السبت، 29 يونيو 2024

( التسمم الغذائي وعموم البلوى )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

من الأقوال الشائعة المبتذلة مثل (عُضّ قلبي ولا تعض رغيفي) إلى مقولة الجنرال نابليون بونابرت الحكيمة (الجيوش تسير على بطونها) يمكن أن نستشف شغف البشر وتعلقهم البالغ بتوفير (لقمة العيش). ولهذا أي أخبار تنتشر عن احتمالية نقص إمداد الأغذية أو حصول حالات تسمم من تناول أطعمة مخزنة أو موزعة من خلال المطاعم والمخابز تثير قلقا متوقعا كما حصل الأسبوع الماضي في مدينة الرياض من حالات التسمم المؤسفة من تناول وجبات الهامبرغر من أحد فروع سلسلة مطاعم الوجبات السريعة.

قبل حوالي عشرين سنة حصلت في الولايات المتحدة الأمريكية كارثة بالغة الخطورة من تناول شطائر لحم الهامبرغر من فروع شركة أغذية أمريكية واسعة الانتشار اسمها (جاك في الصندوق Jack in the Box) والتي لها حولي 2200 فرع في مختلف الولايات. وفي السابق كان لهذه الشركة إهمال خطير في سياسية جودة الغذاء فليس فقط كانت تبيع شرائح لحم البقر المخلوطة بلحم الخيول بل الأخطر من ذلك أنها لم تكن تتبع إرشادات ضرورة طبخ اللحم في درجة حرارة زيت القلي لا تقل عن 68 درجة مئوية لضمان قتل أي تلوث من البكتيريا القولونية (E. coli). ونظرا لأن تكرار استخدام زيت القلي عند درجة الحرارة العالية مثل 68 درجة مئوية سوف يؤدي إلى التلف السريع للزيت المستخدم، لذلك كانت شركة الأغذية تلك تجهز لحم شرائح الهامبرغر عند درجة أقل (60) واستمرت على ذلك حتى حصلت الكارثة الكبرى.

في عام 1993م أصيب حوالي 732 شخصا بحالات تسمم خطيرة من جراء تناول شطائر مطاعم تلك الشركة ذات الاسم الغريب نتج عن ذلك للأسف وفاة أربعة أطفال وتعرض العشرات لمضاعفات طبية خطيرة مثل تلف دائم في الكلى والدماغ. وبعد عملية الاستقصاء تبين أن عدد فروع مطاعم تلك الشركة التي تعرضت للتسمم بلغت حوالي 73 فرعا منتشرة في جميع أنحاء الولايات المتحدة مما زاد من خطورة هذه الكارثة الغذائية. ما سبق ذكره هو أمر صادم من ناحية أنه في تاريخ حديث نسبيا وفي بلد متطور جدا ومشهور بأنظمته الرقابية الصارمة فيما يتعلق بجودة صناعة المنتجات والحرص البالغ على سلامة الصحة والبيئة، ومع ذلك يقع مثل ذلك الخلل الخطير في عملية تحضير المواد الغذائية أو تخزينها وتوزيعها. ومع ذلك مثل تلك الحوادث المؤسفة لحالات تسمم الغذاء ليست نادرة، بل أحيانا تكون واسعة الانتشار بشكل مريع. فحسب تقديرات المركز الأمريكي للسيطرة على الأمراض الوقاية منها أن الأغذية الملوثة في الولايات المتحدة تسبب سنويا دخول حوالي 130 ألف شخص إلى المستشفى وعدد حالات الوفاة السنوية من جراء تسمما الغذاء تصل لحوالي 3000 وفاة.

ومن هذا لن نستغرب الآن أن نعلم أنه في عام 1994م حصلت في الولايات المتحدة حادثت تسمم غذائي ناتجه من بكتيريا السالمونيلا المعوية الخطيرة وذلك بعد تناول منتج آيسكريم من إنتاج شركة الأغذية شوان (Schwan). بقي أن نقول إن حادثة التسمم الغذائي تلك حصلت لسبب غريب وهي أن الشركة استخدمت شاحنات لنقل صناديق البيض النيئ غير المبستر والمصاب ببكتيريا السالمونيلا ولاحقا استخدمت نفس تلك الشاحنات لنقل منتج الآيسكريم الذي انتقل له ذلك التلوث ومن هنا حصلت الفاجعة: تعرض حوالي ربع مليون (224000) زبون لحالة تسمم من جراء تناول تلك المثلجات المسمومة. وكما هو معلوم لا آيسكريم من دون حليب وهذا يقودنا للتذكير بالضجة الكبرى التي حصلت في الصين في عام 2008م عندما قامت إحدى شركات الألبان الصينية بإضافة كميات قليلة من مادة الميلانين الكيميائية إلى سائل الحليب للتلاعب والتحايل على فحوصات كمية البروتين في الحليب. ونظرا لأن تلك المادة الكيميائية خطرة فقد تسبب ذلك في حدوث تسمم غذائي لحوالي أكثر من 300 ألف شخص معظمهم من الأطفال.

كيمياء الأغذية بين الإصلاح والإفساد للطعام

المشكلة أن تلوث الحليب في الصين أو تسمم الآيسكريم في أمريكا جاء بعد تصاعد القلق العالمي عبر العقود الماضية من اتساع دائرة القلق من تكرار وقائع التسمم الغذائي. ففي حين كانت أحداث التسمم الغذائي تتركز حول تلوث البيض ببكتيريا السالمونيلا  (أُعلن في بريطانيا عام 1988م أن أغلب البيض المباع في الأسواق مصاب ببكتيريا السالمونيلا)  أو القلق من أن حبوب القمح أو الأرز في حال التخزين السيئ لها يمكن أن ينمو عليها نوع من الفطريات يفرز سموما قاتلة تدعى الأفلاتوكسين (تشير بعض الدراسات أن العينات المفحوصة من الأرز في الصين نصفها ملوث بسموم الأفلاتوكسين). لقد كانت تلك مصادر القلق في الماضي أن التسمم الغذائي مرتبط بسوء التخزين للمواد الغذائية، ولكن في السنوات الأخيرة ظهرت مشكلة جديدة وهي أن عملية تجهيز وتحضير الأطعمة (معالجة الغذائية food processing) قد تسبب مشاكل أعقد فيما يتعلق بالتسمم الغذائي.

ومن ذلك مثلا أنه عند تصنيع رقائق البطاطا المقرمشة والمحببة من قبل الصغار والكبار، كانت طريقة التحضير تعتمد على قلي شرائح البطاطا في الزيت عند درجات حرارة عالية ولفترة طويلة نسبيا وفي وجود كمية من السكريات وهذه خلطة قد تكون سحرية لطهو طعم فريد النكهة ولكنها خلطة سيئة للإنتاج مادة كيميائية سيئة السمعة (الأكريلاميد). في عام 2002م استفاق العالم على خبر مفزع أن البعض من المواد الغذائية المقلية والمقرمشات ورقائق الكورن فليكس ملوثة بكميات خطيرة من مادة الأكريلاميد التي يشتبه بأنها قد تسبب مرض السرطان.

وبالمناسبة مادة الأكريلاميد الملوثة للأطعمة يمكن أن تنتج من عملية الشوي للمواد الغذائية النشوية أو من عملية تحميص حبوب القهوة وهذا ما يؤدي إلى مزيد تفاقم انتشار ظاهرة التسمم الغذائي. وربما قد وصل للقارئ الكريم التحذير منذ سنوات من عدم الإفراط في تناول اللحوم المشوية على الفحم أو اللهب لأنه مرة أخرى عملية المعالجة والتحضير للأطعمة بهذه الطريقة قد تنتج مركبات كيميائية ضارة من أكثرها انتشارا تلك المسماة الأمينات الحلقية غير المتجانسة HCAs وهي مواد كيميائية من المحتمل أن تسبب السرطان إذا حصل تناولها بكميات كبيرة ولفترة طويلة (والله يعين عشاق الشاورما ولحم المظبي !!).

وبعد صدمة تلوث رقائق البطاطس والتشيبس كانت الصدمة الثانية المفزعة من احتمالية التلوث الشاسع للمواد الغذائية واسعة الاستهلاك عندما تناقلت وسائل الإعلام البريطانية في عام 1998م أنه تم اكتشاف مادة ملوثة للمشروبات الغازية لكبرى العلامات التجارية مثل شركة كوكا كولا وشركة بيبسي. في بداية الأمر توقع العلماء أن كميات مادة البنزين (مركب كيميائي عضوي وليس وقود السيارات) الموجودة في علب المشروبات الغازية هي نتيجة تلوث مياه مصانع الإنتاج، ولكن مع المزيد من التدقيق العلمي تبين أن تلك المادة الكيميائية تنتج أثناء التخزين السيئ لعلب المشروب الفوّار. لقد اكتشف علماء الكيمياء العضوية أن المادة الحافظة التي تضاف للمشروبات الغازية وهي بنزوات الصوديوم وفي وجود فيتامين سي يحصل تنشيط لعملية كيميائية تدعى نزع مجموعة الكربوكسيل (decarboxylation). وبهذا يتحول مركب حمض البنزويك إلى مركب البنزين الذي يمكن اعتبار وجوده دلالة على تلوث المشروبات الغازية ولهذا يحصل من فترة وأخرى الإعلان أن شركة كوكا كولا أو بيبسي قامت بسحب ملايين علب المشروبات الغازية من الأسواق لأن تركيز مركب البنزين فيها أعلى من الحد الأعلى المسموح به.

وبما أن سيرة مركب البنزين انفتحت فتجدر الإشارة أن له أهمية كبرى في مجال الكيمياء العضوية لأنه تصنع منه الآلاف من المشتقات الكيميائية التي توصف بأنها (مركبات عطرية aromatic compounds) بسبب رائحتها المميزة. وهذا يقودنا لذكر الحادثة الأليمة والمفزعة المتعلقة بالتسمم الغذائي والتي حصلت في إسبانيا في عام 1981م وذلك عندما قام بعض التجار بخلط زيت الزيتون بكميات قليلة من مادة زيتية هي أحد مشتقات مركب البنزين تدعى الألنين. وبالرغم من أن كمية الألنين في زيت الزيتون كانت قليلة ومخففة إلا أنها تسببت في حصول حالة تسمم لأكثر من 25 ألف شخص تعرض حوالي 600 مصاب للوفاة بينما تعرض الآلاف للإصابة بالشلل.

رقم 600 قتيل بسبب التسمم الغذائي رقم مفزع ولكنه ولله الحمد نادر ما يحصل أن تصل عدد الوفيات في مثل هذه الحوادث لمثل ذلك الرقم العالي إلا تلك الحادثة المؤسفة التي وقعت في أرض الرافدين العراق في عام 1971 ميلادي. تلوث الغذاء في تلك الحادثة جاء نتيجة استيراد شحنة حبوب القمح الملوثة بكمية زائدة من مبيد للفطريات عالي السمية (المركب الكيميائي ميثيل الزئبق). ونتج عن استهلاك شحنة تلك الحبوب السامة وغير المعدة للاستهلاك البشري وفاة حوالي 650 شخصا في شمال العراق ممن تناولوا الخبز المحضر من دقيق الموت. العجيب أن كل الكتب والمناهج الدراسية القديمة التي تناقش موضوع تلوث البيئة تذكر قصة هذا المركب الكيميائي الشنيع (ميثيل الزئبق) وكيف أحدث صدمة في العالم كله عندما تسبب في عام 1956م في مصرع أكثر من 700 ضحية في المدينة الساحلية اليابانية ميناماتا وذلك بعد تناول السكان للسمك والمحار الملوث بمركب ميثيل الزئبق المنتشر في مياه خليج ميناماتا نتيجة التلوث الصناعي.

في الختام تلك كانت فقط رحلة عبر الزمن القريب لاستعراض مشكلة ظاهرة تفشي التسمم الغذائي وبالرغم من صعوبة القضاء النهائي على هذه المشكلة الصحية والغذائية إلا أنه ولله الحمد مع التطور الكبير في مجال العلوم الغذائية والرعاية الطبية ودور الرقابة البيئة والصحية فقد قلل ذلك كثيرا من هذه الأخطار.

 


 

( الجامعات الغربية وثقافة مناهضة الحرب )

 

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

الجميع يتفق على أن من أدوار الجامعات التدريس الأكاديمي وإجراء البحث العلمي وثالث تلك الأهداف الجوهرية للجامعات قيامها بدور: خدمة المجتمع. وفي حين أن الجميع دون استثناء يرحبون بدور الجامعة في خدمة المجتمع من خلال المساهمة في البناء والتطوير بينما في المقابل يرفض البعض على الأقل دور الجامعة في (نقد) وتصحيح أوجهه الخلل في مسيرة المجتمعات والحكومات. ولنضرب على ذلك مثالا كما نجده في حالة أحد أساتذة جامعة كيمبريدج وهو بيرتراند راسل الذي وإن افتخرت به الأمة الإنجليزية بحكم كون أحد أهم علماء الرياضيات في العصر الحديث وبكونه كذلك آخر الفلاسفة من العيار الثقيل وأيضا لحصوله على جائزة نوبل في الأدب. ومع ذلك في بداية اندلاع الحرب العالمية الأولى وعندما بدأ راسل وغيره من المفكرين في الاعتراض على دخول بريطانيا الحرب تم فصله من جامعة كيمبريدج ولاحقا مع تصاعد جهوده المناهضة للمجهود الحربي تم سجنة لمدة ستة أشهر لأنه اعترض على دعوة الولايات المتحدة لدخول الحرب العالمية الأولى كحليف لبريطانيا. والطريف في الأمر أنه في بداية الحرب العالمية الثانية كان بيرتراند راسل يدرس في جامعة نيويورك وعندما عارض الحرب مرة أخرى بسبب مبدئه الأخلاقي السلمي  pacifismتعرض مرة أخرى للفصل من الجامعة، بل وصل الأمر أنه رفعت عليه قضايا في المحاكمة مما دعا أينشتاين وغيره من العلماء والمفكرين أن يتدخلوا لمناصرته.

في جامعة كيمبريدج البريطانية وفي جامعة نيويورك الأمريكية تم فصل عالم الرياضيات والفيلسوف بيرتراند رسل من الكلية وحرمانه من التدريس بحجة الخوف من تأثيره على أفكار الطلاب. والغريب أن بعض أساتذة الجامعات الأمريكية في أثناء تزايد فضائح حرب فيتنام وكوسيلة للتعبير عن اعتراضهم ومناهضتهم للحرب اتخذوا أسلوب (الاضراب عن تدريس الطلاب) كوسيلة للتعبير عن الرأي. حصل ذلك في يوم 17مارس من عام 1965م عندما أتفق حوالي 50 عضو هيئة تدريس من جامعة ميتشجان على الإضراب تماما عن التدريس ليوم واحد فقط كوسيلة احتجاج على سياسية الحكومة الأمريكية في حرب فيتنام. ولاحقا ونتيجة لقلق بعض هؤلاء الأساتذة أن يتعرضوا للمساءلة القانونية نتيجة إضرابهم عن العمل قاموا بتغيير أسلوب مناهضتهم للحرب وذلك بدعوة الطلاب لحلقات نقاش إضافية داخل أسوار الجامعة لتوضيح أبعاد وأسباب موقفهم السياسي والفكري المعارض للحرب. وبحكم أن أساتذة الجامعة الذين يرغبون من طلابهم حضور المزيد من الندوات التدريسية كان يطلقون على هذه الحالة (تعليم إضافية Teach-in) لهذا أصبحت موجات المعارضة الأكاديمية في الجامعات الأمريكية المناهضة للحرب تعرف إجمالا بحركات (Teach-in movements).

المتابع لأخبار (الحركات الطلابية الثورية) والمعلومات المنشورة عنها في الكتب والمصادر والأفلام الوثائقية يعتقد أنها حركة طلابية (خالصة) ولكن في الواقع جذورها وبعض العوامل المؤثرة فيها راجعة لنضال أساتذة الجامعات. ومن ذلك أن أشهر حادثة في تاريخ الجامعات الأمريكية للاحتجاج ومناهضة الحرب الفيتنامية تلك التي حصلت في منتصف الستينيات من القرن العشرين في جامعة كاليفورنيا بيركيلي الأمريكية العريقة ساهم في الترتيب لها عالم الرياضيات الأمريكي ستيفن سمال الحاصل على ميدالية فيلدز التي تصوف بأنها (جائزة نوبل لعلماء الرياضيات).

 الجامعات الأمريكية ونصرة المظلوم .. إرث مشرف

من عادات الشباب حب الانطلاق من القيود والرغبة في الاستحواذ على أكبر قدر من المغريات والشهوات ولهذا أثناء ثورة شباب الهيبيز في فترة الستينيات من القرن العشرين كان من ضمن شعاراتهم الشائعة التداول بينهم (إنه حرام أن تحرم أي شيء its forbidden to forbid ). وفي حين أن بعض الشباب الجامعي ربما كان يثير الشغب والاعتراض داخل أسوار الجامعة بسبب مطالب ذاتية مثل تخفيض رسوم الدراسة أو تحسين حالة غرف السكن الجامعي أو الاعتراض على لوائح الجامعة نجد أنه مع حادثة جامعة كاليفورنيا بيريكلي في عام 1965م حصل تغيرا جذريا في طريقة وعي الشباب من الأنانية الذاتية إلى النضال لأجل الآخرين. بعدما بدأت جامعة كولومبيا كما ذكرنا ظاهرة الاحتجاج ضد حرب فيتنام من خلال عقد المحاضرات وحلقات النقاش وعرض الأفلام ورفع اللافتات داخل أسوار الجامعة، قام أستاذ الرياضيات ستيفن سمال السالف الذكر مع بعض الطلبة في جامعة بيركلي باستنساخ تلك التجربة ولهذا نظموا اعتصاما احتجاجيا لمدة يوم ونصف داخل الجامعة اشترك فيه عدد مهول من الطلبة وغيرهم بلغ حوالي 30 ألف شخص.

بالرغم من أن الفارق الزمني بين نهاية الحرب الكورية الأمريكية (في عام 1953م) وبين بداية الحرب الفيتنامية الأمريكية (في عام 1955م) هما سنتان فقط إلا أن تعامل المجتمع الأمريكي حيال هذه الحرب الأخيرة كان مختلفا جدا ففي حين تقبل الحرب الأولى لأنها قصيرة وسريعة إلا أنه رفض الثانية لأنها طويلة وغير شرعية. وعندما ظهرت حركة معارضة الحرب الفيتنامية وأخذت تتوسع في المجتمع الأمريكي كان منطلقها ومبتدأها من داخل أسوار الجامعات الأمريكية وبدعم وزخم من الشباب الجامعي الثوري. في الواقع في بداية الستينيات من القرن العشرين عندما ظهرت المنظمة الطلابية الأمريكية المسماة (طلاب من أجل مجتمع ديمقراطي SDS) استطاعت مع الزمن استقطاب حوالي 30 ألف طالب جامعي لعضويتها وكان لهم تواجد في حوالي 300 جامعة أمريكية. وانطلاقا من شعار تلك المنظمة الطلابية الأمريكية الكبرى الذي يقول (جامعات حرة في مجتمع حر) تحولت منهجية تلك المنظمة بشكل متدرج من طرحها اليساري المناهضة للرأسمالية المتوحشة إلى قضايا الفصل العنصري واضطهاد السود لتختم في النهاية بالقيادة الفعلية لحركة المجتمع الأمريكي المناهض للحرب في فيتنام.

مما سبق ذكره نعلم أن ما نشهده هذه الأيام من تصاعد حركات الاحتجاج وتزايد حالات الاعتصامات في مختلف الجامعات الأمريكية من قبل الطلاب والطالبات المعارضين للحرب الصهيونية في غزة، أن هذا في جانب منه إعادة للتاريخ العريق والمتجذر في جينات التيارات الشبابية المدافعة عن السلام والمناهضة للحروب. وكما تسببت هذه الأيام حماقة رئيسة جامعة كولومبيا العجوز الشمطاء نعمت شفيق في توسيع مدى المظاهرات والاعتصامات في ساحات الجامعات الأمريكية بعد دناءة استدعاء الشرطة للقبض على الطلاب بعد فصل بعضهم، نجد أنه في عام 1970م تسببت حماقة أخرى في انتشار الاعتصامات والإضرابات في أغلب الجامعات الأمريكية الكبرى. حصل ذلك بعد قيام الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون في ربيع تلك السنة بتوسيع حرب فيتنام عن طريق غزو دولة كمبوديا المجاورة وهنا تجدد اندلاع ثورة الشباب الجامعي لدرجة حصول حالة من الشغب والتخريب في جامعة مدينة كينت بولاية أوهايو وأسفر التدخل العنيف من قبل الشرطة في مقتل أربعة طلاب وأصابت العشرات. وهنا انتشرت المظاهرات والاعتصامات والاحتجاجات في عدد كبير من الجامعات الأمريكية بلغت 450 جامعة وكلية وشارك رقم هائل بلغ حوالي أربعة ملايين طالب جامعي في تلك الحادثة المميزة جدا في التاريخ الأمريكي الحديث والمسماة (إضراب الطلاب عام 1970م).

 طلبة الجامعات الفرنسية والثورة الجامحة

الجدير بالذكر أنه كعادة الشباب في كل مكان سرعان ما تنتقل تقليعات الشباب من دولة إلى دولة ومن شعب إلى شعب وكما يحصل هذه الأيام أن وجدنا الشباب المصري في الجامعة الأمريكية في القاهرة يقلدون شباب الجامعات الأمريكية بتنظيم مظاهرات داخل الحرم الجامعي تطالب بإيقاف الحرب ضد غزة نجد أن هذا الأمر سبق حصوله في الجامعات الأوروبية التي تظاهر طلابها ضد الحرب الفيتنامية. وهذا ما حدث في سنة 1968م عندما تظاهر العديد من الطلاب الألمان في داخل جامعة فرانكفورت في حين تجمع حوالي عشرة الآلاف جامعي في شوارع وساحات برلين الغربية وهم يرفعون شعارات ولافتات مناهضة ومنددة بحرب فيتنام. وفي حين مرت المظاهرات الطلابية ضد الحرب بسلام في ألمانيا الغربية في ذلك الزمن نجد أن الأمور تعقدت بشكل غريب ومتصاعد وحاد في باريس حيث عندما تعرضت مسيرة في مدينة باريس مناهضة لحرب فيتنام للقمع من قبل الشرطة الفرنسية.

وعندما قام طلاب جامعة نانتير في غرب باريس بالاحتجاج على اعتقال الشرطة لعدد من زملائهم وصعدوا الأمر بأن اعتصموا في مجلس الجامعة لكي يضغطوا على الشرطة للإفراج عن رفقاء الدراسة والنضال نتج عن ذلك إغلاق جامعة نانتير. وكردة فعل لذلك الموقف ضد طلبة الجامعة حصلت حالة مساندة من طلاب جامعة السوربون الذين اجتمعوا بأعداد غفيرة داخل جامعتهم لأبداء المناصرة لزملائهم في جامعة نانتير وللتعبير كذلك عن مناهضتهم للحرب الفيتنامية وهنا حصلت الكارثة والحماقة عندما اقتحمت الشرطة جامعة السوربون واعتقلت حوالي 600 طالب وكانت تلك الشرارة التي تسببت في الأزمة السياسية الهائلة في فرنسا والتي عرفت باسم (أحداث مايو 1968م). الأمر الصادم أن هذه الاحتجاجات الطلابية العفوية ضد الحرب غير العادلة في فيتنام تحولت بسبب الرعونة في التعامل مع الشباب إلى أزمة خطيرة تصاعدت مع الزمن لتشمل الاعتصامات والإضرابات أغلب المدن الفرنسية لدرجة أن البعض توقع باحتمالية وقوع حرب أهلية أو ثورة شعبية. بل أن الرئيس الفرنسي شارل ديغول كان يخشى حتى من حصول انقلاب عسكري عليه ولهذا كمحاولة لتهدئة الأمور غامر بحل الحكومة والدعوة لانتخابات مبكرة ولاحقا بعد فشله في تحقيق نتيجة إيجابية في الاستفتاء الذي طرحه على الشعب الفرنسي، تقدم باستقالته وليتوفى بعد ذلك بسنة واحدة فقط وهو محطم الفؤاد.

ثورة شباب الجامعات في فرنسا في عام 1968م وإن كانت تسببت في إسقاط أكبر رجال السياسة في أوروبا وهو جنرال التحرير الفرنسي من الاحتلال النازي الرئيس شارل ديغول، نجد في نفس تلك السنة وبنفس سبب ثورة شباب الجامعات في أمريكا سوف يؤدي ذلك بشكل أو آخر في نهاية الحياة السياسية للرئيس الأمريكي ليندون جونسون. في الواقع عندما فاز ليندون جونسون في عام 1964م بمنصب الرئيس تشير الإحصاءات أنه حصل على أعلى نسبة في تاريخ الانتخابات الأمريكية ومن أسباب ذلك أنه كان داعم لحركة الحقوق المدنية للسود وغيرهم. ولكن ما إن حل موعد الانتخابات للفترة الرئاسية الثانية له في عام 1968م إلا وقد كانت السمعة السياسية للرئيس جونسون في الحضيض بسبب إشعال طلبة الجامعات الأمريكية الانتقادات ضد أداء الرئيس في حرب فيتنام ولهذا لم يستطع أصلا أن يدخل تلك الانتخابات وتنازل عنها لأحد أعضاء الحزب الديمقراطي الذي خسر أمام الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون.

والمقصود في الختام أنه كما كان لحركة طلاب الجامعات في الغرب المعارضين والمناهضين لحرب فيتنام، كان لهم دور صغير أو كبير في إسقاط كبار رجال السياسية من مثل ديغول أو جونسون. بمشية الله سوف يكون للاعتصامات والاحتجاجات الطلابية المتزايدة يوما بعد آخر في أعرق الجامعات الأمريكية المناصرة للقضية الفلسطينية، بمشيئة الله سوف يكون لهذه الاعتصامات الطلابية دور ما في إسقاط نتنياهو بعد أن حصل الضرر الهائل بتمريغ سمعة الكيان الصهيوني الغاشم في تراب العار والخزي أمام جميع شعوب وأحرار العالم.

( قضايا البيئة في عام 2030 وما بعدها )


 

 د/ أحمد بن حامد الغامدي

 قضايا البيئة ومشاكل التلوث أصبحت في السنوات الأخيرة مصدر قلق للدول والمنظمات العالمية وللأفراد كذلك، نظرا لأبعادها الاقتصادية والسياسية والمجتمعية بل وحتى النفسية. ونظرا لاهتمام منظمة الأمم المتحدة البالغ بأم القضايا هذه تنوعت الوسائل التي تبذلها تلك المنظمة الدولية وغيرها لمواجهة مشاكل البيئة وتعقيداتها ولهذا تعددت المؤتمرات العالمية والحملات التوعوية لتثقيف الجمهور العام ولحشد الإرادة السياسية وتأمين الموارد اللازمة لمعالجة تلك المشاكل المفصلية لمستقبل الجنس البشري. وبالرجوع لقائمة الأيام والأسابيع الدولية التي تعتمدها الجمعية العمومية للأمم المتحدة وجدت أن ما لا يقل عن 28 يوما دوليا له ارتباط وثيق بالبيئة من مثل اليوم العالم للبيئة واليوم العالم للمياه واليوم الدولي للتنوع البيولوجي واليوم العالمي لنقاوة الهواء واليوم الدولي للحفاظ على طبقة الأوزون وغيرها كثير.

وبعد موجات الحر اللاهب غير المسبوقة في بعض الدول الأوروبية في صيف العام الماضي (صيف عام 2023م حطم الرقم القياسي كأشد الفصول حرارة في التاريخ البشري المسجل) وبعد موجة الأمطار قبل أسبوعين غير المشهودة منذ سنوات طويلة في واقعنا المحلي والأمطار والفيضانات المهولة التي ضربت عمان والإمارات العربية هذا الأسبوع. لذا رأيت أنه من المناسب الحديث عن مشاكل البيئة بمقال خاص يتزامن مع (اليوم الدولي لأمنا الأرض) الذي تحل مناسبته بعد غد أي يوم الإثنين القادم 22 أبريل. كلنا تقريبا قد مر علينا مصطلح (الطبيعة الأم Mother Nature) وهو مفهوم شائع الاستخدام في الحضارة الغربية الأوروبية منذ أن استخدمه لأول مرة الشاعر والفيلسوف الروماني القديم لوكريتيوس في قصيدته العجيبة (عن طبيعة الأشياء) التي يحتفل بها الأدباء وعلماء الفيزياء والفلاسفة على حد سواء.

ومع ذلك مفهوم ومصطلح (أمنا الأرض Mother earth) ربما يكون مفهوم جديد نسبيا بالرغم من وروده في بعض الأساطير اليونانية القديمة وبالذات في شخصية الربة والإلهة الخرافية المجسدة للأرض والمسماة غايا Gaia التي منها خلقت السماء والجبال والبحار ولهذا تعرف كذلك بكونها (الأم الأرض). ولهذا قبل حول نصف قرن عندما طرح العالم البيئة البريطاني جيمس لوفلوك نظريته العلمية التي اشتهرت باسم (فرضية الغايا Gaia hypothesis) والتي تنظر لكوكب الأرض ككل على أنها (نظام حي) أو أشبه بكائن حي ضخم لهذا استمع جيمس لوفلوك نصيحة أحد جيرانه بأن يوظف الأساطير اليونانية في اشتقاق اسم نظريته الجديدة. والمهم هنا أن هذه النظرية تنظر لكوكب الأرض كنظام متكامل وليس كالسابق أنها مكون من غلاف صخري وغلاف مائي وغلاف جوي وغلاف حيوي شبه معزولة، ولكن بدلا من ذلك تم التركيز على تفاعل الكائنات الحية مع محيطها غير العضوي ومن ثم تأثيرها على البيئة. وأحد مخرجات فرضية الغايا أن كوكب الأرض إذا كان بصورة مجازية يمكن وصفها بأنها (كائن حي ضخم) فلذا هي وكماثل الكائنات تستطيع التأقلم والتكيف والتحكم في الظروف المؤثرة على البيئة وتعيد ضبطها في حال تسبب مؤثر خارجي في انحراف التوازن البيئي.

في الواقع الرسومات واللوحات بل وحتى التماثيل الحديثة نسبيا لإلهة الإغريقية الخرافية غايا (أو الأرض الأم بزعمهم) تظهرها على شكل امرأة شابه حامل وبطنها المنتفخ يحوي كوكب الأرض وعليه فكرة وجود الكائنات الحية داخل رحم الأرض هي إلى حد ما مشابهه لنظرية علمية حديثة تنظر للأرض كبيئة حية معزولة ومغلقة وكأنها في رحم أو وعاء خاص. ومن ذلك التوصيف المجازي لكوكب الأرض وكأنها رحم أو وعاء أو دورق تجارب flask ظهرت نظريات علمية جديدة في مجال البيئة تستخدم برامج الكمبيوتر المتطورة جدا لمحاولة نمذجة أو محاكاة التداخلات المعقدة جدا بين الكائنات الحية في بيئتها المغلقة والمعزولة وكأنها تجربة لنظام بيئي مصغر موجود داخل دورق التجارب العلمية وهي النظرية العلمية المسماة (عالم قارورة الدورق Flask world).

 تخطي الخطوط الحمراء في الإضرار بالبيئة

وبالإذن من القارئ الكريم اضطررت لكتابة الفقرة السابقة ذات الحشو المعرفي ببعض النظريات العلمية لكي أصل إلى ترسيخ مفهوم علمي هام أنه فيما يتعلق بموضوع (قضايا البيئة ومشاكل التلوث) فالمشكلة معقدة جدا ومتداخلة الإبعاد والعديد من العوامل تتداخل لدرجة ان الأرض الصلبة من تحت أرجلنا أصبح بعض العلماء ينظر لها وكأنها أشبه بكائن حي يتفاعل بشكل ما مع المؤثرات من حوله. وكما نعلم جميعنا أنه في السنوات الأخيرة تزايد النقاش بل الخصام حول حقيقة وجود مشكلة (الاحتباس الحراري) والتغير المناخي وقد يعتقد البعض أن هذه المشكلة مرتبطة فقط بتلوث الغلاف الجوي بانبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون بينما النظرة الأعم والأشمل ترشدنا إلى أن قضايا البيئة أعقد من ذلك بكثر. ففي الواقع التلوث بغاز ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات ليس فقط يتسبب في ضرر الغلاف الجوي بل كذلك الغلاف المائي عبر الظاهرة المسماة الأمطار الحمضية والأخطر من ذلك كارثة (المحيطات الحمضية/ تحمض المحيطات) التي سوف تؤثر على الغلاف الحيوي المائي ممثلا في تدمير الشعب المرجانية نتيجة لإذابة الجير التي تنمو منه ومن ثم هذا بدوره يؤثر على الثورة السمكية ومنظومة الكائنات البحرية. والدراسات العلمية الحديثة تثبت أن قاعدية مياه المحيطات انخفضت بشكل طفيف من pH8.2 إلى pH8.1 بسبب ظاهرة تحمض المحيطات وأن هذا التغير سوف يتسبب في هلاك هائل للعوالق النباتية المجهرية البحرية المسماة البلانكتون وهذا بدوره سوف يؤدي في نهاية المطاف لضرر بالغ في انقراض الكائنات البحرية. والعجيب أن تغير حمضية مياه المحيطات بسبب التلوث بغاز ثاني أكسيد الكربون من المؤكد علميا أنها تتسبب في زيادة حرارة المياه في سطح المحيطات وهذا بدورة مرة أخرى يسبب في ضرر بالغ على الكائنات المجهرية بل يصل كذلك إلى إضعاف سرعة تدفق تيارات المحيطات وهذا بدورة يؤثر على المناخ الجوي وحركة الرياح !!.

ولعل الصورة بدأت تتضح للقارئ الكريم أن (التوازن البيئي) معقد ومتداخل فبمجرد التلاعب بأحد المتغيرات البيئية (مثل زيادة تركيز الغازات الملوثة) ينتج عن ذلك سلسلة من العواقب الخطيرة. وهنا لابد من أن أعترف أنه بالرغم من استمتاعي بالقراءة المتنوعة جدا في مجالات مختلفة إلا أنني كنت مقلّ وغير مهتم بقراءة الكتب المتعلقة بمجال البيئة. ولكن في السنوات الأخيرة ومع تصاعد الجدال فيما يتعلق بظاهرة الاحتباس الحراري أو القلق من انقراض بعض الحيوانات البرية وتضرر التنوع الأحيائي، لهذا قرأت في السنة الأخيرة فقط عدة كتب باللغة الإنجليزية عن قضايا البيئة. عندما قرأت كتاب (كائنات الله .. إنقاذ كوكب الأرض في عصر البشر) للعالم البريطاني مارك ليناس، استمتعت لأول مره بالقراءة في مجال علوم البيئة بعيدا عن الأفكار التقليدية المستهلكة عن التلوث الكيميائي للبيئة ووسائل انتاج الطاقة البديلة والنظيفة. مما يعزز الفكرة التي أرغب فب ترسيخها من هذا المقال أن مواضيع البيئة معقدة ومتداخلة وقابلة للنقاش والجدل ومن ذلك مثلا أن مارك ليناس وبالرغم من أنه خبير بيئي ومستشار في شؤون المحافظة على البيئة في بعض الدول والمنظمات الدولية إلا أنه عندما ناقش مواضيع التوسع في استخدام محطات الطاقة النووية أو زيادة زراعة الأغذية المعدلة وراثيا GMF والوقود الحيوي طرح النقاش بطريقة علمية عقلانية معاكسة لحالة التشويش والمبالغة التي يقوم بها معتنقو أفكار التيارات الخضراء ومخابيل مناصري حماية البئية (environmentalists). وفي المقابل تم في ذلك الكتاب استعراض الأبعاد المخفية المرتبطة بالضرر على البيئة من استخدام السيارات الكهربائية أو تأثير محطات توليد طاقة الرياح على الطيور المهجرة أو محطات طاقة أمواج البحر على الأسماك فضلا عن الأضرار المسكوت عنها عن إقامة سدود المياه أو استصلاح الأراضي البور للزراعة !!.

من هذا وذاك أوكد مرة أخرى أن قضايا البيئة معقدة بشكل محير ولهذا اجتمع في عام 2009م فريقا علميا متخصصا في مجال علوم البيئة برئاسة العالم السويدي يوهان روكستروم وعضوية صاحبنا السابق مارك ليناس لجمع شتات هذه الأبعاد البيئية المتعددة والمتداخلة وطرحوا نظرية جديدة تسمى (الحدود الكوكبية Planetary boundaries) فكرتها ببساطة أنه توجد تسعة أنظمة (أو حدود) لدعم الحياة على كوكب الأرض وبالتالي بقاء البشرية. وبحكم أن نشاط الإنسان قد يحدث خلل في توازن هذه الحدود التسعة وتأثيرها على بعضها البعض وعندما يحصل أن تحدث عملية عبور وتعدي لعتبة واحد أو أكثر من تلك الحدود الكوكبية قد يحدث تغير بيئي مفاجئ أحيانا (وهنا الخطورة) تغير لا رجعة فيه.

في كتابه الشيق الشبيه بالسيرة الذاتية (الحياة على كوكبنا) يمزج عالم الأحياء والإعلامي الكبير السير ديفيد أتينبارا بين مشواره المهني مع وحدة برامج عالم الطبيعية في قناة البي بي سي وبين رسالته التي يرغب أن يساهم فيها قبل وفاته (عمره الآن بالهجري يقترب من 100 سنة) وذلك في إنقاذ كوكب الأرض من تداعيات اختلال التوازن البيئي. ينبغي الإشارة إلى أن السير ديفيد أتينبارا النجم التلفزيوني ذو الوجه المميز للملايين من محبي الأفلام الوثائقية يوافق على وجهة النظر العلمية أننا بالفعل قد تخطينا (الخطوط الحمراء) وأننا حاليا نواجه أخطارا بيئية ملموسة في أربعة من (الحدود الكوكبية) التسعة التي حددها علماء البيئة. السبب في حصول هذه الأخطار البيئية هو زيادة عدة سكان الأرض ولهذا في ذلك الكتاب (ولاحقا في الفلم الوثائقي الذي أنتجته نيتفليكس) أخذ السير ديفيد يستعرض مراحل مختارة من حياته منذ الطفولة وحتى الآن يبدؤها بذكر عدد سكان الأرض وكميلة التلوث بغاز ثاني أوكسيد الكربون والنسبة المئوية المتبقية من الحياة الفطرية ولقد كانت هذه الأرقام تتغير بشكل صادم وخطير عبر سنوات عمره المديد.

وما يهمنا هنا أن السير ديفيد أتينبارا في الجزء الثاني من ذلك الكتاب وضع فصلا قصيرا بعنوان (ماذا ينتظرنا في المستقبل) ذكر فيه توقعاته وتنبؤاته لمستقبل البيئة لمراحل زمنية محددة هي فترة الأربعينيات والخمسينيات والتسعينيات ونهاية القرن الواحد والعشرين. وفيما يتعلق بقضايا البيئة في سنة 2030 وما بعدها (أي فترة 2030s) يتوقع مقدم برامج الطبيعية المشهور السير أتينبارا أن غابات الأمازون في ذلك الزمن تكون قد خسرت ربع حجمها. وتلك كارثة بيئة هائلة ليس فقط لأن غابات الأمازون حرفيا هي رئة كوكب الأرض، ولكن لأن عملية إزالة الغابات سوف يصحبها تفاقم مشكلة ظاهرة (سقام الغابات forest dieback) التي قد تصيب مساحة 75% الباقية من الأمازون. هذه الضربة القاصمة في أمريكا الجنوبية قد يمتد أثرها إلى أقصى شمال كوكب الأرض فمع تعطل رئة الأرض الأمازونية تلك سوف تقل كفاءة التخلص من غاز الكربون وبالتالي تزيد حرارة الكوكب. وعليه يتوقع السير أتينبارا أنه بحلول 2030s سوف تحصل لأول مرة في التاريخ أن يذوب تماما في فصل الصيف كل الجليد الموجود في محيط القطب المتجمد الشمالي وتلك المنطقة هي مضخة تيارات موجات المحيط وهي القلب النابض لتدفق شريان المياه والحياة للكوكب.

قد يكون السير ديفيد متشائما بشكل مبالغ فيه بأن رئة كوكب الأرض في الأمازون أو قلبه النابض المحرك للتيارات المائية في القطب سوف تتعطل ويعطب أداؤها بشكل خطير في العقد الزمني القريب القادم. ومع ذلك الاحتمالية ما زالت قائمة أن المشاكل البيئة في المدى المنظور قد تزداد سوءا بشكل حاد خصوصا إذا كانت فرضية (الحدود الكوكبية) صحيحة لأنه بكل بساطة إذا حصل خلل في أحد تلك الحدود فإن الضرر الناتج قد يتفاقم بشكل عاتي في حال وجود خلل في حدّ آخر فما بالك بوجود عطل في أربعة حدود. وعليه في الختام فإن تعرض الدول الأوروبية في صيف العام الماضي لدرجات حرارة غير مسبوقة وتعرض بعض مدن الجنوب لدينا وبعض دول الخليج لفيضانات هائلة هذه الأيام هي أحداث مرتبطة بالرغم من بعد المسافة الجغرافية واختلاف التوقيت الزمني وهذا ما ناقشته باستفاضة في مقال سابق حمل عنوان (الفيضان والجفاف .. وجهان لقطرة واحدة !!). والله أعلم.

 

( نهاية الحروب الصليبية والفرج بعد الشدة )

د/ أحمد بن حامد الغامدي

الواقع الحالي مرير ومفزع ومع ذلك تمر اليوم السبت ذكرى ذات مغزى وعبرة لمن يدرك مألات مسيرة التاريخ الشائكة. في مثل هذا اليوم (الثالث عشر من شهر أبريل) من عام 1250م تم أسر الملك الفرنسي لويس التاسع قائد الحملة الفرنسية السابعة والذي حبس في دار ابن لقمان الشهيرة بمدينة المنصورة والتي سميت بهذا الاسم بالذات تمجيدا لهذا النصر المبين. ومع ذلك ينبغي أن نشير إلى أنه قبل ذلك بسنة واحدة فقط كانت الأمة العربية في ذلك التوقيت في أضعف حالاتها فقد وصل الملك الفرنسي بأسطول بحري ضخم يتكون من 1800 سفينة وحوالي 80 ألف مقاتل في حين أن الجيوش العربية في تلك اللحظة مشغولة بالاحتراب الداخلي فيما بينها في حين أن سلطان المسلمين الملك الصالح نجم الدين أيوب على فراش الموت وهذه نقطة ضعف قاتلة في زمن الحروب المفصلية. في الواقع ليس المهم فيما جرى في يوم الثالث من شهر أبريل هو مجرد تحول حال المسلمين من الهزيمة المحققة إلى النصر المبين، ولكن الأهم من ذلك أن انكسار (الحملة الصليبية السابعة) كانت هي اللحظة الفعلية في نهاية الحروب الصليبية بالرغم من توالي حملات صليبية إضافية (الثامنة كانت مرة ثانية بقيادة لويس التاسع نفسه) ضعيفة الأثر والأهمية.

الحكمة القديمة تقول (أقرأوا التاريخ إذ فيه العبر .. ضلّ قومٌ ليس يدرون الخبر) ولهذا تأتي عبارة (التاريخ يعيد نفسه) غالبا في سياق التوبيخ لمن يكرر أخطاء التاريخ ولا يستفيد من دروس الماضي ولهذا كانت المقولة الساخرة التي أطلقها كارل ماكس (التاريخ يعيد نفسه في المرة الأولى كمأساة، وفي المرة الثانية كمهزلة). ونظرا للتناظر والتطابق في محاور عديدة للقضية الفلسطينية زمن الحملات الصليبية مع المأساة الفلسطينية زمن الاحتلال الصهيوني حرصت بعد اندلاع الأحداث الأخيرة بعد طوفان الأقصى أن أقرأ كتابا عن الحروب الصليبية ليس فقط كما رآها العرب (الرواية السردية التي ساقها باللغة الفرنسية أمين معلوف) ولكن أيضا من خلال الاطلاع على سردية الحملات الصليبية كما رآها الفرنجة وذلك من خلال كتاب (الحروب الصليبية) من تأليف المؤرخ البريطاني المعاصر أندرو جوتيشكي.

في الواقع منذ قدماء المفكرين من فلاسفة الإغريق وحكماء الصين انتشر مفهوم أن التاريخ يتحرك في مسار دوري وفق ظاهرة التكرار التاريخي Historic Recurrence وهو ما يعبر عنه بأن (التاريخ يعيد نفسه). وأهمية اعتناق هذا النوع من التفكير المتقبل لمفهوم التكرار التاريخي أن الفائدة المستنبطة من ذلك أن الماضي يعلمنا دروسا من أجل التصرف السليم في المستقبل ومن هنا تكمن ضرورة دراسة الماضي لاستشراف دورة التاريخ القادمة. ولهذا سبق وأن أشرت في مقال قريب بأن المؤرخ اليهودي يوشع براور صاحب كتاب: قرون حطين (المستخلص من الأوراق العلمية المنشورة في مؤتمر غربي ضخم بمناسبة مرور ثمانية قرون على معركة حطين) كان يحاول هو وزملائه خدمة الكيان الصهيوني من خلال محاولة استنباط الدروس والعبر لأسباب انتصار صلاح الدين على مملكة الصليبيين في بيت المقدس وذلك بهدف محاولة الحرص على عدم تكرار التاريخ لنفسه بانتصار العرب مرة أخرى.

إذا كان التاريخ يعيد نفسه .. فأبشروا بالفرج

استقراء الماضي واستشراف المستقبل عمليتان متلازمتان لكل مؤرخ حصيف أو رجل سياسية رشيد ومع ذلك سبر أغوار الماضي وتفكيك التاريخ ليس شرطا أن يقود دائما وفي كل موقف لاستنباط المسار الصحيح لحركة التاريخ. ولنضرب لذلك مثلا فمطالعة كتاب (تشريح الثورة) للمؤرخ الأمريكي كرين برينتن تمكن القارئ من خلال استقراء تاريخ الثورات السياسية الكبرى في التاريخ أن يفهم المراحل الأربعة الأساسية التي تمر بها الثورات في الغالب. ولكن تفكيك وتشريح التاريخ هذا لا يعني بالضرورة أن أحذق خبراء السياسة فضلا عن القارئ العادي يستطيع أن يعرف ما هي الدولة التالية التي سوف تندلع فيها ثورة شعبية أو ما هي الخاتمة الفعلية لثورة ما لم تنته بعد. والمقصود أن استقراء الماضي وتشريح التاريخ سهل بينما استشراف المستقبل ومحاولة وضع السيناريوهات لمنعرجاته المحتملة أمر أكثر صعوبة ومع ذلك لا يوجد مانع من شرف المحاولة.

وهذا يقودنا للتذكير ببداية المقال واستحضار لحظة بداية النهاية للحروب الصليبية مع اعتقال لويس التاسع في دار لقمان بالمنصورة وانكسار جيش الفرنجة الجرار في ظرف غريب بواسطة مقاومة شبة عشوائية من عامة الناس في شوارع المنصورة. لدرجة أن المؤرخ المصري ابن إياس في كتابه بدائع الزهور في وقائع الدهور ذكر أن العربان والعوام اشتركوا في قتال الفرنجة بالحجارة وقد وضع العوام على رؤوسهم طاسات النحاس بدلا عن خوذات الجنود. فهل يمكن إسقاط الماضي على الحاضر ونجد في غفلة من الزمن أن تتلاشى سطوة القوة الصهيونية التي تقهر الأمة العربية وبهذا تضمحل وتخفت الزوبعة التي كنا نظن أن لا ملاذ منها. ومن يستقرأ ويستعرض التاريخ العربي يجد أربع فترات في مسيرة الأمة تعرضت لحالة قهر وخضوع امتدت ربما لعقود طويلة من الزمن ثم تلاشت تلك القوى القاهرة في لحظة فاصلة وبصورة سريعة نسبيا. وهذا ما حصل في منطقتنا العربية أثناء الصراع الداخلي مع الاجتياح الشيعي زمن الدولة الفاطمية وأثناء الغزو الخارجي المغولي والصليبي وأخيرا أثناء فترة الاستعمار الأوروبي.

ولنبدأ بذكر أول تحد سياسي وعسكري خطير في محيطنا العربي وذلك عندما كادت الدولة الفاطمية في القرن الخامس الهجري من إسقاط الخلافة العباسية بعد أن أصيبت بالترهل السياسي والفتور الحضاري زمن العصر العباسي الثاني. ويكفي أن نعرف أنه أثناء توسع ما يسمى بالخلافة الفاطمية احتل الشيعة الاسماعلية الغلاة العواصم والمدن العربية الكبرى التالية: مكة والمدينة والقدس والقاهرة والإسكندرية ودمشق وحلب وطرابلس والموصل والقيروان وتونس وصنعاء. بل وصل الأمر أنه في عام 450هـ أن امتد نفوذهم حتى وصل لعاصمة الخلافة العباسية مدينة بغداد حيث أصبح يُدعى في صلاة الخطبة للخليفة الفاطمي المستنصر بدلا من الدعاء للخليفة العباسي القائم بالله. وبعد مرحلة التيه والضعف المتطاول التي استمرت لأكثر من قرنين ونصف جاءت مرحلة الفرج بعد الشدة وتلاشت الزوبعة الإسماعيلية الشيعية فجأة في سنة 567 هجري عندما قام السلطان صلاح الدين الأيوبي بإلغاء الخلافة الفاطمية مباشرة بعد وفاة الخليفة الإسماعيلي العاضد لدين الله وقد برر صلاح الدين تصرفه ذلك أن هذا الخليفة العبيدي الأخير توفي ولم يكن له ولد يخلفه في الحكم.

وإذا كانت زوبعة الإعصار الإسماعيلي تشتت مع انعدام الوريث للخليفة والسلطان فإننا نجد وفي مقابل ذلك أن كثرة الأبناء لأحد أحد أشنع السلاطين الذين عاثوا فسادا في العالم الإسلامي، نتج عن اختلاف وصراع الأولاد للقائد المغولي تيمورلنك انطفاء واضمحلال إعصاره الشنيع والمدمر للأمة الإسلامية. كلنا يعلم المجازر والدمار الذي خلفه الغزو المغولي للعالم الإسلامي خلال القرن السابع الهجري وجرائم جنكيز خان وهولاكو وقازان في هذا الشأن معلومة ومشهورة. ومع ذلك ربما كان من أشنع قادة المغول في سجل الجرائم ذلك الذي وصف نفسه بقوله: أنا غضب الرب في أرضه وكأنه مثل سلفه اللعين أتيلا الهوني الملقب بسوط الله وهو الذي يقال إنه تسبب في مقتل حوالي 17 مليون شخص (أي حوالي 5% من البشر في ذلك الزمن وهذا رقم مفجع وصادم) ونعني بذلك القاتل المبير قائد التتار تيمورلنك.

ومرة أخرى مرحلة التيه والضعف للأمة العربية أثناء العقود الزمنية للخراب المغولي كانت خاتمتها بشكل مفاجئ وسريع فكتب التاريخ تذكر أنه خلال سنوات قليلة في مطلع القرن الثامن الهجري استطاع تيمورلنك من هزيمة الخلافة العثمانية لدرجة أنه أسر وسجن السلطان العثماني بايزيد الأول الذي لقب بسبب قوته وجسارته بلقب (بايزيد الصاعقة). وفي خلال سنة واحدة فقط هي سنة 803 هجري اجتاحت جيوش التتار بقيادة تيمورلنك المدن العربية الكبرى مثل بغداد ودمشق وحلب وحمص وحماة وطرابلس وبعلبك وفي العديد منها كان ذاك المجرم يبني أهراما من رؤوس القتلى. وبعد تلك الغمة السوداء على العالم العربي والإسلامي سرعان ما تلاشت تلك العاصفة الهوجاء بعد سنوات قليلة عندما توفي فجأة تيمورلنك في عام 807م وهنا اندلع الصراع بين أبنائه وأحفاده على ولاية العرش وبهذا انشغل المغول بأنفسهم وتراجع أثرهم تماما عن المناطق العربية في العراق والشام.

وبعد أن أشرنا لظاهرة خروج الأمة الإسلامية بصورة شبه مفاجأة من مأزق الصراع الحربي الحاد مع القوى والمخاطر الهائلة الداخلية (الدولة الفاطمية الشيعية) أو الخارجية (الحملات الصليبية والغزو المغولي) لعلنا نختم بتشريح التاريخ والإشارة إلى أن هذه الظاهرة كما حصلت في التحدي الحضاري في القديم حصلت نسبيا في الزمن المعاصر.

 ونقصد بذلك أن خروج أغلب الدول العربية والإسلامية من ربقة الاستعمار الأوروبي حصل بشكل شبه مفاجئ وذلك بعد سنوات وعقود طويلة من الاحتلال الغربي للأراضي العربية. صحيح أنه ظهرت حركات مقاومة ضد الاستعمار في بعض البلدان العربية في الجزائر والعراق والشام ومصر ولكن أغلب بطولات المقاومة للاستعمار تلاشت تماما في منتصف القرن العشرين. والاستثناء الواضح كانت حركة المقامة الجزائرية للاحتلال الفرنسي الذي استمر لمدة 130 سنة منذ عام 1830م علما بأن احتلال الإنجليز لمدينة عدن وجنوب اليمن استمر كذلك لمدة 129 سنة ومع ذلك انتهى ذلك الاحتلال دون مقدمات تذكر في عام 1967 ميلادي. ومرة أخرى باستثناء الجهاد المبارك والمقاومة الوطنية في الجزائر والفاتورة العالية لذلك المتمثلة بالتضحية بحوالي مليون شهيد، نجد أن (جلاء) الاستعمار الأوروبي عن المدن العربية حصل من جراء النضال السياسي وليس القتال المسلح. ولهذا كحال أغلب الدول الأفريقية نجد أن العديد من الدول العربية حصلت على استقلالها من قوى الاحتلال الإنجليزية أو الفرنسية بشكل سلس نسبيا في الفترة من الخمسينيات وحتى السبعينيات من القرن العشرين.

وفي الختام وعودٌ على بدء نذكر بمدخل المقال وفكرة (الفرج بعد الشدة) على مستوى الشعوب والأمم فالأعاصير السياسية المدمرة يمكن أن تتلاشى وتضعف دواماتها بشكل سريع أو حتى مفاجئ كما لاحظنا مع غزو الصليبيين بقيادة لويس التاسع واكتساحهم لمدينة دمياط ثم انكسارهم السريع والغريب في مدينة المنصورة. ولهذا نأمل بمشيئة الله أن الأمة العربية بمجموعها كما تعرضت لقرون طويلة من الصراع مع الجحافل الإسماعيلية العبيدية ومع الحملات الصليبية ومع الغزوات المغولية ومع الاحتلال الأوروبي ثم تلاشى كل ذلك بشكل تام وحاسم في لحظة ما من التاريخ وبشكل شبه مفاجئ، نأمل أن يتكرر ذلك قريبا مع صراع الأمة العربية والإسلامية مع عدوها الغاشم الكياني الصهيوني الغاصب. (ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا).