الأحد، 4 ديسمبر 2022

( من يعرف السيدة فالنتينا تريشكوفا ؟!! )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في التاريخ البشري المعاصر الجميع قطعا يعرف أول رجل في التاريخ هبط على سطح القمر (الأمريكي نيل أرمسترونغ) أو أول رجل صعد للفضاء (الروسي يوري غاغارين) وربما كذلك أول من دار حول القمر في مركبة فضاء (رائد الفضاء الأمريكي فرانك برومان وزملائه). بل حتى الحيوانات التي صعدت للفضاء دخلت التاريخ من أوسع أبوابه وأصبحت من المشاهير مثل الكلبة الروسية لايكا والقرد الأمريكي بيكر والقطة الفرنسية فيلسيت. بينما في المقابل ولأمر يصعب تفسيره لم يحظ الجنس اللطيف من النساء رائدات الفضاء بالشهرة التي تليق بهن.

في سياق مدخل هذا المقال ربما نبدأ نستوعب الآن أن السيدة الروسية (فالنتينا تريشكوفا) التي نسأل عنها هي في الواقع أول امرأة في التاريخ تصل للفضاء وذلك في عام 1963م أي بعد سنتين فقط من تحقيق رائد الفضاء الروسي لهذا الإنجاز البشري الهائل. في المقابل إذا كان رائد الفضاء ألان شيبارد هو أول أمريكي يصل للفضاء وذلك عام 1961م فإن التاريخ الأمريكي لن يشهد ظهور أول رائدة فضاء أمريكية بعد سنتين من ذلك التاريخ (كما فعل الروس) وإنما بعد مرور أكثر من عقدين من الزمن حيث حدث في عام 1983م انضمام السيدة الأمريكية سالي ريد لقائمة رواد الفضاء.

الطريف في الأمر أن القائمين على برنامج غزو الفضاء في الاتحاد السوفيتي ليس فقط كانوا أسرع بكثير من نظرائهم الأمريكيان في تمكين المرأة من غزو الفضاء، ولكن أيضا عندما شرعوا في محاولة الوصول للقمر لم يترددوا في أن يطلقوا على برنامجهم العلمي الهادف للهبوط على قمر اسم (برنامج لونا) وهذا الاسم في الغالب مشتق من اسم لونا Luna وهي ربة القمر وفق الأساطير الرومانية. بينما في المقابل نجد الأمريكان وبكل سخافة وصفاقة يطلقون على برنامجهم الفضائي للهبوط على القمر الاسم المعلوم للجميع (برنامج أبولو) وبحكم أن أبولو Apollo هو آلة الشمس في الميثولوجيا الإغريقية ونظرا لأن القمر يرتبط أكثر بالمرأة ومن هذا اعتبر البعض أن تسمية برنامج أبولو تعكس ترسيخا للذكورة وتهميش متعمد ضد المرأة.

في العادة إذا تغيرت الظروف ومع مرور الزمن يستخدم تعبير (مياه كثيرة جرت تحت الجسر) ولكن بحكم أن حديثنا عن الفضاء فالأفضل أن نقول (مع سريان الفلك الدوار) تتغير الأحوال وتتبدل الأفعال وبعد الإقصاء والتهميش المبرمج للعنصر النساء يأتي زمن التحيز الإيجابي مع المرأة وليس ضدها. وبعد التناقض في عنوان البرنامج الفضائي الأمريكي للهبوط على سطح القمرة وتسميته باسم إله الشمس (أبولو) يتم الآن التصحيح لهذه التسمية الشنيعة ويتم التجهيز لإطلاق برنامج جديد لهبوط الرواد الجدد من رجال (ونساء) الفضاء الأمريكيان على سطح القمر. وفي زمن تمكين المرأة ليس بمستغرب أن نجد أن هذا البرنامج الفضائي الجديد يحمل اسم: (برنامج أرتميس) وهو برنامج رحلات فضائية تابع لوكالة الفضاء الأمريكية ناسا ووكالة الفضاء الأوروبية ويهدف بالدرجة الأولى لهبوط (أول امرأة) على سطح القمر. بقي أن نقول إن اسم البرنامج الجديد هو توظيف لاسم ربة القمر أرتيمس Artemis وفق الأساطير الإغريقية وهي بالمناسبة كذلك الأخت التوأم لإله الشمس أبولو بزعمهم.

وفي هذا السياق نفهم الأخبار المتلاحقة والمتتالية عن الإعلان قبل عدة أشهر عن برنامج لاختيار أول رائدة فضاء تونسية وأول رائدة فضاء إماراتية (السيدة نورا المطروشي) وبالأمس تم الإعلان عن التجهيز لبرنامج سعودي لرواد الفضاء سوف تصل من خلاله أول سعودية إلى عالم الفضاء.

وبالعودة لسيرة السيدة الروسية فالنتينا تريشكوفا والتي هي أول رائدة فضاء في التاريخ أليس غريبا أنها خارج روسيا هي في الغالب شخصية مجهولة ولا يعرف اسمها إلا القليل لدرجة أنني وأنا الشخص المدمن لمشاهدة البرامج الوثائقية العلمية لا أذكر أن اسمها قد مرّ في أي برنامج علمي على خلاف أسماء العشرات والعشرات من رجال ورواد الفضاء من جميع الجنسيات. التهميش والإقصاء للمرأة أمر غير مقبول، ولكن في المقابل التحيز الإيجابي للمرأة لمجرد أنها امرأة أمر لا يستلزم منه أنها في نهاية المطاف سوف تحوز ما يحوزه الرجل من الاحتفاء والاحتفال. قبل عدة سنوات وعند زيارتي لمدينة موسكو مع بعض الإخوة الكرام كان على رأس البرنامج السياحي لنا زيارة ساحات ومتحف رواد الفضاء في وسط موسكو. في الساحة الخارجية لهذا المتحف المميز يوجد تمثال نصفي ضخم لرائد الفضاء الروسي يوري غاغارين وبالقرب منه مباشرة تمثال مشابه لرائدة الفضاء فالنتينا تريشكوفا وما لفت نظري وأثار استغرابي أن تمثال يوري غاغارين مثبت عليه طوق كبير من الأزهار الجميلة في حين لا يوجد مثل ذلك الطوق الزهري على تمثال فالنتينا ترشكوفا. لماذا هذا التباين في الاحتفاء برائد الفضاء الرجل دون رائدة الفضاء المرأة أمر لا أعرف الإجابة عليه.

في المقابل وعلى ذكر وضع الزهور والورد على النصب التذكارية والقبور نجد أن المرأة عندما تنال مكانتها بالتميز المحض وبقدراتها البحتة وليس بالتحيز الإيجابي معها قد يفوق الاحتفاء والاحتفال بها ذاك الذي قد يصل له الرجال. عندما زرت مبنى البانثيون (أو ما يسمى مقبرة العظماء) بالحي اللاتيني في باريس والذي يضم قبور ورفات أشهر رجالات الأمة الفرنسية مثل فولتير وجان جاك رسو وفيكتور هوغو وأميل زولا وألكسندر دوما وغيرهم كثير، وجدت أن الشخص الوحيد الذي وضع على قبره زهور كبادرة للتقدير والإجلال هي فقط السيدة ماري كوري. كما هو معلوم فإن (مدام كوري) هي الشخص الوحيد في التاريخ الذي حصل على جائزة نوبل في الفيزياء وكذلك في الكيمياء ولهذا أصبحت من مشاهير النساء وحتى الآن تحظى بتقدير وإعجاب ومحبة الملايين وربما هذا يفسر لماذا كانت الزهور موضوعة على حافة قبرها ولم توضع كذلك على حافة قبر زوجها بيير كوري الذي حصل هو الآخر على جائزة نوبل في الفيزياء.

وعلى ذكر جوائز نوبل لعل من المناسب أن نذكر أن (أول امرأة) في التاريخ تحصل على جائزة نوبل في الأدب هي شخصية أدبية مجهولة تماما الآن وهي السيدة سلمى لاغرلوف والتي حصلت عليها في تاريخ مبكر جدا من تاريخ الجائزة إي في عام 1909م. حصول السيدة سلمى لاغرلوف على جائزة نوبل كان بكل تأكيد بسبب (التحيز الإيجابي لصالحها) وذلك لأنها كانت بكل بساطة سويدية الجنسية ولهذا رغبت الأكاديمية السويدية أن تمنح هذا الشرف لامرأة من بلد السيد ألفريد نوبل في حين أنها كانت (ويا للفضيحة) تتعمد حجب هذه الجائزة المرموقة عن عملاق الأدب العالمي الروائي الروسي تولستوي الذي توفي بعد عام واحد من منح الجائزة لتلك المرأة المجهولة. وكأن تولستوي مات مقهورا وبذلك يتشابه مع عملاق العلم الروسي ديمتري مندلييف الذي حجبت عنه جائزة نوبل في الكيمياء لعدة سنوات حتى توفي عام 1907م وهو يشعر بالألم والقهر من العنصرية الأوروبية ضد الأدباء والعلماء الروس.

قبل قرنين من الزمان وبالضبط في عام 1818م كتبت الأديبة الإنجليزية المشهورة جين أوستن (لقد كان للرجال الأفضلية الكاملة علينا في أن يرووا قصتهم من دوننا، لقد كان التعليم ملكا لهم وكانت الأقلام في أيديهم). عندما استشعرت الروائية جين أوستن عمق التحدي وصعوبة المنافسة الأدبية في دنيا الحروف التي يسيطر عليها الرجال ولهذا بذلت أقصى جهد لها لكي تبرز بين هذه القامات الشاهقة وعندما فعلت ذلك أصبحت مكانتها في دنيا الأدب النسوي مماثلة لمكانة شكسبير بين بقية الأدباء. والمقصود بمختصر العبارة أنا أتفق تماما مع عبارة الروائية الجزائرية المبدعة أحلام مستغانمي إذ تقول (كل ما يأتي على عجل يمضي سريعاً، وكل ما نكتسبه بسرعة نخسره بسهولة).

 

( نصيحة علمية من تشارلز الثاني لحفيده تشارلز الثالث )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 خلال الأسبوع الماضي وبعد تنصيب ولي العهد البريطاني العرش الإنجليزي وتغيير اسمه الرسمي من الأمير تشارلز (أمير ويلز) إلى اسمه الملكي (تشارلز الثالث) استرجع العديد بكثافة خبر سلفه الأقدم الملك (تشارلز الأول) ربما بسبب كونه ليس فقط أول ملك بريطاني يخسر الحكم (بأن يملك ولا يحكم) ولكن أيضا لأنه في واقع الأمر تم الانقلاب عليه وإعدامه بتهمة الخيانة. بينما كنت أود شخصيا أن يتم الربط بين الملك الجديد (تشارلز الثالث) وسلفه الأقرب (تشارلز الثاني) تلك الشخصية ذات الأهمية السياسية والأثر الكبير في نهضة العلوم والذي لطالما مرّ عليّ اسمه وأخباره في العديد من كتب تاريخ العلوم بل وحتى في مواضع غير متوقعة مثل كتاب (الحب في التاريخ) للكاتب المصري سلامة موسى.

أول لحظات اللقاء والتعرف من جهتي نحو الملك تشارلز الثاني قبل حوالي 25 سنة كان من خلال المجلة الثقافية والإخبارية للجمعية الكيميائية البريطانية وبحكم تخصصي العلمي في مجال الكيمياء طربت عندما علمت لاحقا أن الكاتب السوري الأنيق المظهر والثري المصدر محي الدين الللاذقاني ربط في مقال منشور في جريدة الشرق الأوسط بين الملك تشارلز الثاني وبين شيخ الكيميائيين العرب خالد بن يزيد بن معاوية. كما هو معلوم تولى خالد بن يزيد منصب (ولي العهد) للخليفة الأموي معاوية بن يزيد، ولكن نظرا للخطر الداهم على البيت الأموي بسبب الطموح السياسي لعبدالله بن الزبير والذي سيطر على أغلب الأقاليم الإسلامية الكبرى غير الشام، اضطر بنو أمية أن يزيحوا خالد بن يزيد عن سدة الحكم بعد تنازل الخليفة معاوية بن يزيد وأن يسندوا منصب الخلافة إلى مروان بن الحكم. وبعد ضياع الملك من تحت يد خالد بن يزيد نجده يغادر دمشق إلى مدينة حمص وكوسيلة للسلوان عن ضياع الملك ولكي يشغل نفسه تشير كتب التاريخ أن خالد بن يزيد اتجه إلى ترجمة ودراسة كتب الخيمياء القديمة وقد أشار الجاحظ في كتاب التبيان والتبيين إلى أن خالد بن يزيد كان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء.

وهنا تبدأ تتشكل معالم وصور التشابه بين الأمير وولي العهد الأموي خالد بن يزيد وبين الأمير وولي العهد الإنجليزي تشارلز الثاني حيث نجد أنه خلال الحرب الأهلية الإنجليزية التي اندلعت في القرن السابع عشر الميلادي يتم خلع والده الملك تشارلز الأول من الحكم وإعدامه على يد الثائر أوليفر كرومويل وبهذا يفقد تشارلز الثاني العرش الإنجليزي كما فقد خالد بن يزيد الخلافة. وكما غادر الأمير خالد دمشق إلى مدينة حمص نجد أن الأمير الشاب تشارلز يفر بحياته ويهاجر من لندن إلى مدينة باريس ليعيش في المنفى لمدة 14 سنة ينتقل خلالها بين فرنسا وهولندا وإسبانيا. ما يهمنا هنا أنه أثناء إقامته في مدينتي باريس الفرنسية ولاهاي الهولندية (وكما حصل مع خالد بن يزيد وكوسيلة للسلوان عن ضياع الملك ولكي يشغل نفسه) أخذ تشارلز الثاني هو الآخر يشغل نفسه بدراسة الخيمياء وإجراء التجارب الكيميائية الهادفة لتحويل النحاس إلى ذهب. يشتهر عن الملك تشارلز الثاني أنه يحمل لقب الملك السعيد وذلك لطبيعة المرح والحيوية في حياته وكذلك يمكن أن نطلق عليه لقب (ملك العلماء وعالم الملوك) فقد أرتبط بشكل وثيق في جميع مراحل حياته بالعلم والعلماء والمؤسسات العلمية والبحثية. فبالإضافة لشغفه بإجراء التجارب الخيميائية في سنوات المنفى كان كذلك بعد توليه الحكم والإقامة في قصر بكنغهام مستمر في هذه الهواية العلمية لدرجة أنه أنشأ مختبرا علميا في القصر الملكي ووظف فيه بعض العلماء لكي يساعدوه في إجراء التجارب الكيميائية العابثة أو الصيدلانية الهادفة والتي كان منها محاولة استخلاص دواء الكينين من لحاء شجرة الكينا. وبسبب انغماس ذلك الملك في التجارب الكيميائية توجد بعض التكهنات أنه من خلال أعراض المرض الذي أصابه قبل وفاته أن من المحتمل أن سبب ذلك يعود لتسمم الملك بعنصر الزئبق المنتشر بكثرة استخدامه في التجارب الخيميائية في ذلك الزمن.

وبالإضافة لارتباط الملك تشارلز الثاني بعلم الكيمياء نجده كذلك قد درس الرياضيات على يد الفيلسوف والمفكر البريطاني هوبس بينما كان على معرفة بالطبيب الإنجليزي المعروف وليم هارفي مكتشف الدورة الدموية الذي كان الطبيب الخاص لوالده. هذا وقد صرح الملك كذلك برغبته في زيارة مختبر عالم الكيمياء الإنجليزي روبرت بويل الذي يعرفه جميع طلاب العلوم في المدارس لأنه صاحب (قانون بويل) ومن مشاهير العلماء الذين كانوا من رعايا الملك تشارلز الثاني نذكر إسحاق نيوتن وروبرت هوك والمعماري كريستوفر ورين.

وبسبب العلاقة الوثيقة والمتشعبة بين الملك تشارلز الثاني والعلم والعلماء ليس بمستغرب أنه أصبح أحد أشهر (الرعاة) للعلوم في التاريخ ولذا بعد عودته من المنفى وخلال سنة واحدة فقط من توليه زمام الملك في بريطانيا يقبل عريضة الالتماس التي تقدم بها عدد من كبار العلماء بأن يكون هو مؤسس وراعي المؤسسة العلمية المسماة (الجمعية الملكية Royal Society) والتي هي من أقدم الجمعيات العلمية وأكثرها عراقة وتأثيرا في تطور العلوم.

سبق وأن أشرت في مطلع هذا المقال إلى أن أخبار وذكر الملك تشارلز الثاني مرت بي عبر السنين في مصادر كثيرة وأحيانا في مواضيع غير متوقعة ومن ذلك أن في رواية الأديب الفرنسي الشهير بلزاك (امرأة في الثلاثين) نجد فيها وصفا للشخصية الرئيسية في الرواية بأنه شاب بريطاني يدعى أرتو أرموند وهو من أصول نبيلة ويدرس علم الحيوان والطب في فرنسا. ثم يأتي في تلك الرواية الإشارة الصريحة للملك تشارلز الثاني (... وقد تملكه شغف بهذه العلوم رغم أنه على ذلك المركز الكبير من الحسب والنسب وهذا ليس بمستغرب كثيرا على هذه الأوساط، فهذا ولي العهد اشتغل في علم الكيمياء وبرع به).

وبعد هذه السردية المطولة عن الجوانب العلمية في حياة الملك تشارلز الثاني نأتي للنصيحة التي يمكن أن يقدمها هذا الملك العالم و(الكيميائي) لحفيدة المعاصر الملك تشارلز الثالث وتتمحور تلك النصيحة الذهبية في ضرورة التفات الحاكم وصحاب السلطة العليا للقضايا العلمية والتقنية وبسط عباءة ومظلة الرعاية والعناية برجال العلم والعلماء.

للأسف فيما يتعلق بالموقف من العلم والعلماء يوجد اختلاف شبه ملموس بين الجد والحفيد (تشارلز الثاني وتشارلز الثالث) ففي حين كان الجد القديم متفتح للعلم وللأفكار العلمية الجديدة نجد أن الحفيد الملك تشارلز الثالث له طريقة تفكير (محافظة ومتشككة) حول القضايا العلمية. وكما تعرفت أنا خلال العقود الزمنية الماضية من خلال الكتب على الجوانب العلمية الفريدة في حياة الجد تشارلز الثاني تابعت بالتزامن خلال تلك العقود العديد من الضجيج الإعلامي البريطاني والدولي حيال مواقف الحفيد تشارلز الثالث من بعض القضايا العلمية. ومن ذلك مثلا أنه ومنذ بداية الحديث عن النهضة العلمية الجديدة المسماة (تقنية النانو) نجد الأمير/الملك تشارلز الثالث يحذر في عام 2004 من المخاطر (المحتملة) لهذه التقنية ويقدم نصيحة لعامة الشعب أنه من الأفضل يتجنبوا حتى حين استخدام منتجات هذه التقنية الجديدة. هذا الموقف المتشكك من تقنية النانو هو في الواقع تكرار لما حصل قبل ذلك بعشر سنوات أي في بداية التسعينيات من القرن العشرين عندما حذر الأمير تشارلز من المخاطر (المحتملة) ليس من تقنية النانو التي لم تظهر بعد، ولكن من (التقنية الحيوية) وخصوصا في مجال الهندسة الوراثية والأغذية المعدلة وراثيا.

في الواقع يجب أن نعترف أن للملك تشارلز الثالث اعتناء فائق ومشكور بالقضايا البيئية، ولكن في المقابل فإن طريقة تفكيره المحافظة والمتشككة في القضايا العلمية حرفته لكي يصبح في خانه من لديهم رهاب وفوبيا من الأثر السيء للعلم على البيئة وصحة البشر ولهذا كان يدعم اتجاهات الزراعة العضوية وطرق المعالجة بالطب البديل. غني عن القول أن مثل هذه المواقف والضجة الإعلامية التي كانت تصحبها جعلت العديد من العلماء والباحثين يصرحون بمعارضتهم الشديدة للأفكار التي يطرحها الأمير تشارلز والبعض منهم كتب مقالات أو أرسل (رسائل مفتوحة) ناقدة بل وحتى جارحة في حق الأمير.

التسامح الديني سلوك متوارث من تشارلز الثاني إلى تشارلز الثالث

في حين يوجد اختلاف واضح فيما يتعلق بالانفتاح الذهني وموقف القبول للمستجدات العلمية والمخترعات التقنية بين السلف (تشارلز الثاني) والخلف (تشارلز الثالث) نجد أن بينهما توافق عجيب وتجانس كامل في التسامح والقبول بالآخر المخالف بل والإعجاب به. ففي زمن الملك تشارلز الثاني كان يوجد انشقاق مجتمعي حاد بين الغالبية البروتسنتية من الشعب البريطاني وبين الأقلية المضطهدة من الكاثوليك. في بداية الأمر وحتى يسهل الملك تشارلز الثاني عودة لعرش السلطة وعد حلفائه من الفرنسيين أن يعتنق الكاثوليكية، ولكنه لم يفعل ذلك وإن كان له تعاطف عميق وصادق مع أتباع المذهب الكاثوليكي من رعيته. في الواقع لا يحتاج تشارلز الثاني أن يسدي النصيحة لحفيدة تشارلز الثالثة بضرورة اتباع سياسية التسامح الديني وحماية حرية العقيدة لجميع الأديان والطوائف فمنذ عقود طويلة والأمير تشارلز تشهد مواقفه بالذات مع الإسلام أنه بالفعل متشرب لهذا الموقف المتفتح والمتقبل للجميع. صحيح أن الملك الجديد أقسم قبل عدة أيام وعند مراسم تتويجه (أقسم بالدفاع وحماية المسيحية البروتستنتية) ولكن في الغالب هذا إعلان شكلي ولا يشترط منه أن يدخل الملك الجديد في حالة عداء مع الطوائف والأديان الأخرى.

من الأمور الشائعة والذائعة الانتشار احترام واعجاب الأمير تشارلز بالإسلام كديانة وبالحضارة الإسلامية كموروث إنساني ثري وراقي بل أشتهر عن هذا الأمير/الملك دفاعه المتكرر عن الإسلام ومعاداته لتيارات الإسلاموفوبيا. من المشتهر داخل بريطانيا دعم الأمير/الملك تشارلز الثالث للجالية الإسلامية ومشاركته لها في العديد من المناسبات في مسجد لندن المركزي ولا زالت تتداعى أصداء زيارته لمركز الدراسات الإسلامية في جامعة أكسفورد والمحاضرة الشهيرة التي دافع فيها عن الإسلام كدين وحضارة وثنائه على تعاليم الإسلام فيما يتعلق بقضايا البيئة وتحذير قومه من تجاهل الدرس الذي يقدمه الإسلام. وربما يطول بنا المقام لو ذهبنا نستقصى شواهد إعجاب الأمير/الملك تشارلز بالحضارة الإسلامية وفن العمارة الإسلامية وجماليات اللغة العربية التي يقال إنه حاول أن يتعلمها وحرصه أكثر من مرة على زيارة الجامع الأزهر في القاهرة واللقاء والحوار مع شيخ الأزهر.

ونختم على عجل أن النصائح والإرشادات والوصايا التي يمكن أن يقدمها تشارلز الثاني لتشارلز الثالث متعددة ومتنوعة وليس أقلها في فن إدارة الأزمات فإذا كانت بريطانيا الحالية تعاني من آثار جائحة الكورونا ونقص طاقة الوقود ففي زمن تشارلز الثاني مرت بالأمة الإنجليزية كوارث طبيعية أخطر بكثير مثل وباء الطاعون القاتل عام 1665م وبعد ذلك بسنة واحدة الكارثة العظمى: حريق لندن الكبير.

يبدو أن الملك تشارلز الثالث وقد دخل في مرحلة الشيخوخة المتأخرة لا يحتاج لنصائح أخلاقية لضبط سلوكه الشائن فيما يخص علاقاته الجنسية المنفلته وعلى كل حال ربما يكون جده الأقدم تشارلز الثاني آخر شخص يمكن أن يسمح له بإسداء النصائح الأخلاقية في هذا الشأن. فالملك الجد تشارلز الثاني فاسد وفاسق حتى النخاع لدرجة أنه ليس فقط اعترف بأنه أنجب حوالي 14 طفلا غير شرعي (من خلال عشيقاته المتعددات والبعض منهم متزوجات أصلاً من كبار النبلاء) ولكنه وبكل صفاقه جعل بعضهم ضمن حاشيته الخاصة بل أنه منح بعض عشيقاته وأبنائه من الزنى أعلى مراتب النبلاء في المجتمع الإنجليزي أي مرتبة الدوق (Duke). الطريف في الأمر أن الرابط والعلاقة بين تشارلز الثاني وتشارلز الثالث فيما يتعلق بالقضايا الأخلاقية ليس فقط سلوكهما الأخلاقي الفاسق، ولكن أيضا ومن غرائب الصدف أنهما يرتبطان من خلال كلا زوجتي الملك تشارلز الثالث. في الواقع الأميرة ديانا الزوجة الأولى للأمير تشارلز في الأصل من نسل السيد هنري فتزروي دوق غرافتون ولذي هو الولد غير الشرعي للملك تشارلز الثاني والأعجب من ذلك أنه حتى الزوجة الحالية للملك تشارلز الثالث أي (الحرباء الدوقة كاميلا) هي الأخرى في الأصل من نسل الملك تشارلز الثاني، ولكن هذه المرة من أبنه غير الشرعي الآخر والذي من الصدف أيضا أن اسمه (تشارلز) وهو دوق ريتشموند.

( نساء في سدة الحكم )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 العام الماضي وبمناسبة (اليوم العالمي للمرأة في ميدان العلم) كتبت مقال حمل عنوان (نساء العلم .. أقلية متوثبة) رصدت فيه وفي مقالات أخرى سابقة مثل مقال (النساء قادمات .. ولو بعد حين)، رصدت الظاهرة المتصاعدة في أعداد النساء والفتيات الآتي ينافسن ويزاحمن الرجال ليس فقط على مقاعد الدراسة وطاولات البحث العلمي ولكن أيضا في التميز والإبداع والحصول على أعلى الجوائز العلمية وأرقى المناصب الأكاديمية والبحثية (ولهذا ظهر لي المقال الآخر: نون النسوة يزاحم واو الجماعة على جوائز نوبل).

وهذا الأسبوع ومع الإعلان عن انتخاب السيدة ليز تراس لمنصب رئيسة وزراء الحكومة البريطانية لعل من الملائم تسليط الضوء على مزاحمة النساء للرجال على تولى دفة قيادة المجتمعات والجلوس على كرسي السلطة وسدة الحكم. في الوقت الحالي توجد 27 دولة تتولى النساء فيها مناصب سيادية وسياسية كبرى مثل منصب رئيسة الوزراء أو رئيسة الدولة ولكي نستوعب ضخامة ذلك الرقم (27) يكفي أن نشير إلى أنه حتى عقود زمنية قريبة لم يكن أحد يتوقع (والبعض ربما لا يقبل) أن تتولى النساء مثل هذه المناصب القيادية العليا. وفي واقع الحال أنه حتى عام 1980م (وهو تاريخ غير بعيد) حصل لأول مرة في تاريخ البشرية أن تولت امرأة السلطة بطريق الانتخاب المباشر من الشعب وليس بطريقة وراثة كرسي الملك من والدها أو بدعم وتنصيب من الحزب الحاكم الذي تنتمي له. وهذا ما حصل السيدة فيغتيس فينبوغادوتير والتي عندما تولت منصب رئيسة دولة أيسلندا وذلك عام 1980م وذلك دخلت التاريخ بوصفها (أول امرأة في العالم تنتخب لتولى مهام رأس السلطة التنفيذية). صحيح أن العجوز الشمطاء الصهيونية جولدا مائير قد شغلت قبل ذلك بسنوات منصب رئيسة وزراء الكيان الصهيوني الغاصب ولكنها في الوقع لم تصل لسدة الحكم بالانتخاب المباشر وإنما تقريبا بالصدفة وذلك عندما هلك فجأة رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول فتقلدت جولدا مائير المنصب بحكم نفوذها في حزب العمال الإسرائيلي.

على كل حال لا شك أنه حصلت قفزة كبرى في مسيرة المرأة وتمكينها في العقود الأخيرة على مستوى العالم من المناصب الإدارية ومع ذلك ينبغي التنبيه أن أغلب الدول 27 التي تتولى النساء فيها مناصب الرئاسة هي دول هامشية والدول الكبرى منها في الغالب ما تمر فترة حكم النساء لها من دون شهرة ملموسة لتلك القيادة النسوية. أعتقد أن الغالبية العظمى من القراء الكرام ربما لم ينتبهوا أن رئيسة الوزراء الحالية في فرنسا هي سيدة تدعى إليزابيث بورن والأغرب من ذلك أننا كلنا لم نشعر على الإطلاق أن البلد العربي الشقيق تونس توجد سيدة تسمى نجلاء بودن يزعم أنها تتولى منصب رئيسة الوزراء. كما ينبغي ألا نغفل أن الدول الكبرى وذات التأثير الطاغي في عالم السياسية والاقتصاد مثل أمريكا والصين وروسيا ليس فقط لم تتول المرأة فيها منصب الرئاسة، بل حتى لا يوجد بها حالياً شخصيا سياسية نسائية مرموقة ولها ثقل سياسي تستطيع أن تنافس على منصب الرئيس.

الاستثناء الواضح والفريد لتتابع تولي النساء للمناصب الرئاسية العليا هو ما نجده في بريطانيا حيث اضطلعت بمنصب رئاسة الوزراء ثلاث من النساء (المرأة الحديدة تاتشر والعجوز البكاءة تيريزا ماي والوجه الجديد ليز تراس). ومع ذلك ينبغي ألا نغفل العوامل (الاجتماعية) المساعدة لوصول المرأة لسلطة الحكم في بعض المجتمعات فكما هو معلوم المجتمع البريطاني متعود على وجود المرأة في المنصب السيادي المرموق أي منصب (الملكة) فبالإضافة للملكة الراحلة قبل يومين إليزابيث الثانية شهد التاريخ البريطاني تنصيب ستة ملكات. وعلى نفس النسق نجد أن من عادات شعوب دول القارة الهندية أن تحظى المرأة بدور كبير في إدارة الأسرة ولها سلطة قد تفوق سلطة الأب ولهذا حتى اليوم تشهد دول الهند وباكستان وبنجلاديش وسريلانكا ونيبال وغيرها انتخاب عدد ملموس من النساء في منصب رئيسة الوزراء. وبحكم أن دول الشمال الإسكندينافية تنتشر فيها ظاهرة المساواة بين الجنسين لذا فرصة المرأة عالية للوصل لسدة الحكم بينما الدول المجاورة لها أي دول البلطيق مثل ليتوانيا وأستونيا ولاتفيا هي من أكثر الدول التي تكون فيها أعداد الإناث أعلى من أعداد الذكور ففي تلك الدول المذكورة تزيد نسبة النساء عن 80% من أعداد السكان ولذا مرة أخرى فرصة النساء عالية لحكم تلك البلاد.

وفي نفس السياق نجد أن بعض أشهر النساء اللواتي تولين سلطة الحكم وجدت العديد من العوامل المساعدة لهن فمثلا قد تكون هي أصلا من أسرة مشهورة ولها ثقلها السياسي كما هو حال رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي التي هي في الأصل ابنه عملاق السياسية الهندية جواهر لال نهرو أول رئيس وزراء للهند. وفي عالمنا الإسلامي نجد نفس القصة تتكرر فهذه بناظير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة هي كما هو معلوم ابنة الرئيس الباكستاني ذو الفقار بوتو وكذلك رئيسة الحكومة الإندونيسية السيدة ميجاواتي سوكارنو هي ابنة الرئيس الإندونيسي سيئ الذكر أحمد سوكارنو. بالمناسبة ليس شرطا أن ترث الابنة الحكم من والدها فربما يمهد لها زوجها سبيل الوصول للحكم بطريقة أو أخرى فهذه مثلا كورازون أكينو رئيسة الجمهورية الفلبينية لم تكن تصل للحكم لولا التعاطف معها بعد اغتيال زوجها السياسي الفلبيني البارز بنينو أكينو. وكذلك السيدة إيزابيل بيرون سهل لها زوجها الرئيس الأرجنتيني خوان بيرون أن تصل للسلطة عندما جعلها أولاً نائبة رسمية له ثم أورثها الحكم بعد وفاته.

وهذا يقودنا إلى أن عددا كبيرا من النساء الذين وصلوا لسدة الحكم لهن خاصية غريبة في دنيا السياسية وهي أنهن كن صغيرات نسبيا في السن وليس هذا وحسب، بل أنهن في الأصل ليس لديهن سابق خبرة سياسية ملموسة قبل وصولهن للحكم. هذا التناقض الغريب بين الرجل والمرأة في الوصول للحكم يمكن أن نفهمه في ضوء أن بعض المجتمعات الشرقية وشعوب العالم الثالث تتأثر كثيرا بالعاطفة وتنحاز للمظلوم كنتيجة طبيعية للاستبداد الذي تعيشه هذه الشعوب. وعليه عندما يتعرض سياسي للاضطهاد أو حاكم للاغتيال وتقوم من بعده زوجته أو ابنته وتطالب له (بالثأر) تتعاطف معها شرائح واسعة من المجتمع وهذا قد يقود في النهاية لإيصال تلك الزوجة أو الابنة لسدة الحكم. وهذا ما حصل مع السيدة سونيا غاندي والتي بالرغم من أنها إيطالية الأصل إلا أنها تأهلت أن تصبح رئيسة وزراء الهند بعد أن فاز حزبها بالانتخابات. بقي أن نقول إن السيدة سونيا لم يكن لها أي إسهام سياسي إلى اللحظة التي تم فيها اغتيال زوجها راجيف غاندي رئيس وزراء الهند وهنا انخرطت سونيا في دهاليز السياسية لإكمال مسيرة وأرث زوجها السياسي وبالرغم من استحقاقها تولي سدة الحكم إلا أنها رفضت استلام زمام السلطة خشية من أن يتم اغتيالها هي الأخرى. المدافعة عن الزوج السياسي المضطهد أو المطالبة بثأر الزوج أو الأب أوصل العديد من النساء لسلطة الحكم كما الحال مع رئيسة وزراء بورما أونغ سان سوتشي (بل حصلت كذلك على جائزة نوبل للسلام) ورئيسة وزراء سريلانكا سيريمافو باندرانايكا ورئيسة نيكاراغوا فيوليتا باريوس ورئيسة جمهورية لاتيفيا السيدة فيرا فريبيجا والسيدة أغاتي رئيسة وزراء جمهورية روندا.

 نساء السلطة في لحظة الانكسار

منذ اختيار السيدة سيريمافو ياندرانيكا لكي ترأس الحكومة السريلانكية عام 1960م وحتى انتخاب السيدة ليز تراس لكي ترأس الحكومة البريطانية قبل أيام نجد أنه خلال تاريخ النضال السياسي للجنس اللطيف تمكنت بالضبط 120 سيدة من استلام مقاليد السلطة ورئاسة الحكومة. وقبل ذلك ومنذ فجر التاريخ البشري سادت العديد من النساء في هيئة (ملكات) ربما أقدمهن على الإطلاق الملكة الفرعونية ميرت نيت التي حكمت مصر قبل حوالي خمسة آلاف سنة أو الملكة السومرية كوبابا التي جاءت بعدها بخمسمئة سنة. على كل حال خلال هذا السجل الطويل من حكم الملكات والإمبراطورات أو السيطرة الحديثة لنساء السياسية المعاصرات إلا أننا نجد أن الغالبية الساحقة منهن ليس لهن أي تأثير واضح وحضور بارز في صفحات التاريخ. وللدلالة على ذلك نجد أن كتاب (الخالدون المئة) للباحث الأمريكي مايكل هارت لم يذكر في كتابة البارز ذاك إلا أسماء سيدتين فقط: الملكة الإسبانية إيزابيلا التي أنهت الحكم الإسلامي في الأندلس وتسببت في اكتشاف القارة الأمريكية ومع ذلك وضعت في تصنيف متأخر جدا (الترتيب رقم 68). في حين أن المرأة بالغة الشهرة وهي ملكة بريطانيا القديمة إليزابيث الأولى وضعت حرفياً في ذيل القائمة (الترتيب رقم 95) بينما السيدة التي أطلق اسمها على العصر الفيكتوري (أي الملكة البريطانية فيكتوريا) لم تذكر أصلا ضمن قائمة (أكثر 100 شخصية تأثيرا في التاريخ).

الأعجب من ذلك في بيان وكشف ضعف تأثير النساء ممن جلسن على كرسي الملك أو تولين منصب سلطة الحكم أنه عندما قامت الباحثة الأمريكية ديبورا فيلدير بتأليف كتاب حمل عنوان (أكثر 100 امرأة تأثيرا في كل العصور) وبالرغم من أن المنافسة والمقارنة الآن بين النساء إلا أنه لم يذكر من أسماء (الملكات وسيدات السياسة) إلا تسع نساء فقط. وأفضل ترتيب لسيدات السياسة والملك في ذلك الكتاب كان من نصيب الملكة الإنجليزية إليزابيث الأولى التي جاءت في المرتبة 16 بينما سبقها في التصنيف بعض المتخصصات في العلوم مثل السيدة كوري (جاءت في تصنيف متقدم جدا وهو الترتيب رقم 2) أو حتى بعض الأديبات مثل الروائية الإنجليزي جين أوستن (الترتيب رقم 13). بل إن أشهر وأهم شخصية سياسية من العيار الثقيل في المشهد السياسي في الزمن المعاصر وهي رئيسة الوزراء البريطانية والمرأة الحديدة مارغريت تاتشر جاءت في ترتيب متأخر جدا بين النساء المؤثرات في التاريخ البشري (الترتيب رقم 68).

والمقصود أن النساء حتى وإن وصلن لسدة الحكم فهن بالجملة أقل بكثير من الرجال في إحداث تأثير ملموس في صفحات التاريخ أو دنيا السياسية فضلا عن أن يكن لهن أثر في ساحات الحروب والصراع الدولي. بالجملة نقرّ ونعتقد أن النساء شقائق الرجال وأنه لا فرق جوهري في التكوين النفساني والروحي بينهم، ولكن يبقى للقوارير من النساء لحظات ضعف عاطفية أو هزات نفسية تخل بقدرتهن على القيادة التامة. فهذه الشمطاء رئيسة الوزراء الصهيونية جولدا مائير التي يزعم أنها كانت تخيف القادة العرب، عندما وقعت بالكيان الإسرائيلي بواكير هزيمة حرب السادس من أكتوبر لعام 1973م تشير التقارير الصحفية الإسرائيلية أن جولدا مائير أكدت بأنها فكرت في الانتحار في بدايات تلك الضربة الخاطفة المباركة في العاشر من رمضان. وفي التاريخ القديم ألم تنتحر بالفعل الملكة المصرية كيلوبترا بعد هزيمتها في معركة أوكتيوم البحرية وذلك بعد اعتقادها الخاطئ أن عشيقها وحليفها الحربي القائد الروماني ماركوس أنطونيوس قد قتل.

وما أكثر لحظات الانكسار في المسيرة السياسية لنساء الحكم والسلطة وذلك عندما تتدخل ومضات الخلل العاطفية في سياق اتخاذ القرارات المصيرية فهذه السلطانة شجرة الدر تثير الإعجاب بحكمتها في إدارة الدولة وقت الغزو الصليبي للديار المصرية ثم إذا بها بحماقة عجيبة تقتل زوجها السلطان المملوكي عز الدين أيبك بسبب غيرتها عليه لأنه أراد أن يتزوج عليها أو يرد لعصمته طليقته وأم أولاده. وكما قتلت شجرة الدر زوجها بسبب الغيرة فكذلك نجد أن الإمبراطورية الروسية كاترين الثانية تتهم بأنها تسببت في اغتيال زوجها الإمبراطور بطرس الثالث لكي يخلو لها الجو لسلوكها المشين والداعر مع عدد كبير من العشاق لدرجة أنها عندما توفيت وهي عجوز شمطاء أثيرت شائعة جنسية شنيعة عن سبب موتها. لطالما كانت النساء من سيدات الحكم والسلطان عرضه أكثر من الرجال لإطلاق الشائعات عن حياتهن الجنسية كما حصل مع الملكة العزباء إليزابيث الأولى والأرملة المتشحة بالسواد دوما الملكة الإنجليزية فيكتوريا والملكة المسترجلة الشاذة كريستينا ملكة السويد والقائمة تطول.

من هذا وذاك وبسبب أنه يسهل أحيانا كسر نفسية وعزيمة نساء السلطة العليا أكثر مما يحصل مع الرجال وخصوصا في زمن الحروب والكوارث لذا أنا أميل للرأي الفقهي المشهور بعد جواز تولية المرأة منصب (الولاية الكبرى) أي مهام رأس السلطة السيادية العليا وذلك استنادا للحديث الشريف الذي رواه الإمام البخاري (لن يفلح قومُ ولوا أمرهم امرأة). وبالمناسبة لمن قد لا يقتنع إلا بالفكر الفلسفي القديم فهذا المعلم الأول أرسطو مؤصل الفكر الغربي يقرر في كتابه الذي يؤطر لإدارة المجتمع (كتاب: السياسة) أن النساء خاضعات للرجال وأن لا سلطة لهن وكان يعتقد أن على الزوج ممارسة الحكم السياسي على زوجته. بينما نجد سلفه ومعلمه الفيلسوف أفلاطون ينص على تفوق الرجل في السياسة وغيرها على المرأة بقوله في كتابه (الجمهورية) والذي ينظّر فيه لكيفية سياسة وإدارة المدينة الفاضلة وهنا كتب أفلاطون متسائلا: هل يمكنك التفكير في أي نشاط بشري لا يكون فيه الذكر متفوقا على الأنثى ؟!!.

( الفيضان والجفاف .. وجهان لقطرة واحدة )


 

/ أحمد بن حامد الغامدي

 على غير المتوقع نجد أنه في بعض الحالات قد يكون الجمع بين الأضداد والربط بين المتناقضات أكثر فائدةً وأعمق حكمة من دراسة ورصد تلك المتناقضات أو الأضداد بشكل منعزل. خذ على سبيل المثال أجواء المناخ المتناقضة التي شاعت هذا الصيف في زوايا مختلفة من بقاع الأرض ما بين الجفاف والحرائق وموجات الحر الخانقة غرباً في أوروبا وما يقابلها من حالات الفيضانات الجارفة والأمطار الغزيرة شرقاً في بعض الدول الآسيوية. هل يوجد ترابط أو تداخل بين هذه الاضطرابات المناخية الصارخة وماذا يمكن أن يستفاد من ذلك في تعزيز (أو نفي !!) ظاهرة الاحتباس الحراري وتأثيراتها البيئية الهائلة.

قبل ذلك نحتاج أن نعود بالتاريخ إلى صيف عام 1997م حيث نجد أن غرب الولايات المتحدة وبالتحديد في ولاية كاليفورنيا تعرضت لكارثة هطول أمطار قياسية وفياضات جارفة بينما في المقابل وفي نفس التوقيت وعلى الطرف الآخر من العالم يتم رصد موجات جفاف حادة جدا في الجزر الإندونيسية. من الناحية الظاهرية قد يظن البعض أنه لا يوجد رابط بين تلك الأضداد والمتناقضات المناخية الغريبة والمفاجأة بين أمريكا غرباً وإندونيسيا شرقاً ومع ذلك كانت تلك السنة وتلك الأحداث المناخية المتناقضة من أهم اللحظات في تطور علم المناخ الحديث عندما أكتشف العلماء ما يسمى بظاهرة (إل نينيو El Nino). في علم المناخ يقصد بظاهرة إل نينيو تلك الدورة المناخية التي تحدث عبر المحيط الهادئ (ذلك المسطح المائي الهائل الذي يربط كاليفورنيا بإندونيسيا) والتي لها تأثير هائل على حالة الطقس حيث قد تسبب فيضانات مهلكة في دول غرب أمريكا الجنوبية مثل التشيلي والبيرو بينما تنتج جفافا وحرائق في الأراضي الأسترالية والنيوزلندية. وبحكم أن هذه الظاهرة أصلا تحصل بسبب التغيرات الملحوظة في درجة حرارة مياه المحيط الهادي والتي تبلغ ذروتها في فصل الشتاء. فقد لاحظ صيادو الأسماك على سواحل البيرو أنه في بعض السنوات وفي فترة احتفالات عيد (الميلاد) تنخفض بحدة وفرة محصولهم من الأسماك ولهذا كانوا يسمون ذلك الموسم الشتوي الفقير بالصيد قرب زمن ولادة الطفل المسيح (بزعمهم) باسم (إلنينيو) وهي تعني باللغة الإسبانية الطفل أو النونو كما هو شائع لدينا.

وبالمناسبة عندما تفطن علماء المناخ إلى حقيقة وجود رابط وأسباب مشتركة بين ظواهر الطقس المتضادة عبر المحيط الهادئ توصلوا للتفكير السليم للعودة للوراء لتفسير العديد من الكوارث المناخية التي حدثت في التاريخ للدول المطلة على المحيط الهادي سواء في السواحل الغربية من الأمريكيتين أو دول جنوب شرق آسيا. ليس هذا وحسب، بل عموم ظاهرة (ألنينو) المناخية لتشمل تقلبات الطقس الحادة حول المحيط الهندي وبهذا تم الربط بين حالات الجفاف الحادة في دول القرن الإفريقي وبين موجات الفيضانات العاتية في جنوب شبة القارة الهندية. بالنسبة لي شخصياً شعرت بالكثير من الأم والحيرة في نهاية المرحلة الابتدائية عندما بدأت مظاهر الجفاف تغزو قريتي الصغيرة في مدينة الباحة عندما جفت عبر السنين جداول وبرك المياه. وتقريبا في نفس تلك الفترة (أي تقريبا بعد سنة 1983م) بدأنا نشاهد في نشرات الأخبار مأساة الجفاف والمجاعة المهلكة التي حدثت في إثيوبيا وبعدها بسنوات وصلتنا أخبار الفيضانات المدمرة التي كانت تتكرر على دولة بنجلاديش وما حولها.

واليوم نعرف تقريبا أن الجفاف النسبي الذي أصاب قرى بلاد غامد وجنوب المملكة مع المجاعات الإثيوبية والصومالية المتكررة بالإضافة لفيضانات بنجلادش يمكنها تفسيرها من خلال ظاهرة مناخية مشابه لظاهرة ألنينو ولذا بعضهم يسميها (ألنينو الهندي) فيما يفضل البعض إطلاق اسم أكثر رصانة علمية وهو: Indian Ocean Dipole (ثنائية قطب المحيط الهندي). والمعنى من ذلك أن التغير في درجات حرارة مياه المحيط الهندي تجعل الطرف (القطب) الشرقي منه مثلا أكثر حرارة بينما يكون الطرف (القطب) الغربي من المحيط الهندي أكثر برودة. وهذه الاستقطابية تسبب تحركات دائرية لتيارات مياه المحيط وبالتالي حركة الرياح والسحب مما يفرز في النهاية تجمع السحب الماطرة في القطب الساخن بينما في المقابل يحل الجفاف والحرائق والمجاعة بالدول الملامسة للقطب البارد.

وبالعودة إلى (الأجواء) التي نعيشها اليوم من موجات الجفاف والحرائق التي عمّت أغلب الدول الأوروبية خلال هذا الصيف وانخفاض مستويات مياه الأنهار لدرجة انكشاف ما يسمى أحجار الجوع أو السفن الغارقة في ضفاف الأنهار. بينما في المقابل كلنا صدمنا بالكوارث الطبيعية التي أصابت المنطقة العربية والإسلامية كما حصل مع الفيضانات غير المسبوقة التي شهدتها إمارات رأس الخيمة والشارقة والدوحة وأجزاء من إيران وأخيرا خلال هذا الأسبوع من الطوفان المائي المرعب الذي عانت من دولة باكستان.

وعليه هل ما نشاهده هذه الأيام من الأضداد والمتناقضات المناخية ما بين جفاف أوروبا وفيضانات آسيا له نوع ارتباط وتأثير مشترك. الإجابة صعبة وتحتاج إلى خبرة المختصين في علوم المناخ والأرصاد الجوية لأنه بصورة مبدئية لا يوجد (جسم مائي واسع) يربط بين أوروبا وآسيا فكما لاحظنا ظاهرة ألنينو الأصلية كانت تحدث حول المحيط الهادئ في حين أن ظاهرة ألنينو الهندي كانت مرتبطة بالطبع بالمحيط الهندي. ومع ذلك ينبغي ألا نغفل أنه الشيء الذي كان يربط بين القارة الأوروبية والقارة الآسيوية منذ فجر التاريخ هو التجارة عبر طريق الحرير في الزمن الغابر وبواسطة السفن التجارية في نهاية العصور الوسطى. وهذا يقودنا للحديث عن ظاهرة مناخية هامة تسمى (الرياح التجارية) التي كانت تساهم في حركة التجارة البحرية من خلال دفع السفن الشراعية التي تحمل البضائع ما بين قارات العالم القديم. في المحيط الهندي وبحر العرب ساعدت (الرياح الموسمية) قديما حركة السفن التجارية من جنوب الهند إلى السواحل الشرقية لإفريقيا. في حين إن ما تسمى (الرياح الشرقية) التي تهب عبر المحيط الأطلسي كانت تساعد في دفع السفن عبر الساحل الغربي لإفريقيا صعودا إلى الأطراف الجنوبية الغربية للقارة الأوروبية.  

لذا هل يصح التساؤل إن كان لهبوب وحركة الرياح دور أكثر من تدفقات التيارات البحرية في ربط مناخ أوروبا الجاف بمناخ آسيا الرطب. لو صح هذا الزعم المتفذلك مني فإنني أقترح أن تتم تسمية هذه الظاهرة المناخية المتخيلة باسم (ريح العجوز) والتي هي باللغة اللاتينية: vetus ventus فيتوس فينتوس. عندما اكتشفت ظاهرة (إل نينيو) كانت بالدرجة الأولى على سواحل (العالم الجديد) أي قارة أمريكا اللاتينية وبحكم أن كل وليد هو جديد ومن هنا ظهرت تسمية El nino أي الطفل باللغة الإسبانية أو ظاهرة La nina أي الطفلة باللغة الفرنسية. ونظرا لأن الظاهرة المناخية التي نشهد هديرها العاصف هذا الصيف هي ظاهرة معقد جاد لذا لا يصح أن نفسرها أنها نتيجة لعمل ولعب الأطفال. وبحكم إن القارة الأوروبية كما هو معلوم تسمى القارة العجوز ولأن الظاهرة المناخية قد يكون سببها رياح السموم الحارة المرتبطة بتلك القارة لذا جاء الاقتراح بذلك الاسم الكئيب (ريح العجوز) !!.

 تلوث البيئة فساد ومعصية

وفي نهاية المقال وبالعودة للحديث الجاد بعد تلك المعابثة والفذلكة أود أن أؤكد أن ظواهر موجات الجفاف أو كوارث الفيضانات بالرغم من تناقضها الظاهري إلا أنها قد تكون بالفعل مترابطة وهذا يقودنا للتذكير بالحديث النبوي الشريف الذي يقول (ما من عام بأكثر مطرا من عام، ولكن الله يصرفه بين خلقه). وهذا يدل على أن كمية الأمطار التي تهطل على سطح الأرض في كل عام ثابتة بالجملة، ولكن كمياتها تختلف من منطقة إلى أخرى حسب مشيئة الله سبحانه وتعالى. الجدير بالذكر أنه توجد قاعدة بيانات عالمية تسمى مشروع علم المناخ العالمي لهطول الأمطار (GPCP) يقوم بشكل شهري بنشر رصد كميات وتفاوت هطول الأمطار المسجلة من محطات رصد الأمطار والأقمار الصناعية في جميع أنحاء العالم. وما يهمنا هنا أن البيانات والأرقام المنشورة منذ عام 1979م حتى الآن تبين أن كلا من المتوسط اليومي لكميات هطول الأمطار في جميع أنحاء الأرض (2.69 mm) وكذلك المتوسط السنوي للأمطار (990 mm) قيمها ثابتة تقريبا خلال سنوات الرصد الطويلة تلك.

العلم الحديث يثبت صدق مقولة الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - في ثبات كمية هطول الأمطار في كل سنه وبقي أن نصدق مقولته عليه الصلاة والسلام في حديث الخصال الخمس التي نهى عنها وكان مما حذر منه أن عدم دفع الزكاة تكون عاقبته انقطاع المطر (ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء). والمعاصي والذنوب لها شؤم وعواقب وخيمة دينية ودنيوية وفي تكملة ذلك الحديث الشريف الصحيح (ولولا البهائم لم يمطروا). وفي حديث نبوي آخر يربط المطر بالذنوب والفساد: وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك (أي قطر الأمطار) إلى غيرهم، فإذا عصوا جميعاً صرف الله ذلك (أي المطر) إلى الفيافي والبحار. والمعاصي معروفة وغير بعيد عنها الفساد والإفساد في الأرض والتخريب والتلويث للطبيعة وفي الحديث الشريف مرة أخرى نجد أن الرسول الكريم يحذر صحابته وأمته بقوله: اتقوا اللعّانين قالوا: وما اللعّانان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم. وإذا كان التلوث البصري يستوجب اللعن فكيف بمعصية التلوث والفساد البيئي الذي يصيب ضرره الشجر والبشر.

بعد أيام قلائل وبالتحديد في يوم الأربعاء القادم تحل في السابع من شهر سبتمبر مناسبة اليوم الدولي لنقاوة الهواء وفي الأسبوع الذي بعده وفي يوم 16 سبتمبر يحل اليوم الدولي لحفظ طبقة الأوزون وعليه وفي ضوء ما شهدناه هذا الصيف من تقلبات مناخية صادمة يجب على الجميع التفكير بجدية أكثر باحتمالية خطر كارثة الاحتباس الحراري والفساد الذي أنتجته الثقافة الاستهلاكية واستنزاف الموارد الطبيعية والتوسع في الأنشطة الصناعية الملوثة للبيئة.

( العربان وخراب القصور والعمران )


د/ أحمد بن حامد الغامدي

 في كتاب (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) نجد خبرا طريفا لمؤلف ذلك الكتاب المشهور وهو المؤرخ الأندلسي المقري التلمساني عندما أورد قصيدة الشاعر عبد الجبار بن حمديس في وصف القصر الذي بناه المنصور بن أبي عامر وذكر في آخر بيت في تلك القصيدة كلمة (التدمير):

كم من قصورٍ للملوكِ تقدمت         واستوجبت بقصورك التأخيرا

فعمرتها وملكت كل رياسةٍ           منها ودمرت العدا تدميرا

وهنا علّق المقري بقوله (ولم أر لهذه القصيدة في لفظها ومعناها من نظير غير أن فيها عندي عيباً واحدا وهو ختمها بلفظ (التدمير)). لقد كانت وجهة نظر المقري الفنية والتشاؤمية في ذات الوقت أنه ليس من الملائم ذكر ألفاظ التدمير والخراب في آخر قصيدة تهدف لمدح حاكم وهو في حال سروره وتفاخره بقصره الجديد الفارهة فالملافظ سعد كما يقال.

صحيح أن الدنيا فانية ومصير كل ما (يعمره) الإنسان إلى (خراب) كما قال شاعر الزهد أبو العتاهية:

لِدوا للموتِ وابنوا للخرابِ        فكلكم يصيرُ إلى ذهابِ

 وصحيح أن من طبيعة الأشياء أن يصيبها التلف مع الزمن لكن ما نقصده هنا هو التخريب المقصود وذو الدوافع السياسية لطمس آثار وإعمار الدول والسلطات السابقة. وبما أننا استهللنا المقال بذكر الأندلس التي عُدت منها قبل أيام قليلة فلعل من المناسب التنويه أن ما يعرف بشعر (رثاء الأندلس) مثل قصائد أبي البقاء الرندي وابن خفاجة الأندلسي وابن دراج القسطلي وابن الأبار البلنسي في الفجيعة على سقوط المدن العربية بيد الجيوش المسيحية يوجد له نظير ومقابل لقصائد وشعر رثاء مدن الأندلس التي تم تخريبها بيد العرب وملوك الطوائف المتطاحنين. فمن ذلك ما ورد في كتاب نفح الطيب لقصيدة الشاعر الحكيم (كما وصفه المقري) عباس بن فرناس في رثاء مدينة طليطلة عندما خربها ودمّر قنطرتها وأغرق أهلها الأمير محمد بن عبد الرحمن خامس أمراء الدولة الأموية في الأندلس. وهذا الأمير سليمان المستعين بالله الحاكم الثاني عشر للدولة الأموية الأندلسية عندما خرّب ودمّر بدوره هو الآخر مدينة الزهراء رثاها أحد شعرا الأندلس بقوله:

ديارٌ بأكناف الملاعب تلمعُ            وما إن بها من ساكنٍ وهي بلقعُ

ينوح عليها الطيرُ من كل جانبٍ      فيصمتُ أحيانا وحينا يرجعُ

 بالمناسبة مدينة الزهراء الأندلسية القريبة من مدينة قرطبة كانت ذروة الإبداع ودرة حضارة العمران الإسلامي في وقتها ومع ذلك دمرت وخربت بالكامل لدرجة أنها ليس فقط اختفت من كتب التاريخ، بل إنها انطمرت وانطمست بالفعل تحت التراب ولم يُعاد اكتشافها و(التنقيب) عنها إلا في عام 1911ميلادي. لقد تم بناء مدينة الزهراء على يد الخليفة الأموي الأندلسي الأول (عبد الرحمن الثالث) ودمرت وهدمت على يد حفيده السابق الذكر سليمان المستعين بالله الخليفة الأموي الأندلسي الخامس. وقبل ذلك وفي المشرق العربي نجد أن ذروة الإبداع ودرة حضارة العمارة العباسية كانت مدينة (سرّ من رأى) التي بناها الخليفة المعتصم بالله وجعلها عاصمة البلاد ثم لما تولى ابنه المتوكل هجر تلك الدرة المعمارية وأنشأ مدينة المتوكلية. وبعد اغتيال الخليفة المتوكل ونشوب الصراع بين أبنائه الثلاثة تم هجر وتخريب مدينة سرّ من رأى بالكامل وتحولت من الجمال إلى القبح وتغير اسمها إلى ساء من رأى (سامراء). وكما دبّجت القصائد في رثاء المدن الأندلسية التي خربت على يد العرب أنفسهم نجد أن العديد من الشعراء نظموا القصائد في رثاء مدينة سامراء كما هو الحال مع شعراء بني العباس الشريف الرّضي وابن المعتزّ.

يقال إن التاريخ يعيد نفسه وهذا بالفعل ما حصل في عواصم الخلافة العباسية فقبل تلك الهوشة والنزاع والتخريب بين أبناء المتوكل حصل قبل ذلك النزاع المشهور بين أبناء هارون الرشيد والقتال الدامي بين جند الأمين وعسكر المأمون والذي تسبب في خراب مدينة بغداد لدرجة أنه رثى حالها الموحش والخراب الذي لحق بها العديد من الشعراء ومنهم الشاعر عمرو العتري وله أبيات مشهورة ذكرها ابن كثير في تاريخه:

من ذا أصابك يا بغداد بالعينِ          ألأم تكوني زمانا قرة العينِ

ألم يكن فيك قومٌ كان مسكنهم          وكان قربهم زينا من الزينِ

 والمقصود أن الخراب والدمار للديار والدار والقصور والأمصار هي من عادة العرب في أغلب نزاعاتهم وحروبهم الأهلية وفي هذا السياق نفهم شيئا من مقصود ومفهوم ابن خلدون عن العلاقة العكسية بين العرب والعمران. ومن ذلك مقولته الشهيرة (والشنيعة في نفس الوقت) من أن: العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب والسبب في ذلك أنهم أمةٌ وحشية .. وهذه الطبيعة منافية للعمران مناقضة له. ومن كثرة تحامل ابن خلدون على العرب وأهل البادية وذكر مثالبهم اتهم بالشعوبية والتعنصر ضد قومه وأهله وبما أننا في مساق ذكر العلاقة بين العربان والعمران فهذا موضوع آخر من كتاب مقدمة ابن خلدون حول موضوع العربان وخراب العمران: (وانظر إلى ما ملكوه وتغلّبوا عليه من الأوطان من لدن الخليقة كيف تقوّض عمرانه واقفرّ ساكنه وبُدّلت الأرض فيه غير الأرض، فاليمن قرارهم خرابٌ إلا قليلا من الأمصار وعراق العرب كذلك قد خَرِب عمرانه الذي كان للفرس أجمع والشام لهذا العهد كذلك، وإفريقية والمغرب لما جاز إليها بنو هلال وبنو سُليم.. عادت بسائطه خرابا كلها).

 مصير القصور العربية في قبضة العجم

لأغلب الشعوب والحضارات نجد أن المعالم العمرانية التي تبقى عبر الزمن هي أماكن العبادة المقدسة أو قصور الملوك والأباطرة الباذخة وفي الحضارة الإسلامية بقيت عبر الزمن المساجد القديمة التي لم تهدم بالرغم من توالي الدول والسلطات، والمسجد الأموي وقبة الصخرة بالقدس ومسجد أحمد بن طولون بالقاهرة خير شاهد على ذلك. بينما فيما يتعلق بالقصور ودور الحكم أغلبها تم تدميره ولم يبق منها إلا الآثار والأسماء كما هو حال قصور الأمويين المذكورة في كتب التاريخ (قصر عمرة وقصر المشتّي) وقصور العباسيين (قصر الأخيضر وقصر الخلد وقصر الرصافة).

وفيما يخص قصور العصر المملوكي تجدر الإشارة إلى أن هذا العصر الذي بدأ في عام 648 هـ واستمر لمدة ثلاثة قرون وخلال هذه الفترة تم حرفياً بناء أكثر من مئة قصر لسلاطين وقواد المماليك في مدينة القاهرة وحدها ومع الأسف كل هذا الإرث العمراني الإسلامي الضخم تلاشى بالكامل تقريبا اليوم. وفي المقابل نجد أنه في نفس ذلك التوقيت (وبالتحديد في عام 646 هـ) سيطر نصارى إسبانيا على مدينة إشبيلية واستولوا على قصر المعتمد بن عباد (قصر المُورّق) وغيره من القصور والدور ولا زالوا يحافظون عليها بصورة جدّية حتى اليوم بعد مرور ثمانية قرون بالتمام والكمال من ذلك الحدث الأليم. لقدت كنت في زيارة سياحية هذا الأسبوع لقصر المعتمد بن عباد في إشبيلية وهو تحفة معمارية أسطورية وأثناء ما كنت أتعجب من جمال فن العمارة الإسلامية الأندلسية كنت كذلك أعجب من حرص الإسبان على الحفاظ والاعتناء بالقصور الأندلسية مثل قصر المعتمد وقصر الحمراء في غرناطة (الذي زرته قبل ذلك بسنوات) وقصر عبد الرحمن الداخل في قرطبة وقصر الإمارة في طليطلة وقصر الجعفرية في سرقسطة وغيرها كثير.

وعلى ذكر مدينة طليطلة وسيطرة نصارى الإسبان عليها في نهاية القرن الخامس الهجري يمكن نفهم ولو بشكل عام لماذا اختلف سلوك العرب المخرب للقصور عن سلوك النصارى المحافظ على المكتسبات الحضارية والعمرانية من خصومهم وأعدائهم. في الواقع لقد كانت طليطلة أول دويلة من دويلات الطوائف الأندلسية تقع تحت حكم ملوك قشتالة ومباشرة بعد احتلال مدينة طليطلة قام حاكمها الجديد الفونسو السادس بتحويلها إلى عاصمة ملكة. وبحكم أن النصارى في تلك الفترة كانوا على درجة من التخلف العمراني فقد حرص ملوك النصارى المتتابعين على الاحتفاظ بمدينة طليطلة على وضعها الأصلي وعدم تخريبها على عادة ملوك العرب عندما يقومون على الأقل بتدمير الأسوار والتحصينات الدفاعية. ولقد شاهدت قبل أيام مدينة طليطلة وهي ما زالت تتزين ببواباتها الأندلسية الأصلية الفخمة وبسورها وجدرانها الضخمة وهي على حالها من الروعة والجمال والصيانة بعد مرور تسعة قرون من سقوط تلك الدرة الأندلسية. ويبدو أن هذه العادة والإرث من قبل ملوك قشتاله وليون في المحافظة على غنائمهم من القصور والحصون وحتى المساجد الإسلامية (بعد تحويلها إلى كنائس) انتقل عبر الزمن للملوك التالين فهذا الفونسو العاشر ملك قشتالة الملقب بالحكيم يجعل من مدينة طليطلة مركزا حضاريا أساسيا في حركة ترجمة الكتب العربية إلى اللغة اللاتينية فأجداده حافظوا على حجارة طليطلة بينما هو حافظ على حضارة طليطلة.

لا شك أن نصارى الإسبان تسببوا في جرائم شنيعة وأثيمة في القضاء على الإسلام وأهله وتصفيته بالكامل من الجزيرة الإيبيرية ومع ذلك كان من مكاسب السلوك البرجماتي النفعي المحض لملوك النصارى أنهم حافظوا على قصور العرب لكي نستطيع أن نزورها اليوم ونتعرف عن قرب مدى الجمال المذهل لفن العمارة الإسلامية وهو الأمر الذي لا يمكن فعله فيما يخص القصور العربية القديمة في بغداد ودمشق والقاهرة. ومن الغرائب أنه في مقابل الملوك العرب الذين يأنفون ويترفعون على الإقامة في قصور من سبقهم ولهذا يدمرونها نجد أن الأسرة الحاكمة الإسبانية تتمتع حتى اليوم بحق الإقامة في الطابق الثاني من قصر المعتمد بن عباد ولهذا أصبح قصر المُورّق أقدم قصر ملكي لا زال يستخدم في أوروبا. ومن الغرائب والغرائب جمة في حديث القصور العربية القديمة أنه لزيارة بقايا آثار أحد أقدم القصور العربية وهو قصر المشتى الذي بناه الخليفة الأموي الوليد بن يزيد في ضواحي مدينة عمان سنة 126 هـ، أنه لمشاهدة آثار هذا القصر الأفضل أن لا تسافر إلى الأردن بل أن تيمم شطر متحف مدينة برلين والتي تحتفظ بالواجهة الصخرية ذات النقوش المذهلة لهذا القصر !!. 

الثلاثاء، 23 أغسطس 2022

( المكسيك في الذاكرة العربية )


 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

 قبل عدة سنوات عندما زرت مع بعض الزملاء الكرام العاصمة الروسية موسكو كتبت مقالا خاصا حمل عنوان (موسكو في الذاكرة العربية) تم في مطلع ذلك المقال إجراء مقارنة بين عمق الذكريات العربية لمدينة باريس في مقابل ضحالة تلك الذكرى في حق مدينة موسكو. والمنطلق كان قائما على حقيقة أنه في فترة زمنية متقاربة في منتصف القرن التاسع عشر أرسل حاكم مصر الوالي محمد على باشا بعثات علمية إلى كلاً من باريس وموسكو ولكن شتان ما بين الجهتين في ندى الذاكرة وثراء التواصل. ففي حين لاقت رحلة وكتاب رفاعة (الطهطاوي) إلى باريس اهتماما فائقا نجد أن رحلة وكتاب عيّاد (الطنطاوي) إلى موسكو غشاها النسيان. ومع ضعف الذاكرة العربية عن موسكو مقارنة بباريس إلا أنه في ذلك المقال استطعت حشد أخبار الذكريات الروسية لعدد وافر من الرحالة العرب من مثل ابن فضلان ومحمود رشاد بك ومحمد العبودي أو من الشعراء مثل ميخائيل نعيمة ومحمود درويش وعبد الوهاب البياتي أو الأدباء مثل علي أحمد باكثير ويوسف القعيد ومحمد سعيد العريان وشوقي ضيف أو رموز الصحافة مثل أنيس منصور وأحمد بهاء الدين وغيرهم كثير.

وبحكم قيامي هذه الأيام بزيارة الديار المكسيكية استحسنت فكرة إعادة تجربة كتابة ذلك المقال مع تعديل العنوان والمحتوى لصبح عن (المكسيك بعيون عربية) وكذلك عن نبش أحافير الذاكرة العربية عن ذلك البلد الشاهق البعد والغارق في العزلة. عندما حصل الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث على جائزة نوبل في الأدب عام 1990م كان من أهم أعماله الأدبية التي ذكرتها الأكاديمية السويدية في منحه الجائزة، مجموعته الشعرية (متاهة العزلة) والتي تعرض فيها باث لمعاناة الشعب المكسيكي للعزلة وفقدان الهوية. بالجملة حتى عقود مضت كانت القارة الأمريكية الجنوبية (أمريكا اللاتينية) في عزلة عن بقية العالم ومن هنا استخدم الأديب الكبير غابرييل ماركيز (الحاصل على جائزة نوبل والذي عاش أغلب عمره في المكسيك ودفن فيها)، استخدم رمزية العزلة في عنوان روايته الأشهر: مائة عام من العزلة. وعليه لا غرابة ولا عجب أن نجد الذاكرة العربية (معزولة) عن هذا البلد الفريد ويضاف لذلك أنه نظرا للبعد الجغرافي الهائل للمكسيك عنا فلذا كما يقال: بعيد عن القلب بعيد عن العين ومن هنا شهادات (المكسيك بعيون عربية) كانت نادرة جدا.

الجميع يعلم الحركة الأدبية الفريدة التي أطلق عليها اسم (شعراء المهجر) وهم كوكبة من أبرز شعراء العربية في القرن العشرين الذين هاجروا للإقامة والحياة في العالم الجديد أي إلى (الأمريكيتين). وفي حين حظيت الولايات المتحدة بأهم شعراء المهجر وعلى رأسهم جبران خليل جبران وإيلياء أبو ماضي وميخائيل نعيمة وأمين الريحاني نجد أن (المهجر الجنوبي) أي القارة الأمريكية اللاتينية استوطنها الشعراء الأقل شهرة نسبيا من مثل رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وإلياس فرحات وزكي قنصل. وفي حين تجمّع أدباء المهجر الشمالي في (الرابطة القلمية) التي كان مقرها مدينة نيويورك نجد أن أدباء المهجر الجنوبي تحلقوا حول (العصبة الأندلسية) التي كان مقرها مدينة ساو باولو البرازيلية وكذلك (الرابطة الأدبية) ومقرها العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس. وهذا الشاعر السوري الكبير عمر أبو ريشة كان يعمل في السلك الدبلوماسي وتولى منصب السفير في عدد من دول أمريكا الجنوبية مثل البرازيل والأرجنتين والتشيلي لكنه لم يزر المكسيك. والمقصود أنه بالرغم من تعدد بلدان المهجر التي استقر بها أولئك الشعراء العرب المهاجرين إلى أمريكا وكندا والبرازيل والأرجنتين وفنزويلا وتشيلي وكولومبيا إلا أنه لا يوجد أي شاعر أو أديب معروف هاجر واستوطن البقاع المكسيكية وهذا يعزز أنها بالنسبة للأدب العربي هي (متاهة العزلة).

الاستثناء شبه الوحيد حصل فقط في السنوات القليلة الماضية وذلك عندما ظهر في المكسيك مهرجان أدبي يسمى (ملتقى المكسيك الدولي للشعر) تم من خلاله استضافة بعض الشعراء العرب كان من أشهرهم الشاعر السوري أدونيس بالإضافة للفيف من الشعراء العرب الأقل شهرة مثل الشاعر المصري أحمد الشهاوي والمغربي عبد اللطيف اللعبي الذي تم تتويجه في عام 2017 في ذلك المهرجان الشعري بالمكسيك بالجائزة الدولية للشعر. ومن جانب آخر حصل استثناء إضافي فيما يتعلق بأدب الرجل العربي المقيم في المسيك والمقصود أن بعض المقيمين في تلك الديار من ذوي الأصول العربية أصبح لهم حضور في المشهد الثقافي المكسيك نتيجة تأليفهم أعمال أدبية باللغة الإسبانية. ومن أهم من يستحق الإشارة هنا الشاعر ذي الأصول اللبنانية خيمي صغبيني التي تعتبر دوواينه واسعة الانتشار في أوساط الشباب المكسيكي وقبل عدة سنوات قام الشاعر اللبناني قيصر عفيف الذي أقام فترة في المكسيك بترجمة بعض القصائد المختارة من أشعار خيمي صغبيني.

وفيما يتعلق بالرواية الأدبية فلا وجود للأدباء العرب في المكسيك وإن كانت الشخصية العربية لها بعض الحضور في بعض الروايات المكتوبة باللغة المكسيكية ومن ذلك مثلا رواية (دون سيمون اللبناني) للكاتب المكسيك جييرمو دي أندا. بالمناسبة للعرب حضور لافت في أدب القارة الأمريكية الجنوبية لدرجة أنه ظهر كتاب كامل حمل عنوان (الشخصية العربية في روايات أمريكا اللاتينية) للباحث داود سلوم. وبحكم أن مشاهير كتاب أمريكا اللاتينية مثل الكولومبي غابرييل ماركيز والروائية التشيلية إيزابيل الليندي أقاموا أغلب سنواتهم الأدبية في المنفى المكسيك فهل الشخصيات العربية في رواية ماركيز (وقائع موت معلن) أو رواية الليندي (إيفالونا) كانت مستوحاة من عرب المكسيك أو من عرب بلدانهم الأصلية، هذا تساؤل يحتاج للبحث والتدقيق. من المشتهر أن أبرز رواية لغابرييل ماركيز وهي (مائة عام من العزلة) كتبها في الواقع أثناء إقامته في مدينة أكابولكو المكسيكية ولقد كان لزوجته مرسيدس بارشا قصة مشهورة في دعمه المادي والمعنوي أثناء كتابته لهذه الرواية الخالدة وبقي أن نقول إن السيدة بارشا هي في الواقعي عربية ومن أصول مصرية وهذا قد يفسر قدرة تلك الزوجة على حسن التدبير المالي.

 الرحالة العرب وشحن الذاكرة المكسيكية

في الواقع كما كان الحضور الأدبي في المكسيك يعاني من متاهة العزلة فكذلك كانت الديار المكسيكية حتى زمن قريب شبه معزولة عن الرحالة العرب فلم يصلها مشاهير الرحالة المعاصرين الذي جابوا الآفاق من مثل أمين الريحاني أو محمد كرد على أو أنيس منصور. صحيح أن لبعض العرب تواصلا قديما مع دول وشعوب القارة الأمريكية الجنوبية لكن في الأعم الغالب كان أولئك الرحالة من نصارى العرب. ومع ذلك من يطلع على مذكرات القسيس العراقي إلياس بن حنا الموصلي الذي طاف بدول أمريكا الجنوبية في نهاية القرن السابع عشر أو التاجر الأردني المسيحي خليل سماوي الذي زار أمريكا الجنوبية في بداية القرن العشرين، لا يكاد يجد إلا شذرات محدودة من ذكرياتهم عن المكسيك.

وهنا نصل للمرحلة المفصلية في تفعيل وتنشيط الذاكرة العربية حيال المكسيك ففي مطلع القرن الخامس عشر الهجري وبالتحديد في يوم السبت الواحد والعشرين من شهر ذي القعدة لعام 1401 هـ وصل عميد الرحالة العرب معالي الشيخ محمد بن ناصر العبودي رحمة الله إلى العاصمة المكسيكية. وبالرغم من أنه أقام بها لمدة خمسة أيام فقط إلا أنه وفي كتابه الماتع كالعادة (رحلات في أمريكا الوسطى) استعرض تفاصيل التفاصيل عن مشاهداته المطولة في هذه المدينة. وخلال 45 صفحة من ذلك الكتاب شحن الشيخ العبودي الذاكرة العربية بمعلومات ومشاهدات هامة عن المكسيك يمكن استخدامها كمرجع لتغير حالة الجالية الإسلامية في المكسيك خلال العقود الماضية. ففي حين لم يشر العبودي لوجود أي مسجد أو مركز إسلامي في تلك المدينة وقت زيارته لها نجد أنه تم افتتاح أول مركز إسلامي بها عام 1995م واليوم يوجد بها عدد من المساجد من أشهر مسجد محمد بن الوهاب لأهل السنة ومسجد أهل البيت للطائفة الشيعية.

وكما تزايد عدد المساجد والمراكز الإسلامية في المكسيك في السنوات العشر الأخير تزايد وبشكل واضح عدد الرحالة والسياح العرب والعديد منهم حرص على توثيق مشاهداتهم وذاكرتهم الجمعية في وسائل متعددة سواء في قنوات خاصة على اليوتيوب أو حسابات أخرى على وسائل التواصل الاجتماعي مثل السناب شات والإنستقرام. وما يهمنا هنا هو ذكر الوسائل الأكثر استمرارية في حفظ (الذاكرة العربية عن المكسيك) وهي تأليف الكتب الخاصة بما يسمى أدب الرحلات.  وأهم تجربة نذكرها هنا ما أنتجه الأديب والرحالة السوري المميز خليل النعيمي في كتابه (الصقر على الصبار: رحلات في أمريكا اللاتينية) وعنوان هذا الكتاب يعكس الأسطورة المكسيكية المأخوذة من حضارة الأزتيك ونجدها الآن مرسومة على علم دولة المكسيك: صقر يقف على نبتة صبار وهو يمسك بمنقاره ثعباناً. في عام 2017م أصدر الرحالة الكويتي الشاب عبدالكريم الشطي كتابا ثريا بالمعلومات التاريخية والجغرافية والمحشو بالعديد من الأبيات والاقتباسات الشعرية والأدبية وعنوان ذلك الكتاب (تسكع في أمريكيا اللاتينية). وبالرغم من أن ذكرياته ومشاهداته في المكسيك لم تكن ثرية بشكل واسع إلا أنه أطلق على المكسيك لقبل طريف (بلد من ذرة !!) وهو بهذا يشير إلى أكلات التاكو والتورتيلا الفريدة. ونختم ذكر كتب أدب الرحلات بالإشارة إلى كاتب (الرحلة البهية إلى بلدان أمريكا اللاتينية) للأديب والناقد والرحالة المغربي أحمد المديني وبالمناسبة هو قد حصل قريبا على جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة.

بقي أن أقول إنه لا يخفى على القارئ الكريم أن ما تم تسطيره هو عن الذاكرة العربية (الوافدة) على المكسيك وهي تلك التي الذاكرة المؤقتة التي كانت حصيلة تجربة بعض الأدباء والرحالة في الديار المكسيكية. ومع ذلك توجد تجربة ثرية جدا ومتواصلة عن الذاكرة العربية (المستوطنة) في المكسيك ونعني بها ذاكرة الجالية العربية المقيمة بشكل دائم في المكسيك. حسب توقعات المنظمة الدولية للهجرة فإن مجموع ما يسمى عرب المهجر Arab diaspora يزيد عن 13 مليون من المحتمل أن المكسيك لوحدها قد تحتوي حوالي مليون مهاجر عربي الغالبية العظمى منهم من المسيحيين من ذوي الأصول اللبنانية والسورية. ولبعض هؤلاء العرب المكسيكيين تأثير وحضور كبير في المجتمع المكسيكي مثل رجل الأعمال المكسيكي/اللبناني كارلوس سليم الذي صنفته مجلة فوربس الأمريكية عام 2013 كأغنى رجل في العالم بثروة بلغت حينها 73 مليار دولار.

وفيما يخص الوجود الإسلامي في المكسيك فهو حتى الآن ما زال ضعيفا وغير محسوس وإن كانت أعداد المسلمين في تزايد مستمر فمثلا قبل ثلاثين سنة كان أعداهم بالمئات فقط ويصلون في غرفة وفرتها لهم السفارة الباكستانية بينما هم اليوم بالآلاف وعدد كبير منهم هم من الذين اعتنقوا الإسلام ولله الحمد. على كل حال مدينة مكسيكو هي حاليا أكثر مدينة في العالم ازدحاما بالسكان حيث يتخطى عدد سكان العاصمة وضواحيها 22 مليون شخص ولهذا في هذا الموج المتلاطم من البشر يصعب جدا رصد أو التعرف على المسلمين من الملامح لدرجة أنني لم أشاهد أي امرأة محجبة وذلك لندرة أهل الإسلام في هذه البيئة المسيحية الكاثوليكية الجارفة.

 

الأربعاء، 17 أغسطس 2022

( أخلاق الفاتحين من إسبانيا إلى المكسيك )

 

د/ أحمد بن حامد الغامدي

ذائعة بشكل كبير تلك الشاهدة التاريخية النبيلة التي ذكرها المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه الهام (حضارة العرب) عندما ذكر بأنه (ما عرف التاريخ فاتحًا أرحم من العرب). لقد استحضرت هذه المقولة وأنا أستعد للسفر من مدينة برشلونة الإسبانية إلى العاصمة المكسيكية مكسيكو سيتي والسبب في ذلك توارد المقارنة التي تفرض نفسها في الطريقة التي فتح بها العرب أرض الأندلس بالمقارنة مع الهمجية والبربرية التي احتل بها الإسبان أرض المكسيك. بالطبع كان غوستاف لوبون يقصد بالذات فتح الجيوش الإسلامية للبلدان التي كانت تقع تحت حكم الرومان مثل بلاد الشام وأرض مصر ولهذا كانت المقارنة صارخة بين ظلم وتعسف الرومان وبين حسن تعامل العرب والمسلمين مع شعوب تلك المناطق. يقول غوستاف لوبون (كان يمكن أن يعمي فتح العرب الأول أبصارهم فيقترفون من المظالم ما يقترفه الفاتحون عادة وليسيئوا معاملة المغلوبين ويكرهوهم على اعتناق دينهم .. ورحمة العرب الفاتحين وتسامحهم كانا من أسباب اتساع فتوحهم واعتناق كثير من الأمم لدينهم ونظمهم ولغتهم).

وفي الحقيقة إن بعض قصص وأخبار الفتوحات الإسلامية لبعض البلدان مما تفخر به هذه الأمة فمن ذلك الرواية التي وردت في كتاب فتوح البلدان للبلاذري وساقها لاحق الشيخ الأديب على الطنطاوي بأسلوب شيق ومبدع في كتابه (قصص من التاريخ). وهي تلك القصة المعروفة عن فتح مدينة سمرقند وأن أهلها اشتكوا إلى قاضي عمر بن عبد العزير أن قتيبة بن مسلم احتل أرضهم دون أن يدعوهم إلى اعتناق الإسلام أو دفع الجزية ولهذا حكم القاضي بأن تخرج الجيوش الإسلامية من تلك المدينة لأنها خالفت السنة الشرعية في أدبيات القتال والجهاد. وقريبٌ من ذلك ما ذكره غوستاف لوبون من معاملة الصحابي الجليل أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه لأهل حمص (فقد ردَّ عليهم ما جباه منهم باسم الجزية عندما بلغته حشود الروم في اليرموك قائلاً: سكتنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم وغادر مدينتهم منسحباً بجيشه مما دعا أهل حمص للقول: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والضيم، ولندفع جند هرقل عن مدينة حمص مع عاملكم). ونفس هذه الحادثة المفخرة ذكرها المؤرخ الإنجليزي البارز توماس أرنولد في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) وفيه نقل نص الرسالة التي كتبها أهل حمص من المسيحيين إلى العرب عندما قالوا: يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم وإن كانوا على ديننا وأنتم أوفى لنا وأرأف بنا وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا ولكنهم غلبونا على أمرنا ومنازلنا.

تعاون نصارى الشام مع الجيوش الإسلامية وقبولهم لحكم المسلمين طمعاً في عدلهم وبغضهم لظلم وتعسف الرومان تكرر كذلك مع الأقباط في أرض مصر. وربما هذا يفسر السهولة النسبية التي استطاع بها الجيش المسلم قليل العدد (4000 جندي) من فتح الأراضي المصرية والتي توجد بها العديد من الحاميات الرومانية المدججة بالسلاح. بل يقال إن اقتحام المسلمين لبعض القلاع المحصنة تم بسبب تعاون الأقباط معهم في تسهيل الدخول لها ومن ذلك أنه عندما حاصر عمرو بن العاص مدينة الإسكندرية وعسكر بالجند حولها كان يصحبه بعض رؤساء الأقباط من المصريين. وينقل ساويرس بن المقفع الأسقف والمؤرخ القبطي الذي عاش في القرن الثالث الهجري في كتابه تاريخ بطاركة الكنيسة الإسكندرية القبطية أن البطريرك القبطي بنيامين الأول الملقب بابا الإسكندرية بعد فراره للصحراء متخفياً من الرومان لمدة 13 سنة وبعد تباشير الفتح الإسلامي لمصر كتب هذا البطريك لأتباعه يعلمهم أنه لا تكون للروم دولة في مصر ويأمرهم بتلقي عمرو بن العاص والخضوع له. وفي الوقت المعاصر نجد أن المؤرخ المصري والقمص أنطونيوس الأنطوني الذي كتب عن تاريخ أقباط مصر كتب يقول (وبالجملة فإن القبط نالوا في أيام عمرو بن العاص راحةً لم يروها منذ زمان).

وكما استقبل الأقباط في مصر جنود الجيش الإسلامي كمحررين وبموافقة (دينية) مسيحية نجد أن كتائب الفتح الإسلامي عند دخولها لأرض الأندلس تم استقبالهم كمحررين بموافقة (سياسية) مسيحية هذه المرة. قبل الفتح الإسلامي للأندلس بسنة واحدة أي في سنة 91هـ حصل تغير كبير في المشهد السياسي في نظام الحكم الإسباني وذلك عندما قام حاكم قرطبة المدعو لذريق بالانقلاب على ملك القوط غيطشة واغتصب الحكم. وبعد مقتل الملك وفرار أبنائه إلى شمال المغرب حصل تحالف بينهم وبين موسى بن نصير على أن يسهلوا له احتلال الديار الإسبانية بشرط التخلص من الطاغية لذريق. وخلال أشهر قليلة تم فتح معظم مدن جنوب الأندلس والغريب أنه كان للإسبان بعض التعاضد في هذه الفتوحات فتعاونوا مع المسلمين في حصار مدينة إستجة بينما كانت قرمونة مدينة صعبة ليس في الأندلس أحصن منها ولذا اتفق موسى بن نصير مع جماعة من القوط أن يفروا من أمام الجيش الإسلامي ويتوجهون للاحتماء بحصن قرمونة فإذا أدخلهم أهل المدينة يأتي لاحقا موسي بن نصير بخيله ويفتح له هؤلاء المتعاونون أبواب الحصن.

الإسبان وتدمير الحضارات الثلاث

وبالجملة بعد اكتمال الفتح الإسلامي للأندلس ضمن المسلمون لأهل البلاد الأصلية في إسبانيا حرية العبادة والتملك بل وتولي أعلى المناصب في المجتمع وهو ما سبق أن تمتع به نصارى الشام وأقباط مصر ولهذا أطلق الغربيون قبل العرب على الأندلس بأنها (واحة التسامح في أوروبا) وزمن حكم العرب لها بأنه العصر الذهبي لتعايش الأديان. للأسف كل ذاك البريق الأندلسي تبدّل وكان منطلق التغير من مدينة برشلونة التي تبين لي أثناء زيارتي لها أنه لا أثر على الإطلاق للوجود العربي بها. وبعد أن كانت برشلونة القاعدة المؤقتة للجيوش الإسلامية في القرن الثاني الهجري لمحاولة غزو وفتح فرنسا وإذا بها بعد عودتها للهيمنة المسيحية لتصبح عاصمة مملكة أرغون ومن ثمّ باتت هي قاعدة حروب القشتاليين لاسترداد Reconquista المدن والممالك العربية الواحدة بعد الأخرى.

أخلاق الفاتحين العرب سمحت ببقاء نصارى الشام وأقباط مصر ويهود فلسطين واليمن والمغرب منذ فجر الفتوحات الإسلامية وحتى الآن بينما شناعة التعصب الديني والعرقي لنصارى إسبانيا أفرزت المحو التام للوجود العربي والإسلامي في الأندلس من خلال محاكم التفتيش الشنيعة وكذلك بواسطة التنصير الإجباري للموريسكيين وأخيرا طردهم إلى خارج إسبانيا. وفي حين كانت مدينة غرناطة آخر معاقل الإسلام في الأندلس تسقط في الثاني من شهر يناير لعام 1492م تحت حكم فرديناند وإيزابيلا نجد هذا الملك والملكة يوفران الأموال والسفن للمغامر الإيطالي كولومبوس لكي يبحر في الثالث من شهر أغسطس من تلك السنة (1492م) لاكتشاف العالم الجديد في القارة الأمريكية. بالمناسبة صحيح أنه قبل حوالي ثلاث سنوات انتشرت موجه إسقاط تماثيل كولومبس التكريمية من عدد كبير من ساحات وحدائق المدن العالمية وإيقاف الاحتفال بما يسمى (يوم كولومبوس) وذلك نتيجة للمحاكمة التاريخية المتأخرة للجرائم التي قام بها كولومبوس والجنود الإسبان ضد السكان الأصليين في جزر أمريكا الوسطى. لكن شناعة التاريخ الأسود لكولومبوس في إبادة واسترقاق أهل الجزر الكاريبية لا تقارن على الإطلاق بالجرائم والفظائع التي اقترفها جنود الإسبان عند غزوهم للأراضي المكسيكية.

حصل ذلك بحوال ثلاثة عقود من سقوط غرناطة عندما نزل المغامر الإسباني (الكونكيستدور) هرنان كورتيس بيزارو على ساحل يوكاتان المكسيكي عام 1519م وفي واحدة من أغرب الأحداث في التاريخ حيث توجه ذلك المغامر الشاب برفقة 630 جنديا فقط وبعض الخيول لغزو عاصمة إمبراطورية الأزتيك أعظم وأضخم دولة في تاريخ القارة الأمريكية. في بداية الأمر لم يقابل الشعب المكسيكي الجنود الإسبان بالعداء لأنهم ظنوا أن بيزارو ذو الجلد الأبيض المختلف عنهم إنما هو تجسيد لأحد آلهة الأزتيك. وبسبب عدم معرفة أهل المكسيك لحيوان الحصان والعجلات والبنادق والمدافع استطاع ذلك العدد القليل من جنود الإسبان ليس فقط اقتحام عاصمة الأزتيك بل وكذلك أسر الإمبراطور المكسيكي مونتيزوما وقتله لاحقا ونهب وسرق ثروات مملكته. كان أحد الجنود الذين رافقوا بيزارو في غزو المكسيك هو الكونكيستدور برنال كاستيلو الذي زعم أنه شارك في 119 معركة ونشر شهادته في كتابا خاصا أصبح أحد أهم المراجع لوقائع جرائم الإسبان ضد شعب المكسيك. ومن ثنايا كتاب برنال كاستيلو وكذلك من شهادة الراهب الدومينيكي دي لاس كاساس الذي عاصر غزو المكسيك وألّف كتاب عن (تدمير جزر الهند) وأرسله للملك الإسباني فيليب الثاني، نعلم بعض أسرار الجرائم التي ارتكبها جنود الإسبان ضد السكان الأصليين. في الوقت الحالي تعتبر شخصية كورتيس بيزارو من الشخصيات الممقوتة جدا لدى الشعب المكسيك وقبل عقود طويلة تم منع إقامة تمثال له في إحدى المدن المكسيكية كما يحصل الآن من إزالة تماثيل كولومبوس.

وفي الختام نقول إنه كما أزال الإسبان أي أثر للدين الإسلامي واللغة العربية في الأندلس نجد أن القوة الغاشمة للجنود الإسبان تسببت في سنوات قليلة في تدمير عاصمة إمبراطورية الأزتيك والزوال النهائي والكامل من وجهة التاريخ لهذه الأمة العريقة في تاريخ الحضارات البشرية. تشير التقديرات التاريخية إلى أن عدد سكان حضارة الأزتيك عندما وصل لها الإسبان كان حوالي 15 مليون شخص كما أن عاصمتهم المسماة تينوتشتيتلان ربما كانت أكبر من أي مدينة أوروبية في ذلك التوقيت ومع ذلك تلاشت تلك الحضارة بسبب عنف وبربرية الجنود الإسبان المخربين.  لقد زرت أطلال أهرامات حضارة الأزتك في منطقة تيوتيهواكان التي تبعد حوالي 50 كيلومترا شمال شرق العاصمة مكسيكو ستي وبالرغم من أن تلك المنطقة قد تضررت واندثرت بالفعل قبل وصول الإسبان إلا أنني أجزم أنها لم تكن لتصبح أرض خراب بالكامل لولا تأثير الإسبان المدمر. الجدير بالذكر أن جنود الإسبان بعد وصولهم بسنوات قليلة عام 1519م إلى المكسيك ووصلوا كذلك عام 1528م إلى البيرو وتسببوا في الانهيار السريع والتام لحضارة شعب الإنكا المنتشرة في ذلك الزمن في البيرو والإكوادور وبوليفيا. صحيح أن حضارة شعب المايا أصابها الوهن والتدهور قبل وصول الإسبان إلى أراضي أمريكا الوسطى، ولكن في ضوء ما سبق ذكره ليس من المستغرب أن حضارة المايا تلاشت بالكامل بعد وصل الإسبان. والغريب أنه في نفس تلك الفترة تقريبا وبالتحديد في عام 1521م اجتاحت الجيوش الإسبانية جزر الفلبين وحولتها بالبطش والقتل من جزر ينتشر فيها الإسلام (اسم العاصمة مانيلا يقال إنه تحريف لعبارة: في أمان الله) إلى كيان مسيحي متعصب وتحول اسم البلاد إلى (الفلبين) نسبة إلى اسم ملك الإسبان فيليب الثاني.

من هذا وذاك من الأحق بالوصف أنه نشر دينه وحضارته ولغته بالسيف والقتل والتدمير !!