجائزة المرموقة أن تمنح مرة  واحدة فقط للشخص الواحد.
لكن لجنة تحكيم هذه الجائزة منحتها بالخطأ مرتين للكتاب الفرنسي رومان كاسو في عام 1956 ثم مرة ثانية عام 1975 حيث كان المطب الفاضح الذي وقعت به لجنة التحكيم أن الجائزة الثانية لرومان كاسو كانت للرواية التي كتبها تحت أسم مستعار هو أميل آجار وكان ينبغي للقائمين على الجائزة عدم الاعلان عنها قبل التأكد من وجود الكاتب وشهرته في المجتمع الادبي.

بقي أن اقول أنني في سابق الازمان لربما كنت أنتقد سراً وجهرا نتائج تحكيم بعض الجوائز العلمية أو الادبية ولشعوري بوجود خلل ما في آلية التحكيم وتأثيرات التدخلات السياسية او الفكرية  في منح الجوائز. واليوم وفي منظور هذه التجربة الجديدة لي مع دراما الجوائز شعرت ان بعض ( عذلي) وانتقادي قد يكون مبالغ فيه وهنا تذكرت حكمة المتنبي المعبرة:
وعذلت أهل العشق حتى ذقته
           فعجبت كيف يموت من لا يعشقُ
وعذرتهم وعرفت ذنبي أنني
                      عيرتهم ولقيت فيه ما لقوا



السبت، 9 مارس 2019

( المخطوطات الاسلامية .. وأطلال الأمة الواحدة )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

من ذكريات أيام المجد للسوق الرائجة للكتاب العربي اشتهرت المقولة التي تنسب لطه حسين ( القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ ) لسنوات طويلة كنت اعتقد اننا في اقليمنا المحلي كنّا علي هامش عالم الثقافة العربية ولكن مؤخرا  تأكد لي انه حتى مراكز العروبة المتباهية لم تكن هي الحامل ( الشرعي والوحيد) لمشعل الحضارة الاسلامية الوضاء.
أبرز ما رسخ في شعوري بعد زيارتي لمعرض ( وهج ) للمخطوطات الاسلامية المزخرفة أن للشعوب والامم الاسلامية غير العربية أثر بارز في المورث الاسلامي والعربي. ليس فقط العديد من المخطوطات الاسلامية المعروضة كانت باللغات الفارسية والتركية  بل إن الغالبية العظمي من المخطوطات ( العربية ) كانت مسطرة بخط عربي جميل ولكن من عمل ونسخ الخطاطين والوراقين العجم في بلاد الهند وتركيا وايران . وعليه بدأت اقتنع ان أصل مقولة طه حسين أنها ربما كانت في الزمن الغابر (سمرقند تكتب ودلهي تطبع ودمشق تقرأ !!!).

أليس غريبا ان عاصمة المخطوطات العربية ليست القاهرة او بغداد او الرباط بل هي  مدينة تمبكتو في جمهورية مالي الافريقية والتي تحتضن أكثر من نصف مليون مخطوط باللغة العربية. وعلى نفس النسق من الغرابة نجد منذ قرون أن أسياد فن الخط العربي هم من الاتراك وليس العرب فبعد ان كنا نعرف من مشاهير الخطاطين العرب ابن ملقه وابن البواب أصبحت الساحة يحتكرها احفاد عارف حكمت والحافظ عثمان.
من الوهلة الاولى عند الولوج لمعرض وهج يخطف بصرك اطياف الرسومات الملونة علي صفحات المخطوطات المفتوحة. هذه الرسومات او الصور المزخرفة تشتهر باسم ( المنمنمات ) وهي تستخدم لشرح وتوضيح الافكار الموجودة في الكتب العلمية او المجلدات التاريخية بل وحتى الدواوين الادبية. في جميع هذه الرسومات المنمنمه وبلا استثناء ملامح الوجه للشخصيات البشرية هي ذات طابع   مغولي او تركي وتفتقد تماما للملامح العربية. وبالرغم من وجود مدرسة لفن المنمنمات في بغداد منذ القدم الا ان رسوم مخطوطاتها ذات طابع مغولي وفارسي واضح ولهذا لا غرابة ان أهم وأجمل المخطوطات الاسلامية من هذا النوع رسمت في مدينة هرات الأفغانية أو تبريز الايرانية أو إسطنبول التركية.

الامة الاسلامية أمة خالدة ولكنها كذلك ذات تنوع شاسع في القلب منه اللسان العربي لكنه ليس هو فقط مدار الثقافة الاسلامية. كما هو معلوم اهتم المستشرقون عبر القرون بالحضارة الاسلامية وآدابها المتنوعة لكن ينبغي التنبيه ان الادب العربي لم يلقى صدى وطرب واسع في الغرب. أغلب المثقفين في الغرب يعلمون جيدا من هو الشاعر الفارسي عمر الخيام أو الشاعر التركي جلال الدين الرومي وقل مثل ذلك عن حافظ الشيرازي والشمس التبريزي ولكنني اشك ان عدد قليل منهم يعرف شعراء العربية الكبار مثل جرير والمتنبي فضلا عمن سواهما. المحزن ان اشهر الكتب الاسلامية التي يعرفها الغرب هي مؤلفات غير عربية مثل ألف ليله وليله (هزار أفسان ) او الملحمة الفارسية الشاهنامه للفردوسي بل وحتى منظومة منطق الطير لفريد الدين العطار.
وختاما شعار ميشل عفلق الرنان ينبغي ان يكون في طبعته المنقحة والمزيدة : أمة ( إسلامية ) واحدة ذات رسالة خالدة العروبة هي قلبها النابض.

بقي أن اقول كم كانت تلك اللحظات ماتعة ومترفة بالثراء المعرفي  جراء التطواف بين كوكبة من امهات الكتب العربية والاسلامية ذات الشهرة الطاغية في مجال الشريعة والادب والتاريخ. تحت سقف واحد وخلال نصف ساعة فقط في رحاب ( معرض وهج) والذي هو من تنظيم مؤسسة الملك فيصل الخيرية يمكن أن تشاهد فرائد المخطوطات ونفائس المعروضات من مثل:
مخطوط صحيح البخاري
مخطوط تفسير جلال الدين السيوطي
مخطوط كتاب موطأ الامام مالك
مخطوط عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات للقزويني
مخطوط كتاب كليلة ودمنه لابن المقفع
مخطوط كتاب كنز اللغة لابن معروف
مخطوط كتاب الشهنامه للفردوسي
مخطوط منطق الطير لفريد الدين العطار

الأحد، 20 يناير 2019

( احتفالات أعياد الميلاد في مدار القمر)

أغرب احتفال لأعياد الميلاد في التاريخ

د/ أحمد بن حامد الغامدي

اليوم الخامس والعشرين من شهر ديسمبر هو يوم بالغ الأهمية في تاريخ البشرية ليس لأنه يوافق ذكرى تاريخ ميلاد السيد المسيح (فطوائف الديانة المسيحية مختلفة أصلاً في تحديد موعده) كما إننا في هذا اليوم الوثني القديم لتكريم الشمس نرغب في أن نحرف الانتباه بعيدا من الشمس لكي نحتفل بالقمر. في مثل هذا اليوم وقبل خمسين سنة أشرقت (بشارة عهد جديد) في مسيرة الحضارة الإنسانية حيث حصل لأول مره أن وصل أفراد من الجنس البشري لعالم جديد غير كوكب الأرض.
في يوم الأربعاء 25 من شهر ديسمبر لعام 1968م وصلت مركبة الفضاء الأمريكية أبولو Apollo 8 إلى مدار القمر وبهذا كان الرواد الثلاثة لتلك المركبة الفضائية أول البشر الذين انفصلوا بوسيلة علمية عن كوكب الأرض وداروا حول جسم سماوي خلاف وطننا الأرضي وشاهدو الوجه المظلم والبعيد من سطح القمر. بالفعل كانت تلك قفزة كبيرة Giant Leap للبشرية (قبل القفزة الكبيرة التي ذكرها نيل أرمسترونغ عندما هبط على سطح القمر) لكنها بلا شك كانت تقدم مذهل لمسيرة العلم وترسيخ واضحة لأثر العلماء في تشكيل مستقبل الإنسانية.
بعد عقود من التشكيك في اليقينيات الكبرى للأديان وبعد الشعور الزائف للبشر بالاستقلال في زمن العلم والتقنية ظهر ما يعرف (بعصر الإلحاد). لكن الغريب في الأمر أنه في وهج وصول البشرية إلى قمة التقدم العلمي لخروج البشر لأول مرة عن مدار الأرض والوصول لمدار القمر كانت الأمم الإنسانية مع لحظة لقاء دراماتيكية مع الدين. عندما وصلت مركبة أبولو الفضائية للقمر وشرعت في الدوران حول القمر قررت وكالة الفضاء الأمريكية إيصال رسالة لسكان كوكب الأرض ولهذا طُلب من طاقم المركبة أن يرسلوا بث تلفزيوني لصورسطح القمر وكذلك لمنظر (شروق الأرض) Earthrise من أفق القمر. وهنا قرر طاقم المركبة أن تكن الرسالة الصوتية المرافقة للصور التلفزيونية تحوي على قراءة شيء مميز ويناسب الحدث وهنا تم الاتفاق على قراءة: الأجزاء الأولى من الإنجيل. مئات الملايين من سكان كوكب الأرض تفاجأوا برائد الفضاء الأمريكي وليام أندرس وهو يقول بأنه وزملائه أعضاء طاقم المركبة يرغبون في توجيه رسالة إلى سكان الأرض. ثم بدأ وليام أندرس في تلاوة الآيات الأولى من سفر التكوين والذي يتحدث عن قصة الخلق (في البدء خلق الله السموات وأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن النور فكان النور ...) وبعد أن تناوب الرواد الثلاثة قراءة العشر الآيات الأولى من الإنجيل أعلن قائد المركبة الفضائية فرانك برومان انتهاء البث التلفزيوني وتوجه بالتهنئة لجميع من في الأرض (عيد ميلاد سعيد Merry Christmas).
بعد نصف قرن من تلك الرسالة العلمية/الدينية في عشية ليلية الميلاد ومن مدار القمر ما زال صدى ذلك الحدث يتردد حتى اليوم ويلقى أعجاب الأجيال الجديدة التي لم تشهد البث الحي لتلك الرسالة عبر الأثير من بروج السماء. ومع ذلك ينبغي أن نذكر أنه ليس الجميع تجاوب بعاطفة جياشة مع الاحتفال بعيد الميلاد من أجواء القمر فقد قام مباشرة بعض عتاة الملحدين في الولايات المتحدة برفع دعوى قضائية ضد وكالة الفضاء ناسا وضد الحكومة الأمريكية بأنها خالفت الدستور الأمريكي الذي ينص على فصل الدولة على الكنيسة ولكن تم رفض تلك الدعوى القضائية الوقحة.

أول صلاة دينية على أرض القمر
إذا كانت رحلة المركبة الفضائية أبولو 8 دخلت التاريخ بكونها أول مركبة تدور حول القمر فالحدث العلمي الأكثر أهمية في تاريخ البشرية حصل بعد ذلك بحوالي ثمانية أشهر عندما استطاع رواد الفضاء في مركبة أبولو 11 من الهبوط على سطح القمر وذلك في العشرين من شهر يوليو من عام 1969 ميلادي. الجميع يعلم بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ قد وضع بصمته (أو في الواقع دعسته) في كتب التاريخ عندما أصبح أول شخص يطأ بقدمه على سطح القمر وتوجد صورة مشهورة جدا لدعسة قدم على التربة الناعمة لأرض القمر لكنها في الواقع ليست له ولكنها للشخص الثاني الذي يطأ سطح القمر: رائد الفضاء بز ألدرن. صحيح أن بز ألدرن شخصية طاغية الشهرة بالنسبة للشعب الأمريكي إلا إنه للغالبية العظمى من سكان الأرض هو شخصية شبه مجهولة والمحزن حقا أنه بالنسبة لعلاقته بلدين قليل جدا من يعلم بأنه أول من قام بأداء شعائر دينية على سطح القمر.
وبحكم كون بز ألدرين من الناحية الدينية يتبع لكنيسة الطائفة المشيخية Presbyterian البروتسنتية فقد نشأ في أسرة متدينة ولهذا لم يكن من المستغرب أن يستغل مثل ذلك الحدث الكبير كالهبوط على القمر للتعبير عن تقديس الخالق القدير. يقال بأن المكتشف الايطالي المشهور كريستوفر كولومبوس من أوائل الأمور التي قام بها عندما نزل على أرض العالم الجديد أنه قام بأداء الطقوس التعبدية المسماة في الديانة المسيحية (بتناول العشاء الرباني) أو كما تعرف باسم سر المناولة Communion ويبدو أن هذا الأمر أصبح تقليد لدى الرحالة والمستكشفين الأوروبيين يقومون به عند اكتشاف (أو احتلال) أي أرض أو بلاد جديدة. وعلى خطى الرواد من المستكشفين الأوائل رغب رائد الفضاء المتدين بز ألدرين أن يقوم بالطقوس الدينية لسر المناولة مباشرة بعد نزول مركبتهم الفضائية المسماة النسر على سطح القمر. منذ البدء كان بز ألدرين يخطط بشكل جيد لإضفاء الصبغة الدينية لهذه اللحظة فقد أخذ معه في تلك الرحلة الفضائية المواد التي يتم تناولها في تلك الطقوس الدينية (الخمر ورقائق الخبز التي ترمز لدم السيد المسيح وجسده) من القسيس راعي الأبرشية التي يتبع لها بز ألدرين. لقد كانت الخطة الأصلية في تصور بز ألدرين أن يتم إذاعة هذه الطقوس والصلاة الدينية عبر البث التلفزيوني لجميع سكان الأرض. ولكنه عندما عرض الأمر على المشرفين على برنامج رحلة أبولو في وكالة الفضاء ناسا رفضوا هذا المقترح بشكل حاسم خصوصا بعد مشكلة الدعوى القضائية التي رفعت عليهم قبل الملحدين. ومع ذلك سمح لبز ألدرين أن يقوم بهذه الطقوس الدينية داخل المركبة القمرية لكن بشرط أن تكون غير معلنه كما إن زميله رائد الفضاء نيل أرمسترونغ اكتفى بالمشاهدة الصامتة له ولم يشاركه في صلاته الدينية تلك. لاحقا كتب بز ألدرين في مذكراته عن طقوس هذه الصلاة الفريدة: لقد سكبت القليل من الخمر في داخل كأس القربان الذي زودتني به كنيستي ولكن بسبب جاذبية القمر الضعيفة بدأ السائل في الالتفاف ببطء والخروج من الكأس. ثم بعد ذلك أخذ بز ألدرين في قراءة نص ديني مكتوب على بطاقة ورقية صغير ثم تناول وأكل رقاقات الخبز وبهذا كان أول طعام أو شراب يتم تناوله على سطح القمر هو طعام ذو صبغة دينية. لا يمكن أن نغفل أن للمشاعر الدينية لجميع الشعوب حضور طاغي في تصرفات العديد منا وحتى في مثل هذه الرحلة العلمية الأسطورية نجدها تبدأ بأداء الطقوس والشعائر الدينية. الجدير بالذكر أن الكنيسة المشيخية التي يتبع لها بز ألدرين وهي كنيسة Webster Prespyterian ما زالت حتى الآن تقيم احتفال سنوي في ذكرى تلك الحادثة الدينية المميزة.

الكتب ( السماوية ) تصل القمر
في العصور الحديثة يبدو من المستبعد جدا أن تسمح وكالة الفضاء الأمريكية لأي من رواد الفضاء العاملين بها  أن يتحدث في بشكل علني عن الأمور الدينية ولكن شواهد كثيرة تدل على أن الجيل الأولى من رواد الفضاء كان لهم عاطفة دينية قوية. من أغرب ما يمكن ذكره في هذا السياق أنه في عز برنامج أبولو للرحلات القمرية تم إنشاء ما يسمى رابطة مصلي أبولو Apollo Prayer League  والتي أقامها قسيس وعالم من علماء ناسا وانضم لها عدد كبير من رواد الفضاء. ما ساعد في شيوع رابطة المصلين تلك أن هدفها المعلن كان إقامة الصلوات والأدعية الدينية لسلامة رواد الفضاء والعاملين في مختبرات ناسا. في الواقع منذ إرهاصات برنامج أبولو أعلن رائد الفضاء الأمريكي إدوارد وايت أحد أعضاء طاقم رحلة أبولو واحد أنه سوف يأخذ معه نسخة من الإنجيل إلى القمر لكنه لم يتمكن من تحقيق ذلك بسبب مقتله هو أثنين من زملائه أثناء التدريب لعمليات الإطلاق. وبسبب هذه الحادثة الخطيرة تم تعزيز فكرة إقامة الصلوات لحماية وضمان سلامة رواد الفضاء ولهذا سمحت وكالة الفضاء ناسا لرابطة مصلي أبولو APL بأن تنتج 100 نسخة الكترونية مصغرة من الكتاب المقدس الإنجيل (بالإضافة لعدة مئات من الأناجيل المصورة بهيئة ميكروفيلم). وبالفعل وبعد شيء من التأخير في تنفيذ هذا الأمر حصل في رحلة أبولو 14 حمل هذه النسخ المصغرة من الأناجيل على المركبة التي هبطت على سطح القمر. تلك النسخ 300 المصغرة من الإنجيل لاقت بعد ذلك شيوع واهتمام كبير وبيعت النسخة الواحدة منها بمبالغ مالية كبيرة فلا شك أن العديد من المؤمنين يرغبون في القراءة والتعبد بنسخة من الإنجيل كانت على سطح القمر.
بقي أن نقول أنه بسبب الخطورة المحتملة لرحلات الفضاء على القمر (مركبة ابولو واحد احترقت على الأرض ورحلة ابولو 13 كادت تحترق في الفضاء وتم إعادتها للأرض في دراما بشرية تابعها مئات الملايين من سكان الأرض) ولهذا توجد لعالم الفضاء العربي المشهور أسامة الباز قصة جميلة تذكر في هذا الشأن. لقد شارك أسامة الباز في رحلة الفضاء القمرية ابولو 15 وبحكم أنه حصل بعض التعديل في تصميم تلك المركبة عما سبق ولهذا شعر بعض رواد الفضاء بشيء من القلق من ضمان كامل السلامة على هذه المركبة الجديدة. وكما يذكر الدكتور أسامة الباز بأنه كان له علاقة شخصية وحميمة قوية مع طاقم رواد رحلة أبولو 15 وكوسيلة إضافية لسبغ الطمأنينة على أجواء الرحلة الفضائية اقترح على أحدهم أن يأخذ معه صفحة سورة الفاتحة من القرآن الكريم وأنها سوف تضمن له سلامة الرحلة. وقد سمعت هذه القصة مباشرة من الدكتور أسامة الباز في إحدى محاضراته في مؤسسة الملك فيصل الخيرية.
وفي الختام وقبل أن نغادر سطح القمر يجدر التنبيه إلى عدم صحة الإشاعة المنتشرة بأن رائد الفضاء الأمريكي نيل أرمسترونغ قد سمع صوت الأذان على سطح القمر. الإشاعة الركيكة الإخراج تقول كالتالي: أنه أثناء زيارة نيل أرمسترونغ لمدينة القاهرة (أثناء جولته العالمية للاحتفال بكونه أول شخص يهبط على سطح القمر) سمع صوت الآذان يصدح من مساجد القاهرة وعندما استفسر عن طبيعة هذا الصوت الذي لفت (سمعة) لأنه شبيه بالصوت الذي سمعه على القمر قيل له أن هذا هو صوت الآذان أحد أهم شعائر الإسلام ولهذا تأثر أرمسترونغ ودخل في دين الإسلام. كما هو معلوم لا يوجد غلاف جوي أو هواء على القمر ولهذا يستحيل انتقال الأصوات على سطح القمر. كما إن أرمسترونغ شخص ملحد لا ديني وسبق أن ذكرنا أنه لم يشارك بز ألدرين في صلاته الدينية على سطح القمر كما يوجد مقطع مشهور لقسيس يطلب من أرمسترونغ أن يلحف على الإنجيل بأنه هبط على القمر وهو يرفض لأنه لا يؤمن بأن الإنجيل كتاب مقدس. ومن جان آخر لم يشتهر عن أرمسترونغ قيامة بتلك الجولة العالمية المزعومة لبلدان العالم كما لا يعرف عنه زيارته لمدينة القاهرة.

الاثنين، 24 ديسمبر 2018

(باريس .. مدينة النور والنيران !!)

ثورة الطلاب في باريس عام 1968م لماذا أرتبطت بثورة (اصحاب السترات الزرقاء)

د. أحمد بن حامد الغامدي

صحيح أن باريس توصف بن أنها مدينة الرومانسية والاناقة والثقافة ولكنها في ذات الوقت مدينة الثورات والعصيان والظلام ولهذا لم تعاني عاصمة دولية كبرى من النكبات مثل ما عانت مدينة الأنوار والعشاق. منذ القرن السادس عشر تنبأ الطبيب والمنجم الفرنسي المشهور نوسترداموس بأن هذه المدينة سوف تمر في مراحل متعددة من الصراع والتخريب ولهذا ذكرت مدينة باريس في أحد عشر موضعا من كتاب (نبوءات نوسترداموس). لا يعلم مدينة كبرى في التاريخ تعرضت للاحتلال والنهب والتخريب مثل ما حصل مع مدينة باريس التي تعرضت لاحتلال الرومان وتخريب الفايكنج وسيطرة الانجليز وحصار الامبراطورية الالمانية وقمع الحكم النازي.
ومع ذلك أكثر قلاقل باريس ونكباتها عبر التاريخ الممتد تمت من تحت يد الشعب الفرنسي نفسه ففي نهاية القرن السادس عشر وكنتيجة  للتعصب الديني المقيت تم الفتك بعدة الاف من البروتستانت الفرنسيين في شوارع باريس على يد الكاثوليك وهي مجزرة مصغرة مما سوف تشهدها القارة الاوروبية بعد ذلك بعقود فيما عرف باسم حرب الثلاثين عام. وفي منتصف القرن السابع عشر وبمجرد انتهاء حرب الثلاثين عام كان انعكاساتها هشاشة الاوضاع السياسية في فرنسا مما أفرز أول حرب أهلية داخلية بين طبقة النبلاء وبين الامبراطور الفرنسي الشهير لويس الرابع عشر وكانت أشرس معاركها تلك التي تمت تحت أسوار حصن الباستيل. ونتج من هذا الصراع أن خسرت باريس موقعها كعاصمة لفرنسا عندما أضطر لويس الرابع عشر بأن ينقل بلاط حكمه إلى قصر فيرساي جنوب باريس.
كما هو معلوم من اصعب الاوقات التي عاشها سكان العاصمة باريس هي تلك التي تلت اندلاع الثورة الفرنسية لدرجة انه تم تسمية تلك الفترة (بعهد الارهاب Reign of Terror) وبعد أن كان يتم استخدام المقصلة في الساحات العامة لمدينة باريس لإعدام أعداء الثورة أصبحت الثورة نفسها (تأكل أولادها) وتم اعدام الاف من رموز الثورة الفرنسية وجنودها. وبحكم أن أغلب الثورات يعقبها ثورة مضادة ولهذا بعد عقود من الثورة الفرنسية جاء عصر الثورة على الثورة وإعادة إحياء وتنصيب restoration النظام الملكي الفرنسي القديم. في تلك الاجواء السياسية المضطربة لم تكن شوارع باريس تشهد الاستقرار وكثيرا ما يعيد التاريخ نفسه ومن هنا نشهد في عام 1830م ثورة شعبية جديدة سميت : الثورة الفرنسية الثانية نتج عنها إقامة نظام ملكي دستوري استمر حتى عام 1848م بعدها اندلعت الثورة الفرنسية الثالثة لتعيد مره أخرى تنصيب النظام الجمهوري (الجمهورية الثانية). وكما يحصل أن يتكرر في تاريخ الثورات أن يتم سرقتها في غفلة من الزمن ومن الثوار فكما سرق نابليون بونبارت الثورة الفرنسية الأولى سرق نابليون الثالث الثورة الفرنسية الثانية وبعد أن تمكن من مفاصل الحكم أعلن نفسه إمبراطور فرنسا كما فعل عمه من قبل حذو القذة بالقذة وأنطبق حافر السياسية على الحافر.
وبعد تلك السلسة من الثورات والثورات المضادة والتناوب السياسي بين الملكية والجمهورية وصلت الحياة السياسية الفرنسية لنوع من الثابتية في أعقاب الهزيمة الساحقة التي مني بها الامبراطور نابليون الثالث على يد الجيش الالماني الذي حاصر مدينة باريس ثم اقتحمها مما شجع حصول الثورة الفرنسية الثالثة والتي تلاها تنصيب الجمهورية الثالثة والتي استمرت حتى هزيمة فرنسا في الحرب العلمية الثانية واقتحام الجيش النازي الألماني للمرة الثانية لعاصمة الانوار. لقد سبق التحذير أن التاريخ السياسي لمدينة باريس مربك ومحير بسبب كثرة الثورات وتعدد الحروب والغزو الخارجي. ألم يفسر الكاتب الفرنسي جان كوكتو طريقة تفكير أهل باريس عندما قال: في باريس الجميع يرغب في أن يكون هو الممثل و لا أحد يقبل بأن يكون الجمهور، وبهذا نعلم كثرة أهل العصيان وأهل الثورة وأهل السياسة في المجتمع الفرنسي !!. 

باريس من الثورة إلى الانتفاضة .. المسيرة مستمرة
من الناحية التاريخية نجد أن زخم ما يسمى عصر الانوار في القرن الثامن عشر كان يشع بكثافة من مدينة باريس بالذات وبحكم أن عصر التنوير هو (حركة احتجاجية) ضد الدين والمنظومة السياسية لهذا نجد أن أرث هذه الحركة الاحتجاجية متأصل وموروث في جينات ابناء باريس عبر العقود. فإذا كانت بعض الشعوب شهدت ثورة واحدة نجد سكان باريس يكررون الثورات الكبرى بشكل متتابع لدرجة أننا الان نعاصر ما يسمى (الجمهورية الفرنسية الخامسة). ما يميز التاريخ الفرنسي الحديث أنه بعد نهاية الحرب العالمية الثانية وتحرير فرنسا من الاحتلال النازي تحول المزاج الشعبي لأهل باريس من الثورةrevolution  إلى الشغب والعصيان riot وإن كان ذلك لا يعني جمود الحياة السياسية الفرنسية فالبعض ما زال يستشرف فجر الجمهورية الفرنسية السادسة. على كل حال كما كانت مدينة باريس هي صاحبة الرقم القياسي في عدد الثورات فهي المدينة العالمية الكبرى التي ما زالت تشهد بين الحين والاخرى انتفاضة شعبية أو شغب جماهيري عنيف ومدمر.
أثناء حرب استقلال الجزائر عن الاحتلال الفرنسي تعاطفت شرائح واسعة من الشعب الفرنسي لمنح حق تقرير المصير للشعب الجزائري لدرجة أنه حصلت مظاهرات ضخمة في شوارع باريس خلال شهر أكتوبر من عام 1961م صاحبها حالة شغب وعنف نتج عنها مقتل العشرات من المتظاهرين ورجال الشرطة. وتبع ذلك قيام الحركة والتيار المناهض للسماح باستقلال الجزائر بمظاهرات مضادة وشغب وعمليات تفجير وقتل.
أما أهم حركة عصيان مدني في تاريخ باريس الحديث فقد كانت بلا شك أحداث الاضراب العام الذي حصل خلال شهر مايو من عام 1968م وهذه الاحداث تعرف أحيانا باسم انتفاضة الطلاب لأنها بدأت مع طلاب جامعة السربون العريقة (الذين تأثروا بحركة طلاب الجامعات الامريكية المناهضة لحرب فيتنام ولهذا يعرف عام 1968م بعام ثورات الشباب). الجدير بالذكر أنه أثناء عصيان شباب الباريسي واحتلالهم لجامعة السربون لعدة اسابيع انضم إليهم عمال المناجم الذين كانوا يرتدون السترات الزرقاء blue-collar workers ومن هنا ربما نجد التقارب والالهام من حركة السترات الزرقاء قديما لحركة السترات الصفراء حاليا في إشعال نار الاحتجاج بوقد الفحم بالأمس والبنزين ذو الضريبة المرتفعة اليوم.
مع مرور الزمن خفت (وهج) مدينة النور باريس واصبحت أكثر وأكثر مدينة النيران ومدينة ظلام والدخان وكلنا ما زال يتذكر حادثة الاضطرابات الخطيرة التي حصلت في مدينة باريس وضواحيها في شهر أكتوبر من عام 2005م. لهيب الشغب والعنف في تلك الانتفاضة تميز بمشاهد حرق السيارات حيث تشير التقارير الحكومية الفرنسية أنه تم حرق ما يقارب تسعة الاف سيارة في شوارع باريس والمدن الفرنسية الاخرى. من هذا وذاك نعلم أن المظاهرات والشغب والتخريب المشاهد هذه الايام في شوارع باريس أمر شبه اعتيادي وكأنه ديجا فو (deja vu) وهي كلمة فرنسية تعني بكل بساطه: شوهد من قبل. بسبب شذوذ الذاكرة قد يشعر الانسان أنه رأى أو عايش الموقف الحاضر من قبل ولكنه لا يدري متى أو أين وهذا ما يسمى الديجا فو أما بالنسبة لسكان مدينة باريس فهم دوما موعودون بأن مستقبلهم معروف المعالم لأن واقعهم بكل بساطة يحقق قاعدة (التاريخ يعيد نفسه).

باريس في أدب الثورات
كل من له اطلاع عام على الأعمال الأدبية القديمة والحديثة يسهل عليه ملاحظة الحضور الطاغي للثورات السياسية والانتفاضات الشعبية في عدد كبير من الروايات الادبية والقصائد الشعرية لمشاهير الادباء ومن جميع الجنسيات والعصور التاريخية. مسرحية كريولانس لشكسبير تفتتح بتوصيف ثورة شعبية وإحدى أبرز قصائد الشاعر الاسكتلندي المشهور والتر سكوت هي عن انتفاضة سكان مدينة أدنبرة بينما نجيب محفوظ في رواية بين القصرين جعلنا نعيش أحداث ثورة 1919م ضد الاستعمار الانجليزي لمصر في حين خلد أحمد شوقي ثورات دمشق وليبيا. التعمق في (أدب الثورات) قد يأخذنا بعيدا وهو موضوع متشعب يستحق مقال مستقل لكن ما يهمنا هنا هو فقط الإشارة إلى الانعكاسات الأدبية للثورات والانتفاضات الباريسية. بعد ما سبق التنويه عنه عن كثرة وتعدد الثورات ومسيرات الاحتجاجات في التاريخ الفرنسي لهذا لا غرابة أن نجد أن عدد كبير من مشاهير الأدب الفرنسي ساهموا في توثيق هذه الثورات في رواياتهم الأدبية.
من ذلك مثلا  أن رواية (سقوط الباستيل) لأديب الفرنسي اسكندر دوماس الأب هي رواية عن توثيق تاريخ اندلاع الثورة الفرنسية الأولى من لحظة سقوط سجن الباستيل الشهير في قلب باريس. أما إرهاصات وبعض مشاهد أحداث الثورة الفرنسية الثانية فقد تم حولها بناء الحبكة الدرامية لأشهر رواية أدبية في تاريخ اللغة الفرنسية وهي رواية (البؤساء) لروائي الفرنسي الأشهر فيكتور هوجو. وبالمناسبة آخر رواية أدبية كتبها فيكتور هوجو قبل وفاته هي رواية (عام 93) والتي تدور أحداثها في عام 1793م وهي السنة التي انحرفت وبشكل شنيع الثورة الفرنسية عن أهدافها الإصلاحية وبدأ بعدها عهد الإرهاب والرعب المقيت والذي يعتبر لطخة سوداء في تاريخ فرنسا.
الغريب في الأمر أن أفضل رواية أدبية أبرزت مصائب وأهوال عهد الإرهاب reign of terror المرتبط بالثورة الفرنسية لم تكن لكتاب فرنسي وإنما لأديب بريطانيا البارز تشارلز ديكنز. في رواية (قصة مدينتين) التي تدور أحداثها بين لندن وباريس نجد في السطور الأولى من افتتاحية الرواية، تشارلز ديكنز يلخص وجهة نظرة حيال سنوات الثورة الفرنسية: (كانت أفضل الأزمان وكانت أسوأ الأزمان، كان عصر الحكمة وكان عصر الحماقة، كان زمن النور وكان زمن الظلمة، كان ربيع الأمل وكان شتاء القنوط). الأديب الفرنسي جوستاف فولبير قد تكون له شهرة طاغية بحكم كونه أحد أبرز رموز ما يسمى بالأدب المكشوف حيث انه مؤلف الرواية المثيرة للجدل (مدام بوفاري) لكن ما يهمنا هنا أن من أهم أعماله الادبية رواية تحمل أسم (التربية العاطفية) والتي تدور أحداثها زمن اندلاع الثورة الفرنسية الثالثة عام 1948م. يعتبر الروائي الفرنسي بلزاك من رواد الأدب الفرنسي البارزين في منتصف القرن التاسع عشر وقد ولد في بدايات الثورة الفرنسية الأولى وتوفي في بدايات الثورة الفرنسية الثالثة ولهذا لا غرابة أن أهم عمل أدبي له (الكوميديا الإنسانية) هي سلسلة من القصص القصيرة تدور عن التغيرات الاجتماعية والسياسية لسكان مدينة باريس أثناء تلك الثورات الفرنسية الثلاثة. بعد انتهاء الثورات الفرنسية الثلاث الكبرى أستمر المجتمع الباريسي يمور وينتج انتفاضات uprising  سياسية مزلزلة اشهرها تلك التي انتجت الجمهورية الفرنسية الثالثة وهنا يأتي دور الأديب الفرنسي البارز إميل زولا الذي خصص روايته المسماة (الكارثة) لمناقشة هزيمة الجيش الفرنسي أمام الامبراطورية الالمانية والانعكاسات السياسية لذلك بعزل الامبراطور نابليون الثالث ومن ثم ظهور نظام جديد للحكم سمي حكومة مجلس مدينة باريس (Paris Commune).
وفي الختام سوف تبقى أسئلة عالقة بدون اجابة واضحة عن علاقة أدباء باريس بالثورات والانتفاضات فمثلا الأديب الفرنسي ألبير كامو الحاصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1956م والمولود في الجزائر (ولهذا تدور أحداث اشهر أعماله الادبية كرواية الغريب ورواية الطاعون في المدن الجزائرية)  فهل كان سوف يستمر في تأييد الثورة الجزائرية حتى بعد دخولها مرحلة العنف ليس في الجزائر لكن على جادات شوارع باريس. لقد توفي البير كامو عام 1960م ولهذا لن نعلم هل كان سوف يشارك في مظاهرات شوارع باريس في شهر أكتوبر من عام 1961م بالرغم من ما صاحبها من تخريب ودمار. سؤال صعب التخمين به فألبير كامو رجل فرنسي متعصب لوطنه لدرجة أن شارك في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الالماني النازي فهل كان سوف يقبل في المشاركة في مظاهرات تخريبية ضد وطنه. لكن ما نعلمه بيقين أن زميل ألبير كامو في النضال ضد النازية الفيلسوف والأديب الفرنسي المثير للجدل جون بول سارتر (الذي رفض أن يقبل جائزة نوبل في الأدب عام 1964م !!) استمر حتى النهاية وهو يؤيد حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره ونيله للاستقلال. (أعدموا سارتر) تلك كانت صرخات المتظاهرين خلال المسيرات الصاخبة في شوارع باريس خلال تلك الاعوام العصيبة حيث كانت شرائح من المجتمع الفرنسي تعارض استقلال الجزائر ولهذا توجهت جموع من هذه الحشود الغاضبة إلى منزل جون بول سارتر وقامت بتحطيم واجهته.
الحق أقول لكم: إن قصة باريس مع الثورة والأدب لم تكتمل فصولا بعد ولم يسدل الستار بعد على خاتمة تلك الدراما السياسية والثقافية.


الأحد، 9 ديسمبر 2018

( فن الحرب )

دور الاعمال الفنية في توثيق الحروب والقتال

د/ أحمد بن حامد الغامدي

بالإذن من الفيلسوف الصيني القديم سون تزو سوف استعير عنوان كتابه الجذاب (فن الحرب The art of war) ليس للحديث عن الاستراتيجيات العسكرية وفنون القتال ولكن لتسليط الضوء على (رسالة الفن) ودور الاعمال التشكيلية المتنوعة في خدمة (المجهود الحربي) في تعبئة المشاعر الداعمة للحرب والقتال أو في المقابل التنفير من النزاع المسلح والحث على نشر السلام. منذ فجر التاريخ استخدم الحكام والملوك والقادة الرسم والنحت واللوحات الفنية لتمجيد وتخليد انتصاراتهم العسكرية فهذه جدران معبد أبو سنبل الفرعوني في أسوان تؤرخ المنحوتات المنقوشة عليه الانتصارات العسكرية للفرعون رمسيس الثاني وهو يطارد بعربته الحربية الجنود الفارين من أعدائه الحيثيون بعد انتصاره (المزعوم) عليهم في معركة قادش. وحتى اليوم يعتبر أكبر وأهم وربما أغلى (عمل فني) يتعلق بالحرب والقتال هو اللوحة الفسيفسائية للإسكندر المقدوني Alexander Mosaic  التي تصور انتصاره الحربي الهام على الامبراطور الفارسي داريوس الثالث. وقد تم اكتشاف هذه التحفة الفنية العجيبة في مكان عجيب حيث وجدت تحت انقاض مدينة بومبي الرومانية المنكوبة وقد كانت اللوحة عبارة عن ارضية من الموزاييك وجدت في بيت أحد الاثرياء من سكان بومبي الايطالية في القرن الثالث قبل الميلاد.
ليست الانتصارات الحربية هي فقط من تخلد ذكر القادة والحكام بل وحتى اللوحات الفنية المحكمة الابداع فشهرة نابليون بونابرت الطاغية جزء منها ولا شك صورته الساحرة وهو يمتطي حصانه العربي الرمادي الشهير عندما كان يعبر جبال الالب مع فرقة سلاح المدفعية في جيشه وهو في طريقة لخوض معركة مارنجو ضد مملكة النمسا. من الجدير الاشارة إلى أن عنوان لوحة نابليون السابقة الذكي هو (نابليون يعبر جبال الألب) Napoleon Crossing the Alps ونتيجة لدور هذه اللوحة الفنية في بيان عبقرية نابليون في تخطي (الصعاب) في سبيل تحقيق النصر العسكري لهذا لا غرابة أن أهم لوحة فنية تبين عبقرية التكتيك الحربي للجنرال الامريكي جورج واشنطن (أول رئيس للولايات المتحدة) أثناء حرب الاستقلال عن الامبراطورية البريطانية حملت عنوان (واشنطون يعبر نهر ديلاوير).
من الواضح أنه هذه الاعمال الفنية واللوحات التشكيلية لم يتم انتاجها بمحض الوطنية الخالصة ولكن لتوظيفها في الابعاد السياسية كوسيلة (لتزيين وتزييت) الحاكم والقائد العسكري بدليل أن كتب ومراجع تاريخ الفنون والرسم التشكيلي احتفظت بأسماء العديد ممن يمكن وصفهم (برسامي البلاط) وهم أشخاص من محترفي مهنة الرسم يتم توظيفهم في القصور الملكية و المؤسسات الحكومية مثل الجيش لرسم وتوثيق الاحداث السياسية والمناسبات الكبرى. الغريب في الأمر أن هذه الظاهرة سوف تخفت كثيرا في العصور الحديثة لدرجة أن أشهر وأهم الاعمال الفنية الحديثة المتعلقة بالحروب اصبحت تلك التي (تنتقد وتعارض) الحرب وليس تلك التي تمجد الانتصارات العسكرية. لم تصدم الحضارة البشرية بحادثة أبشع من الحرب العالمي الأولى ولهذا ومنذ بداية القرن العشرين اصبحت الحرب والمعارك العسكرية تعتبر بؤرة مركزة للقبح والشقاء والجنون. من الالقاب المشهورة للحرب العالمية الاولى أنها (حرب الخنادق) أو (حرب الغازات) ولهذا في الوقت الحالي أشهر لوحتين فنيتين عن تلك الحرب الكبرى هي الرسمة الصادمة للسير الانجليزي وليم أوربن والمتعلقة بتصوير المنظر الفظيع لقتلى الجنود الألمان المجمدين في الثلوج داخل خنادقهم الموحشة. بينما كارثة خسائر دول الحلفاء مثلتها بجدارة مستحقة اللوحة التشكيلية الشهيرة للرسام الانجليزي المبدع جون سارغنت والتي تصدم كل من يشاهدها حتى الآن وذلك لأنها تمثل صف طويل من الجنود الانجليزي مصابين بالعمى نتيجة تعرضهم للغازات السامة (لهذا اسم هذه اللوحة Gassed) وهي لوحة تلخص حالة الضعف البشرية حتى لمن لم يقتل في معمعة الحروب.
نقطة جديرة بالتنويه وهي أنه كان للحرب العالمية الاولى تأثير هائل وحاد على الفن التشكيلي والادب بشكل عام ففي مدينة زيورخ السويسرية وفي عز سنوات الحرب أي في عام 1916م ظهرت الحركة الدادائية وهي حركة ثورية مناهضة بل ومعادية للفن والادب الكلاسيكي وقد نتجت كردة فعل حادة معادية للحرب وأثرت على مجمل الحراك الثقافي الاوروبي. ومن رحم حركة دادا Dada ولدت حركة الفن السريالية ولهذا لا غرابة أن نجد كبار مشاهير رسامي الفن السريالي لديهم العديد من اللوحات التشكيلية الفائقة الشهرة موضوعها الاساسي مناهضة الحرب وأهوالها.  في مقال سابق تم نشره تحت عنوان (في زمن الحرب .. اللوحة الفنية اقوى من ألف خطبة) قمت باستعراض اشهر اللوحات الفنية العالمية التي ناقشت ويلات وأهوال الحروب الاهلية وتم تشبيه كارثة ومأساة مدينة حلب السورية بكارثة مدينة جورينكا الاسبانية التي خلدها الرسام البارز بابلو بيكاسو في لوحته السريالية الفظيعة التي حملت أسم تلك المدينة المنكوبة.  وكذلك نجد أن اشهر رموز الفن التشكيلي السريالي المعاصر وهو الاسباني سلفادور دالي أشهر لوحاته على الاطلاق تلك المتعلقة بالحروب والقتال مثل لوحة (وجه الحرب) ولوحة (هاجس الحرب الاهلية). وعلى نفس النسق يمكن أن نستشف أن أهوال ومآسي الحرب العالمي الأولى كان عامل التحفيز لظهور وانتشار موجات جديدة في دنيا الفن التشكيلي من الحركة التكعيبية والانطباعية وغيرها ومن هذا كانت الاعمال الفنية لبعض رموز الفن الحديث متأثره بتجربتهم الشخصية المباشرة في ساحات القتال كما حصل مع  الرسام الانجليزي ويندهام لويس والرسام الألماني أوتو ديكس والرسام البولندي ديفيد بومبيرج والرسام الانجليزي بول ناش وغيرهم كثير.
على كل حال في السابق كان للأعمال الفنية واللوحات التشكيلية دور في نقل المعلومة (بل وتخليدها كما في نقوش رمسيس والإسكندر) وتوصيف الحدث ولكن فيما يخص الحروب المعاصرة أنتشر في القرن العشرين استخدام التقارير الصحفية المصحوبة بالصور الفوتوغرافية أو التغطية التلفزيونية وهذا ربما يفسر عدم وجود أي لوحات تشكيلية ذائعة الصيت عن الحرب العالمية الثانية فضلا عن الحروب الأكثر حداثة مثل حرب فيتنام وحرب العراق بل وحتى مأساة البوسنة وغيرها.

وفي الختام بقي علي أن أشير للدافع الذي حثني على التفكير بطرح هذا الموضوع الفني في هذا التوقيت بالذات ومرجع ذلك إلى أنه مر علي خلال الاسبوع الماضي موقفين جددا لي الاهتمام بموضوع توظيف الأعمال الفنية في توثيق المعارك الحربية. شهد بداية الاسبوع الثاني من شهر نوفمبر لعام 2018م مرور ذكرى مائة سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية وحيث أنها تسمى في كتب التاريخ (بحرب الكيميائيين) لهذا قمت بإعادة نشر مقالي الذي كتبته في بداية الاحتفالات المئوية بإندلاع تلك الحرب الكبرى ولم أجد أي صورة تربط بين الحرب العالمية الكبرى والكيمياء أفضل ولا أشهر من لوحة الغازات السابقة الذكر للرسام الانجليزي جون سارغنت والتي ساهمت بالفعل في ترسيخ ربط الكيمياء بتلك الحرب الشنيعة.
الموقف الثاني حصل عندما كنت أقرأ قبل أيام في كتاب (السلطان والملكة) للمؤرخ والباحث البريطاني جيري بروتون وهو كتاب يناقش بالتفصيل العلاقة غير المعروفة بين الملكة الانجليزية الشهير إليزابيث الأولى والسلطان التركي البارز سليماني القانوني ومن بعد حفيده مراد الثالث وقد وصفت جريدة وول ستريت الامريكية هذا الكتاب بأنه يبين كيف شكل المسلمون الثقافة والتجارة والآداب الانجليزية.  ما يهمنا هنا أنه في عام 1554م حصل ما يمكن توصيف (بزواج القرن) بين الملكة البريطانية ماري (الأخت الكبرى للملكة إليزابيث وابنه الملك هنري الثامن أهم ملك إنجليزي في التاريخ على الاطلاق) وبين الامير فيليب الثاني الذي سوف يصبح ملك إسبانيا والبرتغال والذي هو وبدون منازع أهم واقوى ملك مسيحي في عصره. وفي حفل الزفاف حصل العروسان على هدايا ثمينة لكن أكثرها أهمية وأغلاها كما يصف الكتاب هي الهدية المقدمة من الملك تشارلز الخامس والد الامير فيليب وكانت عبارة عن أثنى عشرة قطعة قماشية ضخمة جدا مطرزة  بخيوط الذهب والفضة والحرير مرسوم عليها كلها مشاهدة من المعركة الحربية (احتلال تونس) التي خاضها الملك الإسباني تشارلز الخامس ضد الاتراك واستطاع أن يحتل إقليم تونس في عام 1535م ويهزم اسطول القائد المسلم خيرالدين بربروسا الذي أقض مضاجع المسيحيين في ذلك الزمن. حقاً يا لها من هدية غريبة التذكير بالقتل والحرب في أجواء الفرح والاعراس الملكية.
بقي أن أقول أنه قد يعتبر البعض منا الحديث عن الصور والاعمال الفنية نوع من الترف وحتى لو نحينا جانبا المقولة الحكيمة التي تنص على أن (الصورة اقوى من ألف كلمة) فربما لا مهرب لنا من أن نتفق واقع مقولة أحدهم عندما صرح (أنا لا أثق في الكلمات أنا اثق فقط بالصور).